شهر على بدء سريان وقف النار في غزة... فهل تحسنت ظروف الحياة؟

أزمات لا تنتهي وخروقات لا تتوقف

أم فلسطينية تحمل طفلها أمام مبان مدمرة على طريق قريب من مخيم النصيرات بوسط قطاع غزة يوم الأحد (أ.ف.ب)
أم فلسطينية تحمل طفلها أمام مبان مدمرة على طريق قريب من مخيم النصيرات بوسط قطاع غزة يوم الأحد (أ.ف.ب)
TT

شهر على بدء سريان وقف النار في غزة... فهل تحسنت ظروف الحياة؟

أم فلسطينية تحمل طفلها أمام مبان مدمرة على طريق قريب من مخيم النصيرات بوسط قطاع غزة يوم الأحد (أ.ف.ب)
أم فلسطينية تحمل طفلها أمام مبان مدمرة على طريق قريب من مخيم النصيرات بوسط قطاع غزة يوم الأحد (أ.ف.ب)

مر شهر كامل على بدء سريان وقف إطلاق النار الأخير في قطاع غزة، وهدأ القصف نسبياً - وإن لم يتوقف - لكن التحديات المعيشية الصعبة لم تراوح مكانها، وظلت تتربص بأهالي القطاع من دون هوادة.

في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بدأ تنفيذ المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهاء الحرب، وفُتحت المعابر لإدخال المساعدات والبضائع التجارية وغيرها، وكان من المفترض أن تنفتح معها أبواب تحسن الأحوال أمام المواطن الفلسطيني الذي ذاق الجوع، وتجرّع العطش، وسحقه فقد الأهل وضياع الممتلكات.

يكابد الفلسطينيون الذين تدمرت بيوتهم في الحرب الإسرائيلية للعيش بخيام نصبت بين الأنقاض بوسط غزة يوم الأحد (د.ب.أ)

إلا أن أحوال السكان لم تتغير ولم تتحسن؛ مشاهد الجوع قائمة، وإن توفر النزر اليسير من السلع، ظلت الأسعار باهظة، وظل الحطب هو بديل الوقود المستخدم في الطهي.

ويقول البعض إن إسرائيل تسلك سبيلاً جديداً «لهندسة التجويع»، فتقلّص من إدخال المساعدات، في حين تسمح بدخول البضائع التجارية من بعض أصناف الخضار، والبضائع الترفيهية، مثل الشوكولاته والمكسرات وما إلى ذلك.

ويكاد يجمع سكان قطاع غزة على أن حالهم لم تتغير للأفضل منذ وقف إطلاق النار، وأن كثيراً من الأزمات ظل على حاله.

أزمة الماء

لا يزال أحمد الهسي (51 عاماً)، وهو من سكان مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، يضطر للوقوف في طابور طويل ليحصل على 20 لتراً يومياً من المياه الصالحة للشرب لعائلته المكونة من سبعة أفراد.

وبعيداً عن مياه الشرب، لا يزال الهسي وغيره من السكان يعانون للحصول على المياه المخصصة للاستخدام الآدمي اللازم للاغتسال وغسل الأواني. فكل ثلاثة أيام لا تتحصل الأسرة إلا على نحو 250 لتراً، وهي كمية بالكاد تكفي ليوم واحد في الوضع الطبيعي.

طفلان يحملان وعاءً به ماء بوسط غزة يوم الأحد (د.ب.أ)

وعانى السكان كثيراً خلال الحرب من عدم توفر المياه، الأمر الذي تسبب في انتشار الأمراض والأوبئة وغير ذلك.

يقول الهسي: «ما عشناه خلال فترة الحرب، لا يزال على ما هو عليه بعد توقفها. المعاناة لم تنتهِ، ويبدو أنها لن تنتهي ما دام لا يوجد طرف يلزم الاحتلال الإسرائيلي بتحسين ظروف حياتنا بشكل يتناسب مع واقعنا المؤلم».

