البرازيل... تعيش «تجربة» محاكمة جاير بولسونارو

اختبار جدّي للديمقراطية الأميركية اللاتينية في ظل ترمب

لولا... رافعاً العلم البرازيلي (آ ف ب)
لولا... رافعاً العلم البرازيلي (آ ف ب)
TT

البرازيل... تعيش «تجربة» محاكمة جاير بولسونارو

لولا... رافعاً العلم البرازيلي (آ ف ب)
لولا... رافعاً العلم البرازيلي (آ ف ب)

بدأت المحكمة البرازيلية العليا مطلع هذا الأسبوع محاكمة الرئيس اليميني السابق جاير بولسونارو (70 سنة)، ومعه زمرة من كبار الضباط، بتهمة تدبير انقلاب عسكري للإطاحة بالرئيس لويس إيغناسيو لولا بعد فوزه في انتخابات عام 2022. ومن المفترض أن تصدر الهيئة القضائية حكمها النهائي في هذه القضية التاريخية قبل نهاية الأسبوع المقبل، بعد خمس جلسات مرافعات واستماع إلى الشهود. هذه هي أول مرة في تاريخ البرازيل يَمثُل فيها رئيس سابق وقادة عسكريون أمام القضاء بتهم التآمر على قلب النظام. وسيكون قرار المحكمة، الذي سيصدره القضاة الخمسة الذين يشكّلون معاً هيئة المحكمة العليا، مبرماً لا يقبل الطعن أو الاستئناف، وقد يصل إلى عقوبة السجن المؤبد. البرازيليون يتابعون منذ صباح الثلاثاء وقائع هذه المحاكمة التي ينفي فيها بولسونارو مسؤوليته عن تلك الأحداث، ويعدّها «سياسية الغايات» تهدف إلى إقصائه عن المشاركة في الانتخابات الرئاسية المقبلة. وما يزيد من الترقّب في متابعة هذا الحدث، دخول الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الخط بعدما رفضت الرئاسة البرازيلية الطلب الذي تقدّم به ترمب منذ أشهر للعفو عن صديقه بولسونارو، واتخاذه قراراً بفرض رسوم جمركية إضافية على السلع البرازيلية بنسبة 50 في المائة، وعقوبات على القضاة.

تولّى جاير بولسونارو رئاسة البرازيل من عام 2019 إلى عام 2022، زعيماً لليمين المتطرف، بعدما كان عضواً مغموراً في مجلس النواب وضابطاً في الجيش. وعاد ليترشح لولاية ثانية في انتخابات عام 2022، لكنه هُزم أمام إيغناسيو لولا، الرئيس الأسبق والزعيم التاريخي لليسار البرازيلي، بيد أنه - مثل ترمب - رفض الاعتراف بهزيمته، وتذرّع بوجود «تلاعب» بنتائج الانتخابات لصالح خصمه.

ولكن بعد أيام من تسلُّم لولا المنصب، حاولت مجموعة من الضباط والجنود الموالين لبولسونارو اقتحام القصر الرئاسي ومكتب لولا، غير أن المحاولة فشلت بعد تدخّل القوات الموالية للرئيس المنتخب. ومن هنا بدأت المتاعب القضائية للرئيس اليميني السابق، الموضوع في الإقامة الجبرية بمنزله في العاصمة برازيليا منذ مطلع الشهر الماضي، وذلك لمخالفته التدابير الاحترازية التي صدرت بحقه.

وخوفاً من احتمالات فرار بولسونارو إلى الخارج، سحبت منه السلطات القضائية جواز سفره، وألزمته التنقل بسوار إلكتروني. وفرضت حراسة أمنية دائمة على منزله بعد اكتشافها رسالة بعث بها إلى السلطات الأرجنتينية يطلب منها منحه اللجوء السياسي، ومنعته من الاتصال بالسلطات الأجنبية والتخابر بالهاتف واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي. وفي المقابل، يزعم محاموه أنه يعاني من مشاكل صحية ويحتاج إلى عناية مستمرة.

