ما أهم ملامح المبادرة السعودية - المصرية بشأن الأمن والتعاون في المنطقة؟

اعتمدها وزراء الخارجية العرب... والقاهرة عدّتها «إطاراً حاكماً للترتيبات المستقبلية»

جانب من «الوزاري العربي» الخميس في القاهرة (الجامعة العربية)
جانب من «الوزاري العربي» الخميس في القاهرة (الجامعة العربية)
TT

ما أهم ملامح المبادرة السعودية - المصرية بشأن الأمن والتعاون في المنطقة؟

جانب من «الوزاري العربي» الخميس في القاهرة (الجامعة العربية)
جانب من «الوزاري العربي» الخميس في القاهرة (الجامعة العربية)

بمبادرة سعودية - مصرية، اعتمد مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري «رؤية مشتركة للأمن والتعاون في المنطقة»، عدّتها القاهرة «إطاراً حاكماً للترتيبات المستقبلية».

وعقد مجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية في دورته العادية الـ164، اجتماعاً الخميس بمقر الجامعة في القاهرة، و«استحوذ مشروع القرار السعودي - المصري على حيز كبير من مناقشاته»، حسب الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط.

وأشار أبو الغيط، في مؤتمر صحافي، مساء الخميس، عقب ختام ساعات من مداولات وزراء الخارجية العرب، إلى «دلالات مهمة» تضمنها القرار الذي قدمته السعودية ومصر لمجلس الجامعة، وعلى رأسها «إدانة أي طرح يهدد سيادة الدول العربية ووحدة أراضيها، والتشديد على ضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، مع عدم التعويل على أي ترتيبات للتعاون الإقليمي أو التكامل والتعايش بين دول المنطقة، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية أو التهديد المبطن بضم أراضٍ جديدة».

واعتمد مجلس الجامعة على المستوى الوزاري جدول أعمال الدورة العادية (164)، والمتضمن 9 بنود، جاءت في 195 صفحة، بما فيها بند «ما يستجد من أعمال»، وهو البند الذي نوقشت في إطاره المبادرة السعودية - المصرية، ليعتمد مجلس الجامعة قراراً بعنوان «الرؤية المشتركة للأمن والتعاون في المنطقة».

وأشار مجلس الجامعة على المستوى الوزاري، في مقدمة القرار، إلى «ما تمر به المنطقة من مرحلة حرجة وتطورات بالغة الخطورة، تتسم بتفاقم التهديدات وتوسّع العدوان الإسرائيلي، وتعميق التوترات التي تمسّ الأمن المشترك لدوله، وتقويض كل مسارات السلام والأمن والاستقرار».

وقال مجلس الجامعة إن «الأحداث الأخيرة الخطيرة والمتلاحقة في منطقة الشرق الأوسط تبرهن على أن غياب التسوية السلمية للقضية الفلسطينية، هو السبب الرئيسي في اندلاع جولات من العنف المستمر الذي تطور مؤخراً إلى تصعيد إقليمي». وأكد أن «عدم تسوية القضية الفلسطينية بشكل عادل، والممارسات العدائية لقوة الاحتلال هما ما يقف حاجزاً أمام فرص تحقيق التعايش السلمي في المنطقة».

وأضاف أن «التصعيد العسكري المتوالي يعكس تجاهلاً صارخاً لمبادئ القانون الدولي، واستخدام القوة والتدخل العسكري دون سند قانوني، وانتهاك سيادة الدول وإساءة استخدام حق الدفاع عن النفس خارج إطار القانون الدولي... ما يكرس من حالة عدم الثقة بين مختلف الأطراف في المنطقة».

فلسطينيون يتفقدون أضرار غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، جدد مجلس الجامعة «التذكير بمبادرة السلام العربية لعام 2002، التي أكدت الدول الأعضاء بموجبها على مسار السلام بوصفه خياراً استراتيجياً يتيح آفاق الاندماج والتكامل الإقليمي».

