نيويورك ستشهد اعتراف 10 بلدان على الأقل بـ«دولة فلسطين»

باريس تراه «إنجازاً تاريخيّاً» رغم العراقيل التي وضعت بوجه مبادرة «حل الدولتين»

شاشة تعرض عدد الأصوات أثناء تصويت أعضاء الجمعية العامة على القرار الخاص بتنفيذ حلّ الدولتين في جلسة بمدينة نيويورك 12 سبتمبر 2025 (رويترز)
شاشة تعرض عدد الأصوات أثناء تصويت أعضاء الجمعية العامة على القرار الخاص بتنفيذ حلّ الدولتين في جلسة بمدينة نيويورك 12 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

نيويورك ستشهد اعتراف 10 بلدان على الأقل بـ«دولة فلسطين»

شاشة تعرض عدد الأصوات أثناء تصويت أعضاء الجمعية العامة على القرار الخاص بتنفيذ حلّ الدولتين في جلسة بمدينة نيويورك 12 سبتمبر 2025 (رويترز)
شاشة تعرض عدد الأصوات أثناء تصويت أعضاء الجمعية العامة على القرار الخاص بتنفيذ حلّ الدولتين في جلسة بمدينة نيويورك 12 سبتمبر 2025 (رويترز)

يوم الاثنين المقبل، سيعلن الرئيس الفرنسي، من على منبر الأمم المتحدة، الاعتراف رسميّاً بـ«دولة فلسطين»، وبعده سيحذو ما لا يقل عن 10 دول حذو فرنسا، منها بريطانيا وكندا وأستراليا والبرتغال وبلجيكا ومالطا ونيوزيلندا. ووفق مصادر فرنسية، فإن دولاً أخرى كانت تقول سابقاً إنها لن تعترف بالدولة الفلسطينية إلا «في نهاية المسار» قد غيّرت مقاربتها، وهي تؤكد اليوم أنها سوف تقدم على الاعتراف «في منتصفه».

وإزاء هذا التطور، ترى باريس أن «الدينامية الدبلوماسية» التي كانت تسعى إليها من وراء إعلان الرئيس ماكرون قبل أشهر أنه عازم على الاعتراف بـ«دولة فلسطين» قد تحققت، بينما لم تتوفر هذه الدينامية بعد أن استبقت إسبانيا وآيرلندا وسلوفينيا الآخرين بالإقدام على هذه الخطوة العام الماضي. من هنا، فإن مصادر دبلوماسية في العاصمة الفرنسية اعتبرت هذا التطور أمراً إيجابياً، وأنه يعد «انتصاراً دبلوماسياً ولحظة تاريخية» هما «ثمرة جهود مثابرة» قامت بها باريس، مع شركائها، وعلى رأسهم المملكة السعودية، حيث إنهما كانا في أساس هذه المبادرة منذ نهاية عام 2094. وثمة محطتان اثنتان بارزتان على هذا المسار؛ أولاهما الاجتماع الذي حصل في الأمم المتحدة يوم 29 يوليو (تموز) الماضي، الذي شهد ولادة «إعلان نيويورك»، والثانية اجتماع 12 سبتمبر (أيلول) في الأمم المتحدة حيث صوّتت أغلبية كاسحة على قرار يتبنى «إعلان نيويورك»، وذلك بأكثرية كاسحة من 142 دولة.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يرى أن الخيار العسكري سيقود إسرائيل إلى طريق مسدود (أ.ف.ب)

