حين يعيد الشعر اللغة إلى الواقع

«ضد الأمل» للعراقي مبين خشاني

حين يعيد الشعر اللغة إلى الواقع
TT

حين يعيد الشعر اللغة إلى الواقع

حين يعيد الشعر اللغة إلى الواقع

عندما شنق البعثيون في يناير (كانون الثاني) 1969، 14 مواطناً عراقياً (9 يهود و3 مسلمين «بأصول شيعية» ومسيحيين اثنين) في أول إعدام علني في ساحة التحرير في بغداد، وكان مرَّ على تسلمهم السلطة 7 أشهر و10 أيام، قالوا: «لقد شنقنا الجواسيس، واليهود صلبوا المسيح».

عندما بدأ حصار عبادان في 6 نوفمبر (تشرين الثاني) 1980 (بداية الحرب العراقية - الإيرانية)، نطق الديكتاتور بتصريحه الشهير: «طريق القدس يمر عبر عبادان». أما إيران فأطلقت اسم «ثامن الأئمة» على العملية التي فكّت فيها الحصار، والإمام الثامن المعصوم معروف، هو علي موسى الرضا، لكي توحي أنها ضحية شيعية.

وعندما احتلت قوات المارينز بغداد، تحدّث الأميركان عن «عملية تحرير العراق»، كأن الأمر يخصّ عملية بسيطة مؤقتة، استئصال زائدة دودية.

وعندما يصف الحاكمون في بغداد «احتجاجات تشرين» بأنها تمرد لأبناء السفارة «الأميركية»، يريدون الإيحاء أن السفارة أمٌّ عاقّ، داعرة أنجبت هؤلاء الأولاد غير الشرعيين «نغولة».

وحين يؤسس الحكام أنفسهم ميليشيات وأحزاباً تحمل مسميات: «دولة القانون»، «تيار الحكمة»، «عصائب أهل الحق»، «النجباء»، «حزب الله»، «الفضيلة»، يريدون الإيحاء أنهم وحدهم حراس «القانون» ورواد «الحكمة»، وحدهم «النجباء» وأصحاب «الحق» دعاة «الفضيلة»، وأنهم صوت «الله» الذي لا صوت يعلو عليه. أما الآخرون، الذين على رأي آخر، فهم على باطل وضلال. هل حقاً ذلك؟!

كم هي عدد المرات التي نتحدث فيها عن «حرب المصير»، «الدفاع عن المبادئ»، «معركة التحرير»، «القادسية»، «أم المعارك»، «محور المقاومة»، ويتم ليّ الكلمات لمخاطبة الجمهور. وفي كل مرة يثبت لنا أن اللغة «مُجنَّدة» يتم ليُّها حسب الحاجة، وأنها لا تُجدي نفعاً إلا عندما يُصغي المستمعون والقراء إلى الاقتراحات التي تقدمها.

للشعر كما للنثر الروائي القدرة على تجاهل كل هذه الأكاذيب وكل هذا الخداع، وعلى إعادة اللغة إلى الواقع، وتجسيد الفكر في صيغة الجمع. وأعني هنا الشعر الذي ينطق بصوته الخاص، ليس شعر البروبغندا، المكتوب بلغة السلطات والجمهور. أبداً. أعني الشعر الذي لا يطيق وحدته، فيخرج مخاطباً الأنوات الخائفة بصيغة الجمع، ينحت لغة تنجو من فخاخ الإطناب، تبتعد عن الرطانة، لغة تمسك جمرة الأصالة، تتغنى بالحرية وتنشد قيمة الحياة.

إلى هذا الشعر ينتمي «ضد الأمل» الكتيب الصغير (77 صفحة) الذي صدر حديثاً للشاعر العراقي مبين خشاني عن دار «خان الجنوب» في برلين، وهو قصيدة متمردة طويلة كتبها الشاعر على مراحل مختلفة، بدأها أيام نشاطه في ساحة التحرير في «احتجاجات تشرين» 2019، وانتهى منها في مدينة كامن الألمانية، حيث يعيش ضيفاً على برنامج «كتّاب المنفى» لنادي القلم الألماني.