وشدد على «رفض أي تحركات أو مساعٍ تؤدي لزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة وتهديد سيادة دولها، وجر المنطقة إلى مواجهات تفاقم المعاناة والأزمات الإنسانية وتعطل مسيرة التنمية لعقود آجله». وقال إن «الدول الأعضاء تؤكد أن أي مبادرات للأمن الإقليمي يجب أن تستند إلى مبادئ الأمم المتحدة، لا سيما احترام سيادة دول المنطقة ووحدة أراضيها، بما يسهم في تحقيق الأمن والسلام والاستقرار... وبناء علاقات استراتيجية وشراكات إقليمية ودولية، وضمان أمن إمدادات الطاقة واستقرار أسواق النفط، وتعزيز الأمن البحري وحرية الملاحة البحرية، والتصدي الجماعي لتحديات المناخ».

وأكد مجلس الجامعة أن التطورات المتلاحقة «تستدعي وجود توافق بين كل دول المنطقة حول مجموعة من المبادئ الحاكمة للتعاون والأمن المشترك».

وفي هذا الإطار، جاءت «الرؤية المشتركة للأمن والتعاون» في 7 بنود رئيسية؛ حيث قرر مجلس الجامعة «التشديد على الاستمساك بمبادئ الاحترام المتبادل لسيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والالتزام بثوابت حسن الجوار وعدم الاعتداء وتسوية النزاعات بالطرق السلمية». كما قرر «التأكيد على ضرورة الالتزام بالمُسلمات الحاكمة للعلاقات الدولية والإقليمية؛ خصوصاً من حيث الحفاظ على الاستقلال السياسي للدول ووحدة أراضيها وأحقيتها في الاستفادة من مواردها الطبيعية، واحترام قواعد القانون الدولي ذات الصلة، وعلى رأسها عدم استخدام القوة إلا في الإطار القانوني المنظم لذلك؛ متمثلاً في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة».

وأكد مجلس الجامعة «الإدانة الشديدة لأي طرح يهدد سيادة الدول العربية ووحدة أراضيها»، مع «التأكيد على ضرورة العمل على إنهاء احتلال إسرائيل للأراضي العربية، وعدم إمكانية التعويل على ديمومة أي ترتيبات للتعاون والتكامل والتعايش بين دول المنطقة في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لبعض الأراضي العربية أو التهديد المبطّن باحتلال أو ضم أراضي عربية أخرى».

اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية (الجامعة العربية)

ونوه مجلس الجامعة مجدداً بـ«محورية معالجة جذور الصراع والتوترات الإقليمية، لا سيما عبر تسوية القضية الفلسطينية بشكل عادل وشامل، وفقاً لحل الدولتين ومبادرة السلام العربية وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي والانسحاب لخطوط الرابع من يونيو (حزيران) 1967، وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية».

وشدد على «ضرورة إيقاف عمليات التوسع الاستيطاني، ومشاريع التهجير، ومحاولات التغيير الديموغرافي وطمس الهوية العربية وتهويد المقدسات الإسلامية والمسيحية، وضمان حقوق اللاجئين». ودعا إلى «استمرار ممارسة الضغط على المجتمع الدولي لاتخاذ مواقف حاسمة»، كما حذر «من أن استمرار انسداد آفاق الحل يعد عاملاً أساسياً لزعزعة الاستقرار في المنطقة ومسوغاً لنشر التطرف والكراهية والعنف إقليمياً ودولياً».

وأكد «أهمية المضي قدماً نحو تحقيق عالمية معاهدة عدم الانتشار النووي وإخضاع كل المنشآت النووية في المنطقة لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وكذلك احترام حق الدول في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية بموجب معاهدة عدم الانتشار النووي وإنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية وجميع أسلحة الدمار الشامل في منطقة الشرق الأوسط».

وطالب جميع الدول، خصوصاً الإقليمية، «بالانضمام لمعاهدة عدم الانتشار والالتزام بجميع القرارات الدولية المتعلقة بمنع الانتشار»، مؤكداً أن «معالجة المخاطر النووية أمر أساسي لاستتباب أمن المنطقة ومنعها من الانجراف نحو سباق تسلح نووي».