تعتبر باريس أن مؤتمر «حل الدولتين» يعدّ أيضاً نجاحاً مهماً بالنظر للعراقيل التي وضعت في طريقها، وللضغوط التي مارستها إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية لإجهاضها. كذلك، لا يمكن التغاضي عن العزلة التي أخذت تعاني منها إسرائيل سياسياً ودولياً، سواء في مجلس الأمن أو في الجمعية العامة أو في علاقاتها الثنائية، خصوصاً مع دول كانت تؤيدها بشكل كامل. وهذه الناحية ركّز عليها ماكرون في حديثه الصحافي، إذ ترى بلاده أن الخيار العسكري سيقود إسرائيل إلى طريق مسدود، وأن المبادرة السياسية والدبلوماسية التي طرحت عليها كان يمكن، لو قبلتها، أن تخرجها من هذا المأزق. أما الفشل الذي كان يتحدث عنه معارضو المبادرة الفرنسية السعودية، فإن عنوانه الحقيقي العجز عن القيام بأي مبادرة، فيما الوضع يتفاقم ويزداد مأساوية في غزة. كذلك، ترى باريس أن تل أبيب التي تعتبر اليوم أن قيام الدولة الفلسطينية يعدّ «خطاً أحمر» إنما يعني التخلي علناً ورسميّاً عن الأفق الذي رسمته قرارات عام 1948، التي نصّت على قيام دولتين؛ إحداهما اليوم قائمة، والثانية «مشروع» تسعى الأولى لإجهاضه. ولذا، فإن العودة للحديث عن «حلّ الدولتين» ما كان ليحصل لولا الحراك الدبلوماسي الذي سيتوج في نيويورك، الاثنين المقبل.

وباريس، رغم الهوة التي تفصلها عن إسرائيل بسبب الدور الذي قامت وتقوم به في ملف الاعتراف، فإنها ما زالت تحاول إقناعها بفائدته وبأنه يخدم مصالحها. والرسالة نفسها حاول الرئيس ماكرون إيصالها إلى الإسرائيليين من خلال المقابلة الصحافية التي بثّتها قناة تلفزيونية إسرائيلية، مساء الخميس. واستغل ماكرون المناسبة ليركز على الفائدة التي يمكن أن تجنيها إسرائيل.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الأمم المتحدة (أرشيفية - أ.ب)

ووفق الدبلوماسية الفرنسية، فإن أحد الأوجه المهمة في «إعلان نيويورك» أنه يتضمن نصاً «يدين (حماس) بشدة للجرائم التي ارتكبتها، ويدعو إلى نزع سلاحها واستسلامها». والنقطة الأخرى المهمة بالنسبة لباريس هي أن الاعتراف، بعكس ما تسعى بعض الجهات لتصويره، ليس «عملاً رمزياً» رغم أنه لا يعني «نهاية الجهود الدبلوماسية»، خصوصاً أنه يتناول ما يسمى «اليوم التالي».

أولوية «اليوم التالي» يجب أن تكون، وفق القراءة الفرنسية، وقف الحرب. والحال أن آخر محاولة لوقفها، جرت في مجلس الأمن الخميس، جوبهت بـ«الفيتو الأميركي» الذي استخدمته واشنطن للمرة الثامنة منذ اندلاع هذه الحرب. وتكرر فرنسا أن المطلوب دعم الوساطة القطرية المصرية الأميركية، وإطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين «غير المشروط»، وانسحاب القوات الإسرائيلية من غزة، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية من دون عوائق. وترفض باريس أي ترحيل للفلسطينيين، وهي تدعم اتخاذ عقوبات بحقّ إسرائيل في إطار الاتحاد الأوروبي.

وللانتقال من الاعتراف إلى الإقامة الفعلية للدولة الفلسطينية، التي دونها عقبات، ليس أقلها رفض الحكومة الإسرائيلية ذلك بشكل علني، إضافة إلى المعارضة الأميركية، أقله في الوقت الراهن، ترى باريس أنه يتعين تحقيق 3 شروط؛ خطة حوكمة فلسطينية قوامها لجنة إدارية مؤقتة تحت إشراف السلطة الفلسطينية المتجددة وفق الالتزامات، التي قدّمها رئيسها محمود عباس، ومن بنودها نزع سلاح «حماس» ومنعها من القيام بأي دور في حكم غزة لاحقاً. والتحدي الثاني عنوانه إعادة بناء غزة وفقاً للخطة التي أقرّتها قمة الجامعة العربية يوم 4 مارس (آذار) في القاهرة. وثالث الأمور الذهاب باتجاه إطلاق برنامج يتضمن ّهندسة أمنية إقليمية، عبر إطلاق بعثة دولية مؤقتة، تحت إشراف الأمم المتحدة. وبحسب باريس، فإن هذه الهندسة يجب أن تشمل، في نهاية المطاف، إسرائيل. وفيما تسعى إسرائيل إلى إضعاف السلطة الفلسطينية، فإن باريس ترى أن مسؤولية إدارة الضفة الغربية وغزة يجب أن تكون من صلاحيات السلطة المذكورة، وهو الأمر المتضمن في إعلان نيويورك.

