أمراء على إمارة مستحيلة

من أحمد شوقي إلى أمين نخلة والأخطل الصغير

أمين نخلة
أمين نخلة
TT

أمراء على إمارة مستحيلة

أمين نخلة
أمين نخلة

لم تكن علاقة الشعراء بالسلطة لتستقر يوماً على حال واحد أو شكل نهائي، بل كانت على الدوام محكومة بالكثير من المفارقات والمشاعر المتداخلة والسلوكيات المتناقضة. وقد وجدت هذه السلوكيات تعبيراتها المثلى من خلال إلحاح الشعراء على رفض السلطة الحاكمة من جهة، وسعيهم المقابل إلى امتداحها والالتحاق بها من جهة أخرى. ومع أنهم يعرفون في قرارتهم أن ما أوتوه من عناصر الإلهام يمنحهم جواز سفر صالحاً للخلود، والسلطة على الأبدية، فإن الطبيعة الملتبسة والمؤجلة لهذه السلطة، تجعلهم دائمي السعي لامتلاك سلطة أرضية ذات معالم واضحة ونفوذ مرئي.

وقد يكون في خطاب الأخطل، وقد تعتعه السكْر، لعبد الملك بن مروان: «أتيت أجر الذيل تيهاً كأنني، عليك أميرَ المؤمنين أميرُ»، ما يؤكد أن العقل الباطني للشاعر، كان مسكوناً بهاجس الحلول محل ممدوحه، الأمر الذي يمكّنه بالتالي من التمتع بامتيازات الحكم ومباهجه وجبروته. أما الدليل الأبلغ على ما يستبد بالشعراء من شهوة الحكم، فيتمثل في سعي المتنبي الحثيث لأن ينتزع لنفسه، ولو رقعة متواضعة من الأرض، يحقق من خلالها تطلعه المزمن إلى السلطة، رغم علمه الأكيد بأنه يتربع على عرش شعري، لم يكف الناطقون بلغة الضاد عن محاولة الدنو منه، أو مقاسمته إياه.

أحمد شوقي

والأرجح أن إقرار الشعراء بعجزهم عن منافسة الحكام فوق حلبات الواقع المحسوس، هو الذي جعلهم ينقلون المنافسة إلى حلبات المجاز، بحثاً عن السبق الشعري والمكانة المتقدمة. ولم يكن سخط كعب بن زهير على النابغة الذبياني، إثر تفضيل الخنساء عليه في مباهلات سوق عكاظ، سوى الدليل الأمثل على رغبته الحاسمة في أن ينتزع لنفسه موقع الصدارة الشعرية. لكن سعي الأقدمين إلى تقسيم الشعراء بين مراتب وطبقات، كما فعل ابن قتيبة وابن سلام الجمحي، لم يدفعهم إلى تنصيب أحد منهم أميراً مطلقاً على أقرانه، بحيث ظل لقب الشاعر الأول موزعاً بين التجارب المتنوعة لشعراء المعلقات في الجاهلية، وصولاً إلى المتأخرين كأبي تمام والبحتري وأبي نواس والمتنبي وغيرهم.

كان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يثير تنصيب أحمد شوقي أميراً للشعراء في عام 1927، كل ذلك القدر من ردود الفعل، التي تراوحت دائرتها بين الترحيب الشعبي والوطني الواسع، وبين السخط العارم الذي أبداه إزاء الحدث الاستثنائي بعض الأعلام الكبار. وإذا لم يكن مفاجئاً أن يتخذ كل من العقاد وطه حسين موقفاً سلبياً من تتويج الشاعر، الذي طالما اعتبروه نسخة مكررة عن شعرية الأسلاف، فإن المفاجئ هو أن يشارك في حفل التتويج بعض منافسي شوقي ومزاحميه على اللقب، مثل حافظ إبراهيم وخليل مطران. والأرجح أن الرعاية الرسمية للاحتفال، فضلاً عن البعد الوطني للمناسبة، هي التي حسمت بالنسبة للمترددين وجهة الأمور، دافعة حافظ إبراهيم لمخاطبة صديقه اللدود بالقول:

أمير القوافي قد أتيت مبايعاً

وهذي وفود الشرق قد بايعتْ معي

ورغم أن قصيدة خليل مطران المطولة تضمنت اعترافاً بأهمية شوقي وامتداحاً لشاعريته، فقد حملت في طياتها تعريضاً مبطناً به، ووضعاً لتجربته في دائرة المحاكاة والنسج على منوال الأقدمين، كما في قوله:

لولا الجديد من الحلى في نظمه

لم تَعْزُهُ إلا إلى القدماءِ

كما لا بد من التنويه بأن موقف بعض الشعراء السلبي من الحدث لم يكن ناجماً عن سوء تقديرهم لمنجز المكرَّم الإبداعي، بل بدا اعتراضاً منهم على مبدأ التنصيب، كما هو حال أحمد رامي، الذي كتب في مقالة له: «أعترف أن أحمد شوقي أعظم من قرض الشعر عند العرب، لكنني لا أعترف للشعر بإمارة ولا أمير».

