تعاون غريب بين السجناء والجيش الأميركي في غوانتنامو

عمار البلوشي في صورة تعود إلى عام 2022 (فريقه القانوني من خلال صحيفة نيويورك تايمز)
عمار البلوشي في صورة تعود إلى عام 2022 (فريقه القانوني من خلال صحيفة نيويورك تايمز)
TT

تعاون غريب بين السجناء والجيش الأميركي في غوانتنامو

عمار البلوشي في صورة تعود إلى عام 2022 (فريقه القانوني من خلال صحيفة نيويورك تايمز)
عمار البلوشي في صورة تعود إلى عام 2022 (فريقه القانوني من خلال صحيفة نيويورك تايمز)

في السنوات الأخيرة، ظهرت مجموعة غير متوقعة من الصور الفوتوغرافية لتقدّم للعالم لمحة نادرة عن السجن العسكري الأميركي في خليج غوانتنامو من الداخل.

في هذه الصور، يظهر رجال محتجزون منذ أكثر من عقدين من الزمن، وهم يقفون طوعاً أمام عدسات الجنود الأميركيين. بعضهم متهم بالتخطيط لهجمات 11 سبتمبر (أيلول)، بينما لم تُوجَّه لأي منهم تهم رسمية، وقد يُفرج عن بعضهم.

يرسل السجناء هذه الصور إلى عائلاتهم، في إطار تعاون مستمر منذ سنوات بين الجيش الأميركي واللجنة الدولية لـ«الصليب الأحمر».

يرتدي السجناء ملابس مدنية، وأحياناً تقليدية. بعضهم يبتسم، وآخرون يبدون أكثر جدية، لكن الغالبية تظهر بملامح هادئة. وقد وصف سجناء سابقون هذه الصور بأنها محاولة لطمأنة أحبائهم الذين لم يروهم منذ سنوات طويلة، وبعضهم كان يعتقد أنهم ماتوا.

يأتي ذلك في إطار برنامج يشرف عليه «الصليب الأحمر»، يتيح للمحتجزين في «الحرب على الإرهاب» التواصل مع عائلاتهم عبر رسائل وبطاقات تخضع لمراجعة السجن. وقد نصّت اتفاقيات جنيف، التي تنظّم قوانين الحرب، على هذه الحقوق. جميع السجناء الخمسة عشر في غوانتنامو استفادوا من البرنامج الذي بدأ السماح بالصور عام 2009.

عمار البلوشي في صورة تعود إلى عام 2025 (فريقه القانوني من خلال صحيفة نيويورك تايمز)

في إحدى الصور الحديثة، يظهر خالد شيخ محمد (المتهم بتدبير هجمات 11 سبتمبر التي أودت بحياة نحو 3000 شخص) مرتدياً ثوباً أبيض مكويّاً، ولحيته مصبوغة.

وفي صورة أخرى تعود إلى عام 2009، يظهر جالساً على سجادة صلاة ممسكاً بمسبحة، وكانت من أوائل صوره التي وصلت إلى العلن منذ أن نشرت وكالة الاستخبارات المركزية صورة له بعد اعتقاله عام 2003، حين بدا شعره أشعثاً وصدره عارياً بعد اقتياده من سريره.

تقدّم هذه المجموعة من الصور مشهداً منسقاً بعناية عن الحياة داخل مركز الاحتجاز البحري الذي احتجزت فيه الولايات المتحدة نحو 780 رجلاً وصبياً منذ عام 2002، في إطار «الحرب على الإرهاب». ولم يتبقّ اليوم سوى 15 سجيناً.

الغالبية العظمى من الذين احتجزوا هناك لم تُوجَّه إليهم أي تهم، وأُعيدوا إلى بلدانهم أو استقروا في دول أخرى.

يقرأ كتاباً في غرفة عامة للسجناء في غوانتنامو (نيويورك تايمز)

عندما بدأ برنامج «الصليب الأحمر» عام 2009، كان السجن يضم نحو 240 شخصاً. وبحسب إحصاءات «الصليب الأحمر»، فإن نحو 169 منهم التقطت لهم صور وأُرسلت لعائلاتهم.

كانت هذه الصور بمثابة «إثبات للحياة»؛ خصوصاً بالنسبة لأولئك الذين أمضوا سنوات في مواقع احتجاز سرّية تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية قبل نقلهم إلى غوانتنامو في سبتمبر (أيلول) 2006.