وأضاف: «كل اللي بدنا إياه المياه الصالحة للشرب والاستخدام الآدمي، تعيد لنا شيئاً من حياتنا دون معاناة وتعب وإرهاق ودون الوقوف في طوابير طويلة من أجل الحصول عليها أو انتظار وصولها لأيام».

ولا يقتصر الأمر على الماء، وإن كان أهم مقومات الحياة، لكن الأزمات تمتد لتشمل تقريباً كل مناحي العيش.

الطهي على «الحطب»

على مدار عامي الحرب، فقد سكان القطاع القدرة على الحصول على الغاز بشكل طبيعي ومستدام، الأمر الذي دفعهم لاستخدام الحطب إما بشرائه من الحطابين، وإما من خلال اضطرار من لا يملك المال لقطع الأشجار أو الوصول للمنازل المدمرة والمتضررة لخلع ما تبقى من أخشاب فيها، وإيقاد النيران بغرض الطهي، أو لتدفئة المياه للاستحمام.

فلسطينية تحمل حطباً لإشعال النار في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وتقول رانيا رضوان (44 عاماً)، من سكان حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، إنها مثلها مثل الآلاف من سكان القطاع، تعيش من دون غاز للطهي، وتضطر لإعداد الطعام لأسرتها من خلال إيقاد الحطب أو «البرابيش»، وهي الخراطيم المقطعة أقساماً صغيرة.

وتقيم رانيا مع زوجها وخمسة من أبنائها، أصغرهم عمره 13 عاماً، في فصل بمدرسة تحولت إلى مركز لإيواء النازحين، بعدما دمر القصف منزلهم.

ومع نقص أسطوانات الغاز، باتت تباع في السوق السوداء، ووصل سعر الأسطوانة سعة الكيلوغرام الواحد 200 شيقل (نحو 62 دولاراً)، بينما كان يصل سعر الأنبوبة سعة 12 كيلوغراماً يبلغ 60 شيقلاً (ما يعادل 18 دولاراً) قبيل الحرب.

وأشارت في حديثها لـ«الشرق الأوسط» إلى عنائها وابنتها البكر البالغة من العمر 19 عاماً لإيقاد النار في الحطب، نظراً لرداءة النوعية المتوفرة في الأسواق، التي وصل سعر الكيلوغرام منها إلى خمسة شواقل، إلى جانب تسببه بكثير من المشاكل الصحية خصوصاً في الجهاز التنفسي، وما صاحب ذلك من أزمات مختلفة.

ومنعت إسرائيل طوال الحرب دخول أي كميات من الغاز والمحروقات المختلفة بشكل عام، فيما سمحت بإدخال كميات محدودة جداً في الهدنة الأولى بين يناير (كانون الثاني)، وحتى منتصف مارس (آذار) من العام الحالي، وسمحت بكميات أقل منذ وقف إطلاق النار الحالي.

أطفال فلسطينيون يجمعون الحطب لاستخدامه في الطهي وسط نقص الوقود بقرية جحر الديك شرق مخيم البريج وسط غزة (أ.ف.ب)

ويشتكي سكان القطاع من عدم انتظام عملية توزيع الغاز، حيث تشرف هيئة البترول على عملية تجهيز كشوفات السكان للحصول على ثمانية كيلوغرامات من الغاز مقابل دفع مبلغ 60 شيقلاً (ما يعادل 18 دولاراً)، فيما تنفي الجهات المسؤولة أنها تقف خلف أي عوائق، مؤكدةً أن إسرائيل تمنع إدخال الكميات يومياً أو بانتظام، وتتعمد إدخالها يوماً واحداً أو يومين في الأسبوع.

وتسببت هذه الأزمة في ارتفاع أسعار السولار من جديد بعدما انخفضت من 100 شيقل (30 دولاراً)، للتر الواحد إلى (نحو 8 دولارات)، قبل أن ترتفع مجدداً في الأيام الأخيرة بفعل التضييقات الإسرائيلية، ليصل سعر اللتر نحو 50 شيقلاً (15 دولاراً)، الأمر الذي أسهم في ارتفاع أسعار المواصلات من جديد، كما يقول الشاب وسيم حمدان (26 عاماً) من سكان مدينة غزة.