شاشة تعرض عدد الأصوات أثناء تصويت أعضاء الجمعية العامة على القرار الخاص بتنفيذ حلّ الدولتين في جلسة بمدينة نيويورك 12 سبتمبر 2025 (رويترز)

يبقى أن الاعتراف شيء، وقيام الدولة الفعلية شيء آخر. وثمة كثير من المسائل التي ما زالت في الحيز النظري، أو أن المشاورات بشأنها لم تتوصل بعد إلى نتائج نهائية، فيما موضوع وضع حدّ للحرب يواجه بإصرار إسرائيلي على استكمالها حتى النهاية، وهو التوجه الذي يحظى بتفهم، إن لم يكن بدعم أميركي، وهو ما أظهرته زيارة وزير الخارجية، ماركو روبيو، الأخيرة لإسرائيل، والتصويت ضد القرار الذي طرح مؤخراً في مجلس الأمن. ومن بين المسائل التي تحتاج لتوضيحٍ طبيعة «مهمة الاستقرار» الدولية، التي يتحدث عنها إعلان نيويورك. وعلم في باريس أن عدة اجتماعات ستحصل بهذا الخصوص في نيويورك في الأيام المقبلة. وتأمل باريس أن يتيح مؤتمر الاثنين، وما يتلوه، الفرص لمناقشات واسعة، تسمح بتحقيق بعض التقدم على طريق تبدو شائكة أصلاً.


مقالات ذات صلة

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

تحليل إخباري الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق» وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة.

أنطوان الحاج
الولايات المتحدة​ أناس متأثرون بالفيضانات يتلقون مساعدات في قندهار بأفغانستان (إ.ب.أ)

«أميركا أولاً» تفضل العلاقات التجارية على سياسة المساعدات

طلبت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب دعم دول العالم لإعلان يدعو إلى تبنّي مبدأ «التجارة بدلاً من المساعدات»، خدمة لمبدأ «أميركا أولاً».

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا لقاء سابق بين صدام حفتر ومسعد بولس في بنغازي (إعلام القيادة العامة)

مصراتة تصعد رفضها للمبادرة الأميركية لتسوية الأزمة الليبية

تشهد مدينة مصراتة الليبية ذات الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية في غرب البلاد حالة من الرفض المتصاعد حيال ما يُتداول بشأن «مقترح أميركي» لإعادة ترتيب السلطة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على جنوب لبنان (إ.ب.أ)

خبراء أمميون ينددون بقصف إسرائيل للبنان ويصفونه بأنه «عدوان غير مشروع»

 ‌قال مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إن خبراء ​المنظمة الدولية نددوا، الأربعاء، بقصف إسرائيل للبنان مطلع هذا الشهر، واصفين إياه بـ«العدوان غير المشروع».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا جلسة مجلس الأمن بشأن ليبيا في نيويورك الثلاثاء (لقطة من تسجيل مصور)

شكوك وتساؤلات حول جدوى القيود الأممية على تهريب النفط الليبي

أثار قرار مجلس الأمن الدولي القاضي بتمديد التدابير والقيود الخاصة بمكافحة تهريب النفط الليبي حتى أغسطس 2027 شكوكاً متجددة حول جدوى هذه الإجراءات

علاء حموده (القاهرة)

إغلاق «هرمز» مجدداً يعقّد المفاوضات


مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
TT

إغلاق «هرمز» مجدداً يعقّد المفاوضات


مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)

أعادت إيران، السبت، إغلاق مضيق هرمز بعد ساعات من فتحه بصورة محدودة، مطالبة بإنهاء الحصار الأميركي على موانئها، في خطوة زادت المفاوضات الجارية تعقيداً، وأعادت التوتر إلى الممر البحري الحيوي.

وجاء القرار بعدما أكدت واشنطن أن إعادة فتح المضيق لا تعني رفع الحصار البحري. وقال الجيش الأميركي إن 23 سفينة امتثلت لأوامره بالعودة إلى إيران منذ بدء تنفيذ الحصار البحري. وجاءت التطورات في حين كان يسود ترقب بشأن تحديد جولة ثالثة من المحادثات، بوساطة إسلام آباد.