في إحدى الصور، يظهر عمار البلوشي (ابن أخت خالد شيخ محمد المتهم بالمشاركة في التخطيط لهجمات 11 سبتمبر) مرتدياً لباس السجن الأبيض الذي يرمز إلى تعاونه مع سجّانيه، ومعتمراً قبعة أفغانية. ويُعتقد أن هذه أول صورة له ضمن برنامج «الصليب الأحمر» في غوانتنامو.

أبو زبيدة في صورة تعود إلى عام 2024 (فريقه القانوني من خلال صحيفة نيويورك تايمز)

تعود الصورة إلى نحو عام 2009. وقد استخدم كوفية حمراء مربعة كخلفية، وجلس على سجادة صلاة ممسكاً بمسبحة، وهما من «الأغراض المريحة» المسموح بها عسكرياً. كانت لحيته آنذاك قد نمت بحرية، على عكس صورة سابقة سرّية له وهو عارٍ أثناء احتجازه في مراكز الـ«CIA».

وفي صور لاحقة، بدت لحيته وقد شابت، وهو يرتدي قميصاً فضفاضاً وسروالاً وقلنسوة «سِندية» تُمثل تراث عائلته البلوشية. هذه المرة كانت الخلفية بطانية خضراء سميكة مقاومة للتمزق، من النوع المستخدَم في أماكن الاحتجاز.

في البداية، كان ممثلو «الصليب الأحمر» هم من يلتقطون الصور. كانوا يجلبون ملابس تقليدية، إذا أراد السجناء ارتداءها بدلاً من زي السجن، وينصبون خلفيات مؤقتة في زنازين فارغة أو في ساحات الترفيه.

«الصليب الأحمر»، الذي يتولى إيصال الصور، لا يعتبرها ملكه، ولم ينشر أيّاً منها على الملأ. وكذلك الجيش الأميركي، الذي يراجع الصور بدقة قبل تسليمها للعائلات، خوفاً من وجود رسائل سرية أو مخاطر أمنية.

لكن أقارب السجناء ومحامي الدفاع عنهم سلّموا بعضها لوسائل الإعلام، كما استخدمها ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي.

أبو زبيدة في صورة تعود إلى عام 2024 (فريقه القانوني من خلال صحيفة نيويورك تايمز)

كما أن هذه الصور تملأ فراغاً بصرياً؛ فالجيش الأميركي لم يعد يسمح للصحافة بالدخول إلى السجن.

على مدى سنوات، سُمح للمصورين والصحافيين بزيارة المنشأة، وكانوا يلتقطون صوراً لا تُظهر وجوه السجناء، لكن وزارة الدفاع أوقفت هذه الزيارات عام 2019.

تقول ديبي كورنوال، وهي محامية حقوق مدنية سابقة ومصوّرة أصدرت كتاباً مصوراً بعنوان «مرحباً بكم في معسكر أميركا»: «تختلف قراءة هذه الصور بحسب مَن ينظر إليها. بالنسبة لعائلات السجناء، فهي مطمئنة وتبدّد المخاوف. أما بالنسبة للعامة، فهي توحي خطأً بأن المحتجزين يتمتعون بحرية الاختيار في غوانتنامو، بينما هم في واقع الأمر تحت السيطرة الكاملة للجيش».

مع تفشي جائحة «كورونا»، عندما توقفت زيارات «الصليب الأحمر» مؤقتاً، بدا مصوّرو الجيش يتولّون التقاط الصور.

وفي عام 2002، التقط مصورو الجيش أولى الصور الأيقونية للسجناء راكعين داخل أقفاص ويرتدون البزات البرتقالية، ووجوههم مغطاة. لاحقاً، أوكلت إليهم مهمة توثيق عمليات التغذية القسرية.

أما اليوم، فيلتقط هؤلاء المصورون الصور نفسها، لكن لأجل عائلات السجناء، مستخدمين الزنازين كاستوديوهات مؤقتة.

سفيان برهومي، الذي احتجز في غوانتنامو لمدة 20 عاماً دون محاكمة، وأُفرج عنه لاحقاً إلى الجزائر، قال إن السجناء «يحاولون الظهور بشكل قوي» في الصور.

