ميريام أديلسون... «سيدة المال والنفوذ» ورمز حلف اليمينين الأميركي والإسرائيلي

أوضح مَن يشرح آليات اتخاذ القرار السياسي في واشنطن

ترى أديلسون أن الدفاع عن إسرائيل ليس خياراً سياسياً بل هو واجب أخلاقي يعبّر عن روح الغرب الحديثة
ترى أديلسون أن الدفاع عن إسرائيل ليس خياراً سياسياً بل هو واجب أخلاقي يعبّر عن روح الغرب الحديثة
TT

ميريام أديلسون... «سيدة المال والنفوذ» ورمز حلف اليمينين الأميركي والإسرائيلي

ترى أديلسون أن الدفاع عن إسرائيل ليس خياراً سياسياً بل هو واجب أخلاقي يعبّر عن روح الغرب الحديثة
ترى أديلسون أن الدفاع عن إسرائيل ليس خياراً سياسياً بل هو واجب أخلاقي يعبّر عن روح الغرب الحديثة

حين طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب من ميريام أديلسون أن تقف في قاعة الكنيست الإسرائيلي أثناء كلمته قبيل توجّهه إلى شرم الشيخ لتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، بدا المشهد في ظاهره تحية شخصية. لكنه في عمقه كان تعبيراً عن شبكة مصالح وتحالفات تمتدّ من تل أبيب إلى واشنطن، ومن الحزب الجمهوري إلى حركة اليمين الشعبوي العالمي. في تلك اللحظة، لم يكن ترمب يشكر امرأة ثرية فحسب، بل كان يُقرّ علناً بالدور الذي لعبته ولا تزال تلعبه ميريام أديلسون، وريثة الإمبراطورية التي بناها زوجها الراحل شيلدون أديلسون، في تمويل مشاريع سياسية وإعلامية شكلت أحد أعمدة العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل خلال العقدين الأخيرين. ذلك المشهد، بكل رمزيته، لم يكن مجرد لفتة بروتوكولية، بل إعلاناً متجدداً عن تحالف المال والعقيدة والهوية، الذي بات يحدد ملامح اليمين الأميركي في عصر ما بعد ترمب.

 

 

 

وُلدت ميريام فربشتاين (الاسم الأصلي لعائلتها) في تل أبيب عام 1945 لأبوين يهوديين نجيا من أهوال «المحرقة النازية» بعدما فرّا من بولندا قبل الحرب العالمية الثانية. ونشأت في مدينة حيفا، حيث كان والدها - اليساري الميول - يملك عدة دور سينما، وتلقت تعليمها في المدرسة الريالية العبرية.

وبعدما درست العلوم الدقيقة في الجامعة العبرية في القدس، حصلت على درجة دكتوراه الطب من جامعة تل أبيب بتفوّق، قبل أن تعمل طبيبة في مستشفى «روكاح» (هداسا) في تل أبيب، وتصبح لاحقاً رئيسة قسم الطوارئ فيه. وفي منتصف الثمانينات، انتقلت ميريام إلى جامعة روكفلر في مدينة نيويورك طبيبة باحثة متخصصة في علاج الإدمان، وهناك عملت مع العالمة الشهيرة ماري جين كريك، الرائدة في تطوير علاج الميثادون لمدمني الهيرويين.

اللقاء... والزواج والعمل المشترك

بعد طلاقها من زوجها الأول، التقت ميريام عام 1989 بشيلدون أديلسون، رجل الأعمال اليهودي الثري – الذي حملت اسم عائلته – وصاحب إمبراطورية «لاس فيغاس ساندز» التي تُعد من أكبر شركات الكازينوهات والفنادق في العالم.

ومن ثم، تزوّجا عام 1991 وأنجبا ولدين (آدم وماتان). وفي 1993 افتتحا «عيادة أديلسون» لعلاج الإدمان في تل أبيب، ثم أسّسا فرعاً آخر في لاس فيغاس عام 2000.

