«بالحبر الطائر»... نساء يصارعن الاغتراب والمحو

بطلات عزة رشاد يعبرن «المتوسط» ويغرقن في الحياة

«بالحبر الطائر»... نساء يصارعن الاغتراب والمحو
TT

«بالحبر الطائر»... نساء يصارعن الاغتراب والمحو

«بالحبر الطائر»... نساء يصارعن الاغتراب والمحو

في روايتها الأحدث «بالحبر الطائر»، الصادرة عن دار «الكتب خان» في القاهرة، تقدم الروائية المصرية عزة رشاد أربع شخصيات نسائية رئيسة، هُن مركز الرواية، متتبعة مصائرهن ومآلاتهن، في رحلاتهن لإثبات الوجود، ومصارعة الإرث الذكوري المتجذر ثقافياً، يهربن منه إلى فضاءات أخرى بعيدة، لكنه يلاحقهن كقدرٍ محتوم لا فكاك منه، حتى بعد السفر وعبور البحر المتوسط إلى الفضاء الغربي، فلم يجدن الخلاص على الشاطئ الآخر، بل لاحقهن المصير نفسه، الإلغاء والمحو، وعدم الاعتراف بهن، إضافة إلى الاغتراب عن أنفسهن، وعن هوياتهن، فتضاعفت الأزمات والمآزق الوجودية التي تعانيها كلٌّ من النساء الأربعة.

نعيمة ونجوى ونادين ونسمة، أربع نساء في العقد السادس من العمر تقريباً، جمعتهن الصداقة في شبابهن أثناء الدراسة في جامعة الإسكندرية، وأطلقن على أنفسهن لقب فريق «الفور N»، على غرار اسم الفرقة الغنائية الشهيرة في نهايات القرن العشرين، ثم تفرقت بهن السبل، هاجرت نجوى إلى أميركا وتزوجت هناك رجلاً لبنانياً، وتزوجت نادين شاباً مصرياً سكندرياً وسافرا معاً إلى فرنسا، وسافرت نسمة إلى إنجلترا وتزوجت زيجتين فاشلتين. وحدها نعيمة التي ظلت في الإسكندرية، وتزوجت روائياً كان زميلهن في الجامعة، ولها مركز ثقل خاص في الرواية؛ فهي همزة الوصل بينهن، تحاول إعادة لمّ شمل صديقاتها عبر التواصل والحوار في «جروب» على «فيسبوك»، وتدعوهن للعودة إلى الإسكندرية في إجازة يقضينها معاً، يستعدن فيها ذكرياتهن في المدينة الكوزموبوليتانية، وأحلام الشباب التي كانت تملؤهن بالأمل قديماً.

تتأسس الرواية على تقنية تعدد الأصوات، ففي جروب «فيسبوك» - الفضاء الافتراضي الذي يجمعهن معاً - تحضر الأصوات كلها بشكل سطحي عبر جمل مقتضبة وعابرة، فتبدو كل واحدة منهن للثلاثة الأخريات وكأن حياتها تسير بشكل جيد، لكن الساردة تمنح كل شخصية فصلاً تحكي فيه عن نفسها بصوتها الخاص، عبر تقنية التداعي الحر، لتتكشف أزمة كل منهن، واختلاف المآلات بين ما كانت تصبو إليه في شبابها، وما تبدو عليه الآن لصديقاتها، وبين حقيقة حياتها وأزمتها الراهنة. ويتحول غناؤهن في الشباب إلى نحيب على مصائر لم تكن في الحسبان.

يجمع الشعور بالمحو والإلغاء الشخصيات الأربع، فكل شخصية منهن تعاني محواً ما، سواء في المجتمع المحيط، أم في محاولتها هي محو تاريخها وذكرياتها، وهذا ما يبدو منذ عتبة العنوان. تكتب نعيمة مذكراتها بحبر طائر، قابل للمحو بعد فترة، كي يتمكن ابنها وزوجها من قراءتها لو ماتت بغتة، ويعرفا ما عانته منهما، ومعهما، وإذا عاشت طويلاً تنمحي الكلمات والذكريات من تلقاء نفسها. إنها بهذا تضع ذاتها وتاريخها وأوجاعها على محك النسيان والتلاشي، كما تلاشت أحلامها، وكذا علاقتها بابنها وزوجها، وحتى علاقتها بالقطط التي تُربيها، مستعيضة بها عن التواصل مع عائلتها، فآخِر قطة لديها هربت وتركتها تعاني الوحدة. وفي النهاية تتلاشى نعيمة على مهل، على أثر حادث أدخلها غيبوبة طويلة، لتظل عالقة بين الحياة والموت، تماماً كما كانت وهي في كامل صحتها.

