أنسي الحاج منشداً للحب والبراءة والأنوثة الكونية

النزق الشهواني في بواكيره أخلى مكانه للانخطاف القلبي وتوهج الروح

إنسي الحاج
إنسي الحاج
TT

أنسي الحاج منشداً للحب والبراءة والأنوثة الكونية

إنسي الحاج
إنسي الحاج

يصعب على أي متتبع لموضوع الحب وتجلياته في الشعر العربي الحديث أن يقفز فوق تجربة الشاعر اللبناني أنسي الحاج، سواء تعلق الأمر بالرؤية المتميزة إلى المرأة، أو بالافتتان المفرط بالأنوثة، أو باحتدام العاطفة وفوران اللغة وجدة الأسلوب. فأنسي الذي كان ينظر إلى الحب نظرته إلى جوهر الوجود ومعناه، جعل منه حجر الرحى الأكثر صلابة الذي تدور حوله قصائده ونصوصه، مضيّقاً المسافة بين لغته وأعصابه، ومندفعاً نحو هدفه كالسيل حيناً، وجارحاً كالصقر حيناً آخر، وهشاً كالفراشة أحياناً كثيرة.

وإذا كان موضوع الحب بتعبيراته المختلفة يشكل العمود الفقري لتجربة أنسي الشعرية، فإن ذلك لا يعني أن صورة المرأة وطبيعتها وعلاقة الشاعر بها كانت واحدة في مجمل أعماله. إذ يكفي أن نلقي نظرة متفحصة على «لن»، مجموعة أنسي الأولى، لكي نشعر بأن الرجل العاشق والمرأة المعشوقة أشبه بكائنين بريين ومحتشدين بالغرائز، وأن العشق نفسه أشبه بحلبة صراع بين طرفين بالغي الضراوة، يعمل كل منهما على هزيمة الآخر، كما في قوله «أتهمكِ أنكِ خلسة تدحرجين وجهك الحقيقي لتهزميني. كشمعة تولولين ويصعد منكِ تيار الحريقة. اعقدي خنصرك في خنصري كعداوة».

إلا أن نبرة النزق الشهواني تلك سرعان ما بدأت تأخذ في مجموعاته اللاحقة أشكالاً أقل قسوة وتوحشاً، بحيث نحت لغة الحب عنده نحو خطاب مأهول بالصدق والشفافية، دون أن تتخفف من لغتها الفائرة وحماسها القديم. وإذا كانت المظاهر الأولى لهذا التغير قد بدت جلية في المجموعة اللاحقة «ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة»، فهي قد بلغت ذروتها الدراماتيكية مع «الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع»، حيث أخذت العلاقة بالمرأة شكلاً من أشكال الوجد والوله القلبي. وهو باستهلاله المجموعتين بكلمتي «منكِ» و«مغلوبك»، أراد أن يعلن في الأولى بأن امرأته المعشوقة هي علة الكتابة ومصدرها، ويعلن في الثانية غلبة الأنوثة على الذكورة، منذ آدم وحواء وحتى آخر السلالة.

والمفاجئ أن أنسي الذي كان يستخدم في «لن»، وبتأثر واضح ببودلير، لغة «بيولوجية» صادمة، وعارية من أي غلالة رومنسية، كقوله «ستطْبق عليكِ العلامات. سوف تنْسل نسلة نسلة حتى يبرز لحمك العاري ويسفر عن عظامك»، سيقلب المعادلة، ليكتب بعد ذلك «أنتِ مولودةٌ لتغلَق الكتب، مولودةٌ لتمتقع التماثيل، مولودةٌ لتصححي الحياة».