وأكد القرار في بنده السابع والأخير «ضرورة احترام أمن وسيادة دول المنطقة بصورة متساوية بما يضمن عدم تغليب مصالح طرف على حساب طرف آخر»، داعياً إلى «بناء وتعزيز الثقة المتبادلة».

وثمنت مصر اعتماد مجلس الجامعة العربية للقرار الصادر بمبادرة سعودية-مصرية مشتركة، وعدته «تجسيداً للإرادة العربية الجامعة والتوافق العربي على بلورة إطار حاكم للأمن والتعاون الإقليميين، يقوم على قواعد القانون الدولي ويستجيب لدقة الظرف الذي تمر به المنطقة».

وأكدت وزارة الخارجية المصرية، في إفادة رسمية، الجمعة، أنه «لا مجال للسماح بهيمنة أي طرف على المنطقة أو فرض ترتيبات أمنية أحادية تنتقص من أمن المنطقة واستقرارها». وقالت إن «الأمن الإقليمي لا يستقيم إلا بالالتزام الصارم بالمبادئ الحاكمة التي يكرسها القرار، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والامتناع عن استخدام القوة العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية». وأضافت أن «القرار يثبت حق الدول العربية الأصيل في بلورة مبادئ حاكمة لترتيبات المنطقة»، كما «يؤكد بصورة لا لبس فيها أن من حق الدول العربية أن تطرح وتفرض إرادتها ورؤيتها لبناء منظومة أمن وتعاون قائمة على الاحترام المتبادل وحسن الجوار والالتزام بقواعد القانون الدولي وتسوية النزاعات بالطرق السلمية، وجعل إنهاء الاحتلال المدخل الحقيقي إلى سلام عادل ومستدام».

مركبات محملة بأغراض تمر بجانب مبانٍ مدمرة على طول الطريق الساحلي عبر مخيم النصيرات للاجئين الفلسطينيين (أ.ف.ب)

وشددت مصر على أن «اعتماد القرار يعكس دوراً قيادياً عربياً مسؤولاً في بلورة قواعد واضحة لتعزيز الأمن والتعاون، ويؤكد «رفض سياسات الإكراه وفرض الأمر الواقع». وأكدت «التزامها بالعمل مع سائر الدول العربية والشركاء الدوليين لترجمة القرار إلى خطوات عملية تعزز الأمن الإقليمي وتعيد الزخم إلى مسار تسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية، وتدعم منظومة تعاون عربية-إقليمية قائمة على المصالح المتبادلة واحترام القانون الدولي».

ووصف مندوب السعودية الدائم لدى «الجامعة العربية»، السفير عبد العزيز المطر، القرار، بأنه «خطوة للأمام». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «القرار أعد بتنسيق وتعاون بين السعودية ومصر وحاز موافقة الدول العربية»، مؤكداً أن «القرار مهم ويعبر عن مبادئ حاكمة للتعاون العربي خلال الفترة المقبلة».

فيما عدّ مساعد وزير الخارجية الأسبق، عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير حسين هريدي، القرار، «أحد نتائج زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الأخيرة للسعودية»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هناك تنسيق وتعاون مصري-سعودي للتعامل مع التحديات الأمنية على أرضية مشتركة». وأشار إلى أن اعتماد القرار من جانب وزراء الخارجية العرب «يعد دليلاً على أن التنسيق المصري-السعودي، هو رافعة للعمل العربي المشترك».

وأضاف هريدي أن «القرار يوجّه رسالة للولايات المتحدة مفادها أنه لن تكون هناك ترتيبات أمنية في المستقبل دون إنهاء الاحتلال»، مؤكداً أهمية القرار، ومشدداً على أن فاعليته تكمن في مدى الالتزام بتنفيذه.

