ما هي الثقافة الرابعة؟ وكيف تتشكل؟

مع الذكاء الاصطناعي سيعادُ تشكيلُ مفاهيمنا وكامل كينونتنا البشرية!

ما هي الثقافة الرابعة؟ وكيف تتشكل؟
TT

ما هي الثقافة الرابعة؟ وكيف تتشكل؟

ما هي الثقافة الرابعة؟ وكيف تتشكل؟

نعرفُ في المواضعات السائدة أنّ الثقافة صنفان: أدبية وعلمية. هكذا جرت العادة حدّ أنّ الدراسة الإعدادية (توصف بالثانوية في بعض الأقطار العربية) تحدّد المسار الدراسي للطالب وفقاً لاختياره بين الدراسة العلمية أو الأدبية. يعرف الطالب منذ البدء إلى أين سينتهي به هذا المسار. قد تكون بعض التفصيلات الصغيرة حاضرة؛ لكنْ في العموم هذا هو العنوان الأكبر: الدراسة صنفان: علمية وأدبية. قد يضافُ أحياناً خيارُ التركيز على الرياضيات كما هو حاصل في مصر وبلدان الشمال الأفريقي العربية، وقد يحصل تركيز على الفلسفة ضمن الدراسة الأدبية، كما قد يحصل شطرُ الدراسة العلمية إلى قسم تطبيقي يقود إلى العلوم والهندسة، وقسم أحيائي يقود إلى الدراسة الطبية وتفريعاتها، وهو ما حصل في العراق ثم انتهت القناعة لوأد التجربة والعودة إلى السياق الكلاسيكي: علمي وأدبي.

كل دراسة تقود إلى صناعة ثقافة تدور في مداراتها. نعرفُ في الصورة العامة ما الذي سيكون موضع الاهتمام الثقافي لدى الدارس الأدبي. سيدور هذا الدارس (أو هكذا تفترض البداهة) في مدار الأدب والفلسفة والتاريخ والنقد والرواية وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا. قد لا يدور في كل تلكم المدارات، لكنّه في الأقلّ سيدور في واحد منها ويتطلّع لمعرفة بعض الشيء عمّا يدور في الأفلاك الأخرى. الأمر ذاته يحصل مع ثقافة الدارس العلمي. سيدلّنا الحدسُ على أنّه سيتابع التطوّرات العلمية في حقله الاختصاصي مع رغبة في مدّ عنقه للإطلالة على الحقول العلمية الأخرى. هذا التمركز الاختصاصي حول الأدب أو العلم خلق لنا أصولية ثقافية ناشزة لم تعُدْ مناسبة للتعامل مع معضلات العالم الطارئة. لم يعُد مقبولاً أو مناسباً أن نستخدم مخرجات العلم التقنية من غير أن تكون لنا خلفية مناسبة لمعرفة السياق التاريخي والمجتمعي الذي قاد لتلك المخرجات، وقبل هذا معرفة السياسات العلمية للدول وبخاصة أنّها صارت سياسات معقّدة تشتبك فيها المؤثرات العلمية والتقنية والاقتصادية والثقافية.

كان اللورد سي بي سنو C. P. Snow من أوائل من كتبوا عن القصور الفاضح في الانكفاء على ثقافة علمية أو أدبية؛ فكتب مؤلفه الأشهر (الثقافتان The Two Cultures) الذي سعى فيه لتجسير الهوّة بين الثقافتين العلمية والأدبية. المقصود بهذا التجسير هو امتلاك القدرة على إدامة نمط من التواصل الحي المنتج بين المشتغلين بالعلم والأدب، وقد برهنت الوقائع على أنّ المعرفة بالآخر كانت منتجة وذات نتائج مثيرة. بدأت معالم هذا التجسير من تطعيم المناهج الدراسية الجامعية لكلّ طرف بدراسات من الطرف الآخر في سياق تكاملي لا يرى العلم أو الأدب ومشتقاتهما الثقافية جزراً معزولة بل صوراً متعدّدة لعالم جميل يتّسم بالتعقيد المثير.

