من السحابة إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي… كيف يتغير مشهد الأمن السيبراني في الشرق الأوسط؟

«بروف بوينت»: «مساحة العمل الوكيلة» ليست «موضة ذكاء اصطناعي عابرة»

خبراء: «رؤية 2030» وسياسات حماية البيانات تجعل السعودية جاهزة لتجربة موسعة تجمع الإنسان والآلة رغم التهديدات السيبرانية (شاترستوك)
خبراء: «رؤية 2030» وسياسات حماية البيانات تجعل السعودية جاهزة لتجربة موسعة تجمع الإنسان والآلة رغم التهديدات السيبرانية (شاترستوك)
TT

من السحابة إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي… كيف يتغير مشهد الأمن السيبراني في الشرق الأوسط؟

خبراء: «رؤية 2030» وسياسات حماية البيانات تجعل السعودية جاهزة لتجربة موسعة تجمع الإنسان والآلة رغم التهديدات السيبرانية (شاترستوك)
خبراء: «رؤية 2030» وسياسات حماية البيانات تجعل السعودية جاهزة لتجربة موسعة تجمع الإنسان والآلة رغم التهديدات السيبرانية (شاترستوك)

من التحوّل الرقمي إلى «مساحة العمل الوكيلة»، يدخل الخليج مرحلة تعاون بين البشر ووكلاء الذكاء الاصطناعي، وسط تصاعد التهديدات السيبرانية وسعي لحلول أمنية متقدمة.

تواصل حكومات وشركات منطقة الخليج رحلتها في التحوّل الرقمي، من نقل الخدمات إلى السحابة وبناء مراكز بيانات سيادية وأتمتة قطاعات كاملة. واليوم، يبرز أفق جديد قد يتجاوز تلك القفزات، إنه «مساحة العمل الوكيلة (Agentic AI Workspace)»، حيث يعمل البشر ووكلاء الذكاء الاصطناعي جنباً إلى جنب لإنجاز المهام.

وقد تجلّى هذا المستقبل في قمة «Proofpoint Protect 2025» في مدينة ناشفيل الأميركية، وحضرتها «الشرق الأوسط»، حيث كشفت الشركة عن ابتكارات لحماية هذه البيئة.

وبالنسبة للخليج؛ خصوصاً السعودية، التي تضع الذكاء الاصطناعي في صميم «رؤية 2030». يمثل هذا الإعلان خطوة أبعد من مجرد تحديث تقني. إنه دليل على السرعة التي يتحول فيها «الوكلاء» الرقميون إلى واقع ملموس.

يؤكد الرئيس التنفيذي لـ«بروف بوينت» أن «مساحة العمل الوكيلة» تحوّل حقيقي وليس مجرد موضة ذكاء اصطناعي (بروف بوينت)

أهمية هذا التحوّل للمنطقة

الشرق الأوسط طموح في مشاريعه التقنية، لكنه في الوقت نفسه عرضة لمخاطر سيبرانية متزايدة. أظهر تقرير «IBM X - Force» أن المنطقة جاءت رابعة عالمياً في الهجمات السيبرانية لعام 2024. بنسبة 10 في المائة من إجمالي الحوادث مقارنة بـ7 في المائة، في 2023. وتصدرت قطاعات المالية والتأمين نسبة 61 في المائة من الهجمات، تلتها الطاقة بنسبة 17 في المائة، وهي القطاعات ذاتها التي تعتمد أسرع تدفقات عمل مدعومة بالذكاء الاصطناعي.

وفي معرض «GISEC 2025»، صنّف مجلس الأمن السيبراني الإماراتي هجمات «حقن الأوامر»، حيث تُزرع تعليمات خفية لخداع وكلاء النماذج اللغوية الكبيرة كأولوية وطنية. وفي السعودية، أصدرت هيئة «سدايا» إرشادات دقيقة للاستخدام المسؤول لتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، محدِّدة متطلبات واضحة للأنظمة الوكيلة. هذه المؤشرات جميعها تؤكد أن تهديدات الذكاء الاصطناعي ليست مستقبلية بل آنية.