وإذا كانت مبايعة شوقي أميراً للشعراء هي الأولى من نوعها في الشعر العربي، فإنها فتحت شهية الآخرين على مبايعات أخرى مشابهة. وحين وجد الشاعر اللبناني أمين نخلة أن أقرانه الشعراء لم يحركوا ساكناً بشأن تنصيبه، أخرج من أدراجه أبياتاً ثمانية صدّر بها كتابه «الديوان الجديد»، زاعماً أن صاحب «نهج البردة» كان قد خصه بها ذات لقاء حميم جمعهما في لبنان. وإذ أفاد نخلة بأن الأبيات المشار إليها قد كتبت عام 1925، فإن من المفارقات المثيرة للشكوك أن ينصّب شوقي ولياً لعهده، قبل سنتين من حيازته اللقب، وأن يقول مشيراً إلى صاحب «المفكرة الريفية»:

هذا وليٌّ لعهدي وقيّمُ الشعر بعدي

فكلُّ من قال شعراً في الناس عبدٌ لعبدي

ديوانه زفُّ طيبٍ ونشْرهُ نشْرُ وردِ

والعصر عصر «أمينٍ» خيرٌ ومطْلعُ سعْدِ

ومما رفع منسوب الشكوك إلى أقصاه هو كون الأبيات المزعومة لا ترقى إلى شاعرية شوقي المعهودة، حتى في نماذجها الدنيا، بل تبدو شبيهة بأدب المجاملات والإخوانيات الفكاهية المرتجلة. كما أن توصيف المانح للممنوح بالعبد، واعتبار عامة الشعراء عبيداً عنده من الدرجة الثانية، هو أمر يسيء إليهما معاً، وإلى الشعر والشعراء في كل زمان ومكان.

وإذا كان الأمر مختلفاً تماماً مع الأخطل الصغير، الذي حاز اللقب عن طريق المبايعة لا التعيين، فإن الذين أعلنوا مبايعتهم لشاعر «الصبا والجمال»، في سياق الحفل التكريمي الذي أقيم له في بيروت عام 1961، كانوا أقل عدداً وتمثيلاً من أولئك الذين تحلقوا حول شوقي قبل عقود عدة. ومع أن بين من اجتمعوا للمبايعة شعراء من وزن عمر أبو ريشة ومحمد مهدي الجواهري وأمين نخلة وسعيد عقل، الذي استعاض عن الشعر بتطريزاته النثرية المتقنة، فقد اتخذت معظم القصائد الملقاة طابع المجاملة الاجتماعية والكدح التأليفي. وإذ وصف أنسي الحاج الشعراء المشاركين، في مقالة له في «النهار»، بأنهم «أساءوا الأمانة وتعروا من الذوق والصدق، وحتى من البراعة اللفظية»، أبدى بالمقابل حزنه على الأخطل الصغير الذي لم يتكلم عنه أحد، بل جعل المشاركون من تكريمه، حيلة للكلام عن أنفسهم وتلميع نرجسياتهم الفاقعة.

ومع أن صاحب «لن» قد ذهب بعيداً في انتقاده اللاذع لفكرة المبايعة، وتقريعه المرير للمبايعين، فالواضح أن الشعراء المشاركين بالمقابل، لم يقدموا للمكرم ما يتعدى متوفر القول، والصياغات الشائعة، والمعدة سلفاً لمثل هذه المناسبات. فلم يكن الانتشار الواسع لبيت أمين نخلة الشهير «ويقولون أخطلٌ وصغيرُ، أنت في دولة القوافي أميرُ»، ليحجب وقوعه في خانة النظم التقريري. ولم تكن قصيدة صالح جودت في المناسبة سوى ضرب من الأراجيز المسلية والنظم المتهافت، الأمر الذي يؤكده قوله:

كل تلك المعادن المختاره

صاغ منها حبيبنا أوتاره

وجلا من خيوطها أشعاره

فعقدنا له لواء الإماره

وإذا كانت فكرة الإمارة لا تكف عن دغدغة أحلام الكثير من الشعراء، وتعبر عن نفسها عبر أشكال ووسائط وتقنيات مختلفة، فإن ما لا ينبغي إغفاله هو أن الفكرة لم تولد من رحم الاعتبارات الإبداعية وحدها، بل تبلورت في كنف الاعتبارات السياسية والوطنية، التي جعلت من تنصيب هذا الشاعر أو ذاك، مكافأة رمزية لموقع الدولة التي يمثلها. فإذا كان شوقي بالنسبة للكثيرين جديراً بإمارة الشعر، نظراً لتميز تجربته واتساع مروحة موضوعاته، فإن في تنصيبه أميراً للشعراء مبايعة لمصر نفسها كدولة عربية مركزية، ولثقافتها الواقعة من محيطها «في مقام الزعامة»، كما جاء في كلمة أحمد شفيق باشا، رئيس الديوان الخديوي آنذاك. أما حلم أمين نخلة بولاية العهد، ومبايعة الأخطل الصغير «الجزئية» بالإمارة، فقد عكسا إضافة إلى البعد الشخصي، الرغبة الملحة في الاعتراف بشاعرية لبنان، الذي أسهم إلى جانب مصر، وعلى تواضع حجمه الجغرافي والسكاني، في وضع اللبنات المبكرة لما عُرف بعصر النهضة العربي.

إلا أن ما ينبغي التشديد عليه، أخيراً، هو أن الشعراء المتدافعين بالمناكب لكسب السباق على اللقب، إنما يتنافسون في الواقع على خط اللاوصول، أو لبلوغ نقطة دائمة التحول، أو إمارة مستحيلة التحقق. كما أن الشعر، والفن بوجه عام، يظل شأناً نسبياً وحمّال أوجه، وهو بالتالي لا يخضع لقولٍ فصل، بل تختلف معاييره وفقاً لذائقة كل ناقد أو قارئ. ولعل الزمن وحده هو الذي يُصدِر في نهاية الأمر أحكامه وفتاواه، واضعاً بنفسه الحدود الفاصلة بين قمح الشعراء الحقيقيين، وزؤان المقلدين والنظامين. ولذلك فإن الأحجام الحقيقية لشوقي ونخلة والأخطل الصغير، وكثيرين غيرهم، لا يحددها لقب الإمارة وحفلات المبايعة والتنصيب، بل هي منوطة بثراء تجاربهم وتنوع أساليبهم، وعمق مكابداتهم القلبية والرؤيوية.


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.