ومع إغلاق المضيق، أطلق قاربان لبحرية «الحرس الثوري» النار على ناقلة شمال شرقي عُمان من دون تحذير لاسلكي، في حين نقلت «رويترز» عن ثلاثة مصادر في الأمن البحري والشحن أن سفينتين تجاريتين على الأقل تعرضتا لإطلاق نار أثناء محاولة العبور. وقالت الهيئة إن الناقلة وطاقمها بخير، في حين استدعت الهند سفير طهران بعد تعرض سفينة تحمل شحنة نفط خام لهجوم.

وفي واشنطن، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن المحادثات مع إيران «تسير على نحو جيد جداً»، لكنه اتهم طهران بمحاولة إعادة إغلاق المضيق، مضيفاً: «لا يمكنهم ابتزازنا». ولوّح بعدم تمديد الهدنة التي تنتهي الأربعاء إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق طويل الأمد، مؤكداً استمرار الحصار، في حين أفادت «وول ستريت جورنال» بأن الجيش الأميركي يستعد للصعود على متن ناقلات مرتبطة بإيران، والاستيلاء على سفن تجارية في المياه الدولية، مع استعداد الجانبين لاحتمال استئناف القتال.

وفي طهران، لوّح محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، برفض تمديد الهدنة، قائلاً: إما أن يمنحونا حقوقنا على طاولة المفاوضات أو ندخل ساحة المعركة.

وقال قائد عمليات هيئة الأركان علي عبداللهي إن «هرمز» عاد إلى «الوضع السابق» تحت رقابة مشددة، في حين أن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف اتهم ترمب بطرح «ادعاءات كاذبة».

وأفاد مجلس الأمن القومي بأن طهران تراجع مقترحات نقلها قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، الذي أنهى مساء الجمعة زيارة إلى طهران استغرقت ثلاثة أيام.


«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
TT

«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

دخل مجلس الأمن القومي الإيراني على خط السجال الداخلي المتصاعد بشأن إدارة المفاوضات مع الولايات المتحدة، بعد موجة انتقادات طالت وزير الخارجية عباس عراقجي واتهامات للجهات الرسمية بالغموض وسوء إدارة المعلومات، خصوصاً بعد إعلانه فتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة.

وجاء تدخل المجلس في محاولة لتوضيح مسار محادثات إسلام آباد، وشروط الهدنة المؤقتة، وآلية فتح المضيق، في وقت كانت فيه منابر مقربة من «الحرس الثوري» تصعّد هجومها على وزارة الخارجية، وتطالب بتفسير ما جرى للرأي العام، بينما توزعت المواقف داخل مؤسسات الحكم بين الدعوة إلى الانضباط الإعلامي، والمطالبة بتشدد أكبر، والتشكيك في جدوى التفاوض نفسه.

وفي بيان مطول، قالت الأمانة العامة لمجلس الأمن القومي إن الرسائل والطلبات الأميركية لوقف إطلاق النار وبدء التفاوض بدأت منذ اليوم العاشر للحرب، بعد ما وصفته بـ«فشل الأعداء المعتدين» في الميدان العسكري.

وأضافت الأمانة العامة التي يترأسها القيادي في «الحرس الثوري»، محمد باقر ذو القدر، أن الجمهورية الإسلامية قبلت إجراء مفاوضات إسلام آباد في اليوم الأربعين للحرب، بعد إعلان رسمي من الرئيس الأميركي قبول الخطة الإيرانية المكونة من عشرة بنود إطاراً لمفاوضات إنهاء الحرب.

وأوضح البيان أن المحادثات استمرت 21 ساعة متواصلة، وأن الوفد الإيراني طرح مطالب الشعب الإيراني «بجدية وبروح مبادرة» رغم انعدام الثقة العميق بواشنطن، لكن الطرف المقابل عاد، بحسب البيان، وطرح مطالب جديدة ومبالغاً فيها خلال التفاوض، ما أدى إلى انتهاء الجولة من دون نتيجة محددة وتأجيل استئنافها إلى وقت لاحق.