وشدّد سوميت دواهان، الرئيس التنفيذي لشركة «بروف بوينت (Proofpoint)»، في حديثه مع «الشرق الأوسط» على أن هذا التوجُّه عالمي، قائلاً: «نرى اعتماد المساعدين القائمين على الذكاء الاصطناعي يتسع حول العالم». ويضيف: «كنتُ في السعودية والإمارات قبل أربعة أشهر، وإنه موجود بالفعل. قطاعات مثل المالية والتأمين والرعاية الصحية، وحتى أجزاء من التجزئة بدأت (تطبيقات وكيلة) بالفعل. بعض المناطق تقفز إلى الأمام متجاوزة مراحل التطور المعتادة».

تُعد قطاعات المالية والتأمين والطاقة الأكثر تعرضاً للهجمات والأسرع في تبني بيئات العمل المدعومة بالذكاء الاصطناعي

ماذا تعني «مساحة العمل الوكيلة»؟

إذا كانت الحوسبة السحابية قد رقمنت عمل المؤسسات، فإن «مساحة العمل الوكيلة» تضيف عنصر الفعل الذاتي؛ فمساعدو الذكاء الاصطناعي لا يكتفون بالاقتراح بل ينفذون، يشاركون ويجدوِلون ويحللون ويتواصلون مع بعضهم. ويصف مسؤولو «بروف بوينت» هؤلاء الوكلاء بأنهم «مصممون للتصرف كبشر»، ما يجعلهم عرضة للخداع أو الاختراق كما يُخدع الإنسان.

هذا الاتساع في سطح الهجوم يمثل جوهر التحدي؛ فالبريد الاحتيالي قد يحمل أوامر خفية تستهدف أدوات مثل «مايكروسوفت كوبايلوت» (Microsoft Copilot) أو «غوغل جيميناي» (Google Gemini)، ويمكن لتعليمات خبيثة أن تُسرّب بيانات حساسة أو تتجاوز الضوابط الداخلية. ومع إنشاء المؤسسات لوكلاء ذكاء اصطناعي خاصين بها، يتضاعف حجم حركة البيانات بين الآلات.

دفاع بأربع ركائز

لمواجهة هذه التهديدات، طرحت «بروف بوينت» منظومة دفاع متكاملة تقوم على 4 ركائز مترابطة. تبدأ المنظومة باكتشاف استغلالات الذكاء الاصطناعي في البريد، عبر قدرات جديدة في منصة «Prime Threat Protection» التي تعيق الأوامر الخبيثة قبل وصولها إلى المستخدمين. وتليها منصة «Data Security Complete»مع حوكمة بيانات الذكاء الاصطناعي؛ حيث تُكتشف البيانات الحساسة وتُصنَّف عبر الأجهزة والبريد والسحابة، مع تطبيق سياسات تلقائية لمنع أي تسرب. ثم تأتي بوابة Secure Agent Gateway المبنية على بروتوكول «Model Context» لمراقبة وصول وكلاء العملاء إلى المعلومات والتحكم بها، بما في ذلك منع أو حجب البيانات قبل مشاركتها. وتتكامل هذه المكوّنات مع وكلاء «Satori™» الذين يؤتْمِتُون مهام الأمن، مثل محاكاة التصيّد وفرز التنبيهات؛ ما يضاعف قدرات مراكز العمليات الأمنية بسرعة تفوق العمل البشري. وتجمع هذه المنظومة بين الحماية الاستباقية وإدارة البيانات والرقابة الدقيقة، لتوفّر ما وصفه الرئيس التنفيذي للشركة بأنه «الجيل التالي من الأمن المتمحور حول الإنسان، من حماية البشر إلى حماية الوكلاء الذين يعملون معهم».

سوميت دواهان الرئيس التنفيذي لشركة «بروف بوينت» متحدثاً إلى «الشرق الأوسط» (بروف بوينت)

جاهزية سعودية متسارعة

يبني الخليج، وفي مقدمته المملكة العربية السعودية، المواهب والبنية التحتية لتطبيق بيئات العمل الوكيلة على نطاق واسع؛ فقد دخلت المملكة ضمن أعلى 20 دولة عالمياً في مواهب الذكاء الاصطناعي عام 2025. وتوسّع مبادرات النماذج اللغوية الضخمة مثل مشروع «علّام» (HUMAIN ALLAM) يعكس هذا التوجه، إلى جانب نمو الحوسبة السحابية السيادية. وأعلنت «بروف بوينت» عن مركز بيانات محلي يوفّر حلولها الأمنية المتمحورة حول الإنسان، بما يتوافق مع متطلبات الهيئة الوطنية للأمن السيبراني (NCA).