كانت تلك البداية لمسيرة تمزج بين العمل الإنساني والتمويل السياسي، ليتحوّل «الزوجان أدلسون» إلى أيقونة النفوذ المالي - السياسي في واشنطن وتل أبيب. وبفضل ثروتهما والتزامهما السياسي اليميني المتشدّد، قدّما مئات ملايين الدولارات للحزب الجمهوري الأميركي، دعماً لمرشحين يتبنون خطاباً مؤيداً لإسرائيل بلا تحفظ. وكانا من أبرز مموّلي حملة ترمب الانتخابية عام 2016، ثم حملة إعادة انتخابه عام 2020. ولقد مُنحت ميريام وسام الحرية الرئاسي عام 2018، في تكريم اعتُبر اعترافاً علنياً بدورها في دعم التحالف الأميركي - الإسرائيلي المحافظ.

جدير بالذكر أن شيلدون أديلسون كان أبرز مموّلي حملة جورج بوش الابن، ثم جون ماكين، قبل أن يجد في دونالد ترمب تجسيداً مثالياً للتحالف الجديد بين اليمين القومي الأميركي واليمين الديني الإسرائيلي. وبعد وفاته عام 2021، ورثت ميريام الحصة الكبرى في شركة «لاس فيغاس ساندز»، إلى جانب ملكيتها لصحيفتي «إسرائيل هايوم» (الأوسع انتشاراً في إسرائيل) و«لاس فيغاس ريفيو - جورنال» في الولايات المتحدة. ووفق تقديرات «بلومبرغ» في أغسطس (آب) 2025، تبلغ ثروتها نحو 40.5 مليار دولار، ما يجعلها المرأة الـ48 الأكثر ثراءً في العالم.

أيضاً، اشترت ميريام نادي «دالاس مافريكس» لكرة السلة، ما عزّز حضورها في المشهد الاقتصادي الأميركي. بيد أنها لم تكتفِ بإدارة الثروة، بل سخّرتها لبناء نفوذ سياسي ضخم داخل الحزب الجمهوري، وواصلت تمويل المؤسسات والمنظمات التي ترى أن «إسرائيل ليست حليفاً فقط، بل جزء من هوية أميركا المسيحية – اليهودية»، كما قالت في أكثر من مناسبة.

«أيباك» و«جي ستريت»

حين يُذكر مصطلح «اللوبي اليهودي» في واشنطن، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو منظمة «أيباك»، التي تأسست في خمسينات القرن الماضي لتكون الصوت السياسي الرسمي المؤيد لإسرائيل بلا تحفظ، والقوة الضاغطة القادرة على ترجيح كفة الأصوات داخل الكونغرس لمصلحة أي تشريع يخدم تل أبيب.

لكن المشهد اليوم أكثر تعقيداً. إذ ظهرت خلال العقدين الأخيرين تنظيمات يهودية ليبرالية مثل «جي ستريت»، التي تنتقد سياسات الاحتلال وتدعو إلى حل الدولتين. ورغم اتساع نفوذها داخل صفوف الديمقراطيين، فإنها ما زالت تواجه مقاومة قوية من «اللوبي» التقليدي الذي يميل إلى التحالف مع الجمهوريين واليمين الإيفانجيلي الأميركي. وهو ما يعكس انقساماً داخل المجتمع اليهودي الأميركي نفسه بين تيارين؛ الأول محافظ يرى في دعم إسرائيل واجباً دينياً وتاريخياً، والثاني يساري يرى أن سياسات نتنياهو وحلفائه تهدد القيم الليبرالية الأميركية.

ميريام أديلسون تقف بوضوح في الضفة الأولى، حيث يتلاقى المال المحافظ اليهودي مع اليمين الإيفانجيلي الأميركي، في حلف يغلّف نفسه بخطاب لاهوتي وسياسي في آنٍ. فهي لا تموّل «أيباك» فحسب، بل أيضاً وسائل إعلام ومؤسّسات بحثية تروّج لفكرة أن دعم إسرائيل دفاعٌ عن «قِيَم الغرب في مواجهة الإسلام السياسي وإيران»، وهو منطق يتردّد صداه في خطاب ترمب وحلفائه الجمهوريين.