وأكد مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور عمرو الشوبكي، لـ«الشرق الأوسط»، أن «القرار لا يتضمن فروقاً جوهرية عن مجمل قرارات الاجتماعات العربية بشأن التعاون والتنسيق في مختلف قضايا العمل العربي المشترك». وقال إن «القرار جيد ومهم من حيث المضمون وهو محل توافق عربي؛ لكن المهم هو التنفيذ»، مشيراً إلى أن «صياغة القرار جاءت مرنة في الجزء بعدم التعويل على ديمومة أي ترتيبات للتعاون في ظل استمرار الاحتلال، لتعطي مساحة للدول التي لديها بالفعل علاقات واتفاقات مع إسرائيل»، موضحاً أن «الصياغة منسجمة مع قرارات الجامعة العربية وتمسكها بخيارات السلام».


مقالات ذات صلة

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

العالم العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال» خطوة باطلة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الجامعة)

«الجامعة العربية» تدعم مفاوضات لبنان وإسرائيل للوصول إلى حل دائم

أكدت جامعة الدول العربية دعمها مفاوضات لبنان وإسرائيل بهدف الوصول إلى «حل دائم للأزمة التي يواجهها لبنان مع إسرائيل».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الخليج قوات الاحتلال الإسرائيلي واصلت إغلاق المسجد الأقصى أمام المصلين المسلمين لليوم الأربعين على التوالي (أ.ف.ب)

تحذير إسلامي - عربي - أفريقي من تصاعد اعتداءات إسرائيل في القدس

حذَّرت منظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي، في بيان مشترك، الأربعاء، من خطورة تصاعد وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية في القدس المحتلة.

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مقر وزارة الخارجية المصرية في القاهرة (رويترز)

«استفزاز مرفوض»... مصر تدين اقتحام بن غفير المسجد الأقصى

أكدت مصر في بيان لوزارة الخارجية، الثلاثاء، رفضها الكامل لمثل هذه الممارسات التي تمس بحرمة المقدسات الإسلامية في القدس.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
حصاد الأسبوع امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء

نبيل فهمي... دبلوماسي مخضرم على أعتاب رئاسة «بيت العرب»

في وضع سياسي مضطرب ووسط أزمات تعصف بالعالم العربي، يقترب الدبلوماسي المصري المخضرم السفير نبيل فهمي من رئاسة «بيت العرب»، بعدما اعتمد وزراء الخارجية العرب في

فتحية الدخاخني (القاهرة)

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

فرضت الولايات المتحدة، اليوم (الجمعة)، عقوبات على خمس شركات وأفراد قالت إنهم متورطون في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ​للقتال لصالح «قوات الدعم السريع» في السودان.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان نقلته وكالة «رويترز»: «لقد غذّت هذه الشبكة الصراع الذي أفضى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية وحالات المجاعة في العالم».

وأضافت الوزارة أن الولايات المتحدة حثّت الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على قبول هدنة إنسانية ‌لمدة ثلاثة أشهر ‌من دون شروط.

وتسببت الحرب ​الضارية ‌المستمرة ⁠منذ ​ثلاث سنوات ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فيما تقول جماعات إغاثة إنها أصبحت الآن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد.

ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار جارسيا بات، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وتعني ‌العقوبات أن جميع الممتلكات والمصالح العائدة للأشخاص والشركات المشمولين بالعقوبات داخل الولايات ⁠المتحدة ⁠أصبحت خاضعة للتجميد.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، يوم الأربعاء، إن مؤتمراً دولياً لحشد تمويل للسودان أسفر عن تعهدات بتقديم أكثر من 1.5 مليار يورو، أي 1.77 مليار دولار، من المساعدات الإنسانية.

ومع تزايد الضغوط على الإنفاق في مجال التنمية من قبل الجهات المانحة التقليدية، فقد عُقد المؤتمر، الذي أعقب اجتماعات سابقة في لندن وباريس، بهدف تسليط الضوء على السودان، وذلك ​بعد تحول الاهتمام العالمي ​في الآونة الأخيرة نحو الصراع في أوكرانيا والحرب على إيران.


مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
TT

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب في السودان مع دخولها عامها الرابع، تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي، واستمرار العوامل التي تؤجج الصراع وتطيل أمده.