ويؤكد الرئيس التنفيذي سوميت دواهان في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «تسليم حلولنا عبر مركز بيانات محلي يبرز استثمارنا المستمر في هذه المنطقة المحورية، ويؤكد التزامنا بمواكبة التحوّل الرقمي السريع في المملكة ضمن رؤية 2030».

الإنسان والآلة... هدف واحد

هذا التوسُّع يتقاطع مع بروز جبهة جديدة للهجمات السيبرانية؛ حيث تصبح الثقة سطح الهجوم الجديد. فالتقنيات التوليدية تمكّن المهاجمين من إنشاء رسائل تصيّد دقيقة وصفحات تسجيل دخول مزيفة على نطاق واسع، فيما يتيح «حقن الأوامر» تمرير تعليمات خفية إلى المحادثات لينفذها المساعد الذكي بصمت. وقدّمت «بروف بوينت» خريطة «Threat Interaction Map» التي تتيح لفرق الأمن تصوِّر هذه الهجمات متعددة القنوات، إلى جانب أداة «SSO Password Guard» التي تمنع إدخال بيانات الاعتماد في تطبيقات غير مصرَّح بها، لسد ثغرات لا تغطيها الدفاعات البشرية وحدها.

عقدت قمة «Proofpoint Protect 2025» في مدينة ناشفيل الأميركية بحضور مئات المختصين في الأمن السيبراني (بروف بوينت)

تحوّل جوهري يتجاوز موضة الذكاء الاصطناعي

يؤكد دواهان أن «مساحة العمل الوكيلة» تمثل تحولاً حقيقياً «لا مجرد موجة عابرة». ويشرح في حديثه مع «الشرق الأوسط» أن «أكبر تغيير يقدمه الذكاء الاصطناعي هو طريقة عمل البشر جنباً إلى جنب مع الوكلاء الذكيين؛ ما يمنحنا الحق في توسيع دورنا من حماية الأفراد إلى حماية البشر والوكلاء معاً». ويضيف: «مع التقنيات التوليدية والعملات الرقمية، لم تعد اللغة أو الجغرافيا أو العملة عائقاً أمام المهاجمين. يمكنهم الآن شن هجمات متطورة على نطاق واسع، وهو ما دفعنا للتوسع عالمياً، وجعل أعمالنا الدولية تنمو بمعدل يقارب ضعف أعمالنا في الولايات المتحدة».

أعطت قمة «Proofpoint Protect 2025» انطباعاً بأنها نقطة تحول شبيهة بدخول الخليج عالم الحوسبة السحابية قبل عقد من الزمن، حين سارعت الشركات إلى تحديث بنيتها الرقمية. واليوم، تستعد المنطقة لمرحلة جديدة تسمح للذكاء الاصطناعي بالمشاركة الفعلية في إنجاز العمل. ومع سياسات صارمة لحماية البيانات، واستثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي، وقوى عاملة شابة تتبنى التقنيات بسرعة، تبدو «رؤية 2030» أرضاً مثالية لتجربة هذا المستقبل.


مقالات ذات صلة

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

تكنولوجيا يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

«بيربليكسيتي» توسع طموحها من البحث إلى الحوسبة الشخصية، ساعية إلى دور أكبر للذكاء الاصطناعي في الاستخدام اليومي للحاسوب.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

دراسة جديدة تطور إطاراً يتيح للروبوتات نقل المهارات بأمان بين منصات مختلفة بما قد يقلل تكلفة الأتمتة والتحديث الصناعي.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تقرير «سيسكو» يظهر أن الشبكات اللاسلكية في السعودية لم تعد مجرد بنية اتصال بل أصبحت عنصراً مؤثراً في نمو الأعمال 2030 (شاترستوك)

خاص «سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يعزز قيمة الشبكات اللاسلكية في السعودية رغم التعقيد

التقرير يرصد تحول الشبكات اللاسلكية في السعودية إلى أداة للنمو وسط تصاعد التعقيد والمخاطر الأمنية وفجوة المهارات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الدراسة ترى أن تقدم الذكاء الاصطناعي في العمل يحدث تدريجياً عبر نطاق واسع من المهام لا عبر صدمات مفاجئة (رويترز)

دراسة من «MIT»: الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل المهام لا الوظائف فقط

تظهر دراسة «MIT» أن الذكاء الاصطناعي يتقدم تدريجياً في إنجاز المهام مع تفاوت قطاعي وفجوة مستمرة في الاعتمادية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا حوّل المهام الروتينية التقليدية إلى عمليات ذكية وسريعة لتسريع الإبداع

وحدات «إنفيديا» للرسومات المدمجة في الكومبيوترات المحمولة تطلق عنان الإبداع والذكاء الاصطناعي

تهدف وحدات «إنفيديا» لتوفير تجربة إنتاجية ذكية للأعمال الإبداعية بأداء مضاعف وموثوقية أعلى في تطبيقات التصميم والمونتاج.