وأوضح البيان أيضاً أن مقترحات أميركية جديدة طُرحت في الأيام الأخيرة عبر الوسيط الباكستاني، وأنها قيد المراجعة حالياً من دون أن تقدم رداً بعد. وشدد على أن الوفد الإيراني «لن يقدم أي تنازل أو تراجع» فيما وصفته بـ«المعركة السياسية» لتثبيت ما تحقق ميدانياً.

عاصم منير يتحدث إلى قاليباف على هامش لقائهما في مقر الوزارة الخارجية بطهران اليوم (البرلمان الإيراني)

كما أكد أن من الشروط الأساسية لقبول وقف إطلاق النار المؤقت وقف العمليات في جميع الجبهات، بما فيها لبنان. وقال إن إصرار طهران أفضى إلى وقف إطلاق نار في لبنان، على أن يُفتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة ومشروطة حتى نهاية فترة الهدنة لعبور السفن التجارية فقط، وليس السفن الحربية أو غير العسكرية التابعة لـ«دول معادية»، وذلك تحت إشراف القوات المسلحة الإيرانية وبموجب مسارات محددة.

وأضاف أن اعتماد «القواعد الأميركية» في الخليج على الإمدادات عبر مضيق هرمز يمثل تهديداً للأمن القومي الإيراني، وأن طهران ستواصل فرض الرقابة والسيطرة على الملاحة حتى انتهاء الحرب بالكامل وتحقيق سلام مستدام في المنطقة. وأوضح أن تنظيم حركة العبور يتم عبر الحصول على معلومات كاملة عن السفن، وإصدار تصاريح وفق القواعد الإيرانية المعلنة، وفرض رسوم تتعلق بالأمن والسلامة وحماية البيئة. كما شدد على أن استمرار ما وصفه بمحاولات «العدو» لعرقلة الملاحة أو فرض حصار بحري سيُعد خرقاً لوقف إطلاق النار، وسيؤدي إلى منع أي فتح مشروط أو محدود للمضيق.

وينتهي بيان المجلس بدعوة تحض الإيرانيين على الحفاظ على اليقظة والتماسك الوطني، مع التأكيد على ضرورة نجاح المسار الدبلوماسي إلى جانب تثبيت نتائج الميدان.

وجاء هذا التوضيح بعدما صعّدت وكالتا «فارس» و«تسنيم»، التابعتان لـ«الحرس الثوري»، لهجتهما تجاه طريقة إدارة الملف. ودعت «فارس» المسؤولين إلى تفسير «الصمت» حيال التطورات الأخيرة، واعتبرت أن المجتمع الإيراني دخل في «هالة من الارتباك»، متسائلة: إذا كانت مصلحة البلاد تقتضي عدم نشر تفاصيل المفاوضات أو التطورات الأخيرة، فلماذا لا يُشرح للشعب سبب هذا النهج وضرورة تجنب الشفافية؟

أما «تسنيم» فذهبت أبعد في انتقادها، ووصفت تغريدة عراقجي بشأن المضيق بأنها «سيئة وناقصة» وتمثل «سوء تقدير كاملاً في إيصال المعلومات»، معتبرة أنها نُشرت من دون شروح كافية، وأثارت غموضاً واسعاً بشأن شروط العبور وآلياته وأدت إلى موجة انتقادات كان يمكن تفاديها.

وطالبت «تسنيم» وزارة الخارجية بإعادة النظر في طريقة إدارتها لهذا الملف، بل دعت إلى تدخل مجلس الأمن القومي لوضع آلية أكثر تماسكاً لضبط الرسائل الصادرة عن المؤسسات الرسمية، بما فيها الخارجية.

وقالت الوكالة إن ما ينشره المسؤولون على منصة «إكس»، حتى إن كان موجهاً إلى الخارج أو مكتوباً بالإنجليزية، ينعكس أيضاً على الداخل الإيراني، وإن أي رسالة تثير القلق أو الإحباط تُعد إخلالاً بالتماسك الداخلي.

وفي الساعات الأولى من نشر تغريدة عراقجي، سارعت «فارس» و«تسنيم» إلى نشر معلومات على لسان مصدر مطلع قريب من الأمن القومي بشأن تفاصيل الشروط المرتبطة بإعادة الفتح المؤقت للمضيق، مؤكدتين أن استمرار الحصار البحري سيُعد انتهاكاً لوقف إطلاق النار، وأن العبور يقتصر على السفن التجارية غير المرتبطة بدول معادية، وفق مسارات محددة وتنسيق مع القوات الإيرانية.