بخلاف أدب البروبغندا، الذي شكّل ظاهرة فريدة في العراق، بدأت بشكل خافت بأصوات شعراء الآيديولوجيا في السبعينات، وشعراء الحرب في الثمانينات والتسعينات، وتصاعدت نبرتها لتصل إلى الرطانة والإسفاف بعد 2003، شعرية مبين لا تستجدي سلطات سياسية أو دينية أو مسلحة، شعريته تُعنى بمعاناة ومقاومة المحرومين من حقوقهم، وفي جوهرها تكمن مقاومة اللغة التي اتسمت بالحرمان من الحقوق.

لقد اختبر مبين مبكراً في طفولته عنف اللغة، في كل ما عاشه وسمعه من صيحات، في كل ما رآه من قتل ودمار في سنوات «حرب الإخوة» 2006-2008، وما تلاها من سنوات تكاثر الميليشيات، اللغة التي ازدادت عنفاً مع سيطرة ثقافة الكذب وثقافة الغنيمة وثقافة العنف بعد 9 أبريل (نيسان) 2003 وحاصرت الشاعر الشاب المولود 1998. ليس من المصادفة حصول مجموعته الشعرية الأولى «مخطوف من يد الراحة» على جائزة دار الرافدين في دورتها الأولى عام 2021، فهو منذ البداية قدّم نفسه كصوت، هو وريث لشعرية عراقية أصيلة، تكتب تاريخها الخاص بها.

المجموعة الشعرية تلك هي بداية مسار انطلاق صوت حبيس لواحد من جيل «حبيس الصوت، مدفون تحت ركام حروب تنوعت أشكالها، ومخدر بآمال لا تصمد أمام أوهن حجج الواقع... مثل الهوية وما يرتبط بها من أذى وآلام». ومن يجرؤ ويعيد اللغة «المُجَنَّدة» إلى الواقع، سيعرف أي مصير ينتظره، فإما يكون مسجوناً، أو منفياً، أو مدفوناً تحت التراب.

ولأن الشعر بالنسبة له بداهة وليس خياراً، اختار مبين خشاني المنفى، لكي لا ينتهي تحت التراب. فعل الشعر بالنسبة له التزام تام نحو تثمين قيمة الحياة والانتصار لها. في المنفى سيشعر كليته، بفرديته، كإنسان، كشاعر. شعريته التي هجسها مسبقاً، هناك أولاً في ساحة التحرير، ولمس جمراتها الأولى شعرياً مع زملائه الثائرين، تنفس هواءها النقي في كامن، هنا يمكنه استرجاع كل ما جرى:

سأنحت صمت عشرين سنة

حوت ما زمَّ الشفاه:

فزعاً وتنكيلاً ونهب حواس.

وألفظ ناراً سكنت سقف فمي طويلاً

حتى انطفأت على زفراتي

نجمات الليل

«ضد الأمل»، هو أيضاً تنويعة لسؤال «ما هذا الأمل؟»، والقصيدة الطويلة تقول في جوهرها إننا جميعاً مولودون في لغة محددة، في عالم «موعود بالأمل»، نخضع لقوانينه في البداية، لغة تسعى الذات إلى «طردها». ولكي لا نسمح لهذه اللغة بأن تُملي علينا العالم، علينا، بطبيعة الحال، أن نحررها من تأثيرها علينا، من خدر «آمال لا تصمد أمام أوهن حجج الواقع»:

فلا هناءة في يقظة مفروضة

ولا أمان في نوم معذب

وبينما تُدمر السلطة بتنويعاتها سلامة الجسد البنيوي باسم «القانون»، والفضيلة باسم «الوطن»، والدين باسم «الثوابت»، والخطوط الحمر باسم كلمات يُراد منها تبوء سلطة عقاب أعلى، تسعى شعرية مبين خشاني إلى استعادة اللغة لجسدها، وحركيتها - حريتها. لكن الأجساد اللغوية في شعريته لا تتكون من أفكار مجردة، بل من أصوات وإيقاعات وسجع وقوافٍ داخلية وجناس، يستخدم اللغة كحدث، كلقاء، ويبني حركات داخل جسد اللغة، تُغيّر مجراها وتفتح روابط وصوراً ومسارات.