نشر اللورد سنو كتابه المثير عام 1959، ثمّ أتْبَعَهُ بتحديث عام 1962. مضى أمرُ الثقافتين بهدوء وسلاسة ولاقى قبولاً واستحساناً عالمياً، وفي مستطاع القارئ حتى اليوم قراءةُ موضوعات على شاكلة «الثقافتان بعد ستين عاماً»، لكنْ يبدو أنّ الوكيل الأدبي والمهتم بشؤون الثقافة العالمية جون بروكمان John Broakman لم يكتفِ برؤية سنو بل أراد الترويج لمفهوم (أو بالأصح سياسة ثقافية) وصفه بالثقافة الثالثة The Third Culture. حصل الأمر ابتداءً من منتصف تسعينات القرن الماضي، وأراد منه بروكمان أن يتوجه العلماءُ المتخصصون إلى عامّة القرّاء بكيفية مباشرة من غير وسيط. هنا حصل انفجار حقيقي (Boom كما يوصف في الأدبيات الثقافية) في كمّ ونوع المنشورات التي تخاطب القارئ العادي. انبرى الفيزيائيون يكتبون عن موضوعات الانفجار الكبير، وأصل الكون ونهايته، وميكانيكا الكم وتطبيقاتها المثيرة، والمصادم الهادروني الكبير والجسيمات الأولية على شاكلة جسيم هيغز. من جانبهم راح الرياضياتيون يكتبون عن نظرية الفوضى Chaos Theory والنظم الدينامية المعقّدة ونظرية الكوارث؛ في حين بدأت بواكير الذكاء الاصطناعي حينذاك وكثُرَ الحديث عن النظم الخبيرة والمعالجة الحاسوبية للغة الطبيعية. الأمثلة أكثر من التعداد البسيط والانتقائي، وقد ساهم بروكمان ذاته في تعزيز مفهوم الثقافة الثالثة ولم يكتفِ بالدعوة المخلصة لها، فأنشأ موقعاً إلكترونياً أسماه Edge.com لم يزل فاعلاً حتى اليوم، وأحسبه كنزاً معرفياً حقيقياً لثراء الموضوعات والحوارات والشخوص فيه، وفي العادة كان بروكمان يصنع من محتويات هذا الموقع كتاباً كلّ سنة أو سنتيْن. قراءة كتب بروكمان متعة عظيمة لمن خَبِر أهمية الموضوعات التي كان يختارها. من المهم الإشارةُ إلى أنّ بروكمان لم يَدْعُ صراحة أو تلميحاً إلى أصولية علمية (أو نزعة علموية) كما قد نظن؛ بل أراد نقل العلم من بنيته الفوقية إلى طور المشاعية العامة. أراد تقريب صورة المشتغل بالعلم إلى الجمهور حتى لا نبقى مشدوهين نحسبُ العلم أقرب إلى كهانة جديدة يلعبُ فيها العلماء دور سَحَرَة العالم القديم. من المفيد أن نتذكّر حقيقة كون بروكمان مشتغلاً في الصناعة الثقافية الأدبية ولم يكن ذا تخصّص علمي معروف، وهذا ما يضفي على دعوته للثقافة الثالثة مصداقية حقيقية ومضاعفة.

أفكّرُ اليوم بمفهوم سيكون مسوّغاً أن أصفه بـ«الثقافة الرابعة The Fourth Culture». لا بأس أن نضيف واحداً إلى (عدّاد) بروكمان الثقافي. الأمر ليس نزوة أو رغبة عابرة أو سباقاً جامحاً لحيازة قصب السبق في ابتكار المسمّيات الجديدة. الأمر أكبر من هذا وله مفاعيله المفاهيمية والعملية. لم أجد في البحث الغوغلي المستفيض ما يشيرُ إلى اعتماد توصيف الثقافة الرابعة، لكنّي موقنة أنّها ستصبحُ مفهوماً جوهرياً في زمن قريب جداً.