وسرعان ما امتدت ردود الفعل إلى شخصيات إعلامية وسياسية مقربة من «الحرس الثوري». فكتب نظام موسوي، المدير المسؤول السابق لصحيفة «جوان»، أن ثقة الناس بالمسؤولين المفاوضين «لا تعني تجاهل الرأي العام»، موجهاً رسالة مباشرة إلى المسؤولين: «قولوا شيئاً».

وذهب نشطاء آخرون، من بينهم علي قلهكي، إلى انتقاد ما وصفوه بـ«الوضع الإعلامي المتردي»، خصوصاً بعد تعارض مضمون تغريدة عراقجي مع توضيحات لاحقة صدرت عن مصدر عسكري عبر التلفزيون الإيراني.

وفي الاتجاه نفسه، دعا حسن عباسي، المنظّر الاستراتيجي المقرب من «الحرس الثوري»، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي أكبر ذو القدر، إلى تعيين متحدث «قدير ومتاح دائماً» للمجلس، مطالباً بإنهاء ما وصفه بـ«فتنة الإشاعات والغموض والحيرة» في أذهان الرأي العام.

وامتد السجال أيضاً إلى شخصيات برلمانية ومحلية. فقال النائب مرتضى محمودي إنه «لولا ظروف الحرب» لكان قد جرى استجواب عراقجي بسبب تغريدته، متهماً وزير الخارجية بأنه لعب مراراً دوراً مهدئاً لأسواق النفط والطاقة العالمية بتصريحات «غريبة وغير مناسبة» في لحظات حساسة.

وزير الخارجية عباس عراقجي خلال لقاء قاليباف ومنير في طهران اليوم (البرلمان الإيراني)

وقال عمدة طهران، المحافظ المتشدد علي رضا زاكاني، إن طاولة المفاوضات كان يفترض أن تكون امتداداً ومكملاً للميدان، وإن أي قرار أساسي يجب أن يظل منسجماً مع توجيهات المرشد الإيراني وبموافقته. كما اعتبر أن أي صحة في الرواية الأميركية بشأن استمرار الحصار تعني أن وقف إطلاق النار نُقض وأن إيران لا تزال «في وسط الحرب».

وفي المعسكر الأكثر تشدداً، صعّد عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، محمود نبويان، هجومه على مسار التفاوض، وقال إن المفاوضات مع الولايات المتحدة «لن تصل إلى نتيجة»، وإن إيران ستواصل الحرب حتى «الهزيمة الكاملة لترمب ونتنياهو». وأضاف أن مسؤولية السيطرة على مضيق هرمز تعود حصراً إلى بحرية «الحرس الثوري»، ولا يحق لأي جهة أخرى التدخل.

وكشف نبويان عن قرار داخل لجنة الأمن القومي يقضي بمنع عبور السفن العسكرية الأميركية من المضيق، ومنع سفن الدول التي «تمنح قواعد للعدو» من المرور أيضاً.

كما قال وزير الاقتصاد السابق، إحسان خاندوزي، إن المرور عبر مضيق هرمز يجب أن يكون فقط للدول غير المتخاصمة وبشرط تحصيل رسوم، محذراً من أن تُسوّق الولايات المتحدة رفع الحصار البحري كأنه امتياز لإيران، ومشدداً على أن باب الحوار يجب أن يُغلق ما دام الحصار قائماً.

في المقابل، صدرت دعوات إلى قدر من الانضباط الإعلامي من داخل الجهاز التنفيذي. فقد قال علي أحمدنيا، رئيس دائرة الإعلام الحكومي، إن ما وصفه بـ«العمليات النفسية وصناعة الإنجازات عبر التغريدات» يتطلب الحذر، مؤكداً ضرورة الحفاظ على الوحدة وعدم خدمة «مخطط العدو» من دون قصد.

وأضاف أن فريق الدبلوماسية يعمل في إطار استراتيجية «العزة والمصلحة والحكمة» للدفاع عن حقوق إيران في الإعلام وعلى طاولة المفاوضات. وقال وزير الثقافة السابق، محمد مهدي إسماعيلي، إن الاستراتيجية الأميركية في المفاوضات تقوم على «أخذ كل شيء من دون تقديم أي مقابل».

