«فريز لندن»... منصات فنية عالمية ومبيعات بالملايين

تشارك فيه 45 دولة... وحضور عربي ملحوظ

من إحدى قاعات المعرض ضمن المهرجان
من إحدى قاعات المعرض ضمن المهرجان
TT

«فريز لندن»... منصات فنية عالمية ومبيعات بالملايين

من إحدى قاعات المعرض ضمن المهرجان
من إحدى قاعات المعرض ضمن المهرجان

في قلب حديقة ريجنت بلندن، وبين خيام بيضاء فسيحة تضج بالحركة، يصطف الزوار أمام لوحات ضخمة وأعمال تركيبية مذهلة، يتبادلون الآراء، ويلتقطون الصور، ويتابعون عروض الأداء المباشر. هذا ليس متحفاً، بل هو (Art Fair Frieze) «مهرجان فريز للفن»، الذي يعيد تعريف تجربة الاستمتاع بالفن كل خريف. وهو يعدّ أحد أهم الأحداث الثقافية في العاصمة البريطانية، وحدثاً فنياً سنوياً يجمع بين الإبداع الفني والحضور الدولي. فمنذ انطلاقته عام 2003، تحوّل «Frieze» إلى ما هو أكثر من مجرد معرض؛ إنه ظاهرة ثقافية وتجارية تسلط الضوء على أحدث ملامح الفن المعاصر، وتثير نقاشات حول العلاقة بين الفن والسوق، والجمال والربح، وجدوى الاقتناء من عدمه للأشخاص والمؤسسات. يشارك في المهرجان أكثر من 280 غاليري تمثل 45 دولة، ويُعرَض فيها آلاف الأعمال الفنية، وتُعقَد صفقات بيع بملايين الجنيهات. وأطلق هذا المهرجان كل من أماندا شارب، وهي ناشرة ورائدة أعمال فنية، وماثيو سلوتوفر، وهو ناشر ورائد أعمال بريطاني، وجمع الاثنان بين الحس الإبداعي التجاري، ونجحا في تأسيس نموذج يحتذى به في كيفية بناء منصات فنية عالمية التأثير. وهما الآن من أبرز الشخصيات المؤثرة في عالم الفن المعاصر، وقد أسسا معاً مجلة «Frieze» المتخصصة في الفن والثقافة المعاصرة عام 1991. وأصبحت المجلة بمثابة منصة فكرية جمعت بين النقد الفني والحوار الثقافي، ولاقت نجاحاً واسعاً في الأوساط الفنية. مهّد هذا النجاح لاحقاً الطريق أمام الثنائي لإطلاق «مهرجان فريز للفن» (Frieze Art Fair) في عام 2003، في حديقة ريغنت بلندن. وجاءت فكرة المهرجان من استخدام فضاء واسع يعرض الفن المعاصر بأسلوب حداثي، يجمع بين صالات العرض العالمية والفنانين والجمهور في حدث سنوي، أصبح اليوم من بين الأهم على مستوى العالم في مجال الفنون البصرية.

يقام المهرجان سنوياً في شهر أكتوبر (تشرين الأول) داخل حديقة ريغنت، ويضم أقساماً عدة، أبرزها Frieze London الذي يركّز على الأعمال المعاصرة لفنانين أحياء، وFrieze Masters الذي يُعنى بالأعمال التاريخية التي تعود لما قبل عام 2000. من أهم أهداف مهرجان فريز تسليط الضوء على أبرز الاتجاهات في الفن المعاصر، وتوفير مساحة للحوار والتفاعل بين الفنانين والجمهور والمؤسسات الفنية. ويوفّر المهرجان كذلك منصة فريدة لاكتشاف أسماء ومواهب جديدة في الساحة الفنية العالمية إلى جانب عرض أعمال لأسماء راسخة. ولا يقتصر دوره على العرض فقط، بل يشمل برامج موازية مثل الندوات والمحاضرات والعروض الأدائية؛ ما يجعله حدثاً غنياً بالتجارب الثقافية والمعرفية. وبفضل مكانته المرموقة، يُعدّ «فريز» مؤشراً مهماً لاتجاهات سوق الفن العالمي، حيث تعقد خلاله صفقات بملايين الجنيهات؛ ما يجعله حلقة وصل حيوية بين مبدع الفن والإنتاج الثقافي من جهة، والتجارة والاستثمار من جهة أخرى.

من أعمال الفنانة الأردنية منى السعودية

أبرز صالات العروض

بين أروقة المهرجان السنوي الذي يجمع تجارب الفنّ المعاصر بالتجارب والأعمال الرائدة، دبّت الحركة في أجنحة عدد من صالات العرض التي تُعدّ من القلاع الفنية العالمية. على سبيل المثال، شارك غاليري David Zwirner، بأعمال نحتية جديدة للفنانة الباكستانية هوما بهابها Huma Bhabha، ولوحات معاصرة لفنانين، مثل كريس أوفيلي والكولومبي أوسكار موريو والفنانة بورشا زفافاهيرا من زمبابوي. قدم هذا الغاليري بوصفه من أبرز صالات العرض في مجال الفن المعاصر، عرضاً يُعبّر عن مزاوجة الإعلام الفني؛ بين التجديد والرصانة، وبين السوق والاختبار الجمالي.