المال السياسي وصناعة القرار

في النظام السياسي الأميركي، المال ليس مجرّد أداة دعم، بل عنصر حاسم في تشكيل القرار. إذ تسمح قوانين تمويل الحملات بإنشاء «لجان عمل سياسي» ضخمة قادرة على ضخّ ملايين الدولارات لصالح مرشحين محدّدين. وفي هذا الإطار، برزت عائلة أديلسون كإحدى أقوى الجهات المانحة، ليس على مستوى الحزب الجمهوري فقط، بل في توجيه السياسات الخارجية، خصوصاً تجاه الشرق الأوسط.

إبّان إدارة ترمب الأولى، كان دعم آل أديلسون عاملاً حاسماً في قرارات مثل نقل السفارة الأميركية إلى القدس والاعتراف بضم الجولان السوري المحتل لإسرائيل. ومارس الزوجان نفوذاً مباشراً داخل الدائرة الضيقة لصنع القرار، عبر علاقات شخصية ومساهمات مالية في مؤسسات الحزب الجمهوري.

وصحيفة «واشنطن بوست» عدّت عائلة أديلسون «العصب المالي للسياسة الإسرائيلية في واشنطن»، معتبرة أن دعمها لم يكن مجرّد تبرع، بل «استثمار استراتيجي في هوية الحزب الجمهوري الجديد».

وحقاً، وصف أحد المسؤولين السابقين في الإدارة ذلك بقوله: «حين يتكلّم آل أديلسون، يصغي الجميع. إنهم لا يشترون الولاء، بل يخلقون بيئة سياسية حيث يصبح الولاء لإسرائيل مصلحة انتخابية بحد ذاته». وأردف: «البيت الأبيض كان يعرف جيداً ما الذي يعنيه دعم شيلدون وميريام؛ دعم كامل من شبكة المموّلين المحافظين الموالين لإسرائيل».

تحوّلات في مشهد اليمين الأميركي

لكن مشهد الإجماع التقليدي حول إسرائيل بدأ يتصدّع. ففي السنوات الأخيرة، ظهرت أصوات داخل اليمين الأميركي نفسه تنتقد العلاقة غير المتكافئة مع تل أبيب. من هؤلاء الإعلامي الشهير تاكر كارلسون، الذي حذّر مراراً من أن «سياسات واشنطن في الشرق الأوسط تُدار وفق حسابات اللوبيات، لا وفق المصلحة الوطنية».

كذلك برزت النائبة الجمهورية مارجوري تايلور غرين بانتقادات حادة للمساعدات العسكرية لإسرائيل، معتبرة أنها تأتي على حساب دافعي الضرائب الأميركيين.

هذه الأصوات، وإن ما زالت أقلية، تعبّر عن تحول ثقافي أعمق داخل القاعدة الشعبوية الجمهورية التي ترى أن الأولوية يجب أن تكون «أميركا أولاً»، وأنّ التحالف مع إسرائيل يجب أن يخضع لمعادلة مصالح متبادلة، لا لالتزام عقائدي مطلق.

ويرى محللون أن هذا الاتجاه يشكل تحدياً استراتيجياً للنفوذ اليهودي التقليدي في الحزب الجمهوري، إذ للمرة الأولى منذ عقود، يُطرح سؤال جوهري حول حدود هذا النفوذ ومشروعيته السياسية.

بين المال والرسالة

بعد وفاة زوجها، لم تكتفِ ميريام بالاستمرار في نهج التمويل السياسي، بل أعادت تشكيله بأسلوب شخصي أكثر آيديولوجية.