كما أن الخطاب العشقي في نسخته الجديدة لا يكف عن التأرجح بين ما هو طقوسي قبل ديني، ومترع بالسحر والتعازيم، وبين ما هو لاهوتي إيماني، تتحول المرأة فيه إلى أنثى شبه معبودة ومانحة للحياة، فيما تطغى على أسلوب الشاعر صيغ الشغف المحموم والغنائية الجارحة والتضرع الابتهالي. ولأن العشق مغامرة ثقيلة الوطأة لا قِبل له باحتمالها، فهو يحاول الإفادة من التجارب التي اختبرها العشاق السابقون، ولا يتوانى عن الاستعانة بالنصوص التي خلّفها شعراء المكابدات القلبية للأجيال اللاحقة. فإذ يرد في «نشيد الأناشيد» بأن «الحب قوي كالموت والغيرة قاسية كالهاوية»، يعلن أنسي بأن «الجبل أخفّ حملاً من الشوق والأرض أقصر من الغيرة». وإذا صرخ ريلكه «مَن، لو صرختُ، سيسمعني في مراتب الملائكة؟»، بردد أنسي بعده «إلى مَن أصرخ فيعطيني المحيط، صارت لغتي كالشمع، وأشعلت لغتي، وكنتُ بالحب». وإذا تنبأ أراغون بلسان مجنون غرناطة، بأن إيلسا قادمة بعد قرون لإعادة الأرض إلى رشدها بالحب، أعلن أنسي بأن حبيبته هي «الدرّة المصقولة بتوالي عذاب الأجيال، وصلتْ مختارة دون نقيصة»؟ وإذا هتف جبران بالحرية «من أعماق هذه الأعماق نناديك أيتها الحرية فاسمعينا»، هتف أنسي بحبيبته «أناديك من الجبال من الأودية، أناديك من الصخر والينابيع، اسمعيني آتياً ومحجوباً وغامضاً».

الأرجح أن إلحاح أنسي على استخدام ضمير المخاطب الجمعي في معظم نصوصه العاطفية، ليس سوى انعكاس لقناعته بوجوب أن نزف الحب إلى العالم، كما لو أنه موعد مع تفتح الحياة أو بشارة بالقيامة. فإذا كانت شرعية الزواج تُكتسب من وجود شاهدين اثنين لا أكثر، فإن الحاج يريد، لكي يُكسب عشقه الشرعية، ولكي يكون جديراً بالحب، أن يستقدم العدد الأكبر من الشهود، فيهتف قائلاً:

أنقلوني إلى جميع اللغات

لتسمعني حبيبتي

أعيروني حياتكم لأنتظر حبيبتي

أنا شعوب من العشاق

ما صنعت بي امرأةٌ ما صنعتِ

رأيتُ شمسكِ في كآبة الروح

وماءكِ في الحمى

على أن أنسي، شأنه شأن الكثير من المبدعين، لا يقيم إلا في الخلاء العاصف، ولا يستقر، في ظرف ما، على حالة أو مقولة، إلا وينقضهما في ظرف مغاير. فالشاعر الذي يريد للبشر أجمعين أن يشاطروه احتفاله العشقي، وينصب سرادقه العاطفي تحت شمسٍ مكتملة السطوع، هو نفسه الذي يرفع، على طريقة سلفه ديك الجن الحمصي، لواء غيرته المرضية على المرأة التي يحب، مؤثراً إقامتها في العزلة التامة، وحجْبها التام حتى عن صورتها في المرآة:

أغار عليك من الطفل الذي كنتِ

ستلدينه لي

من المرآة التي ترسل لك تهديدكِ بجمالك

من شعوري بالنقص أمامك

من حبكِ لي، من فنائي فيكِ

من الماء الذي يُتوقَّ أن تشربيه

وإذ يستهل الشاعر مجموعته «الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع»، المؤلفة من قصيدة واحدة ذات بناء ملحمي، بعبارة «هذه قصة الوجه الآخر من التكوين»، فلكي يعيد تذكيرنا بأن كل قصة حب حقيقية بين طرفين هي ليست ولادة أخرى لهما فحسب، بل إعادة تمثيل معدّل لواقعة الحب الأولى، وعودة رمزية إلى الصفر الينبوعي للأشياء.