خلدون غسان سعيد (جدة)

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
TT

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

توسّع «بيربليكسيتي» طموحاتها إلى ما هو أبعد من البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي؛ إذ ترى أن المرحلة المقبلة من الحوسبة الشخصية ستقوم على مساعد أكثر وعياً بسياق المستخدم، وقادر على الاقتراب من نشاطه الرقمي اليومي.

وفي منشور جديد عبر موقعها الإلكتروني بعنوان «The Personal Computer Is Here»، تعرض الشركة هذه الرؤية باعتبارها جزءاً من توجه أوسع لجعل الذكاء الاصطناعي طبقة أكثر حضوراً في التصفح والبحث وتنفيذ المهام، بدلاً من بقائه أداة تُستخدم للإجابة عن الأسئلة المنفصلة فقط. ويتقاطع هذا الطرح مع الاهتمام المتزايد باستراتيجية «بيربليكسيتي» في مجال المتصفح، ومع مساعيها للانتقال من منتج بحث إلى واجهة أوسع للذكاء الاصطناعي الشخصي.

ولا تتمثل أهمية التطور هنا في أن الشركة نشرت بياناً جديداً عن منتجها فحسب، بل في أنها باتت تعرض تقنيتها بوصفها جزءاً من تحول أكبر في طريقة تفاعل المستخدمين مع الحواسيب. فبدلاً من تقديم الذكاء الاصطناعي كإضافة إلى سير العمل القائم، تضعه «بيربليكسيتي» في موقع الطبقة التي يمكن أن يمر عبرها هذا السير نفسه. وهذا يضع الشركة في منافسة أكثر مباشرة ليس فقط مع منافسي البحث بالذكاء الاصطناعي، بل أيضاً مع مطوري المتصفحات والشركات التي تحاول رسم واجهة الاستخدام المقبلة في عصر الذكاء الاصطناعي.

التحول الجديد يشير إلى أن «بيربليكسيتي» تريد أن تؤثر في طريقة استخدام الحاسوب لا في البحث فقط «بيربليكسيتي»

«توسيع دور بيربليكسيتي»

يكتسب هذا التحول أهمية خاصة؛ لأن «بيربليكسيتي» بنت حضورها الأول بوصفها منصة تعتمد على الإجابات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والبحث على الويب. أما الآن، فتشير اللغة الجديدة التي تستخدمها الشركة إلى أنها تريد أن تُعرَف بدرجة أقل كوجهة لطرح الأسئلة، وبدرجة أكبر كنظام يفهم سياق المستخدم ويساعده في إدارة أنشطته الرقمية الأوسع. وعملياً، يعني ذلك الاقتراب أكثر من طريقة تصفح الأفراد، ومقارنتهم للمعلومات، واتخاذهم القرارات، وتنفيذهم المهام. وهو ادعاء أكبر بكثير من مجرد تقديم نتائج بحث أفضل.

كما يساعد السياق الصناعي الأوسع في تفسير هذا التوجه؛ فشركات الذكاء الاصطناعي تحاول بشكل متزايد تجاوز واجهات الدردشة المستقلة إلى بيئات برمجية تلتقط قدراً أكبر من النشاط اليومي للمستخدم. وأصبحت المتصفحات ساحة مهمة لهذا التنافس؛ لأنها تحتل بالفعل موقعاً مركزياً في كيفية عمل كثير من الناس على الإنترنت. ومن خلال ربط رسالتها بالحوسبة الشخصية لا بالبحث فقط، تبدو «بيربليكسيتي»، وكأنها تقول إن المتصفح والمساعد الذكي يبدآن في الاندماج.