يواجه عدة تهم بينها محاولة إلغاء الديمقراطية

بين التهم الموجهة إلى بولسونارو أمام المحكمة العليا: محاولة إلغاء النظام الديمقراطي باللجوء إلى القوة والعنف، ومحاولة الانقلاب على الحكم الشرعي، والانتماء إلى منظمة إجرامية مسلحة، وإلحاق الضرر بالممتلكات الحكومية. ويصل مجموع العقوبات على هذه التهم، في حال ثبوتها، إلى 43 سنة في السجن.

لقد جاء في ملف الاتهام الذي قدّمته النيابة العامة ضد بولسونارو في فبراير (شباط) الماضي، أن الرئيس السابق كان يتزعّم «منظمة إجرامية وضعت مخططاً يهدف إلى منع إنفاذ قرار الإرادة الشعبية الذي أثمرته نتائج انتخابات عام 2022، والبقاء في السلطة من غير دعم غالبية الناخبين».

وكانت تلك المؤامرة اليمينية قد أخمدت بعد إحباط الهجوم الذي شنّه الآلاف من أنصار بولسونارو على المباني الرئيسة للسلطات الإجرائية والاشتراعية والقضائية في العاصمة برازيليا، صباح الثامن من يناير (كانون الثاني) 2023، بينما كان بولسونارو في زيارة خاصة إلى الولايات المتحدة. ويُستفاد من ملف التحقيقات التي أجرتها النيابة العامة، أن الانقلابيين كانوا يخطّطون لتسميم الرئيس لولا، واغتيال نائبه جيرالدو آلكمين، والقاضي الذي أشرف على التحقيق.

بولسونارو: أنا بريء

في دفاعه عن نفسه، يدّعي بولسونارو أنه بريء من جميع التهم الموجهة إليه، ويصرّ على أنه تصرّف دائماً ضمن أحكام الدستور. وكان إبان استجوابه أمام المحكمة في يونيو (حزيران) الماضي، قد قال إنه «يستحيل تنظيم انقلاب من غير زعيم يقوده، وقوات مسلّحة دعمه وتنفذه، ودعم مالي يرفده». لكنه اعترف بأنه عقد لقاءات لمناقشة الخيارات المُمكنة لقلب نتائج الانتخابات الرئاسية التي فاز به خصمه اليساري اللدود لولا.

هذا، وبين المتهمين، إلى جانب بولسونارو، عدد من كبار المسـؤولين والوزراء الذين خدموا في حكومته، مثل العقيد ماورو سيد، سكرتيره الشخصي الذي أقرّ بوجود محاولة لقلب النظام، واللواء والتر براغا الذي كان مرشحاً لمنصب نائب الرئيس ووزيراً للداخلية، واللواء باولو سرجيو نوغييرا، وزير الدفاع، وقائد سلاح البحرية الأميرال آلمير غارنييه، ووزير العدل المفوّض في الشرطة أندرسون تورّيس، ومدير وكالة المخابرات الداخلية. واللواء براغا موجود في أحد السجون العسكرية منذ أشهر لمحاولته عرقلة التحقيقات التي تتولاها الأجهزة الأمنية والقضائية.

الركيزة الأساسية في ملف النيابة العامة الاتهامي هي شهادة سكرتير بولسونارو الشخصي الذي اعترف بوجود المحاولة الانقلابية بعدما توصل إلى اتفاق مع هيئة التحقيق مقابل خفض العقوبة التي سيتعرض لها، مع احتمال تبرئته. فقد أقرّ العقيد ماورو سيد بأنه كان «همزة الوصل» في معظم الاتصالات بين المتهمين في أثناء مراحل التخطيط والإعداد للمحاولة. وبفضل تعاونه تمكّنت الشرطة من تجميع مئات الرسائل النصّية والصوتية التي توثّق تفاصيل المخطّط لقلب النظام والاستيلاء على الحكم.

تشكيك بولسونارو في «نجاعة» التصويت

من ناحية ثانية، ورد في ملف الاتهام أن بولسونارو سعى منذ عام 2021، عندما كان لا يزال في الحكم، إلى زرع الشكوك حول نجاعة نظام التصويت المستخدم في البرازيل تمهيداً للطعن في نتائج الانتخابات إذا لم تكن لصالحه، علماً بأن الخبراء يعدّون هذا النظام من أنجع النظم المعروفة، ولم تكن نتائجه أبداً موضع تشكيك منذ اعتماده مطلع العقد الفائت.

