خيري دومة: من العبث التفكير في نظرية نقدية عربية

فاز بجائزة الدولة التقديرية في مصر لعام 2025

خيري دومة
خيري دومة
TT

خيري دومة: من العبث التفكير في نظرية نقدية عربية

خيري دومة
خيري دومة

للناقد والمترجم دكتور خيري دومة حضور ملحوظ في المشهد الثقافي المصري، من خلال مؤلفاته النقدية وترجماته. حصل هذا العام (2025) على جائزة الدولة التقديرية في الآداب، ومن أحدث مؤلفاته كتاب «سعد مكاوي كاتباً للقصة القصيرة»، الذي يعيد فيه الاعتبار لأحد رموز فن القصة الذين طالهم التهميش والنسيان. هنا حوار معه، عن كتابه الجديد ومؤلفاته النقدية الأخرى:

> كتابك الأحدث «سعد مكاوي كاتباً للقصة القصيرة»، يستعيد نموذج مكاوي في زمن البيست سيلر، وكذا يستعيد القصة القصيرة في زمن الرواية... فهل هو مقاومة للمشهد الإبداعي الراهن؟

- هو أحدث كتبي، وصدر في بداية هذا العام 2025 عن دار المعارف بالقاهرة، لكنه أقدم تجاربي البحثية، لأنه كان في الأصل رسالتي للماجستير، التي قدمتها إلى جامعة القاهرة عام 1989 بإشراف أستاذيّ الراحلين عبد المحسن طه بدر وسيد البحراوي، وناقشها معهما أستاذان كبيران آخران، هما سهير القلماوي وسيد حامد النساج.

ولم أجد في نفسي الجرأة على نشر هذا البحث إلا مؤخراً، وبتشجيع من أصدقائي الذين وجدوا أن قيمته لا تزال حاضرة. لقد تعرض سعد مكاوي لظلم كبير؛ فقد لعب أدواراً مهمة في تطور فن القصة القصيرة العربية، بخاصة في مرحلتها الواقعية ويعد واحداً من أهم الكتاب الذين استوعبوا عالم القرية المصرية وقدموه في إبداعهم. ومجموعته «الماء العكر» واحدة من أهم المجموعات القصصية، سواء في عالمها الذي ينهض على مهمشي القرى الذين لا يملكون أرضاً، الحداد والصياد وصانع البرادع وأبناء الليل... إلخ، أو في بنية هذه المجموعة القائمة على حلقات وصور متصلة منفصلة، وتيمات ومفردات يتردد صداها وتتكرر من قصة لأخرى. كما أن تكوين سعد مكاوي ينطوي على هذا المزيج الخاص بين عناصر من التراث العربي جاءته من والده مدرس اللغة العربية، وعناصر من الثقافة الغربية جاءته من رحلته الدراسية إلى فرنسا قبل الحرب العالمية الثانية.

> هل هذا الكتاب محاولة لإنصاف سعد مكاوي الذي لم يأخذ حقه من الشهرة مقارنة بعدد من المجايلين له أو اللاحقين عليه؟

- ركز كثيرون من نقاد سعد مكاوي على روايته الفريدة «السائرون نياماً»، وهي تستحق ذلك بالطبع، لكن هذه الرواية الكبيرة لم تكن إلا بلورة لإمكانات كاتب كبير، بناها وطورها بالعمل على فن القصة القصيرة لعقود سبقت صدورها. ولعل من يقرأ قصصاً مثل «الزمن الوغد» و«في خير وسلام» يمكن أن يرى لمحات من فن سعد مكاوي في كتابة القصة القصيرة التي تجاوزت الواقعية في وقت مبكر.

الجوانب التاريخية والتوثيقية في هذا البحث ربما تفوق الجوانب النقدية في أهميتها؛ فرغم تقليدية المدخل الذي اتخذته دراستي إلى عالم سعد مكاوي وبنية قصصه، فإن تسجيل رحلة الرجل وقصصه ومقالاته وجمعها من الدوريات ووضعها في ببليوغرافيا موسعة، ربما ظل الجانب الأهم في هذه الدراسة. أعتقد أنه لا يزال لهذا البحث عن سعد مكاوي وقصته القصيرة قيمته في زمن الرواية. نعم كما لا تزال لعمليات التحقيق والفحص والدرس التفصيلي للنصوص قيمتها أيضاً.