فهي تقدّم نفسها على أنها «مدافعة عن إسرائيل وعن القيم الأميركية معاً»، وتواصل تمويل برامج مثل «بيرثرايت (حق الولادة) إسرائيل» التي أتاحت لأكثر من 750 ألف شاب يهودي زيارة إسرائيل مجاناً، وقدّمت لها مع زوجها أكثر من 250 مليون دولار.

واستثمرت في أبحاث مكافحة الإدمان، لكنها في الوقت ذاته موّلت مؤسسات فكرية يمينية مثل «هيريتيج فاونديشن» (مؤسّسة التراث) التي ينسب إليها «مشروع 2025» الذي يعدّ بمثابة خطة عمل ترمب في ولايته الثانية، و«فري بيكون»، التي تروّج لرؤية محافظة في السياسة الخارجية.

صحيفة «نيويورك تايمز» عدّتها «الوريثة الروحية لشيلدون، والأمّ السياسية للجيل الجديد من الجمهوريين المؤيدين لإسرائيل»، وهو وصف يعكس مكانتها الفريدة كصاحبة قرار لا مجرّد مموّلة.

تبدّل في العلاقة

يؤكد باحثون في الشأن الأميركي أن التحالف بين واشنطن وتل أبيب تجاوز منذ سنوات حدود المصالح الاستراتيجية إلى ما يمكن وصفه بـ«الشراكة العقائدية». ففي خطاب ترمب، كما في مواقف مستشاريه، نجد حضوراً قوياً لفكرة «القدر المشترك بين إسرائيل وأميركا»، باعتبارهما دولتين أنشئتا على أسس دينية أخلاقية لمقاومة «الشرّ العالمي».

هذا الخطاب يتلاقى مع رؤية ميريام أديلسون، التي ترى أن الدفاع عن إسرائيل ليس خياراً سياسياً، بل واجب أخلاقي يعبّر عن روح الغرب الحديثة.

لكن هذه الرؤية تواجه اليوم تحديات متعددة؛ من تحولات الرأي العام الأميركي بين الشباب، حيث تتراجع صورة إسرائيل، إلى تنامي النزعة الانعزالية في الداخل الأميركي التي ترى أن التحالفات الخارجية باتت عبئاً اقتصادياً وسياسياً.

في ظل هذه التحولات، يجد المموّلون اليهود أنفسهم أمام معادلة جديدة؛ كيف يحافظون على نفوذهم في نظام سياسي بات أكثر انقساماً، وفي مجتمع يعيد تعريف أولوياته القومية؟

لقد كان النفوذ اليهودي في واشنطن لعقود يقوم على تحالف ثابت بين الحزبين، لكن الاستقطاب الحاد بين الجمهوريين والديمقراطيين، وتحوّل الحزب الأخير نحو قاعدة شبابية ليبرالية أقل حماسة لإسرائيل، جعل هذا النفوذ موضع مراجعة. فجماعة «جي ستريت»، التي تمثل الصوت اليهودي الليبرالي، تزداد نفوذاً داخل دوائر الحزب الديمقراطي، فيما يواجه التيار المحافظ الموالي لإسرائيل صراعاً داخلياً مع أصوات اليمين الشعبوي.وسط هذه المعادلة، تبرز ميريام أديلسون كصوت مقاوم لهذا التبدّل، تسعى إلى ترسيخ إرث زوجها بوصفه «المموّل الذي غيّر وجه السياسة الأميركية تجاه إسرائيل»، لكنها تواجه تحدّياً؛ هل يمكن للمال وحده أن يواجه تغيّر الثقافة السياسية الأميركية؟ وإلى أي مدى يمكن لتحالف المال والآيديولوجيا أن يصمد أمام تحولات الديمقراطية الأميركية، وأمام رأي عام بدأ يطالب بمساءلة حلفائه التاريخيين؟ وفي هذا التناقض، تتكثّف قصة علاقةٍ عمرها 7 عقود، بين أقوى ديمقراطية في العالم، وأشدّ حلفائها إثارة للجدل.

 


مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.