وبالفعل، عثر المحقّقون على مسوّدة مرسوم رئاسي كان بولسونارو قد أعدّه لإضفاء مسحة قانونية على قرار إلغاء نتائج الانتخابات. وأيضاً توافرت وثيقة تتضمن تفاصيل مخطط الاغتيالات كانت قد طُبعت في مكتب الرئاسة. ويضاف إلى كل ذلك أن النيابة العامة عثرت أيضاً على وثائق وأدلة تبيّن أن بولسونارو سعى غير مرة للحصول على تأييد القيادات العسكرية العليا لمخطّطه الانقلابي. لكن قائد الجيش وقائد سلاح الجو رفضا التعاون معه، وهذا ما كان السبب الرئيس الذي أدّى إلى فشل محاولة الانقلاب.

"تشكل المحاكمة «اختبار قوة» لقدرة

المحاكم المدنية على معاقبة الزعماء السياسيين"

دور القاضي مورايش

من الشخصيات الأساسية البارزة في هذه المحاكمة، قاضي الاستنطاق ألكسندر مورايش، الذي اتخذ، العام الماضي، قرار إقفال منصة «إكس» X الذي أثار غضب الإدارة الأميركية ومستشار ترمب (يومذاك) إيلون ماسك.

وللعلم، يقود مورايش منذ سنوات حملة ضد «الشعبوية الرقمية» المتطرفة التي تستغلها منذ سنوات الأحزاب اليمينية في العديد من البلدان، وفي طليعتها البرازيل والولايات المتحدة التي أصدرت مذكرة بمنع القاضي مورايش من الدخول إلى أراضيها. ولقد لعب هذا القاضي دوراً محورياً في توجيه مراحل التحقيق، مدعوماً من زملائه الذين أيّدوا جميعاً قراراته الاتهامية في محاكمة بولسونارو.

واستناداً إلى الجدول الزمني الذي وضعته هيئة المحكمة، من المنتظر أن يصدر قرارها النهائي أواخر الأسبوع المقبل. وما يجدر ذكره، أن المحكمة خصّصت جلسة الاستماع الرئيسة، التي سيمثل فيها «الشاهد الملك» - أي السكرتير الشخصي لبولسونارو - يوم الأحد الموافق فيه اليوم الوطني البرازيلي، وهو اليوم الذي اعتاد أنصار الرئيس السابق تنظيم احتفالاتهم خلاله، وقد دعوا بالفعل لمظاهرات حاشدة في جميع أنحاء البرازيل تحت شعار «الدفاع عن حرية التعبير».

المحكمة العليا تتخذ قرارها بغالبية أعضائها الخمسة، أولاً لتثبيت البراءة أو التهمة، وفي الحالة الثانية لتحديد مدة عقوبة السجن. ويحقّ لأي من القضاة أن يطلب تأجيل صدور الحكم لفترة لا تزيد على ثلاثة أشهر لغرض التعمّق أكثر في القضية. لكن يستبعد المراقبون مثل هذا الاحتمال، ويؤكدون أن ثمّة رغبة لدى هيئة المحكمة في إصدار الحكم النهائي بأقصى سرعة ممكنة، ذلك أن البرازيل على موعد في العام المقبل لانتخابات رئاسية، يصار فيها أيضاً إلى تجديد أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب وحكّام الولايات.

اهتمام واسع بالمحاكمة

في الواقع، ليس مستغرباً أن تحظى هذه المحاكمة - بغض النظر عن أهمية المتهمين وخطورة التهم الموجهة إليهم - باهتمام واسع في جميع أنحاء أميركا اللاتينية التي تتابعها مباشرة على شاشات التلفزيون وقنوات التواصل؛ إذ إنها تشكل «اختبار قوة» لمعرفة قدرة المحاكم المدنية على معاقبة الزعماء السياسيين، ومَن يدعمهم من قيادات عسكرية، الذين يحاولون قلب أنظمة الحكم المنتخبة ديمقراطياً. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد دعا في تغريدة على منصتّه، الشهر الماضي، إلى «الإنهاء الفوري» لهذه المحاكمة التي وصفها بـ«المهزلة».