> بوصفك ناقداً ومترجماً لكتاب مهم عن الأنواع الأدبية... كيف ترى حراك الأنواع الأدبية الحالي وسطوة الرواية في مقابل ما يشاع عن تراجع القصة والشعر؟

- عملت لسنوات طويلة على أنواع الأدب، وكان من حصاد هذه السنوات كتابان، أحدهما مؤلّف، وهو «تداخل الأنواع في القصة المصرية القصيرة» الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1998، والآخر مترجم، وهو مجموعة دراسات جمعتها وأصدرتها في العام نفسه تحت عنوان «القصة، الرواية، المؤلف: دراسات في الأنواع الأدبية المعاصرة». ورغم أنني لم أتبن تماماً منظور توجهات ما بعد الحداثة، التي هاجمت فكرة النوع من أساسها، ولم تر لها قيمة كبيرة في دراسة الأدب وتقييمه، رغم هذا فإن الخلاصة التي انتهيت إليها من قراءة نصوص من أنواع الأدب المختلفة، ومن دراسة العلاقات المركبة أو التداخلات بينها، هي أنك لا تستطيع أن تفاضل بين نوع وآخر، لا تستطيع أن تقول مثلاً إن الرواية أفضل من الشعر، أو مناسبة أكثر لزمننا، لا تستطيع أن تستبعد الشعر أو الدراما أو القصة القصيرة أو غيرها لصالح الرواية.

> لكن هناك من يرى أن الرواية تسيدت المشهد الأدبي كمّاً وكيفاً؟

- لا أحد ينكر بطبيعة الحال المساحة التي احتلتها الرواية في الأدب العربي والعالمي، ولا عمليات التجريب التي لا تتوقف، ولا اكتشاف أرض وتجارب جديدة استطاعت الرواية أن تصل إليها. لكن لا أحد ينكر أيضاً أن مساحة كبيرة من هذه التجارب والاكتشافات الروائية، جاءت من أرض الشعر، والقصة القصيرة، والدراما، والسينما، والآداب الشعبية، والموسيقى والفنون التشكيلية، والرقمية. هي باختصار نتاج واضح لهذا التداخل بين أنواع الأدب والفن المختلفة. أو هي في أحسن تقدير نتاج لمقدرة الفن الروائي غير المحدودة على الاستيعاب.

لكن أنواع الأدب الأخرى لم تتوقف أيضاً عن اكتشاف أراض وتجارب جديدة، ففنون الشعر والقصة والدراما استوعبت تماماً روح السرد السارية في اللغة الإنسانية، وكثير من مجموعات القصص والقصائد لم تخف سعيها الخاص إلى استيعاب عالمنا الغامض المركب، مع الإبقاء على أجزائه منفصلة وروحه منعزلة.

> كيف ترى حركة الترجمة في العصر الحديث بعد عقود من بدء التواصل مع الآخر؟

- عاشت الترجمة إلى العربية مراحل وموجات صعود وهبوط مختلفة في عالمنا العربي الحديث، واقترنت موجات الصعود كثيراً بأسماء أعلام وجدوا في الترجمة قاطرة تقود عالمنا العربي إلى النهضة. بدأت هذه الموجات بما سعى إليه محمد علي وأسرته من نهضة مقيدة بمعرفة ما توصل إليه الغرب، فكانت البعثات ومدارس الترجمة والألسن وما إلى ذلك من مشاريع نعرفها جميعاً، وقد اقترنت الترجمة في هذه الموجة باسم رفاعة الطهطاوي ومدرسة الألسن، وتركت أثرها الواضح على مصر والعالم العربي في القرن التاسع عشر، ويمكنك أن تفكر في أعلام آخرين كثيرين اقترن اسمهم بموجات الصعود هذه، من أمثال طه حسين وجابر عصفور وغيرهما.