وأضاف: «حتى التفاصيل الصغيرة (مثل أن يروكَ بملابس مدنية) تُعني الكثير لعائلتك. لكن العائلة لا تعرف كم تعاني فقط لأجل التقاط الصورة». وأوضح أن بعض الجلسات كانت تُجرى فيما السجناء مكبلون بالأغلال المخفية عند الكاحلين والمعاصم. ورفضت القيادة الجنوبية للجيش الأميركي، المسؤولة عن تشغيل السجن، إتاحة المصورين لإجراء مقابلات.

في إحدى الصور الملتقطة عام 2024، يبدو أبو زبيدة وكأنه خرج من مجلة يخت، لا من زنزانة. وكان يضع رقعة سوداء مزيفة على عينه تتدلى على عنقه مثل ربطة عنق.

أبو زبيدة، واسمه الحقيقي زين العابدين محمد حسين، لم يُوجَّه إليه أي اتهام رسمي.

وكانت أولى صوره قد التُقِطت قبل أن يُسمح له بارتداء الملابس المدنية داخل السجن، وهو امتياز أقرّه الجيش الأميركي تماشياً مع اتفاقيات جنيف للسجناء غير المدانين.

في يونيو (حزيران) 2024، التقطت له صورة وهو يرتدي ألواناً حمراء وبيضاء وزرقاء (تصادف أنها ألوان العلم الأميركي)، بحسب محاميه آنذاك.

أبو زبيدة كان أول مَن تعرّض للتعذيب بالإيهام بالغرق من قبل «وكالة الاستخبارات المركزية»، وأول سجين في برنامج الاعتقال السري الذي أنشأته إدارة بوش بعد هجمات 11 سبتمبر.

ورغم أنه لم يُتهم بالمشاركة في الهجمات، فإن لجنة الأمن القومي الأميركي اعتبرته «خطيراً جداً بحيث لا يمكن الإفراج عنه».

قالت كورنوال: «في صورته وهو يرتدي سترة بحرية داكنة، يمكن للمرء أن يتخيله يسير في الشارع بين الناس. لكن، كما يبدو، لن يحدث ذلك أبداً».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

حكم قضائي يسمح لموريتاني معتقل سابق في غوانتانامو بدخول ألمانيا

شمال افريقيا عناصر شرطة ألمانية (رويترز - أرشيفية)

حكم قضائي يسمح لموريتاني معتقل سابق في غوانتانامو بدخول ألمانيا

قضت محكمة ألمانية بالسماح للموريتاني محمدو ولد صلاحي الذي كان معتقلاً في غوانتانامو والذي جسدت هوليوود قصته في فيلم «الموريتاني»، بالدخول إلى ألمانيا مجدداً.

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا صورة أرشيفية غير مؤرخة قدّمتها «القيادة المركزية الأميركية» تظهر أبو زبيدة (أ.ب)

بريطانيا توافق على دفع «مبلغ ضخم» لتسوية دعوى أقامها معتقل في غوانتانامو

قال محامي أحد معتقلي خليج غوانتانامو، الاثنين، إن الحكومة البريطانية وافقت على دفع «مبلغ ضخم» لتسوية دعوى قضائية أقامها المعتقل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ مدخل محكمة «غوانتانامو» (أ.ب)

قضاة جدد في غوانتانامو يتسلمون قضية «أحداث 11 سبتمبر»

عادت القضية المرفوعة ضد الرجال المتهمين بالتخطيط لـ«هجمات 11 سبتمبر (أيلول)» الإرهابية عام 2001 إلى مسار العمل مدة وجيزة هذا الأسبوع.

كارول روزنبرغ (واشنطن)
الولايات المتحدة​ العقيد جوناثان فون انضم إلى سلاح مشاة البحرية قبل أحداث 11 سبتمبر (نيويورك تايمز)

اختيار ضابط سابق في مشاة البحرية لقيادة فرق الدفاع في غوانتانامو

اختير العقيد جوناثان فون، الذي انضم إلى سلاح مشاة البحرية قبل أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، مع عودة القضاة إلى خليج غوانتانامو. واختارت إدارة ترمب عقيداً في مشاة…

كارول روزنبرغ (واشنطن )
الولايات المتحدة​ برج مراقبة... البوابة الرئيسية للمعتقل الموجود بقاعدة غوانتانامو الأميركية في جزيرة كوبا يوم 16 أكتوبر 2018 (أ.ف.ب) p-circle