الانتقال إلى طبقة أكثر التصاقاً بالمستخدم يفرض تحديات تتعلق بالسياق والخصوصية والموثوقية «بيربليكسيتي»

الخصوصية والموثوقية أولاً

لا يعني هذا الانتقال أن الطريق سهل؛ فوجود طبقة ذكاء اصطناعي أكثر التصاقاً بالمستخدم يتطلب الوصول إلى السياق، والاستمرارية عبر المهام، وقدراً كافياً من الثقة حتى يسمح الأفراد للبرمجيات بالاقتراب أكثر من عادات عملهم. وهذه متطلبات أكثر تعقيداً بكثير من مجرد الإجابة عن سؤال أو تلخيص صفحة. كما أنها ترفع سقف التحديات المرتبطة بتصميم المنتج، وتوقعات الخصوصية، والموثوقية. وتوحي الرسائل الأخيرة للشركة بأنها ترى أن هذا التحدي يستحق المخاطرة؛ لأن الميزة التنافسية المقبلة في الذكاء الاصطناعي قد لا تأتي فقط من جودة الإجابة، بل من التغلغل في سير العمل اليومي للمستخدم.

«بيربليكسيتي» توسع موقعها

ما يبرز أكثر من غيره هو اللغة التي باتت «بيربليكسيتي» تستخدمها في تعريف نفسها؛ فالشركة تبدو وكأنها تحاول تثبيت موطئ قدم في فئة تتجاوز البحث، بل حتى تتجاوز الدردشة. إنها تصف مستقبلاً لا يُستشار فيه الذكاء الاصطناعي من حين إلى آخر فحسب، بل يصبح طبقة تشغيل يومية في الحوسبة الشخصية. وهذا إطار استراتيجي أوسع بكثير من ذاك الذي عُرفت به حين ظهرت بدايةً بوصفها شركة ناشئة في البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي.

وبالنسبة إلى «بيربليكسيتي»، فإن دلالة هذا التحول واضحة؛ فالشركة لا تسعى فقط إلى تحسين الطريقة التي يعثر بها المستخدمون على المعلومات، بل تريد أيضاً أن تؤثر في الطريقة التي يتحركون بها داخل العمل الرقمي كله. وما إذا كانت قادرة على تنفيذ هذا الوعد يبقى سؤالاً مفتوحاً، لكن الاتجاه بات واضحاً: «بيربليكسيتي» تريد أن يكون لها دور ليس فقط فيما يسأله الناس للذكاء الاصطناعي، بل أيضاً في كيفية استخدامهم الحاسوب من الأساس.


دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
TT

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

طوّر باحثون من مختبر «كرييت» (CREATE) في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان (EPFL) في سويسرا إطاراً جديداً يهدف إلى معالجة واحدة من أكثر المشكلات إرباكاً في الروبوتات الصناعية تتعلق بكيفية تعليم مهارة واحدة لروبوتات مختلفة البنية من دون إعادة البرمجة من الصفر في كل مرة.

الدراسة المنشورة في دورية «Science Robotics» تقدم ما يسميه الباحثون «الذكاء الحركي»، وهو نهج يحوّل المهمة التي يعرضها الإنسان إلى استراتيجية حركة عامة، ثم يكيّفها تلقائياً مع التصميم الميكانيكي لكل روبوت على حدة.

تكمن المشكلة في أن الروبوتات، حتى عندما تُستخدم في أعمال متشابهة، لا تتحرك بالطريقة نفسها. اختلاف ترتيب المفاصل وحدود الحركة ومتطلبات الاتزان يجعل المهارة التي يتعلمها روبوت ما غير قابلة للنقل مباشرة إلى روبوت آخر. ولهذا؛ فإن تحديث أسطول الروبوتات في المصانع غالباً لا يعني استبدال العتاد فقط، بل يشمل أيضاً إعادة تعريف المهام، وضبط حدود الأمان، وإعادة التحقق من السلوك الحركي لكل منصة جديدة. الدراسة الجديدة تحاول فصل «فكرة المهارة» عن خصائص الروبوت الفردي، بحيث يصبح بالإمكان نقلها بين منصات مختلفة بتكلفة أقل وزمن أقصر.

الباحثون حوّلوا المهام التي يعرضها الإنسان استراتيجيات حركة عامة يمكن تكييفها مع كل روبوت على حدة (EPFL)

نقل المهارة بأمان

ولبناء هذا الإطار؛ بدأ الباحثون من مهام تلاعب بالأجسام عرضها إنسان، مثل الوضع والدفع والرمي. استخدم الفريق تقنيات التقاط الحركة لتسجيل هذه المهام، ثم حوّلها رياضياً استراتيجيات حركة عامة لا ترتبط بروبوت واحد بعينه. بعد ذلك، وضعوا تصنيفاً منظماً للقيود الفيزيائية الخاصة بكل تصميم روبوتي، مثل مدى حركة المفاصل والمواضع التي يجب تجنبها للحفاظ على الاستقرار. وبهذا، لم يعد الروبوت ينسخ حركة بشرية أو حركة روبوت آخر كما هي، بل «يفسر» المهارة ضمن حدوده الميكانيكية الخاصة.