تعلمنا كيف إذا هبطت علينا ملائكة وشياطين

سننشغل عنهم بانتظار الكهرباء

تعلمنا كيف ننتظر عودة صديق مفقود

وحين يعود لنا جثة نقيس وزن أنفاسه،

نطرح وزن جسده الحي من وزن جثته

ونعرف ثقل ما عاش

وندرك خفة منيته

ولأنها الحرب، يجرب الشاعر حظه بالنجاة، في طريق المدرسة، أمامه رتل الأميركان، وحوله عصف وصراخ:

انفجار.

أنهض محتضناً أخي

فاقداً السمع

أمامي عربة تشتعل

وفي البعيد راية سوداء

هرولة الجنود بطيئة

وفوهات البنادق

تبرق دون صوت

أكملنا الطريق إلى المدرسة

وخلفنا صورة كبيرة لمعمم شاب

ملثم بالدم والدخان...

وجه حرب ثانٍ إذن

تلفه الخوذ والعمائم واليشاميغ

على عكس شعر التملق الشائع عربياً، والأكثر شيوعاً في عراق الأمس، وعلى أشده اليوم، نجد أنفسنا في شعرية «ضد الأمل» منغمسين في عالم الشوارع والمدارس وكمائن ألعاب الطفولة الضائعة بين الحلم الأميركي المسموم وصور المعممين الملثمة بالدم والدخان:

لعبنا

في طُلل الحرب

وتبادلنا أسلحة معطوبة

كتبنا برماد الانفجارات أماني خجلى

ولبسنا أيامنا جلوداً نازفة

شمعة للأحد الدامي

ياساً للخميس الأسود

وأكفاناً لبقية أيام الأسبوع

شعرية مبين تتحدث هذه اللغة غير المنطوقة، لغة مشدودة بالبراغي وتجاعيد أمهات شبن مبكراً، بذكريات العيش المضنك والنوم المفقود، لغة الأرق وفقدان الحب، لغة مدبوغة بندوب الحرب، قاسية، تعيسة ومتألمة، جائعة للحلم، تئن من مكر المعممين وإرهاب السلاح، غير أنها لغة مُزيّتة بجمال صورها، برؤوس جُملها المرفوعة، مُخاطبةً هذا العصر اللعين، بفخرها أنها على قيد الحياة.

كل شيء حاضر أمامنا. مبين الذي يطالب بحريته في ساحة التحرير، ويرى زملاءه يُقتلون، فيما يصعد انتهازيو الاحتجاجات إلى أعلى المناصب، بعضهم يصبحون نواب برلمان اعتصموا به يوماً، وبعضهم مستشارون في مجلس الوزراء أو رؤساء تحرير صحف حكومية أو قنوات تلفزيونية لأحد حيتان الفساد والقتل. نرى مبين في المنفى، يرتب أحلامه، مؤونته الحنين إلى وطن بلا ندوب حرب، إلى بغداد بلا موت.

الأمل فيك أغنية منسية

والحياة فيك فعل لا يشبه الحياة

فجرك يا بغداد شمعة ذائبة

يليه نهار تكرهه العيون

الهواء فيه مثقل بنوايا السوء،

فاسد يومك وغدك مستحيل

سكانك توابيت جوالة

تمشي مطمئنة إلى حتفها.

«ضد الأمل» القصيدة الملحمة، تُوسّع أسئلتنا حول ما جرى ويجري. ننجذب إليها ونُغير نظرتنا لأفكارنا عن معنى «الوطن»، عن تصوراتنا لأوهام «الديمقراطية» و«الحرية» و«السلام»، وكلمات شبيه فقدت معانيها، وهي هياكل عظمية... من دون لحم ودم.

عمل مبين خشاني يدور بالضبط حول هذه المسألة؛ أنه معني بالدفاع عن البعد الإنساني الفردي للغة في وجه المكر اللغوي للسلطة، وبقدر ما يثمن شعره قيمة الحياة، يثمن أيضاً المقاومة المتأصلة في اللغة ضد تجنيدها من قبل السلطات. اللغة تستعيد الحياة في شعره. وهذا وحده إنجاز عظيم.


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.