رفض طلب إدارة ترمب إسقاط دعوى تطعن على احتجاز مهاجرين في غوانتانامو

رفضت قاضية فيدرالية طلباً من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب برفض دعوى قضائية تطعن على احتجاز مهاجرين في القاعدة البحرية الأميركية بخليج غوانتانامو.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ترمب: حصار موانىء إيران «سيظل قائماً» في حال عدم التوصل إلى اتفاق

ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)
ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)
TT

ترمب: حصار موانىء إيران «سيظل قائماً» في حال عدم التوصل إلى اتفاق

ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)
ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أنه يعتزم مواصلة محاصرة الموانىء الإيرانية في حال عدم التوصل إلى اتفاق مع طهران، مشيرا إلى أنه قد لا يمدد وقف إطلاق النار بعد موعد انتهائه الأربعاء.

وقال ترمب للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية «اير فورس وان» في تعليق على مصير وقف إطلاق النار في حال عدم التوصل لاتفاق مع طهران «ربما لن أمدده»، مضيفا «لكن الحصار سيظل قائما».

وقد أعادت إيران فتح مضيق هرمز الجمعة إثر اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، رغم تهديد طهران بإغلاق هذا الممر المائي الحيوي مجددا في حال استمرار الحصار الأميركي.

وعند سؤال ترمب عن إمكانية التوصل إلى اتفاق، قال «أعتقد أن ذلك سيحدث».

ولا تزال ثمة خلافات جوهرية بين مطالب الولايات المتحدة وإيران اللتين فشلتا سابقا في التوصل إلى اتفاق خلال محادثات باكستان.

وأبلغ ترمب الصحافيين أنه «لن تُفرض رسوم» من جانب إيران على السفن العابرة لمضيق هرمز، وهو مطلب طرحته الجمهورية الإسلامية خلال مفاوضات سابقة.

وفي منشور على منصته «تروث سوشال»، قال ترمب إن الرئيس الصيني شي جينبينغ «سعيد للغاية» بإعادة فتح هذا الممر المائي الحيوي.

وأضاف «سيكون اجتماعنا في الصين مميزا، وربما تاريخيا»، في إشارة إلى القمة المزمع عقدها في بكين بين الرئيسين الأميركي والصيني في مايو (أيار).

كما شدد ترمب على أن واشنطن وطهران ستنقلان معا اليورانيوم المخصب المخزّن في إيران إلى الولايات المتحدة بموجب الخطة التي تعمل عليها واشنطن لإنهاء الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط).

وكانت وزارة الخارجية الإيرانية قد صرّحت سابقا بأن مخزونها من اليورانيوم لن يُنقل «إلى أي مكان».

اكس/سام - جك


الولايات المتحدة تمدد إعفاء النفط الروسي الموجود في عرض البحر من العقوبات

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

الولايات المتحدة تمدد إعفاء النفط الروسي الموجود في عرض البحر من العقوبات

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أصدرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إعفاء لمدة شهر يسمح ببيع النفط الروسي المحمل على متن ناقلات في عرض البحر، وذلك في إطار خطوة سابقة لتهدئة ارتفاع أسعار الطاقة.

ويأتي هذا الترخيص الصادر عن وزارة الخزانة الأميركية، بعد يومين من تصريح وزير الخزانة سكوت بيسنت بأن واشنطن لن تمدد الإعفاء.


انقسامات وضغوط داخلية ترافق توجّه ترمب نحو حسم حرب إيران

تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)
تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)
TT

انقسامات وضغوط داخلية ترافق توجّه ترمب نحو حسم حرب إيران

تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)
تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)

بالتوازي مع الحديث عن جولة ثانية من المفاوضات بين واشنطن وطهران، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن حرب إيران شارفت على الانتهاء، في تغيير لافت في مواقفه من لهجة التصعيد إلى التهدئة، ومن التهديد إلى الانفتاح على التسوية.

وفي الداخل الأميركي، تتصاعد الضغوط على الإدارة مع ارتفاع مستمر في الأسعار، وتململ جمهوري من حرب قد تتحول إلى عبء انتخابي مع اقتراب استحقاق نوفمبر (تشرين الثاني) للتجديد النصفي.

في المقابل، لا تزال الحشود العسكرية تتوجه إلى الشرق الأوسط مع إعلان «البنتاغون» عن إرسال الآلاف من القوات الإضافية هذا الأسبوع.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، التجاذبات الداخلية في الولايات المتحدة جراء حرب إيران، وما إذا كانت تؤثر على توجّه ترمب في استئناف الحرب أو التوصل إلى اتفاق مع إيران.

