مشروع «كرفان سوري» للتعافي من خطاب الكراهية

مشاركون من الغوطة الشرقية: المبادرة فرصة للتعافي عبر تبادل السرديات بين المناطق

استضافة أهالي وذوي الضحايا والمفقودين لدعم مسار العدالة الانتقالية في سوريا خلال 15 و16 أغسطس (مبادرة بدايتنا)
استضافة أهالي وذوي الضحايا والمفقودين لدعم مسار العدالة الانتقالية في سوريا خلال 15 و16 أغسطس (مبادرة بدايتنا)
TT

مشروع «كرفان سوري» للتعافي من خطاب الكراهية

استضافة أهالي وذوي الضحايا والمفقودين لدعم مسار العدالة الانتقالية في سوريا خلال 15 و16 أغسطس (مبادرة بدايتنا)
استضافة أهالي وذوي الضحايا والمفقودين لدعم مسار العدالة الانتقالية في سوريا خلال 15 و16 أغسطس (مبادرة بدايتنا)

يبادر نشطاء مدنيون في سوريا إلى فتح مساحات آمنة للحوار كخطوة في اتجاه «التعافي عبر الآخرين»، سواء على صعيد الأفراد أو على صعيد المحاولة لفتح مسار وطني في مواجهة خطاب الكراهية ونبذ الآخر.

من ذلك، مشروع أطلقته «مبادرة بدايتنا سوريا للجميع» بالتعاون مع منظمات وجمعيات محلية تحت اسم «كرفان سوري»، أنجز خلال الأشهر الثمانية الماضية أربعة لقاءات «محطات» في إدلب وحمص واللاذقية وريف دمشق، جامعاً نشطاء من مناطق وأطياف متعددة حول طاولة الحوار.

في مقر جرى ترميمه على عجل في بلدة دير العصافير بريف دمشق، روى الناشط والمسعف عبد الله الحافي ورفاقه، من جمعية «شباب الغد السوري»، تجربتهم مع الموت اليومي الذي عاشته الغوطة الشرقية لسنوات تحت القصف والحصار الخانق، وكيف كانت النقاط الطبية تقام بأدوات بدائية في مواقع خطيرة.

رجل ينظر إلى منزله المدمر في حمورية بمنطقة الغوطة الشرقية لدمشق (أ.ف.ب)

وروى عبد الله وقائع سقوط الغوطة عام 2018 والساعات الرهيبة التي سبقتها، وكيف جلس الضابط الروسي أمام أهالي الغوطة باستعلاء، ليخيّرهم بين الموت تحت القصف أو الاستسلام والخروج من مناطقهم.

يقول عبد الله لـ«الشرق الأوسط»: «اليوم نروي لنتعافى عبر الآخرين، على مبدأ من (يرى مصيبة غيره تهون عليه مصيبته)». ويضيف أن فكرة «الكرفان السوري» هي إحدى أدوات التعافي من الآثار التي خلفتها الحرب، فما من سوري إلا وأصيب نفسياً أو جسدياً. مشدداً على «الحاجة الماسة للاستشفاء».

كرفان سوري في دير العصافير ريف دمشق (الشرق الأوسط)

والكرفان يقدم فرصة للتعافي عبر تبادل السرديات بين المناطق المختلفة، فعندما «نسمع وجع الآخر ندرك أننا لسنا نحن فقط من توجع وعانى، هذا الإحساس يساعد على التعافي وتحمل الألم وتجاوز الأزمات العميقة التي نعاني منها على المستوى النفسي والاجتماعي والثقافي»، وينهي كلامه بالقول:«إنها فرصة لخلق مسار للتعافي على المستوى الوطني».

مشاركون في المحطة الثالثة لمبادرة الكرفان في اللاذقية سبتمبر الحالي (مبادرة بدايتنا)

أسست مبادرة «بدايتنا سوريا للجميع»، في دمشق، مجموعة من النشطاء المدنيين في الأسبوع الأول من سقوط نظام الأسد. وتوضح الناشطة عالية شمس لـ«الشرق الأوسط»، أن «مشروع كرفان يقوم على سلسلة من اللقاءات وورشات العمل المتنقلة بين المحافظات السورية، بهدف تعزيز التواصل والحوار والتشبيك بين السوريين وناشطيهم من الجنسين، ومنظمات المجتمع المدني في المدن السورية، حيث يعمل المشروع على تنسيق لقاءات وورشات في عدة محافظات لتعزيز ثقافة الحوار وتبادل التجارب والسرديات المتنوعة حول النضال والمقاومة خلال سنوات الثورة في كل مدينة».