أولاً وقبل كل شيء، ما هي الثقافة الرابعة؟ هي -باختصار- الثقافة التي تتعشّق مع الذكاء الاصطناعي وتتناغم مع معطياته. الأصل في هذه الثقافة هي القناعة الراسخة بأنّ الذكاء الاصطناعي ليس ثورة تقنية جديدة فحسب (خامسة أو سادسة أو سابعة. ليس أمراً مهمّاً هذا)، بل هو إيذان بعصر تنوير جديد The New Enlightenment. سيعادُ مع الذكاء الاصطناعي تشكيلُ مفاهيمنا وكامل كينونتنا البشرية، وسيكون من المعيب أن يبقى المرء بعيداً أو ناكراً أو جاهلاً لهذه الثورة التنويرية الجديدة.

كيف تتشكّل الثقافة الرابعة؟ لن نكون مغالين أو متشدّدين ونتصوّر أنّ على المرء دراسة الذكاء الاصطناعي كما يدرسه طلبة الجامعة، علماً بأنّ دراسة الذكاء الاصطناعي في جامعاتنا تجربة قاصرة لا تختلف نوعياً عن الدراسات التقليدية المعروفة في الجامعة، لكن برغم ذلك فمن سعى مخلصاً للمعرفة التقنية في الذكاء الاصطناعي ولم يشأ الاكتفاء بالعموميات الثقافية التي تشكّل الحدّ الأدنى The Minimum فيمكنه الاستعانة ببرامج دراسية مجانية ورائعة على الشبكة العالمية (الإنترنت)، وهي أرقى وأنفع بكثير من مقرراتنا الجامعية. ستكون تجربة ثقافية مميزة أن نقرأ عن تاريخ تطوّر الذكاء الاصطناعي، وفلسفته، ومفاهيم على شاكلة: الخوارزميات، التفكير الحوسبي، البيانات الكبيرة، الروبوتات، مع تركيز خاص على المعضلات التي ينجح الذكاء الاصطناعي في تفكيكها أو قدح شرارتها. يتوجّب أن ننتبه للوجهين؛ إذ لكلّ تقنية جديدة جوانب طيبة ومؤذية. هذا ما تعلّمُنا إياه الثوراتُ التقنية السابقة، وعلينا أن نتخيّل كيف سيكون الحال مع تقنية عظمى هي أقرب إلى عصر تنوير جديد! الأمر منوط بنا في نهاية المطاف. يمكن أن نكون أتباعاً شريرين لمفيستوفيليس أو رفقاء مخلصين لبروميثيوس في تطلعاته الثورية اللانهائية.

علينا أن نتخيّل كيف سيكون الحال مع تقنية عظمى هي أقرب إلى عصر تنوير جديد

ما أهمية الثقافة الرابعة؟ ببساطة، عصرنا هو عصر الذكاء الاصطناعي، وحتى يحوز المرء أقلّ الشغف اللازم للتعامل مع المنتجات الثورية للذكاء الاصطناعي فيتوجّب عليه معرفةُ الأساس الثقافي الذي يتأسّس عليه هذا الذكاء. هذا يصحّ مع الذكاء الاصطناعي أو أي حقل معرفي آخر. الثقافة هي البنية التحتية اللازمة لإدامة أيّ فعل ناجح في العلم والتقنية أو أيّ منشط إنساني. لا شيء يمنعنا أن يحقق شباب عربٌ مجموعات ناشطة في الذكاء الاصطناعي تناظرُ ما حقّقه الهنود أو الصينيون. كل ما نحتاج إليه هو الشغف والرغبة الحقيقية في الإنجاز. المال ليس عائقاً، وهذه واحدة من الخواص الطيّبة للتقنيات الحديثة كالذكاء الاصطناعي. مع حاسوب ووصلة إنترنت وشغف حقيقي (ولا ننسى الكثير من الشاي أو القهوة بالطبع) نستطيع أن نفعل الكثير ممّا فعله الهنود أو الصينيون وأذهلوا به العالم. لن يموت الأدب أو الإبداع كما قد يتوهّم بعضنا، كما لن نكون في حاجة لقتل تراثنا الإبداعي والفلسفي العالمي. ليس مَنْ يبشّرُ بحتمية قتل الجاحظ أو دوستويفسكي أو سارتر أو راسل لكي نكون بارعين في التعامل مع الثقافة الخوارزمية ومعطيات ثورة الذكاء الاصطناعي. الأمر هو العكس تماماً: ليس ثمّة ما يمنعُ أن تكون روائياً بارعاً أو فيلسوفاً متسلّحاً بأفضل المنتجات الثقافية ما بعد الحداثية، وفي الوقت ذاته يمكنك التعامل مع أدوات الثورة الرابعة. بكلمات وجيزة: ليس من المناسب أن نشعر بضياع كامل في متاهة اغترابية كلّما واجهتنا معضلة أو موضوعة يكون الذكاء الاصطناعي طرفاً فيها. هذا هو جوهر الثقافة الرابعة.