لبنان وإيران

مع إعلان ترمب عن التوصل إلى وقف إطلاق نار بين لبنان وإسرائيل، رحب أدولفو فرانكو مستشار السيناتور الجمهوري السابق جون ماكين والخبير الاستراتيجي الجمهوري، بهذا التطور ووصفه بالإيجابي للغاية، مشيراً إلى ارتباطه الوثيق بالملف الإيراني. وفسّر قائلاً إن وقف إطلاق النار شكّل نقطة خلافية مع إيران، التي تصر على أنه كان جزءاً من الاتفاق الأولي معها، على خلاف موقف الولايات المتحدة.

ترمب أعلن عن اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ويعتبر فرانكو أن هذا الإعلان من شأنه أن يزيل عقبة أمام استمرار المفاوضات مع طهران.

من ناحيته، يعتبر إيان راسل نائب المدير التنفيذي السابق للجنة الحملة الانتخابية الديمقراطية للكونغرس، أن أحد أسباب هذا الإعلان هو أن ترمب يواجه مشكلة حقيقية في الداخل الأميركي، ما سيدفعه للجوء إلى تسوية مع إيران. ويشير إلى أنه أصبح في موقف دفاعي بسبب ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية، وتأثير ذلك على استطلاعات الرأي، مضيفاً: «الرئيس يواجه مشكلة حقيقية في الوقت الحالي، والجمهوريون الذين يخوضون انتخابات نوفمبر يواجهون المشكلة ذاتها؛ لذا تبدو الإدارة في حالة يأس متزايد في محاولة للتوصل إلى حل لهذا الأمر».

وانعكس هذا القلق الجمهوري في تصويت مجلس النواب لتقييد صلاحيات ترمب في حرب إيران؛ إذ كانت النتيجة متقاربة جداً بفارق صوت واحد فقط تمكن من إفشال إقراره، على خلاف مجلس الشيوخ، حيث لا يزال الجمهوريون محافظين على وحدة صفهم.

وتنقل دانييلا تشيسلو، مراسلة الأمن القومي في موقع «بوليتيكو»، ما سمعته من آراء المشرّعين بهذا الخصوص، مشيرة إلى تقارب الأرقام في مجلس النواب. وقالت إن الديمقراطيين سيستمرون في محاولاتهم طرح هذه المشاريع للتصويت للضغط على الجمهوريين في الموسم الانتخابي، في حين يحرص الجمهوريون على عدم إغضاب ترمب في هذه المرحلة، ويدفعون نحو المزيد من الإحاطات من الإدارة التي لا تزال حتى الساعة مغلقة.

انقسامات حزبية

دافع فرانكو عن الموقف الجمهوري الداعم لسياسات ترمب تجاه إيران، مشدداً على أن التقارب في الأصوات طبيعي في قضايا من هذا النوع بسبب التركيبة الحالية في الكونغرس.

زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ جون ثون بالكونغرس يوم 14 أبريل 2026 (رويترز)

ويعتبر فرانكو أن تحرك الديمقراطيين في مساعيهم لتقييد صلاحيات ترمب هو سياسي بحت، مشيراً إلى أنه، حتى لو تم إقرار المشروع، يمكن لترمب استعمال حق النقض ضده. وفي رأي المحلل الجمهوري، فإن مشروع تفويض الحرب الذي أقره الكونغرس في عام 1973، والذي يعطي المجلس التشريعي صلاحية الإعلان عن الحرب، هو «غير قانوني ومخالف للدستور»، معرباً عن أمله في أن يسعى ترمب إلى اختباره في المحاكم الأميركية.

ويخفف فرانكو من وطأة حرب إيران على حظوظ الجمهوريين في الانتخابات النصفية، مشيراً إلى أن حزب الرئيس غالباً ما يخسر الأغلبية في مجلس النواب بغض النظر عن القضايا المطروحة.

كما خفّف من شأن ارتفاع الأسعار، وقال: «أنا أختلف تماماً مع هذه المقاربة، لو كان هذا هو التحليل في الحرب العالمية الثانية، لما خضنا الحرب. إيران تشكل تهديداً وجودياً للمنطقة وللعالم. إنها دولة إرهابية لا يمكننا تحمل امتلاكها سلاحاً نووياً».