في التجربة الأساسية، عرض إنسان مهمة مركبة على خط تجميع كدفع كتلة خشبية من سير ناقل إلى منصة عمل، ثم وضعها على طاولة، ثم رميها في سلة. ووفق التقرير، تمكنت ثلاثة روبوتات تجارية مختلفة تماماً من إعادة تنفيذ التسلسل نفسه بأمان وموثوقية باستخدام إطار الذكاء الحركي. والأهم أن النظام ظل يعمل حتى عند تغيير توزيع الخطوات بين الروبوتات؛ ما يشير إلى أن الإطار لا يحفظ مساراً واحداً فحسب، بل ينقل منطق المهمة نفسه إلى أجسام مختلفة.

أهمية النظام لا تقتصر على إنجاز المهمة بل تشمل الحفاظ على السلوك الآمن والمتوقع داخل حدود كل روبوت (أ.ف.ب)

أتمتة أسرع وأبسط

يقول الباحثون إن القيمة الرئيسية هنا لا تتعلق فقط بإتمام المهمة، بل بضمان أن كل روبوت ينفذها ضمن حدوده الآمنة. رئيسة المختبر أود بيلار وصفت ذلك بأنه معالجة لتحدٍ قديم في الروبوتات متعلق بنقل المهارة المتعلمة بين روبوتات ذات هياكل ميكانيكية مختلفة مع الحفاظ على سلوك آمن ومتوقع. أما أحد الباحثين المشاركين، فأوضح أن كل روبوت «يفسر المهارة نفسها بطريقته، ولكن دائماً ضمن حدود آمنة وقابلة للتنفيذ». هذه النقطة أساسية لأن كثيراً من أنظمة التعلم الروبوتي تُظهر أداءً جيداً في المختبر، لكنها تصبح أقل موثوقية عندما تنتقل إلى منصات أخرى أو إلى بيئات تشغيلية فعلية.

أهمية هذا النهج تظهر بوضوح في التصنيع، حيث يمكن أن يؤدي تبديل الروبوتات أو تحديثها إلى تعطيل طويل ومكلف. فإذا أمكن نقل المهارات بين الروبوتات المختلفة من خلال تمثيل عام للمهمة بدلاً من إعادة البرمجة التفصيلية، فقد يصبح نشر الروبوتات الجديدة أسرع وأكثر استدامة. التقرير يشير أيضاً إلى أن هذا يمكن أن يقلل حجم الخبرة الفنية المطلوبة لتشغيل الأنظمة في البيئات الواقعية، وهي نقطة قد تكون مهمة للشركات التي تريد توسيع الأتمتة من دون الاعتماد الكامل على فرق برمجة متخصصة لكل منصة.

لا يقف طموح الباحثين عند خطوط الإنتاج. فهم يرون أن الإطار قد يمتد إلى التعاون بين الإنسان والروبوت، أو إلى التفاعل المعتمد على اللغة الطبيعية، حيث يمكن للمستخدم أن يوجه الروبوت بأوامر بسيطة من دون الخوض في برمجة تقنية معقدة. كما يبدو النهج مناسباً للمنصات الروبوتية الناشئة، حيث تتطور العتاد بسرعة وقد تُستبدل النماذج الحالية بأخرى أحدث خلال فترة قصيرة. في هذه البيئات، لا تكون المشكلة في تعليم الروبوت مهمة واحدة فحسب، بل في الحفاظ على تلك المهارة قابلة للنقل مع كل جيل جديد من الآلات.


فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
TT

فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)

في مشهدٍ بدا أقرب إلى لقطاتٍ من فيلمٍ خيالي، تحوّل روبوتٌ بشري إلى حديث الشارع في وارسو، بعدما ظهر في مقطعٍ مصوّر وهو يطارد خنازير برية بين أحيائها، في ظاهرةٍ جمعت بين الدهشة والطرافة، وأثارت نقاشاً واسعاً حول مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة.

