أدونيس شاعر الشغف الجسدي واللغة الجامحة

قصيدته «تحولات العاشق» علامة فارقة في شعر الحب العربي

أدونيس
أدونيس
TT

أدونيس شاعر الشغف الجسدي واللغة الجامحة

أدونيس
أدونيس

يصعب الحديث عن الحب وتجلياته الرؤيوية والإبداعية في الشعر العربي الحديث، دون التوقف ملياً عند تجربة أدونيس، وما اتسمت به من فرادة وتجرؤ بالغين. وإذا كان اسم أدونيس ليس مُدرجاً بالمعنى الشائع في خانة الشعراء العشاق، كما هو حال عمر بن أبي ربيعة ونزار قباني، فليس علينا أن نبذل كبير جهد لكي نتحقق من وقوع المرأة والحب في قلب المغامرة الأدونيسية وصميمها، سواء من حيث الرؤية والموقف، أو من حيث الأفق الدلالي والتعبيري.

وإذا كان في أعمال أدونيس الشعرية ما يُظهر الطبيعة الحقيقية لعلاقته بالمرأة، فإن في نثره وحواراته ما يؤكد على التلازم الوثيق بين تجربته الشعرية ومشروعه الفكري. فما نجده هنا نجده هناك، وإن بلغة مختلفة وأسلوب مغاير. فأدونيس إذ يرى في أحد حواراته أن على الحب ألا يتكرر، لأنه حين يتكرر يموت أو يصبح غزلاً، يرى في حوار آخر أن كل حب هو ترنح دائم بين اللقاء والفراق، الاتصال والانفصال. ثم يشير في حوار ثالث إلى كون الجسد ليس واحداً بل كثرة، وليس ثباتاً بل صيرورة، وأن كل جسد قارة، تصغر وتكبر.

وإذا كان من المتعذر الاستدلال بكل ما كتبه الشاعر في مجال الحب والعشق، فيكفي أن نتوقف ملياً عند قصيدته المميزة «تحولات العاشق»، المتضمنة في مجموعته «كتاب التحولات والهجرة في أقاليم النهار والليل»، لكي نتيقن من أن اعتناقه مبدأ التحول الهيروقليطي قد انعكس على نحوٍ واضح في ثنايا هذا السفْر الفريد ومناخاته. إضافة إلى احتفاء القصيدة بالجسد المعشوق، وتعبيراته الحسية التي تتعدى السطوح الظاهرة، لتتلمس طريقها التأويلي وسط غابة من الرموز والتعارضات المتداخلة.

ولعل في تمهيد أدونيس لقصيدته، عبر استشهاده بالآية الكريمة «هنّ لباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهنّ»، وبقول القديس بالاماس «الجسد قبة الروح»، ما يصيب هدفين اثنين في آن واحد. فهو يؤكد من جهة على تفاعله الإيجابي مع النص الديني بشقيه الإسلامي والمسيحي، ويلفتنا من جهة أخرى إلى أن الأديان في بعدها الأعمق، تحرص على التعامل مع الجسد الإنساني بوصفه وديعة الخالق في الأرض وصنيعته المثلى. وهي بالتالي لا ترذله بذاته، بل حين يصبح أداة للنزق الصرف، والانحلال الغرائزي الحيواني.

ولأن الكتابة عند أدونيس هي حالة تأرجحٍ خلاق بين اللاوعي والوعي، أو هي لاوعي يعي نفسه، فإن مقطع القصيدة الاستهلالي «كان اسمها يسير صامتاً في غابات الحروف، والحروف أقواس وحيوانات كالمخمل»، ليس عملاً من أعمال التداعي الحر. فهو إذ يشير إلى المرأة المعشوقة بوصفها اسماً، يبدو وكأنه يحرص على الخلط السحري، على طريقة البدائيين، بين الاسم والمسمى، ويحول الجسد وفعل الحب إلى رموز محقونة بأمصال شهوانية الطبيعة والمنشأ.