ورداً على انتقادات الديمقراطيين، ذكر فرانكو أن سعر البنزين في عهد إدارة بايدن وصل إلى مستويات عالية بسبب حرب أوكرانيا، مضيفاً: «كانت إدارة بايدن تدعو الأميركيين إلى التحمل بسبب حرب أوكرانيا. والوضع نفسه ينطبق الآن على الجمهوريين. لكن الفارق هو أن الشعب الأميركي يدرك أن إيران تشكل تهديداً لأمن هذا البلد».

ترتفع أسعار البنزين في أميركا جراء حرب إيران (رويترز)

تصريحات أثارت استياء راسل، الذي أعرب عن أمله في أن يردد الجمهوريون مواقف فرانكو في انتخابات التجديد النصفي، معتبراً أن الشعب الأميركي سيستجيب بشكل سلبي للغاية لهذه الرسالة. ويضيف: «الجمهوريون في وضع حرج بالفعل مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. وما فعله ترمب هو أنه عقّد فرصهم في الفوز. فهو ركز في حملته الانتخابية على خفض التكاليف. لكن بدلاً من ذلك، ارتفعت التكاليف. كما لم يحاول إقناع الشعب الأميركي بضرورة خوض هذه الحرب».

واعتبر راسل أن الحرب ستتسبب في «كارثة سياسية للمرشحين الجمهوريين في جميع أنحاء البلاد». وتوقع أن يبرم ترمب اتفاقاً مشابهاً لذلك الذي أبرمته إدارة باراك أوباما مع إيران، مضيفاً: «لقد أدرك الإيرانيون أنه بإمكانهم فرض رسوم عبور على مضيق هرمز. وقد نكون في وضع أسوأ مما كنا عليه في عام 2016 بعد أن أبرم أوباما الاتفاق النووي مع إيران. إنها كارثة سياسية كاملة بالنسبة لترمب والجمهوريين، وأخشى أن الأسوأ لم يأتِ بعد».

ترمب يتحدث عن سياساته الضريبية في نيفادا يوم 16 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وتسلط تشيسلو الضوء على ما تسمعه من بعض النشطاء الجمهوريين، مشيرة إلى أنهم يشعرون بالقلق من الانتخابات، وتنقل عنهم: «لقد قال أحد النشطاء لزملائي إن كل شيء أصبح أكثر صعوبة بسبب القرارات الصادرة من البيت الأبيض، على حد تعبيره. إنهم يشعرون أنه في الوقت الذي يريدون فيه أن يركز الرئيس على مسألة القدرة على تحمل التكاليف، فإنه يشتت انتباهه بالحرب في إيران».

وأعطت مثالاً على ذلك قائلة إن الخامس عشر من أبريل (نيسان) كان يوم الضرائب في أميركا، وهو يوم كان من المفترض أن يعكس انتصاراً سياسياً كبيراً للجمهوريين الذين أقروا تخفيضات كبيرة في الضرائب، لكن الناس لا يشعرون بتخفيف العبء؛ لأن أسعار البنزين ترتفع. وتضيف: «يشهد المزارعون ارتفاعاً في أسعار الأسمدة والديزل. هذه فئة من الناخبين كانت داعمة جداً للرئيس. وأعتقد أن الاستراتيجيين الجمهوريين يشعرون بقلق أكبر قليلاً مما قد نسمعه من الجمهوريين، مثل زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ جون ثون، الذي يتحدث بثقة كبيرة داعماً لتحركات الرئيس». لكن فرانكو يعارض هذا التقييم، ويرفض استطلاعات الرأي التي تظهر أن أغلبية الأميركيين يعارضون الحرب، مشيراً إلى أن «موسم الحرب لم ينتهِ بعد». ويقول: «بمجرد أن تنتهي هذه الحرب، وأعتقد أنها ستنتهي لصالح الولايات المتحدة وسنحقق أهدافنا، أعتقد أن شعبية الرئيس سترتفع بشكل كبير، وستبدأ الأسعار في الانخفاض بسرعة. أنا أتفق أنه من الصعب دائماً إقناع الناس بضرورة شد أحزمتهم. لكن الأمر يتعلق بكيفية انتهاء هذا الصراع في النهاية، وأعتقد أن الناس يرون الفرق بين القوة والضعف. وما نراه الآن هو اختلاف كبير مع سياسات الديمقراطيين الكارثية الاستسلامية والانهزامية».