بعد محطاته السابقة في إدلب وحمص واللاذقية، وصل الكرفان إلى محطته الرابعة في دير العصافير الغوطة الشرقية لدمشق. وبالتعاون مع جمعية «شباب الغد السوري» عقد لقاء على مدى يومين جمع ناشطين وناشطات من مدن مختلفة، لتسليط الضوء على تجربة الغوطة الشرقية في المقاومة، واستعراض سنوات الحصار والتحديات التي واجهها أهلها.

شباب من منطقة حارم في القلعة التاريخية وبدا جزء منها مدمراً (الشرق الأوسط)

يشار إلى أن أولى محطات «كرفان سوري» انطلقت من إدلب في فبراير (شباط) الماضي، بالتعاون مع مؤسسة «وحدة المجتمعات والوعي المحلي»، وجرت مناقشة موضوع «الهوية الوطنية» بعد نحو الشهرين من سقوط النظام السابق، وكانت المحطة الثانية في مدينة حمص في مايو (أيار) بالتعاون مع «الملتقى الثقافي اليسوعي»، حيث جرى تقديم مدخل نظري حول السلم الأهلي وأدوار المجتمع المدني في دعم بناء السلام المحلي، مع عرض لنموذج مميز وشجاع للعمل المدني في محافظة إدلب.

في اللاذقية، كانت المحطة الثالثة في يوليو (تموز) بالتعاون مع جمعية «موزاييك» وجرى خلالها تحليل النزاع والعنف في السياق السوري بعد نحو خمسة أشهر من الأحداث الدامية التي شهدها الساحل، كذلك التعرف على تجارب المجتمعات السورية المختلفة، وتقديم مقترحات قد تساعد في حل ما يواجهه المجتمع المدني من تحديات ومشكلات في طريق تعزيز السلم الأهلي.

فريق «مبادرة بدايتنا» في 18 سبتمبر مع ناشطي المجتمع المدني في زيارة لمقبرة داريا قرب دمشق حيث دفن ضحايا المجازر في المدينة (مبادرة بدايتنا)

تأتي المحطة الرابعة في بلدة دير العصافير في غوطة دمشق الشرقية التي تشهد عودة الأهالي المهجرين ومحاولات إزالة الأنقاض وبناء وترميم المنازل المهدمة وزراعة الأراضي والبساتين. وناقش المجتمعون في مقر بسيط بساحة البلدة تحول من مقر لحزب البعث إلى مركز ثقافي علقت على جدرانه أسماء المفقودين من أبناء البلدة، موضوعات السلم الأهلي والعدالة الانتقالية والخصوصية السورية، مع عرض لتجربة نشطاء الغوطة المدنيين.

كرفان سوري في دير العصافير ريف دمشق (الشرق الأوسط)

سامر الذي جاء من الأحياء التي تشهد توتراً وقلقاً في مدينة حمص جراء حوادث قتل وخطف انتقامية تحصل بشكل متكرر، لفت إلى أنه في اللحظة التي ينهي فيها من عانى من نظام الأسد رواية سرديته لبدء إحساسه بالتعافي، هناك سوري آخر يتعرض للانتهاك ويتملكه الخوف من رواية سرديته أو الكشف عن انتمائه الطائفي. سامر أكد أن «مسار التعافي مازال طويلاً».

من جانبها، رأت فوزية خالد منسقة مجموعة «خيام الحقيقة» في بلدة شبعا في الغوطة، بأن فكرة الكرفان ضرورية ليتعرف السوريون على هموم كل منطقة وكل سوري وإمكانات التنسيق والتشبيك لإيجاد حلول للتواصل. وتقول إن بلدتها الصغيرة فيها أكثر من 500 مفقود، يحتاج ذووهم معرفة مصيرهم كما يحتاجون لجبر الضرر. لافتة إلى أن المبادرات المجتمعية يجب أن تشمل كافة الجغرافيا السورية ويكون فيها التنسيق أعلى.