فيما دخلت مؤسسات أخرى على الخط، من بينها السلطة القضائية التي طالب رئيسها، غلام حسين محسني إجئي، بملاحقة الولايات المتحدة وإسرائيل قضائياً ودفعهما تعويضات عن الحرب.

تأتي هذه الخلافات في وقت تشير فيه تقديرات استخباراتية أميركية وغربية إلى أن الحرب الأميركية - الإسرائيلية أضعفت آلية صنع القرار داخل إيران، بعد مقتل عدد من كبار القادة وتضرر منظومة القيادة والسيطرة.

ووفق هذه التقديرات، باتت قنوات التواصل بين مراكز القرار أكثر تعقيداً، فيما يواجه المسؤولون صعوبات في التنسيق وعقد الاجتماعات، وسط مخاوف من الاستهداف.

كما تعزز نفوذ التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري» على حساب مؤسسات أخرى، في ظل غموض يحيط بحدود سلطة المرشد الجديد مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر علناً منذ توليه المنصب، فيما تعتقد أجهزة استخبارات أميركية وإسرائيلية أنه أصيب خلال الحرب.

ويرى مسؤولون أن هذا المشهد انعكس على أداء المفاوضين، الذين يعملون في بيئة تتسم بتعدد مراكز القرار وتباين الرسائل، ما يزيد صعوبة بلورة موقف تفاوضي موحد أو تقديم تنازلات واضحة.


تقرير: الجيش الأميركي يستعد لمداهمة سفن مرتبطة بإيران

ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

تقرير: الجيش الأميركي يستعد لمداهمة سفن مرتبطة بإيران

ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)

ذكرت ​صحيفة «وول ستريت جورنال»، السبت، ‌نقلاً ‌عن ​مسؤولين ‌أميركيين ⁠قولهم ​إن الجيش ⁠الأميركي يستعد خلال الأيام ⁠المقبلة ‌لمداهمة ‌ناقلات ​نفط ‌مرتبطة بإيران، والسيطرة ‌على سفن تجارية ‌في المياه الدولية.

ووفق الصحيفة الأميركية، يستهدف الجيش بذلك توسيع نطاق حملته البحرية ضد إيران لتشمل مناطق خارج الشرق الأوسط.

وتأتي هذه الخطوة في ظل استمرار الجيش الإيراني في تشديد قبضته على مضيق هرمز، حيث هاجم «الحرس الثوري» الإيراني عدة سفن تجارية، السبت، في المضيق، معلناً أن الممر المائي الحيوي يخضع «لسيطرة إيرانية مشددة».

وقد دفعت هذه التطورات شركات الشحن إلى حالة من الارتباك بعد يوم من تصريح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بأن المضيق مفتوح بالكامل أمام حركة الملاحة التجارية، وهو إعلان رحّب به الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ويهدف قرار إدارة ترمب بتصعيد الضغط الاقتصادي على طهران إلى إجبار النظام الإيراني على إعادة فتح المضيق، وتقديم تنازلات بشأن البرنامج النووي الإيراني، الذي يعد محور المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.

ونقلت وكالة أنباء «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، قوله، السبت، إن إيران تستخدم السيطرة على مضيق هرمز أداةَ ضغط سياسية في مواجهة العقوبات الدولية.

بدوره، قال الرئيس الأميركي إنه لن يسمح بتحرك إيران لإغلاق المضيق بوضعه تحت الضغط، بعد أن أعادت طهران إغلاق الممر المائي بعد رفض ترمب إزالة الحصار الذي فرضه على الموانئ الإيرانية.

ووفقاً للقيادة المركزية الأميركية، فقد أعادت الولايات المتحدة بالفعل 23 سفينة حاولت مغادرة الموانئ الإيرانية في إطار الحصار البحري.

وسيُمكّن توسيع نطاق هذه الحملة الولايات المتحدة من السيطرة على السفن المرتبطة بإيران حول العالم، بما في ذلك السفن التي تحمل النفط الإيراني والتي تبحر بالفعل خارج الخليج وبحر العرب، وتلك التي تحمل أسلحة قد تدعم النظام الإيراني، وفق «وول ستريت جورنال».