«رهائن للتجار»

قال حمدان في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «تعبنا من كثرة الأزمات المتلاحقة. كنا بنعتقد إنه لحظة ما بتوقف الحرب سيعود كل شيء على ما كان عليه، لكن للأسف أمور حياتية مفصلية ما زال يشوبها كثير من الأزمات التي لا تنتهي».

وقارن بين فترة الهدنة الأولى والهدنة الأخيرة، فقال إن الأولى كانت أفضل، وكان هناك انضباط أكبر في ضبط الأسعار ومحاسبة التجار وغيرهم، «لكن هذه الفترة، أشعر مثلي مثل الكثيرين من السكان، بأننا رهائن للتجار ولحساباتهم المالية، وهم من يتحكمون بحياتنا».

نازحون يهرولون صوب شاحنات تحمل مساعدات بوسط قطاع غزة قرب دير البلح يوم الأحد (أ.ف.ب)

وتقول الشابة سمر الميناوي، من سكان مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، إنها تتوجه يومياً إلى السوق، وتُفاجأ في كل مرة بأسعار مختلفة، وأحياناً باهظة، متهمةً بعض التجار بالتحكم في قوت المواطنين.

وتضيف: «في الحقيقة لم يتغير شيء على حياتنا سواء بوقف إطلاق النار أو دونه، وما يمكن أن نقول إنه تغير فعلاً هو دخول البضائع، لكن أسعار بعضها لا يزال كما كان في الحرب».

ويؤكد المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة باستمرار أن وزارة الاقتصاد الوطني وغيرها من الجهات المسؤولة تسعى إلى محاولة ضبط الأسواق والأسعار فيها، محملاً الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية عما يجري.

وأوضح أن إجمالي ما دخل إلى قطاع غزة من مساعدات منذ بدء سريان قرار وقف إطلاق النار بلغ 4453 شاحنة فقط من أصل 15600 شاحنة كان يفترض دخولها حتى مساء السادس من نوفمبر (تشرين الثاني)، وفق ما نصت عليه ترتيبات وقف إطلاق النار والتفاهمات الإنسانية المصاحبة له.

وذكر أن هذه الشاحنات تضمنت 31 شاحنة محملة بغاز الطهي، و84 شاحنة من مادة السولار المخصصة لتشغيل المخابز والمستشفيات والمولدات والقطاعات الحيوية.

وأشار إلى أن متوسط عدد الشاحنات التي تدخل يومياً منذ بدء تنفيذ وقف إطلاق النار بلغ 171 شاحنة فقط، من أصل 600 شاحنة يفترض دخولها يومياً وفق البروتوكول الإنساني، «ما يؤكد أن الاحتلال لا يزال يمارس سياسة الخنق والتجويع والضغط الإنساني والابتزاز السياسي بحق أكثر من 2.4 مليون فلسطيني في قطاع غزة».


مقالات ذات صلة

اجتماع تركي - عربي يطالب بوقف انتهاكات إسرائيل في غزة والأراضي الفلسطينية

شؤون إقليمية صورة تذكارية للوزراء والمسؤولين المشاركين في الاجتماع حول غزة على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي في جنوب تركيا السبت (الخارجية التركية)

اجتماع تركي - عربي يطالب بوقف انتهاكات إسرائيل في غزة والأراضي الفلسطينية

أكد وزراء ومسؤولون من تركيا، والسعودية، ومصر، والأردن، وقطر، والإمارات ضرورة وقف انتهاكات إسرائيل في غزة، والانتقال للمرحلة الثانية من خطة السلام

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
خاص مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

خاص ضغط قوي على «حماس» للموافقة على نزع سلاح غزة

تواجه حركة «حماس» أكبر حالة ضغط من الوسطاء وأطراف أخرى للموافقة على وثيقة «مجلس السلام» حتى ولو بشكل مبدئي، قبل التفاوض عليها بشأن خطة نزع سلاح الفصائل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه ترمب.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
المشرق العربي صورة بالقمر الاصطناعي لميناء غزة (أرشيفية - رويترز)