كما عرض غاليري «بيبي هولدزورث» ومقرّه لندن، أعمالاً غير معروضة سابقاً لفنانين، مثل الفنانة البريطانية كيتي موران والبرازيلية صوفيا لويب، مع تركيز خاصّ على الموضوعات الطبيعية والذاكرة المشتركة وموقع الإنسان في محيطه. كما شهدت منصة غاليري «جين بوستن»، ومقرها مدينة بوستن زحاماً من قِبل الجمهور الذي حرص على أخذ صور لمنحوتات الفنان العراقي - الأميركي مايكل راكويتز الذي جسدت منحوتاته رموزاً من الحضارة الآشورية شُغِلتْ بورق تغليف التمور والصحف العربية وبقية أوراق التغليف للمؤكلات والمواد الاستهلاكية في إدانة واضحة وتذكير بجريمة سرقة وتدمير المتحف العراقي وآثار مدينة الموصل.

وفي قسم أساتذة الفن أو ما يعرف بـ«Frieze Masters»، نلمس بوضوح أن بعض المبيعات تجاوزت حدود «الفنّ المعاصر» لتلامس أساطير الفن والتاريخ. فقد بيعت لوحة تعود لعام 1909 للفنانة ورائدة التعبيرية الألمانية غابريلا مونتر(1877 - 1962) بمبلغ يُقارب ثلاثة ملايين دولار في اليوم الأول لافتتاح المهرجان في غاليري «هوسر ورث». كذلك، بيعت لوحة للفنان البلجيكي السوريالي رينيه مغريت تعود لعام 1953 بمبلغ 1.6 مليون دولار أميركي. وتعكس المبيعات أن «القيمة» في سياق تقدير الأعمال ليست مجرد رقم، بل تعبير عن موقع العمل ومبدعه في تاريخ الفن، ومدى رغبة المقتنيين والمستثمرين في اقتنائه. كذلك بيعت لوحة للفنان بول كيلي بما يقارب 1.45 مليون دولار أميركي. تتجلى في هذا المزيج بين دور العرض المعاصرة والمتاجر الفنية التاريخية، مكانة Frieze بوصفه منصةً تجمع «الآن» و«الأمس» في آن واحد، وكذلك تقارب بين التوجه التجاري والبحث الجمالي. وتقع على صالات الفنون والغاليريهات المشارِكة عبءَ اختيار الأعمال الفنية، ويتحمل المشترون عبء القيمة، ويتحمل الزائرون (مثلي) عناء ومتعة التأمل. وهكذا، يصبح المعرض أكثر من مجرد مكان يباع فيه الفنّ: بل مساحة يُقرأ فيها الحاضر ويُعاد تأمّل الماضي.

صالات العرض والغاليريهات العربية

عرض غاليري «لوري شبيبي» ومقره دبي في Frieze Masters مجموعة من أعمال للفنانة الأردنية الرائدة منى السعودي (1945 - 2022) شملت خمس منحوتات حجرية وأحد عشر عملاً طباعياً على الورق من الفترة (1973 - 1978). بينما عرض غاليري «صفير زملر» ومقره بيروت وهامبورغ في Frieze Masters أيضاً وضمن فعالية «الاستوديو» التي تحتفي بالفنانين الرواد الأحياء أعمالاً للفنانة الفلسطينية سامية حلبي المولودة في القدس عام 1936، وهي أعمال تركز على ستة عقود من الرسم التجريدي المتواشج مع البُعد الشرقي المتمثّل في البُنى الزخرفية، الهندسية، والضوء/اللون في البيئة الشرق أوسطية. أما غاليري «آثر» ومقره جدة والرياض، فشارك بعرض لفنانات سعوديات، مثل دانية الصالح وبسمة فلمبان؛ ما يعكس الحضور العربي المعاصر في المعرض.

منحوتات معاصرة

وعلى امتداد المساحات الخضراء لحديقة ريغنت في لندن، تتوزّع هذه السنة أعمالٌ فنية نُصِبت تحت عنوان: «In the Shadows/ في الظلال»، ويعكس العنوان رؤية تنقّب في الخفاء، وفيما لم يُرَ بعد، داخل ذاكرة المكان والمادّة والغياب. اختار القيّمون على العرض أربعة عشر فناناً دولياً ليفسّحوا مساحةً للفنان والمشاهد كي يتلمّس العتمة، وكي يقرأ التغيّر البيئي، وجذور التاريخ، والبُعد الداخلي للذات. ومن بين الأعمال المعروضة، مجسّم «Fibredog» لفريق فني بريطاني يدعى «Assemble»؛ وهو حيوان ضخم من القش يحيل إلى التقاليد الشعبية واللعب الجماعي، ويحوّل المسارّات الخضراء في الحديقة فضاءً للدهشة والعبور المتمهل والمتأمل. مجسم آخر للفنان النمساوي إرفين وورم بعنوان «شبح»؛ عبارة عن بدلة عمل مستعملة عملاقة فارغة وملوّنة بالأزرق، تقف كظل صامت لعالم الشركات والاستهلاك، وتدعو المشاهد إلى التأمل في واقع العصر الاستهلاكي وبصمة الإنسان الشخصية التي يتركها على أشيائه الخاصة. أما مجسّم «Requiem/ The Last Call» للفنانة الهندية - الأميركية رينا سايني كلايت؛ فعمل مركّب ضخم يُصدر تغريداً لطيور انقرضت. وعزلت الفنانة هذه الأصوات من الأصوات البشرية في أشرطة التخابر في الجيوش أثناء الحرب العالمية الأولى، وحوّلت الصمت الأبدي والانقراض تأبيناً، يذكّرنا بأن الظلال هي أيضاً نداءات لم تُسمع بعد.


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.