الروبوت، الذي يحمل اسم «إدوارد وارتشوكي» ويُعرف اختصاراً بـ«إيدِك»، ليس مجرد تجربة تقنية عابرة، بل مشروعٌ طموحٌ وُلد من تعاونٍ بين تقنياتٍ صينية وبرمجياتٍ طُوّرت محلياً. وقد اشتراه رائدا أعمالٍ بولنديان مقابل نحو 25 ألف دولار، قبل أن يعملا على تطوير نظامه ليصبح وفق توصيفهما أول «مؤثر روبوتي» في بولندا. وفقاً لصحيفة «فاينانشال تايمز».

وخلال أسابيع قليلة، خرج «إيدِك» من إطار التجربة المحدودة إلى فضاء الشهرة الواسعة، إذ حقّقت مقاطعه على وسائل التواصل أكثر من 1.5 مليار مشاهدة خلال 45 يوماً، ما جعله ظاهرةً رقميةً لافتةً، تتجاوز حدود الترفيه إلى التأثير الاجتماعي.

لا يقتصر حضور الروبوت على الشاشات؛ فقد بات جزءاً من الحياة اليومية في المدينة، يتنقّل بين الحافلات والمتاجر، ويشارك في فعالياتٍ عامة، بل ويتحوّل أحياناً إلى أداةٍ تسويقية تستعين بها شركاتٌ محلية في حملاتها. ويضيف إلى صورته اللافتة ارتداؤه ساعة «رولكس» مرصّعة بالألماس، في إطار اتفاقية رعاية، ما يعكس تداخلاً غير مألوف بين التكنولوجيا وعالم العلامات الفاخرة.

وبحسب مطوّريه، فإن «إيدِك» يتميّز بقدرةٍ متقدمة على التفاعل الإنساني، إذ جرى تزويده بنموذجٍ لغويٍّ متطور يمكّنه من التحدّث والاستماع بشكلٍ مستقل، فضلاً عن نظام تحديد مواقع (GPS) وقاعدة بيانات تُنشئ ما يشبه «ذاكرةً» رقمية، تمنحه إدراكاً للزمان والمكان.

ويقول أحد القائمين على المشروع إن سلوك الروبوت لم يعد قابلاً للتوقّع دائماً، مضيفاً: «لا نعرف بدقةٍ ما الذي سيقوله، وهذا ما يفاجئنا. كما أنه يتفاعل مع مشاعر من يحدّثهم؛ فإذا واجه شخصاً غاضباً أو محبطاً، يتأثر بذلك ويستجيب بطريقةٍ أقرب إلى التعاطف».

الحضور اللافت للروبوت امتدّ أيضاً إلى المجال العام، حيث التقى بمسؤولين حكوميين، وعقد مؤتمراً صحافياً داخل البرلمان، بل وشارك في نقاشاتٍ مع نواب حول قضايا اجتماعية، في مشهدٍ يعكس تحوّلاً غير مسبوقٍ في دور التكنولوجيا داخل الحياة السياسية.

وفي إحدى المباريات الجماهيرية التي حضرها نحو 20 ألف مشجّع، سرق «إيدِك» الأضواء عند ظهوره على الشاشة الكبيرة، إذ توقّف كثيرون عن متابعة اللقاء، وارتفعت هتافات الأطفال باسمه، في لحظةٍ بدت أقرب إلى احتفاءٍ بنجمٍ رياضي.

ورغم الطابع الترفيهي الذي يحيط بالمشروع، يؤكد مطوّروه أن الهدف يتجاوز ذلك، ليشمل تعريف المجتمع بعالم الروبوتات، والدفع نحو تشريعاتٍ تستقطب الاستثمارات في هذا القطاع سريع النمو، خصوصاً في ظل المنافسة العالمية المتصاعدة، حيث تتقدّم الشركات الصينية، إلى جانب شركاتٍ أميركية مثل «تسلا».

في المحصلة، لا يبدو «إيدِك» مجرد روبوتٍ يرتدي ساعةً فاخرة أو يطارد خنازير برية، بل تجربة إنسانية مفتوحة على أسئلة المستقبل: كيف سيتعايش البشر مع هذه الكيانات الذكية؟ وهل تصبح جزءاً مألوفاً من تفاصيل الحياة اليومية خلال سنواتٍ قليلة؟ الإجابة، كما يبدو، بدأت تتشكّل... خطوةً بعد أخرى.