اجتماعات وزارية إسرائيلية سرية بضغط أميركي لبحث «رؤية غزة الجديدة»

أوعز رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعقد اجتماعَين سريَّين لكبار المسؤولين في وزارات عدة، بضغط أميركي؛ للتداول في مستقبل قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي فلسطيني يحمل جثمان فتى (12 عاماً) قُتل برصاص إسرائيلي خلال تشييعه خارج «مستشفى الشفاء» بمدينة غزة الجمعة (أ.ب)

فوضى واستقالات «ممنوعة» في «لجنة غزة»

علمت «الشرق الأوسط» من مصدرين مطلعين أن عضوين على الأقل في «اللجنة الوطنية» من سكان قطاع غزة، قدما استقالتَيهما لرئيس اللجنة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

نازحون لبنانيون يتريثون في العودة إلى منازلهم خشية انهيار الهدنة

رجل وطفله ينظران إلى أنقاض المنازل التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان (رويترز)
رجل وطفله ينظران إلى أنقاض المنازل التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان (رويترز)
TT

نازحون لبنانيون يتريثون في العودة إلى منازلهم خشية انهيار الهدنة

رجل وطفله ينظران إلى أنقاض المنازل التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان (رويترز)
رجل وطفله ينظران إلى أنقاض المنازل التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان (رويترز)

بعد سريان الهدنة بين إسرائيل و«حزب الله»، تفقدت سماح حجول منزلها في ضاحية بيروت الجنوبية، وأحضرت ثياباً صيفية لأطفالها قبل أن تعود إلى خيمة عند الواجهة البحرية للعاصمة، لعدم ثقتها باستمرار وقف إطلاق النار.

أمام الخيمة، تقول حجول، الأم لأربعة أطفال والنازحة من منطقة الليلكي، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «أخاف من العودة إلى منزلي؛ لأن الوضع لم يستقر بعد».

وتفقدت حجول منزلها في الضاحية التي تعرضت لدمار واسع جراء الغارات الإسرائيلية خلال الحرب التي استمرت أكثر من شهر. ووجدت أنه تعرّض لأضرار طفيفة جراء تحطم زجاج نوافذه، لكنها لم تبقَ فيه.

وتقول: «أذهب من أجل تحميم الأولاد وإحضار ثياب صيفية» مع ارتفاع درجات الحرارة في اليومين الأخيرين، «لكننا لا نشعر بالأمان لنعود».

وتضيف: «أخشى أن يحدث شيء في الليل ولا أتمكن من حمل أولادي والفرار بهم» على غرار ما فعلته بعد اندلاع الحرب في الثاني من مارس (آذار).

رجل يقود سيارته وهو يلوّح بعلامة النصر بعد دخول وقف إطلاق النار بين «حزب الله» وإسرائيل حيز التنفيذ (رويترز)

«ليس ثمة حل»

وبينما عاد الكثير من النازحين إلى مناطقهم بعد سريان الهدنة، منتصف ليل الخميس/ الجمعة، ينتظر آخرون يقيمون في خيام وسط بيروت انقضاء مهلة الأيام العشرة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لوقف النار، قبل حسم قرارهم.

وتشرح حجول: «سننتظر لنرى ما سيحصل... إذا تمّ تثبيت وقف إطلاق النار سنعود إلى منازلنا».

وتتوافد عائلات إلى الضاحية الجنوبية لتفقد منازلها وأخذ احتياجاتها. ولا تزال أحياء في عمق المنطقة شبه خالية، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية»، مع تفضيل سكان كثر التريث قبل العودة نهائياً.

بين هؤلاء حسن (29 عاماً) الذي تفقد السبت منزله، قبل أن يعود إلى مركز إيواء داخل مدرسة.

ويقول هذا الأب لطفل: «جئت لأتفقد المنزل وأحضر أغراضاً منه». ويضيف: «لا أستطيع البقاء؛ لأننا نخاف من أي توتر في ظل خرق الهدنة، ومع إعادة إقفال مضيق هرمز»، السبت، من إيران، التي سبق أن أعلنت أن الهدنة في لبنان كانت «جزءاً» من تفاهمات وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة.