وفي هذا السفْر الغنائي المفعم بالوجد، يتولى الحاج إعادة رسم العلاقة بين المرأة والرجل، من منظور الانتصار للأنوثة الكونية التي تكفلت عبر الزمن بتشذيب سلوكيات الرجل وتخليصه من رعونته. ورغم أن الرجل لم يكن رفيقاً بالمرأة التي انشقّ عنها، وعمل جاهداً على التنصل من الخطيئة الأصلية ليلصقها بها وحدها، ثم أسرف في تهميشها ورميها بالنقصان، وظل سادراً في بطشه الدموي، فقد تركته من جهتها يفرح بأوهامه، «لأنه الضعيف وهي القوية. ثم حضنت عذابها لتحضن معذِّبيها، فالكاذبون أطفالها ولو تزوجوها»، فيما الغابة التي اسمها الأرض، بدت «شقيةً بالأسد رضيةً بالفراشة».

إلحاح أنسي الحاج على استخدام ضمير المخاطب الجمعي في معظم نصوصه العاطفية ليس سوى انعكاس لقناعته بوجوب أن نزفّ الحب إلى العالم

وإذا كانت مناخات «نشيد الأناشيد» المنسوب لسليمان، واضحة تماماً في خلفية «الرسولة»، كما في نسيجها التعبيري ومناخاتها الفردوسية، فاللافت أن أنسي في هذه التجربة الاستثنائية لم يكتف بالانقلاب على الجموح الغرائزي الذي ظهر في بواكيره، بل ذهب أبعد من «العهد القديم»، في دفع الرغبات الجسدية المحمومة إلى الخلف، وصهرها بشكل كامل في أتون التوله الروحي.

الملاحظ أن أنسي يستعين لتظهير عشقه على النحو الأكمل، بكل ما في لغة الضاد من علامات التعجب والاستفهام والنداء والاسترحام والدعاء، مروراً بالتنقل بين الصيغ الكلامية، والعود على بدء، والتكرار الذي يعكس حرقة النفس ويرسّخ المعنى، وتأنيث ما لا يؤنث «الرسولة، الماءة»، واللعب بالضمائر «اختبأتْني، أطلَّتْني»، وصولاً إلى تكرار القسَم لمحو كل شك:

أقسم أن أنسى قصائدي لأحفظك

أقسم أن أسكُن دموعي في يدك

أقسم أن أكون فريسة ظلك

أقسم أن يطير عمري

كالنحل من قفير صوتك

أقسم أن أنزل من برق شَعرك

مطراً على السهول

ولا بد من الإشارة أخيراً إلى أن الطابع الابتهالي الصوفي لكتاب «الرسولة»، وحرص أنسي على تقديم صورة لامرأته المعشوقة موزعة بين البهاء المريمي وبين التفتح الرعوي للرغبات، هو الذي حدا بالكثيرين إلى التساؤل عن الهوية الحقيقية للمرأة التي تقف وراء قصيدته، التي تعتبر إحدى أكثر قصائد العشق تميزاً وفرادة في الشعر العربي الحديث. وإذا كان الشاعر قد ذهب بهذا السر إلى قبره، فالثابت وفق اعترافاته وحواراته الصحافية، أن عشقه للمرأة لم ينحصر في علاقة واحدة، وأنه ينتمي، في ما يتجاوز النساء اللواتي أحبهن، إلى الأنوثة الكونية التي تقيم مملكتها الساحرة على أرض سرمدية البهاء. ولأن الأمر كذلك، فهو يهتف بالبشر القانطين والمفتقرين إلى الحنو، كما بالمنكفئين على خوائهم العاطفي والروحي:

تعالوا، المملكة مفتوحة

أسراب الحساسين عند باب المملكة

تسرع للتحية

الكنوز وحيدة، الحياة وحيدة،

تعالوا كلِّلوا رؤوسكم بذهب الدخول

وأحرِقوا العالم بشمس العودة


مقالات ذات صلة

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».