لنفعلْ شيئاً. هذا أفضل من أن نبقى شبيهي «فاوست» المأسور بغواية مسمومة ما عادت مناسبة للبقاء والاستمرارية في عصر التنوير الجديد الذي نعيش تباشير ثورته القادمة.


مقالات ذات صلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

ثقافة وفنون روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت

دوايت غارنر
ثقافة وفنون «تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون  عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات،

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة

«الشرق الأوسط» (القاهرة: )
ثقافة وفنون الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها،

خالد الغنامي

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»
TT

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

يسلّم العاهل الإسباني فيليبي السادس اليوم الجائزة الأهمّ للآداب الإسبانية، «سرفانتيس»، إلى الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو الذي نال جائزة هذا العام عن أعماله التي وصفتها اللجنة التحكيمية بأنها «تجمع صفاء الفكر النقدي إلى الغوص في الهوية العاطفية والفقدان». وكما جرت العادة منذ عام 1976 عندما منحت الجائزة لأول مرة إلى الشاعر خورخي غيّين، يجري حفل تسليم الجائزة في جامعة Alcala de Henares «قلعة النهر» القريبة من مدريد، حيث شهد النور ميغيل دي سرفانتيس صاحب «دون كيخوتي». جاء في بيان هيئة التحكيم أنها قررت منح سيلوريو الجائزة التي تبلغ قيمتها النقدية 125 ألف يورو «عن نتاجه الأدبي الاستثنائي والعميق الذي أثرى اللغة الإسبانية... وعن نظرته الكئيبة التي يرميها على الذاكرة». ورأى البعض في هذا القرار لفتة من وزارة الثقافة الإسبانية ترمي من ورائها إلى تنقية الأجواء السياسية المتعكرة بين إسبانيا والمكسيك منذ بداية عهد الرئيس المكسيكي السابق لوبيز أوبرادور الذي طالب الحكومة الإسبانية باعتذار تاريخي عن تجاوزات الفاتحين الإسبان خلال «اكتشاف» القارة الأميركية أواخر القرن الخامس عشر. وكانت إسبانيا قد منحت قبل أشهر جائزة «الوئام» لمتحف الأنثروبولوجيا الوطني في مكسيكو، وجائزة الفنون التصويرية للمكسيكية غراسيلا ايتوربيدي. يعدّ سيلوريو من أبرز الروائيين والباحثين والأكاديميين المكسيكيين المعاصرين، وتتميّز أعماله بشغف عميق باللغة، وتدور معظم رواياته حول التاريخ العائلي، وحياة الروائيين الذين تواصل معهم ونتاجهم. في كتابه الأخير الذي صدر مطلع العام الماضي بعنوان «هذه الكومة من المرايا المتكسرة» قرر أن يتناول حياته فيما يشبه المذكرات التي تتعمق في «الدعوة الأدبية» التي جاءته في سن مبكرة، وفي تكوينه الفكري وأنشطته الأكاديمية. ويقول سيلوريو إن العنوان مقتبس من إحدى قصائد بورخيس الذي يعدّه أفضل الذين عرّفوا الذاكرة، ويضيف: «يراكم هذا الكتاب ذكريات