ويتابع حسن الذي طلب عدم كشف هويته كاملة: «لا شيء يؤشر إلى أنه ثمة حل، نخاف إذا عدنا إلى الضاحية أن نخسر مكاننا في المدرسة التي نزحنا إليها».

«عدو غدار»

أسفرت الحرب خلال أكثر من ستة أسابيع عن مقتل نحو 2300 شخص، ونزوح أكثر من مليون، بحسب السلطات، خصوصاً من ضاحية بيروت ومن جنوب البلاد، وهما المنطقتان اللتان تعدان من معاقل «حزب الله».

وضاقت المدارس التي حولتها الحكومة إلى مراكز إيواء بعشرات الآلاف من النازحين، خصوصاً في بيروت ومحيطها.

وتفاقمت المخاوف، السبت، بعد تصريحات للقيادي في «حزب الله» محمود قماطي، دعا فيها النازحين إلى تفقد منازلهم والعودة بعدها إلى أماكن نزوحهم.

وقال خلال مؤتمر صحافي في الضاحية: «أدعو أهلنا ألا تستقروا حيث تذهبون إلى الجنوب أو تعودون إلى الضاحية... كونوا على حذر، الغدر الإسرائيلي متوقع في كل وقت، وهذه هدنة مؤقتة».

رجل نازح يقيم في خيمة بالعاصمة اللبنانية بيروت (أ.ب)

وتابع: «خذوا نفساً، واطمئنوا قليلاً، ولكن لا تتخلوا عن الأماكن التي لجأتم إليها حتى نطمئن تماماً للعودة»، مضيفاً: «سوف ندعوكم للعودة والاستقرار. أما الآن فللاطمئنان ثم المغادرة».

وأفادت «وكالة الصحافة الفرنسية» بزحمة سير صباحاً على الطريق من بيروت إلى الجنوب، مقابل زحمة معاكسة بعد الظهر من الجنوب باتجاه صيدا وبيروت.

ويتبادل «حزب الله» وإسرائيل اتهامات بخرق الهدنة. وتواصل القوات الإسرائيلية، وفق الإعلام المحلي وشهادات سكان، تنفيذ عمليات تدمير وتفجير لمنازل في عدد من القرى الحدودية. وأعلن الجيش الإسرائيلي، السبت، أنه قتل أفراد «خلية إرهابية» اقتربوا من قواته جنوباً.

نساء نازحات يتفقدن الأضرار التي لحقت بممتلكاتهن في ضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)

«يعودون بحذر»

وتأمل السلطات اللبنانية أن يتيح تثبيت وقف إطلاق النار انطلاق مفاوضات مع إسرائيل بوساطة أميركية، من شأنها أن توفر شروط عودة النازحين إلى بلداتهم، وانسحاب القوات الإسرائيلية من مناطق تقدمت إليها في جنوب لبنان.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، السبت، إقامة «خط أصفر» في جنوب لبنان، على غرار الخط الذي يفصل قواته عن مناطق سيطرة حركة «حماس» الفلسطينية في قطاع غزة، بعد يومين من تأكيد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن قواته ستبقى ضمن «منطقة أمنية بعمق 10 كيلومترات».

وفي جنوب لبنان، منذ الساعات الأولى لسريان الهدنة، عملت وحدات الجيش وبلديات ومنظمات محلية على المساهمة في فتح طرق وجسور أغلقتها الغارات.

وفي بلدة حناوية، يشير نائب رئيس البلدية مصطفى بزُّون إلى أبنية سكنية مدمرة ومحال متضررة جراء الغارات.

ويقول: «أول ما نقوم به هو أن نعيد الحياة مجدداً من خلال تأمين الخدمات كافة من اتصالات وفتح طرقات... حتى تعود الناس بأسرع وقت ممكن إلى حياتها الطبيعية».