الرئيس الأرجنتنيني ميلي... ابرز حلفاء بولسونارو في امبركا للاتينية (آ ف ب)

بولسونارو حاول اللجوء إلى الأرجنتين

عندما أمر القاضي بفرض الإقامة الجبرية على الرئيس البرازيلي السابق جاير بولسونارو، مطلع الشهر الماضي، فإنه أمر أيضاً بمصادرة هاتفه الشخصي. وبين الوثائق التي عثر عليها المحققون في الهاتف، رسالة مؤرَّخة في خريف العام الماضي يطلب فيها بولسونارو اللجوء السياسي من حليفه الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، الذي يقف مثله عند أقصى المشهد اليميني المتطرف بين الأنظمة الأميركية اللاتينية. وجاء الكشف عن هذه الوثيقة بعد أيام من تمضية بولسونارو ليلتين بمقر السفارة المجرية في برازيليا، ما زاد الشكوك حول احتمال إقدامه على طلب اللجوء في إحدى البعثات الدبلوماسية لدولة، مثل المجر، تتماهى قيادتها آيديولوجياً مع خطه اليميني المتطرف. أيضاً، كشفت التحقيقات أن بولسونارو حوّل ما يُعادل مليونيْ دولار أميركي إلى نجله إدواردو، وهو نائب في البرلمان البرازيلي ويقيم حالياً في الولايات المتحدة؛ وذلك بهدف التوسط لدى الإدارة الأميركية كي تضغط على المؤسسات البرازيلية للعفو عن بولسونارو أو صرف النظر عن محاكمته. ويستفاد كذلك من الرسائل التي تبادلها بولسونارو وأبناؤه مع شخصيات سياسية ودينية نافذة ضمن حركته، أن ثمة صراعاً يحتدم بين أجنحة الحركة المتطرفة حول الخلافة على زعامتها، وخاصة أن حكماً صادراً، العام الماضي، في حق الرئيس السابق حول قضية فساد يمنعه من الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، التي لم يحسم لولا بعد قراره بشأن خوضها للمرة الرابعة، بسبب حالته الصحية «الضعيفة». من جهة أخرى، كان الرئيس الأرجنتيني اليميني ميلي، من ناحيته، قد اعتاد منذ وصوله إلى الحكم توجيه انتقادات قاسية جداً ضد لولا والقيادات اليسارية في عموم أميركا اللاتينية. وفي الحالة البرازيلية، دعا ميلي مراراً إلى الإفراج عن صديقه بولسونارو الذي وصفه بأنه «مُنقذ البرازيل من براثن الفقر والتخلّف والتبعية للأنظمة الشيوعية المدمّرة». كذلك ناشد ميلي، في غير مناسبة، حليفه الأكبر دونالد ترمب التدخل «لإنقاذ» بولسونارو باعتباره ركناً أساسياً في مشروع قيام «اليمين الجديد» في المنطقة. ولكن على الرغم من المواقف التي صدرت أخيراً عن ترمب، ومنها دعوته إلى العفو عن بولسونارو أو إلغاء محاكمته، وأيضاً فرضه رسوماً جمركية باهظة على الواردات البرازيلية إلى الولايات المتحدة، يبدو أن واشنطن ليست مستعدة للذهاب أبعد من ذلك في دفاعها عن الرئيس البرازيلي السابق. وتقول مصادر إن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، المتحدّر من أصول كوبية، يدفع باتجاه الرهان على شخصية برازيلية أخرى لقيادة التيار اليميني المتطرف الذي تشكَّل حول بولسونارو خلال السنوات الأخيرة، والذي، وفق تقديرات واشنطن، ما زال قادراً على العودة إلى الحكم في انتخابات العام المقبل. أيضاً، يبدو أن روبيو يميل إلى تغيير زعامة اليمين الأرجنتيني واختيار شخصية غير ميلي، الذي يواجه، منذ أشهر، متاعب داخلية وتصدّعاً داخل التحالف البرلماني الذي يدعمه.


مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.