وإذ تحتشد القصيدة بأشكال من الثنائيات المتقابلة أو المتداخلة، مثل ثنائية الجسدي والروحي، الحسي والرؤيوي، التأليف الحاذق والتداعي الهذياني، وصولاً إلى ثنائية الحب والموت، لا يتأخر أدونيس في التركيز على الثنائية الأخيرة. فالزهر الذي يرقص في مطلع قصيدته «ناسياً قدميه وأليافه»، يأتي على نحو صادم «متحصناً بالكفن»، في حين يتخذ العالم شكل «بقايا وليمة لنهارٍ مرض ومات».

أما التقابل بين موكب الأفراس البيضاء التي تمتطي السماء، والثعبان الطويل كالنخلة الذي يطارد الشاعر العاجز عن الصراخ، وصولاً إلى الشيخ الجليل الذي بشّره بالوديعة التي ستجيره، والطفلة التي تجبر الثعبان على الهرب، فلا تمكن قراءته إلا في السياق الفرويدي لشفرات الأحلام، حيث الأفراس البيضاء ترمز إلى السمو الروحي، وحيث تتوزع رمزية الثعبان بين إغواء الشهوة والخوف من اقترافها، فيما شكّل النكوص باتجاه الطفولة الممر الإجباري لتجريد الحب من العقَد والشوائب.

ورغم أن جان طنوس يقدّم في كتابه «الوجه الآخر لأدونيس»، قراءة عميقة للقصيدة تعتمد على التأويل والتقصي النفسي، فإن ترجيحه لأن يكون الثعبان رمزاً «للأب الظالم الذي يلدغ طفله»، ليس في محله، خاصة أن علاقة الشاعر بأبيه، كما تكشف نصوصه وحواراته، كانت وثيقة جداً وأقرب إلى الصداقة منها إلى الهيمنة الأبوية. والأمر نفسه ينسحب على التأويل غير المقنع لرمزية الطفلة، التي رأى طنوس في نصرتها للأب الشاعر ما يرمز إلى تعلقها الآثم به، أو توجسها من الدخول معه في علاقة محرمة؛ ذلك أن من يكتب النص أو يسرد الرؤيا هو الشاعر وليس الطفلة، وأي تفسير للحلم ينبغي أن يُلقى على عاتق الحالم لا المحلوم به.

على أن أدونيس الذي رأى إلى الشعر بوصفه تموجاً في أوقيانوس اللغة الشاسعة، كان يدرك أن قصيدته الملحمية لا يمكن أن تدور على محور واحد أو حالة رتيبة ومكررة. وهو ما يفسر التفاوت الواضح بين المستويات البنائية والنفسية للتعبير، إضافة إلى توزع الخطاب العشقي بين ضمير الغائب «كان اسمها يسير صامتاً»، وضمير المخاطب «تكبرين في الجهات كلها»، إضافة بالطبع إلى ضمير المتكلم الذي يرسم حدود مقامات العشق وأحواله، ويوزع الأدوار.

كما أن توزيع القصيدة إلى مقاطع مرقمة، يدور كل منها في فلك منفصل ومتصل في الآن ذاته، يأتي مترافقاً مع تعدد أزمنة الكتابة، تفاعُلاً قلقاً مع اللحظة الهاربة، أو تقدماً إلى الأمام، وتراجعاً إلى الوراء. وهو ما طبع بعض المقاطع بطابع سردي، قوامه استدعاء اللحظات القادمة من الماضي، لرفد الحاضر بما يحتاج إليه من النيران:

رافقتكِ إلى المدرسة

سرقتْ خطواتنا أجراس العتبة

جلستُ إلى يساركِ في الصف

نمتُ بين أهدابكِ وما رأيتك

ثيابكِ الأقاليم والفصول دربكِ إلي

وخلافاً لما عهدناه في معظم قصائد العشق العربي، التي كانت تمر تلميحاً على الجوانب الحميمية من علاقات الحب، لا يتردد أدونيس في الكشف عن تلك الجوانب، حيث يبدو التناغم على أشدّه بين عصب اللغة ومنسوب التوتر العاطفي. وفي إطار الازدواجية القائمة بين النصين اللغوي والجسدي، يمكن لنا أن نفهم قول الشاعر:

كتبتكِ على شفتيَّ وأصابعي

حفرتكِ على جبيني ونوَّعتُ الحرف والتهجيةَ

وأكثرتُ القراءات

أيتها المرأة المكتوبة بقلم العاشق

سيري حيث تشائين بين أطرافي

وفي إطار التناص الجلي بين اللغة والجسد، يمكننا تعقُّب الدورة المتجهة صعوداً لفعل الحب وطقوسه، حيث يتم التعامل مع الآخر بوصفه القارة المجهولة التي ترغب أنا العاشق في اكتشافها. وإذ يهتف العاشق بمعشوقته «أحكمي عقدة الجفون»، فلأن في كل حب حقيقي، ما يخترق الحواس نفسها لتتكفل البصيرة بمهمة البصر، وليصبح المرئي طريقاً لغير المرئي، وصولاً إلى المماهاة الكاملة بين منتهى العناق ومنتهى اللغة:

اغتربَ الجسد، مسَّه التحول وجع المفاصل نبض الأطراف

هندسة العضل وأبّهة الفعل، الانقباض التقلص الانفساح،

مهابط الجسد مصاعده سهوله ومدارجه،

أرض الخاصرة المليئة بالنجوم وأنصافها...

أما عبارة «هكذا يقول السيد الجسد» التي تتكرر في نهاية كل مقطع، فهي بمثابة تأكيد إضافي على ما بين الجسد واللغة من وشائج، وعلى أن جسد العاشق هو «أبجديته الأولى» السابقة على الكتابة. وقد تكون الرغبة في الإنجاب هي إحدى هذه الرسائل، خاصة أن ثمة إشارات إلى «الغيوم الحبلى التي تموت وتترك أطفالاً»، وإلى الاستعارة المتكررة لصورة الرجل الماء والمرأة الأرض. وفيما تتصل الرسالة الأخرى بكون العشق لقاء ندّياً بين شخصين متحابين، تتنامى القصيدة في مناخ من الجدل التفاعلي بين الحضور والغياب، العاطفة والرغبة، المسافة والانصهار.

ولأن العاشق في نصوص الحب هو الحاضر بفاعلية، والممسك بزمام السرد، فيما يلازم المعشوق خانة الغياب، فإن الحوار الذي أقامه أدونيس بين طرفي المعادلة، والمتمثل بالسؤال المتبادل «لماذا تزوجتني»، يبدو بمثابة محاولة رمزية لإشراك الطرف الصامت في لعبة السرد، وللتأكيد على مقولة رامبو «أنا آخر»، في الوقت ذاته.

ولا بد من أن نلاحظ أخيراً أن في «تحولات العاشق» من الطبقات التعبيرية والنفسية المتغايرة ما يجعلها مزيجاً متفاوت المقادير من العصف الداخلي الديونيزي، والهندسة الأسلوبية الأبولونية. وهي في محصلتها النهائية محاولة مضنية لاكتشاف «قارة الأعماق»، عبر لغة كثيفة ومحتشدة بالرموز، وفوق مسرح من التوله العشقي، تحدّه الأنوثة المطلقة من جهة، والموت من جهة أخرى. وهو ما يختزله أدونيس بالقول:

الحلم شجرة

الشجرة امرأةٌ ومستقبل امرأة

تنقصني أرض ثانية لأضيف إلى لغتي كلمات جديدة

ينقصني الموت

(عدم إغفال ثنائية العاشق المتكلم والمعشوقة الصامتة، أو الدمج بين الديونيزي والأبولوني).


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.