مبعثرة تعكس بعض مراحل حياتي. لكنها مجرد انعكاسات؛ لأن اللغة تحرّف ما تسعى إلى اختزانه في الذاكرة. وهو ليس سيرة ذاتية على الإطلاق، بل عبور على بعض الجوانب الأثيرة في حياتي»، ويستشهد بما كتبه الفيلسوف الفرنسي Montaigne على أعمدة بيته الخشبي في القرن السادس عشر «تمتّع بالحاضر، وما عداه لا يعنيك». يُعرَف عن سيلوريو أنه يملك واحدة من أكبر المكتبات الخاصة في أميركا اللاتينية، ويقول إن مطالعاته المفضلة كانت دوماً تدور حول أعمال الشاعرين غارسيا لوركا وميغيل هرنانديز، وحول روايات بلزاك وخوان رولفو وخوليو كورتازار، والأعمال الكاملة لمغيل دي سرفانتيس. ويقول عنه زملاؤه في أكاديمية اللغة المكسيكية إنه مثال «الكاتب الكلّي والنهضوي» الذي لم يقتصر إنتاجه على الدراسات الأدبية والروايات، بل شمل الدراسات اللغوية وكرّس حياته للتعليم والبحث الأكاديمي. في دردشة طويلة مع سيلوريو جمعته بعدد من وسائل الإعلام، بينها «الشرق الأوسط»، في المركز الثقافي المكسيكي بمدريد، اعترف سيلوريو بأنه منذ سنوات يعيش هاجس الوقت بعد أن تبدّلت العلاقة بين الماضي والحاضر «في الماضي كان رصيدي كبيراً من المستقبل، أما اليوم فصار رصيدي الأكبر من الماضي، وهذا ما دفعني إلى كتابة هذه المذكرات»، ويقول: «الذاكرة هي الخزّان الأول لكتاباتي، فيها أستعيد التاريخ والحكايات، وقصص الأسرة والأصدقاء والرفاق الذين رحلوا، وأيضاً الأحداث التي مررت بها ولم أدرك في حينه أهميتها ومدى تأثيرها على حياتي الأدبية... لا يمكن أن نعرف من نحن إذا لم نعرف من كنّا ومن أين جئنا ومن هم أجدادنا وما هي محدداتنا التاريخية. والهدف من كل هذا البحث ليس فحسب لمجرد تحديد الهوية واستعادة الماضي وقراءة الحاضر، بل أيضاً، وقبل أي شيء آخر، لاستشراف المستقبل الذي يتكشّف أمامنا يوماً بعد يوم». لكنه سرعان ما يستدرك ليقول إنه هو أيضاً ضحية التناقضات: لأني أكتب أيضاً كي أنسى؛ لأن الحياة لم تنته بعد، وثمة أمل في أن ننسى، كما يقول خوان كارلوس أونيتي». على أعتاب الثمانين من عمره يبدو سيلوريو هزيلاً في صحته التي يقول إنها تدهورت بسرعة خلال جائحة «كوفيد» التي أعادت إليه أمراضاً كان يظنّ أنه تعافى منها، وهو يتحدث بصوت خشن وغليظ بسبب تقطّع في حباله الصوتية: «هذا الانهيار الصحي والجسدي حرمني من لذّة السفر والتنقّل، لكني أعوّض عن ذلك بالحيوية التي أجدها بشكل أساسي في الكتابة». وعندما نسأله أين يضع الحدود في رواياته بين ما عاشه وما تخيّله يجيب: «في الواقع لا توجد حدود؛ لأن كل ما نتذكّره ويعشعش في ذاكرة ما عشناه في حياتنا، يخضع لعوامل الزمن واللغة. فاللغة ليست هي الواقع، بل هي الوسيلة التي تدلّنا على الواقع، وأعتقد أن كل أدب تاريخي هو خيالي؛ لأن اللغة في أساسها ليست سوى خيال، كالأدب الذي هو دائماً، بشكل أو بآخر، ضروب مختلفة من السير الذاتية». ويضيف: «عندما ننقل