مقالات ذات صلة

الشرع: الجولان أرض سورية... وأي وضع غير ذلك باطل

شؤون إقليمية الرئيس السوري أحمد الشرع خلال جلسة حوارية في منتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا الجمعة (إعلام تركي)

الشرع: الجولان أرض سورية... وأي وضع غير ذلك باطل

أكد الرئيس أحمد الشرع أن سوريا تدفع باتجاه استقرار المنطقة وحل المشكلات عبر الحوار والدبلوماسية والابتعاد عن الصراعات والنزاعات.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع يتحدث خلال جلسة في منتدى أنطاليا للدبلوماسية في أنطاليا - تركيا 17 أبريل 2026 (رويترز)

الشرع: التفاوض مع إسرائيل حول الجولان رهن إبرام اتفاق أمني

قال الرئيس السوري أحمد الشرع، الجمعة، إن بلاده قد تنخرط في مفاوضات مع إسرائيل بشأن الجولان، في حال أبرم الطرفان اتفاقاً أمنياً.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز)

الرئيس السوري يبحث مع عبدي وأحمد استكمال عملية الدمج وإعلان حل «قسد»

بحث الرئيس السوري، أحمد الشرع، مع قائد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، مظلوم عبدي، والرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في «الإدارة الذاتية»، إلهام أحمد،…

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي زحمة حضور كردي في مركز حكومي في المالكية القديمة بمنطقة القامشلي (أ.ف.ب)

سوريون أكراد يتدفقون إلى مراكز حكومية طلباً لجنسية حرموا منها لعقود

مرسوم أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع في يناير (كانون الثاني)، نصّ على منح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين في سوريا، وبمن فيهم مكتومو القيد...

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)

دمشق تؤكد تسلّمها كل القواعد التي شغلها الجيش الأميركي في سوريا

أكدت الحكومة السورية، الخميس، أنها تسلّمت كل القواعد العسكرية التي كانت تشغلها قوات أميركية انتشرت في البلاد منذ أعوام في إطار التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (دمشق)

«حزب الله» يندد بـ «التنازلات» ويستعد للعودة إلى القتال

شخصان يجلسان أمس وسط خراب في صور تسببت به ضربة إسرائيلية قبيل سريان هدنة الـ 10  أيام  (رويترز)
شخصان يجلسان أمس وسط خراب في صور تسببت به ضربة إسرائيلية قبيل سريان هدنة الـ 10 أيام (رويترز)
TT

«حزب الله» يندد بـ «التنازلات» ويستعد للعودة إلى القتال

شخصان يجلسان أمس وسط خراب في صور تسببت به ضربة إسرائيلية قبيل سريان هدنة الـ 10  أيام  (رويترز)
شخصان يجلسان أمس وسط خراب في صور تسببت به ضربة إسرائيلية قبيل سريان هدنة الـ 10 أيام (رويترز)

يستعد «حزب الله» للعودة إلى القتال بالتوازي مع الحملة السياسية العنيفة التي شنّها نوابه وقياديوه ضد رئيس الجمهورية جوزيف عون، على خلفية تمسّكه بخيار التفاوض وعدم توجيهه الشكر لإيران و«المقاومة»، وصولاً إلى القول على لسان أحد نواب الحزب إن من يريد أن يكون مثل (قائد ميليشيا جيش لبنان الجنوبي التي أنشأتها إسرائيل) أنطوان لحد، سنقاتله كما قاتلنا الإسرائيلي».

ودعا الحزب صراحة النازحين إلى عدم الاستقرار في بلداتهم وقراهم في الجنوب أو الضاحية الجنوبية، والبقاء في أماكن نزوحهم مع الاكتفاء بتفقد الممتلكات، وهو ما تحدث عنه نائب رئيس المجلس السياسي في الحزب محمود قماطي، متوجهاً إلى جمهور الحزب بالقول: «لا تستقروا في قراكم في الجنوب، ولا حتى في الضاحية، اطمئنوا على أملاككم، ولا تستقروا، ولا تتركوا أماكن نزوحكم».

وانطلاقاً من هذه الأجواء، شهد طريق الجنوب - بيروت، السبت، زحمة خانقة لمواطنين عادوا وغادروا مجدداً بلداتهم الجنوبية التي وصلوا إليها، الجمعة.