وفي هذا السياق، حذّرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيز براون، من أن البلاد تواجه حالة من «التخلي الدولي»، فيما أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هاوليانغ شو، أن السودان يشهد واحدة من أخطر حالات الطوارئ الصحية العامة في العالم.

وأوضحت براون، في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من العاصمة الخرطوم، أن وصف الأزمة السودانية بأنها «منسية» لم يعد دقيقاً، مضيفة أن «الأدق هو أنها أزمة متروكة»، مشيرة إلى أن حجم الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة، بما في ذلك العنف الجنسي الممنهج والمجازر الجماعية، يفرض تحركاً دولياً عاجلاً. كما لفتت إلى وجود تدفق مستمر للأسلحة من خارج البلاد، في انتهاك لحظر التسليح المفروض على إقليم دارفور، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع.

براون ومن مكتبها في الخرطوم، الذي يُعد من المباني القليلة التي لا تزال تعمل في وسط العاصمة الذي يشبه مدينة ما بعد الدمار تساءلت عن أسباب غياب تحرك دولي فاعل، مقارنة بأزمات أخرى شهدت تفاعلاً شعبياً ورسمياً واسعاً، قائلة إن «العالم لم يتحرك بعد بالقدر المطلوب لوقف ما يجري».

وأشارت إلى أن إقليم دارفور لا يزال يشهد بعضاً من أسوأ أعمال العنف، بما في ذلك هجمات على مخيمات النازحين وعمليات قتل جماعي ذات طابع عرقي، في حين انتقلت حدة القتال خلال الفترة الأخيرة إلى إقليم كردفان، حيث تتسبب الضربات المتكررة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع تفاقم خطر المجاعة، وورود تقارير عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، لا سيما في مدينة الأبيض التي تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.

أكبر أزمة جوع ونزوح

من جانبه، قال هاوليانغ شو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 34 مليون شخص في السودان باتوا في حاجة ماسة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان، في حين يعاني نحو 19 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، واصفاً الوضع بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر أزمة جوع ونزوح».

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير المساعد لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» هاوليانغ شو (الشرق الأوسط)

وأضاف المسؤول الأممي أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع مستوياتها المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب استثمارات مستدامة في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والزراعة والطاقة والحوكمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم المزارعين من خلال توفير البذور والأدوات والتدريب، وإعادة تأهيل أنظمة الري وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة عبر التدريب والأدوات الرقمية وتسهيل الوصول إلى الأسواق، مع التركيز على تمكين النساء والشباب.

وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت خلال عام 2025 في الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من المزارعين والعاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من بينهم 25 ألف امرأة تمكنّ من الانتقال إلى مصادر دخل مستدامة، بما يعزز قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت شو إلى أن القيود الأمنية تعيق الوصول إلى مناطق النزاع، في ظل مقتل 130 عاملاً إنسانياً منذ اندلاع الحرب، معظمهم من السودانيين، فضلاً عن أن النزوح الواسع يفرض إعادة تقييم مستمرة للبرامج الإنسانية والتنموية. كما أشار إلى صعوبة حشد التمويل اللازم، رغم إطلاق الأمم المتحدة نداءً إنسانياً لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار لمساعدة 20 مليون شخص، لم يُموَّل منه سوى 16 في المائة، ما أدى إلى تفاقم معاناة السكان في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

هاوليانغ شو في أثناء مشاركته في افتتاح مقر الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

ورغم ذلك، أكد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حافظ على وجوده داخل السودان من خلال 10 مكاتب وأكثر من 100 موظف، مستفيداً من شراكات محلية ممتدة لعقود، ما مكّنه من الوصول إلى نحو 5 ملايين شخص، بينهم 1.2 مليون تلقوا خدمات صحية منقذة للحياة، و3.6 مليون استفادوا من الطاقة الشمسية، ونحو 820 ألفاً حصلوا على مصادر مياه آمنة.

وفي ظل غياب مسار سياسي واضح، تواصل الأمم المتحدة دعم المبادرات المحلية للوساطة في النزاعات، بهدف خفض التوترات والحفاظ على قنوات الحوار داخل المجتمعات المتضررة، إلى جانب تقييم احتياجات العدالة والمساءلة، في محاولة لتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية تنهي النزاع.