ويضيف: «يعود الناس ولكن بحذر، لكننا نبني على أن تكون عودتهم دائمة، ربما ستغادر مؤقتاً، لكنها ستعود» لاحقاً.


إسرائيل تعلن قتل أفراد «خلية إرهابية» بجنوب لبنان رغم وقف النار

عربات تابعة للجيش الإسرائيلي على الجانب اللبناني من الحدود كما تظهر من الجليل الأعلى (إ.ب.أ)
عربات تابعة للجيش الإسرائيلي على الجانب اللبناني من الحدود كما تظهر من الجليل الأعلى (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تعلن قتل أفراد «خلية إرهابية» بجنوب لبنان رغم وقف النار

عربات تابعة للجيش الإسرائيلي على الجانب اللبناني من الحدود كما تظهر من الجليل الأعلى (إ.ب.أ)
عربات تابعة للجيش الإسرائيلي على الجانب اللبناني من الحدود كما تظهر من الجليل الأعلى (إ.ب.أ)

أعلن الجيش الإسرائيلي، السبت، أن سلاح الجو قتل أفراد «خلية إرهابية» في جنوب لبنان، رغم وقف إطلاق النار الساري مع «حزب الله».

وقال الجيش، في بيان، إن سلاح الجو شنّ غارة أسفرت عن «القضاء على خلية إرهابية كانت تعمل بالقرب من قواته في منطقة خط الدفاع الأمامي؛ وذلك لمنع تهديد مباشر على بلدات الشمال»، من دون أن يحدد عدد هؤلاء، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلن الجيش الإسرائيلي، في وقت سابق اليوم، أنه أقام خطأ أصفر فاصلاً في جنوب لبنان على غرار الخط الذي يفصل قواته عن المناطق التي تسيطر عليها حركة «حماس» في غزة، لافتاً إلى أنه استهدف مسلحين مشبوهين حاولوا الاقتراب من قواته على طول هذا الخط.

وقال الجيش: «خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة، رصدت قوات الجيش الإسرائيلي العاملة جنوب الخط الأصفر في جنوب لبنان إرهابيين انتهكوا اتفاق وقف إطلاق النار، واقتربوا من القوات من شمال الخط الأصفر، في صورة شكلت تهديداً مباشراً»، في إشارة أولى إلى هذا الخط منذ بدء تنفيذ وقف النار.

وأضاف: «مباشرة بعد الرصد، وبهدف القضاء على التهديد، هاجمت القوات الإرهابيين في عدة مناطق بجنوب لبنان»، مذكراً بأن الجيش مخوّل بالتحرك ضد التهديدات، رغم وقف إطلاق النار، ومشيراً أيضاً إلى «قصف مدفعي (إسرائيلي) دعماً للقوات البرية العاملة في المنطقة».

أشخاص يمرون وسط المنازل المدمرة جراء الضربات الإسرائيلية مع عودة النازحين إلى قراهم في جنوب لبنان إثر وقف إطلاق النار (رويترز)

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعلن، الخميس، دخول وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان حيّز التنفيذ، حيث كانت إسرائيل تخوض مجدداً حرباً مفتوحة ضد «حزب الله» المدعوم من إيران منذ الثاني من مارس (آذار) الماضي.

وأكد الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو موافقتهما على وقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام.

وقال الجيش الإسرائيلي، في بيانه، إنه يتحرك وفق توجيهات الحكومة، وإنه «مخوّل باتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن النفس في مواجهة التهديدات (...) كون عمليات الدفاع وتحييد التهديدات غير مقيّدة خلال فترة وقف إطلاق النار».

وكان ترمب كتب، الخميس، على منصته «تروث سوشيال»: «لن تقصف إسرائيل لبنان بعد الآن. تحظر عليها الولايات المتحدة ذلك. لقد طفح الكيل!».

وأسفرت الضربات الإسرائيلية في لبنان عن نحو 2300 قتيل منذ الثاني من مارس، بحسب وزارة الصحة اللبنانية.

وفي الجانب الإسرائيلي، أسفرت الحرب مع «حزب الله» عن ثلاثة قتلى داخل إسرائيل، إضافة إلى مقتل 13 جندياً في المعارك في جنوب لبنان.