استراتيجية ديمقراطية

أما راسل فيعتبر أن ما يراه الشعب الأميركي مختلف عما يصوره فرانكو. ويقول إن «أحد الأسباب التي تجعل هذه الأزمة كارثة سياسية كبرى بالنسبة لترمب، هو أن الشعب الأميركي يقول إن الأموال تتوفر بوفرة عندما يريد الجنرالات والسياسيون خوض حرب، ولكن عندما يتعلق الأمر بتوفير الرعاية الصحية أو بناء البنية التحتية أو تنمية بلدنا ورعاية شعبنا، فإن ترمب نفسه قال إننا لا نستطيع توفير حضانات للأطفال وتوفير الرعاية الصحية لأن لدينا حرباً نخوضها. الشعب الأميركي لم يوافق على هذه الصفقة، ولن يقبل بذلك. ولهذا السبب، سيُطرد الجمهوريون من مناصبهم في نوفمبر».

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر بالكونغرس يوم 14 أبريل 2026 (أ.ب)

تصريحات أثارت غضب فرانكو الذي توجّه إلى راسل بالحديث قائلاً: «لن تقلق بشأن الرعاية الصحية أو سوق الأسهم أو الاقتصاد إذا أطلقت إيران قنبلة نووية على الولايات المتحدة. مشكلة الحزب الديمقراطي هي أنه يدعم فلسفة الأربعينيات، التي انتظرت حتى ضربة في بيرل هاربور. ربما ينجح ذلك في الحرب التقليدية وعدم شن ضربة استباقية، لكنه لا ينجح في عالم اليوم. لن نضطر إلى القلق بشأن اقتصادنا إذا طورت إيران سلاحاً نووياً؛ سنضطر إلى القلق بشأن بقائنا. وهذا هو ما يُعتبر قصر نظر. كان قصر نظر في الثلاثينيات عندما كان أمثالهم في السلطة ووقع هجوم بيرل هاربور، وهو قصر نظر اليوم».

تراجع الدعم الحزبي لإسرائيل

وفي ظل هذه الاتهامات المتبادلة، تتحدث تشيسلو عن تغيير لافت في المشهد السياسي الأميركي. وتعطي مثالاً على ذلك بتصويت مجلس الشيوخ على تقييد الأسلحة الأميركية لإسرائيل الذي طرحه السيناتور التقدمي بيرني ساندرز.

السيناتور التقدمي بيرني ساندرز في تجمع للنقابات العمالية بنيويورك يوم 14 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

فرغم إسقاط المشروع، فإنه حصد دعم 40 ديمقراطياً من أصل 47، وهو يُعدّ سابقة في الكونغرس الذي لطالما دعم الحزبان فيه إسرائيل. وأضافت: «ما نراه الآن هو أن إسرائيل ستظهر مراراً وتكراراً كقضية حاسمة للغاية بالنسبة للديمقراطيين في الانتخابات النصفية، وستشكل نوعاً من الاختبار الحاسم لمعرفة مَن في الحزب مستعد لاتخاذ موقف أكثر تقدمية، وأكثر يسارية، وانتقادي تجاه إسرائيل، ومَن سيبقى متمسكاً بالموقف الأكثر اعتدالاً للحزب، الذي، مثل الجمهوريين، ظل على مدى عقود متحالفاً مع إسرائيل».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مؤتمر صحافي بالقدس يوم 19 مارس 2026 (أ.ف.ب)

ويلوم راسل رئيسَ الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وسياساته على جعل إسرائيل قضية حزبية، بعد أن كانت قضية يُجمع عليها الحزبان. ويضيف: «لقد كانت إسرائيل وأمنها يعلوان على السياسة الحزبية، لكن نتنياهو غيّر ذلك. إذا نظرتم إلى التصويت في مجلس الشيوخ، فإن أي ديمقراطي في المجلس يفكر بجدية في الترشح للرئاسة صوّت لصالح مشروع ساندرز. وهذا يعكس موقف الناخبين وموقف الديمقراطيين. فهناك شعور أن إسرائيل تحصل على كل ما تطلبه من الولايات المتحدة. وحقيقة الأمر أن ترمب حقق حلم نتنياهو المحموم بضرب إيران، والشعب الأميركي يدفع ثمناً باهظاً لذلك».