وكرر أمين عام الحزب، نعيم قاسم، تهديداته بالرد على «خروقات العدو». وقال في بيان: «لأننا لا نثق بهذا العدو، فسيبقى المقاومون في الميدان وأيديهم على الزناد (...) ولن نقبل بمسار الخمسة عشر شهراً من الصبر على العدوان الإسرائيلي بانتظار الدبلوماسية التي لم تحقق شيئاً». ودعا قاسم إلى عدم «تحميل لبنان هذه الإهانات في التفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي للاستماع إلى إملاءاته».

في موازاة ذلك، بات لبنان جاهزاً لإطلاق عملية التفاوض مع إسرائيل بانتظار تحديد الموعد. وعقد، السبت، لقاء بين الرئيس عون ورئيس الحكومة نواف سلام، تناول موضوع المفاوضات المحتملة. وقالت مصادر وزارية: «إن الورقة اللبنانية باتت جاهزة، وخطوطها العريضة واضحة، وتتمحور حول تثبيت وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي احتلتها، وعودة الأسرى».


رفض أميركي لـ«حكومة فصائل» في العراق

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

رفض أميركي لـ«حكومة فصائل» في العراق

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

نقلت مصادر رفض واشنطن تشكيل «حكومة فصائل» في العراق، بالتزامن مع فرض وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على 7 من قادة الميليشيات، ما زاد تعقيد مفاوضات قوى «الإطار التنسيقي» لاختيار رئيس وزراء جديد للبلاد.

ويقود الأفراد المستهدفون بهذا الإجراء عدداً من أكثر الفصائل المسلحة الموالية لإيران عنفاً في العراق، من بينها (كتائب حزب الله)، و(كتائب سيد الشهداء)، و(حركة النجباء)، و(عصائب أهل الحق).

ولوّحت واشنطن، وفق المصادر، بإجراءات أشد لمنع قيام حكومة خاضعة لنفوذ الفصائل تشمل معاقبة الجهات التي تسهّل وصول الدولار إلى إيران وسط تشديد قيود تدفقات النقد.

وفي الأثناء، أفيد بأن قائد «فيلق القدس» الإيراني إسماعيل قاآني وصل إلى بغداد والتقى قيادات شيعية لبحث ملف الحكومة.


البرغوثي بعد 24 عاماً في المعتقل... حضور طاغٍ

مروان البرغوثي يلوّح بيده فيما تقوم الشرطة الإسرائيلية بإحضاره إلى المحكمة لحضور جلسة النطق بالحكم في تل أبيب 20 مايو 2004 (رويترز)
مروان البرغوثي يلوّح بيده فيما تقوم الشرطة الإسرائيلية بإحضاره إلى المحكمة لحضور جلسة النطق بالحكم في تل أبيب 20 مايو 2004 (رويترز)
TT

البرغوثي بعد 24 عاماً في المعتقل... حضور طاغٍ

مروان البرغوثي يلوّح بيده فيما تقوم الشرطة الإسرائيلية بإحضاره إلى المحكمة لحضور جلسة النطق بالحكم في تل أبيب 20 مايو 2004 (رويترز)
مروان البرغوثي يلوّح بيده فيما تقوم الشرطة الإسرائيلية بإحضاره إلى المحكمة لحضور جلسة النطق بالحكم في تل أبيب 20 مايو 2004 (رويترز)

بعد 24 عاماً على اعتقال القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي (67 عاماً)، معزولاً خلالها مدة طويلة في زنازين ضيقة، لم يغب الرجل عن المشهد الفلسطيني، وظل حاضراً متجاوزاً رمزية مسؤولين آخرين في موقع صنع القرار، وقد تقدم على الكثيرين في الانتخابات الخاصة بحركة «فتح» في سنوات سابقة، بانتظار المؤتمر الثامن المزمع عقده الشهر المقبل.

وكان البرغوثي قبل اعتقاله مقرباً من الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، ومعروف بين الفتحاويين بأنه «عرفاتي»، وهذا يعطيه حضوراً أكبر داخل قاعدة «فتح»، لكنه يحسب ضده بالنسبة للإسرائيليين وربما لمعارضين لنهج عرفات.

ويحظى البرغوثي بشعبية كبيرة في «فتح»، ويقدمه مريدوه على أنه المخلّص الذي يمكن أن يوحّد الفلسطينيين، وسيكشف المؤتمر الثامن للحركة؛ هل حافظ على ذلك أو تراجع مع التغييرات الكبيرة التي حدثت في السلطة و«فتح» والفلسطينيين. (تفاصيل ص 8)