وفي قطاع غزة، يُطلق اسم «الخط الأصفر» على خط الفصل بين المنطقة الخاضعة لسيطرة حركة «حماس» وتلك التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، والتي تمثل أكثر من 50 في المائة من مساحة القطاع، وذلك بعد إعادة انتشار القوات الإسرائيلية في إطار وقف إطلاق النار الساري منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.


مقتل جندي فرنسي في جنوب لبنان: ماكرون يتهم «حزب الله»

عدد من الجنود الفرنسيين في قوات الـ«يونيفيل» يقفون إثر بدء وقف إطلاق النار بالقرب من جسر القاسمية الذي تعرض لقصف إسرائيلي وهو يربط جنوب لبنان ببقية البلاد (رويترز)
عدد من الجنود الفرنسيين في قوات الـ«يونيفيل» يقفون إثر بدء وقف إطلاق النار بالقرب من جسر القاسمية الذي تعرض لقصف إسرائيلي وهو يربط جنوب لبنان ببقية البلاد (رويترز)
TT

مقتل جندي فرنسي في جنوب لبنان: ماكرون يتهم «حزب الله»

عدد من الجنود الفرنسيين في قوات الـ«يونيفيل» يقفون إثر بدء وقف إطلاق النار بالقرب من جسر القاسمية الذي تعرض لقصف إسرائيلي وهو يربط جنوب لبنان ببقية البلاد (رويترز)
عدد من الجنود الفرنسيين في قوات الـ«يونيفيل» يقفون إثر بدء وقف إطلاق النار بالقرب من جسر القاسمية الذي تعرض لقصف إسرائيلي وهو يربط جنوب لبنان ببقية البلاد (رويترز)

قُتل عسكري فرنسي، وجُرح 3 آخرون، السبت، في جنوب لبنان، في هجوم استهدف قوة حفظ السلام الدولية الـ«يونيفيل»، وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن «كل المؤشرات تفيد بأن المسؤولية تقع على عاتق «حزب الله»، بينما أدان المسؤولون في لبنان الحادث، وأعطوا توجيهاتهم إلى الأجهزة المختصة للتحقيق الفوري، وتحديد المسؤوليات.

وشدد ماكرون عبر منصة «إكس» على «ضرورة ضمان أمن القوات الدولية»، كما أعلن قصر الإليزيه أن ماكرون طالب، في اتصال مع رئيس الجمهورية اللبنانية ورئيس الحكومة، بـ«ضمان أمن» جنود «اليونيفيل» في لبنان.

إدانات لبنانية وتعهد بالمحاسبة

في المقابل، سارع المسؤولون اللبنانيون إلى إدانة الحادث والتشديد على ملاحقة المتورطين. وأدان الرئيس عون بشدة استهداف القوة الفرنسية التي تؤدي مهامها على الأراضي اللبنانية في خدمة السلم والاستقرار في منطقة انتشارها في الجنوب، منوهاً بتضحيات الجنود الدوليين، ومتمنياً الشفاء العاجل للجرحى.

وأكد الرئيس اللبناني خلال اتصال تلقاه من الرئيس ماكرون أن لبنان الذي يرفض رفضاً قاطعاً التعرض لـ«اليونيفيل»، مُلتزم بصون سلامة هذه القوات، وتأمين الظروف الملائمة لأداء مهامها، وأنه أصدر توجيهاته إلى الأجهزة المختصة للتحقيق الفوري في هذا الحادث، وتحديد المسؤوليات، مشدداً على أن لبنان لن يتهاون في ملاحقة المتورطين، وتقديمهم إلى العدالة.

وأوضح عون أن العسكري الفرنسي قُتل وجُرح عدد من رفاقه، بينما كانوا في مهمة في بلدة الغندورية الجنوبية، وذلك برصاص مسلحين في المنطقة.