هذا التلاشي والمحو لا علاقة له بالمكان، ولا بوجود الشخصية في مصر، فصديقاتها المهاجرات واجهن المحو نفسه، وربما بدرجةٍ أكثر قسوة، إذ إن نجوى، أكثرهن جموحاً وانطلاقاً وتحرراً في مرحلة الشباب، تعاني محواً أشد وطأة في مانهاتن الأميركية، إذ تنمحي ذاكرتها، وتعاني نسيان اسمها وتاريخها وابنتها وزوجها، هذا النسيان الناتج عن صدمات نفسية حادة، بعد أن هربت ابنتها «نورا» من منزل الأسرة، وتتواتر أنباء أو توقعات عن انتمائها لـ«داعش»، ولم يكن هرب الابنة سوى نتيجة عدم قبول المجتمع الأميركي لهم بصفتهم أسرة عربية مسلمة، فالشاب الأميركي الذي أحبته رفض الزواج منها نزولاً على رغبة أمه التي لم تقبل أن يتزوج ابنها الأميركي فتاة من أصول عربية. هكذا شعرت نجوى بتهدم وتلاشي كل ما عاشت عمرها لأجله، تجذرها في مجتمع متحرر بدا وهماً غير حقيقي، وأنها ستظل مهاجرة عربية غير مرحَّب بها، وكذا تلاشت أسرتها بعد أن أفنت حياتها في تشييدها، فكانت المحصّلة أن تتلاشي ذاكرتها جراء هذه الصدمة.

نادين، التي انتقلت إلى باريس، وتفرغت لتربية ابنها وابنتيها، ولمساعدة زوجها أستاذ الجامعة في الارتقاء مهنياً، ومحت ذاتها وطموحها المهني تماماً، وعاشت أسيرة أفكار رجعية تحكم الجالية العربية المحيطة بها، فوجئت بأن ابنها أدمن المخدرات وهجر المنزل أيضاً، وطلب منها زوجها أن تعود بالابنتين إلى الإسكندرية؛ لإنقاذهما من مصير شقيقهما في مجتمع منفتح، وسيرسل لهم «مصروفاً» شهرياً، وسيظل هو في عاصمة النور يمارس مهنته وحريته، فشعرت بأن تاريخها وعطاءها كله يُمحى «في فرنسا، كنتُ أحسب وجودي معهم هام ومؤثر، لكنه امّحى في لحظة، كحبر طائر. وفي الإسكندرية، لن أفعل سوى الوقوف بالطابور، لأصرف قيمة الشيك».

الصديقة الرابعة في فريق «الفور N» هي نسمة، وُلدت بعيب خلقي في جيناتها، إذ كانت لديها كروموسوم X، دون كروموسوم ثان، لا X، ولا Y فتكون ذكراً، بل عالقة جينياً بين الجندريْن، ولم يأتها الطمث مطلقاً لتكتمل أنوثتها، رغم وجود أعضاء أنثوية، وهو ما يسمى متلازمة تيرنر، وظلت موضع اندهاش كل من يعرفها في مصر، وعندما هاجرت لتجد الدعم والتفهم لحالتها، لم تجد هناك سوى ما وجدته هنا؛ عدم التقبل، فضلاً عما تعانيه في إنجلترا من صعوبات الحياة، فاعتادت أن تمحو جسدها وتخفيه، قبل أن يخفيه المجتمع، ممارسة القمع الذاتي على نفسها «لا جسم لي... أمحوني داخل ثياب واسعة لا شكل لها، ولا شكل لي داخلها، ولا إحساس بكياني».

«بالحبر الطائر» ليس مجرد عنوان للرواية بل هو عنوان لعطاء النساء ووجودهن ونضالهن في الحياة، عنوان لما يبذلنه من أجل الأسرة والعالم، لكنه سرعان ما يتطاير، وسرعان ما يتعاطى معها الجميع، في الشرق والغرب على السواء، ككائن شفاف، غير مرئي، وعطاءاته ليست موضع اعتبار، وسرعان ما يجري محو هذه العطاءات، بل محو وإلغاء المرأة نفسها.


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.