التجارب الشخصية إلى عالم الأدب، يولد واقع جديد أكثر واقعية من تلك التجارب، وهنا يكمن سحر الأدب، وقوة الإبداع الذي نبني به عالماً أكثر حيوية وواقعية من الذي كان نقطة الانطلاق». عن أسلوبه الكتابي الذي وصفه كارلوس فونتيس بأنه «فعل إرادة صلبة ومثابرة أكاديمية نادرة» يقول: «الأسلوب هو الحد الفاصل بين الكلمة والواقع المتجسّد في الكتابة. هو الذي يحدد هويتنا، ويمثّلنا، ويميّزنا عن غيرنا؛ لأن الأسلوب لا يقبل الاستنساخ. قد يكون أسلوب الكاتب خاضعاً لتأثيرات عدّة لأن الكاتب هو أيضاً قارئ، لكن أسلوبه يبقى فريداً. أما أسلوبي فهو على صلة وثيقة بمفاقمة الإمكانات اللغوية بأخصب الطرق المتاحة؛ لأني أكره القيود على اللغة، ولا أحب معاقبتها وتعذيبها وقمع براعمها». يعود سيلوريو في هذه الدردشة الطويلة إلى الاستشهاد بكارلوس فونتيس ليقول: «إن الكتّاب قوم أشرار وخبثاء والسذاجة ليست من خصائلهم. الرواية فيها الكثير من القذارة، لو استثنينا منها الروايات الغنائية؛ لأنها تنهل من كل جوانب الحياة، الجميل منها والقبيح والمشين. ولذلك؛ فإن الرواية لا تنتهي، بل إن الكاتب هو الذي يقرر التخلّي عنها ويغادرها بعد أن يدرك أنه قطع المسافة التي كان عليها أن يقطعها. الرواية عمل شاق؛ لأنها تقتضي الكثير من المثابرة والانضباط، وهذا ما يشكّل الفارق الكبير بين القصة والرواية. القصة درّة، والرواية هي حكاية البحث عن هذه الدرّة». ويضيف: «في العادة لا أضع شروطاً مسبقة عندما أباشر كتابة الرواية، كمن يرمي نفسه في البحر ويصغي إلى ما تهمس به الحواري. إنها مغامرة رائعة لا نعرف ماذا ينتظرنا فيها أو كيف ستكون نهايتها». ويكشف لنا سيلوريو عن أن الأبحاث الأخيرة التي أجراها بيّنت أن أول رواية ظهرت في القارة الأميركية كانت تلك التي وضعها المفكر المكسيكي خوسيه خواكين فرنانديز دي ليزاردي مطالع القرن التاسع عشر بعنوان «محطة الأحلام»، (وكان دي ليزاردي صحافياً مشهوراً قضى فترات في السجن بسبب آرائه المؤيدة للحركات الاستقلالية). وعندما نسأله عن الأدباء المكسيكيين المتحدرين من أصول عربية، يحيلنا فوراً إلى الكتاب المرجع الذي وضعته مؤخراً الروائية والناشرة روز ماري سلّوم، المتحدرة من أصول لبنانية، والذي يستعرض أعمال عدد من الروائيين والشعراء المتحدرين من أصول عربية، مثل سلّوم، وكارلوس مارتينيز أسعد، ونايف يحيى، وبابلو مخلوف، وليون رودريغيز زهّار وأنور خليفة، الذين، كما يقول: «رصّعوا الإنتاج الأدبي المكسيكي بأعمال قيّمة جداً». وينهي سيلوريو باسماً: «من حسن طالعي أني كرّست حياتي للأدب الذي لا يرجى منه نفع، لكني تمتعت به طيلة حياتي».

استحق سيلوريو الجائزة لنتاجه الأدبي الاستثنائي والعميق الذي أثرى اللغة الإسبانية… وعن نظرته الكئيبة التي يرميها على الذاكرة

هيئة التحكيم


روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».