بدوره، أدان رئيس مجلس النواب نبيه بري الاعتداء، مشيداً بـ«التضحيات التي بذلتها وتبذلها قوات (اليونيفيل) طيلة عقود، لا سيما الوحدة الفرنسية»، ومتوجهاً إلى عائلة الجندي الفقيد وعائلات زملائه بـ«أحر التعازي»، ومتمنياً للجرحى «الشفاء العاجل»، كما أجرى اتصالاً بقائد قوات الـ«يونيفيل» الجنرال ديوداتو أبنيارا، «معزياً ومطمئناً إلى الجرحى».

كذلك، استنكر رئيس الحكومة نواف سلام الاعتداء «بأشد العبارات»، مؤكداً أنه «أعطى تعليماته المشددة بإجراء التحقيق الفوري للكشف عن ملابسات هذا الاعتداء، ومحاسبة المرتكبين»، معتبراً أن «هذا المسلك غير المسؤول يلحق الأذى الكبير بلبنان وعلاقاته مع الدول الصديقة الداعمة له في العالم».

بدورها، استنكرت قيادة الجيش الحادثة التي جرت مع دورية من قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان - اليونيفيل في منطقة الغندورية - بنت جبيل، على أثر تبادل لإطلاق النار مع مسلحين؛ ما أدى إلى وقوع إصابات بين عناصر الدورية.

وأكدت في بيان لها «استمرار التنسيق الوثيق مع (اليونيفيل) خلال المرحلة الدقيقة الراهنة، كما يُجري الجيش التحقيق اللازم للوقوف على ملابسات الحادثة، وتوقيف المتورطين».

تفاصيل الهجوم وموقف «اليونيفيل»

من جهتها، دعت «اليونيفيل» السلطات اللبنانية إلى فتح تحقيق، مؤكدة ضرورة «تحديد هوية المتورطين بالهجوم المتعمد»، مشيرة إلى أن التقييم الأولي يفيد بأن إطلاق النار جاء من «جهات غير حكومية يُزعم أنها (حزب الله)».

وفي تفاصيل العملية، أعلنت وزيرة الجيوش الفرنسية كاترين فوتران أن الرقيب الأول فلوريان مونتوريو قُتل بعد تعرضه لـ«إصابة مباشرة بنيران سلاح خفيف»، موضحة أنه «كان في مهمة لفتح طريق نحو موقع تابع لـ(اليونيفيل) معزول منذ أيام بسبب المعارك في المنطقة، حين تعرّض لكمين من قبل مجموعة مسلحة على مسافة قريبة جداً»، لافتة إلى أن العسكري «متمرّس»، و«سبق أن شارك في عمليات عدة». وأضافت أن فرنسا «تنحني إجلالاً أمام رحيل أحد أبنائها بعدما وهب حياته لأجلها»، مقدّمة «تعازيها لشريكته وأبنائه وأقربائه ورفاق السلاح».

«حزب الله» ينفي

في المقابل، نفى «حزب الله» علاقته بالحادث، مؤكداً «عدم مسؤوليته عن الهجوم الذي حصل مع قوات (اليونيفيل) في منطقة الغندورية - بنت جبيل»، وداعياً إلى «توخي الحذر في إطلاق الأحكام والمسؤوليات بانتظار تحقيقات الجيش اللبناني لمعرفة ملابسات الحادثة بالكامل».

جنود حفظ السلام التابعون للأمم المتحدة من مختلف الوحدات الوطنية يسيرون خلال احتفال بمناسبة الذكرى السابعة والأربعين لتأسيس «يونيفيل» في مقر قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في بلدة الناقورة بجنوب لبنان 19 مارس 2025 (أ.ب)

كما شدد «حزب الله» على «استمرار التعاون بين الأهالي و(اليونيفيل) والجيش اللبناني»، مؤكداً «ضرورة التنسيق بين الجيش اللبناني واليونيفيل في تحركاتها سيّما في هذه الظروف الدقيقة». وفي هذا الإطار، قالت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن القوة الفرنسية دخلت البلدة من دون مرافقة مع الجيش اللبناني، وهو ما أثار امتعاض الموجودين في المنطقة، وأدى إلى إشكال بين الطرفين.