«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
TT

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

تترقب السلطات في العاصمة الليبية طرابلس تفعيل إيطاليا اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين، على الرغم من دخولها حيز التنفيذ بعد اعتمادها من البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وكانت محكمة إيطالية قد قضت في 6 ديسمبر 2015 بالسجن 30 عاماً على 5 لاعبين ليبيين، هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف، وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً، بتهم «الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة».

السجين الليبي الموقوف في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة على حسابات نشطاء)

وسعى رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، خلال زيارته إلى روما نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى فتح ملف السجناء الخمسة خلال مناقشاته مع وزير العدل الإيطالي، كارلو نوردو، لكن قضيتهم لم يطرأ عليها جديد.

وسعياً منها لاطلاع الرأي العام الليبي على تطورات هذا الملف، قالت وزارة العدل بحكومة «الوحدة» المؤقتة، مساء الخميس، إنها سبق أن أرسلت وفداً إلى إيطاليا للبدء في إجراءات نقل السجناء بالتنسيق مع سفارة وقنصلية ليبيا في روما، بعد استيفاء المسوغات المطلوبة كافة وفقاً لبنود الاتفاقية. وقالت إن «الأمر حالياً متوقف على الجانب الإيطالي، حيث لا تزال طلبات الموافقة على نقل السجناء الليبيين منظورة أمام القضاء الإيطالي للموافقة على طلبات النقل إلى ليبيا».

كما أوضحت الوزارة أنها «تعمل على متابعة دقيقة ومتواصلة لأوضاع السجناء الليبيين في إيطاليا»، لافتة إلى توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين في 29 سبتمبر (أيلول) 2023، دخلت حيز النفاذ بعد أن اعتمدها البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر 2024.

ولا تزال قضية اللاعبين الخمسة تراوح مكانها منذ الحكم عليهم، وسط تباين أسباب توقيفهم؛ فالسلطات الإيطالية وجهت إليهم اتهاماً بـ«الاتجار في البشر»، لكن أسرهم تؤكد أنهم «كانوا يستهدفون الهجرة للاحتراف بأحد الأندية الأوروبية».

وعادت قضية اللاعبين الخمسة إلى دائرة الاهتمام بعد رواج مقطع فيديو يُظهر إقدام خشيبة على تكميم فمه بالخيوط، والدخول في إضراب عن الطعام تنديداً بسجنه وشعوره باليأس، وسط مطالبات بتحرك السلطات الليبية. وعقب ذلك، جاء تأكيد وزارة العدل بأنها «تعمل على متابعة أوضاع السجناء الليبيين في الخارج، وضمان عودتهم إلى بلدهم وقضاء محكومياتهم في مؤسسات الإصلاح والتأهيل داخل ليبيا، وفقاً لما تقضي به اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية».

وانتهت الوزارة مؤكدة أنها «لن تدخر جهداً في سبيل متابعة أوضاع المواطنين الليبيين في الخارج، وتوفير الحماية القانونية الكافية بما يضمن احترام حقوقهم».

النائب العام الليبي والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية (أرشيفية من مكتب الصور)

وكانت أسر اللاعبين الخمسة قد أوضحت أنهم «فشلوا في الحصول على تأشيرة سفر، فاضطروا إلى الهجرة غير المشروعة»، عن طريق ركوب أحد القوارب مع بعض المهاجرين في مدينة زوارة (120 كيلومتراً غرب العاصمة) إلى إيطاليا، مشيرين إلى أنهم سقطوا في يد السلطات الأمنية بمجرد دخولهم البلاد، وبعد أن خضعوا للمحاكمة حُكِم عليهم بالسجن 30 عاماً، بتهمة «الهجرة غير النظامية والمتاجرة في بيع البشر».

وسبق أن أطلقت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب حملة دولية تضامناً مع الليبيين المسجونين في إيطاليا.