> ما الذي يعوق حراك الترجمة في الوطن العربي سواء إلى العربية أو عنها رغم كثرة المؤسسات المهتمة بها مؤخراً؟

- الترجمة ضرورة لكي تكون جزءاً من هذا العالم الذي لا يكف عن التحول، ليس لأننا متخلفون والعالم أكثر تقدماً منا، وإنما هي ضرورة لمزيد من الفهم وتوسيع الأفق ومعرفة موضع أقدامنا في هذا العالم المضطرب، هي ضرورة لأننا نعيش في عالم واحد حقّاً. حركة الترجمة مقترنة حتماً بمكانك بين الأمم، لا لأنك تتعلم عبر الترجمة فحسب، بل لأنك تمارس حضورك وقدرتك على الفهم، والدليل أن الأمم المتقدمة تترجم أضعاف ما تترجمه الأمم الأقل تقدماً. الترجمة مرتبطة حتماً بالصراع المحتدم في عالمنا. الترجمة ضرورة للبقاء. الترجمة إلى العربية تنهض على التعاون أكثر من التنافس بين مؤسسات مختلفة نشأت هنا وهناك خلال السنوات الأخيرة، وكان يجب أن تجعل المشهد الترجمي العربي أكثر تنوعاً، وأن تجعلنا أكثر فهماً للعالم، وأكثر قدرة على التنبؤ بما نحن سائرون إليه. لو كانت هذه المؤسسات تتعاون حقّاً لكنا الآن أكثر قدرة على استيعاب ما يجري في السياسات والحروب والنزاعات المحيطة، التي تخترق يوماً بعد يوم عالمنا العربي الممزق.أما الترجمة من العربية إلى اللغات الأخرى، فتواجه صعوبات مختلفة، يرتبط معظمها بأننا لا نجد، وأحياناً لا نعرف، ما نقدمه للعالم من معرفة.

> لك اهتمامات بنظرية ما بعد الاستعمار، كيف ترى تفاعل الآخر الغربي مع أدبنا العربي، وهل ما زال ينتقي الأعمال التي تؤكد له منظوره الاستشراقي القديم عن العرب؟

- نظرية ما بعد الاستعمار، والآداب التي تسلط الضوء عليها، شغلتني لفترة طويلة ولم تزل إلى الآن تحتل مساحة من اهتمامي. وقد تبلور هذا الانشغال في كتابي «عدوى الرحيل» وأيضاً في الكتاب الأساسي الذي ترجمته تحت عنوان «الإمبراطورية ترد بالكتابة» ومقالات أخرى كثيرة عن رواية روبنسون كروزو، وعن صورة العربي في الرواية الغربية، وعن صورة البربري في الكتابات الأوروبية بصفتها تمهيداً آيديولوجياً لحركة الاستعمار. انخرطت في هذا الاهتمام حين كنت في اليابان من 2000 إلى 2004، الفترة التي شهدت الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الأقصى) وبعدها غزو أميركا لأفغانستان والعراق، وما دخلت فيه منطقتنا من اضطراب مهول، ناتج عن الأيدي التي سعت إلى ما سمته الفوضى الخلاقة. في تلك الأيام - وما أشبه الليلة بالبارحة - وجدتني من جديد أمام مشهد الاستعمار القديم نفسه، بكل وجوهه العنصرية القبيحة، التي لم يسع المستعمرون الجدد إلى إخفائها. ووجدتني أقرأ من جديد رائعة الطيب صالح من منظور أنها كانت استكشافاً مبكراً لتمزقات المثقفين المستعمَرين التي لم تغادرهم واحتلت أذهانهم وقلوبهم طوال العصر الحديث، ولم يجدوا سبيلاً للفكاك منها فاضطروا للتكيف معها، والبحث عن طريق توفيقي هجين يسمح لهم بالحياة.

حللت الرواية من هذا المنظور، واستكشفت التشابه المرعب بين مصطفى سعيد والراوي والطيب صالح نفسه، ورغم ما يبدو بينهم من اختلاف ظاهري، فإن ثلاثتهم بدوا لي تنويعات على اللحن الممزق نفسه. وفي هذه الأثناء أيضاً تعرفت على كتاب «الإمبراطورية ترد بالكتابة» وترجمته مع مقدمة طويلة، ونشرته في دار أزمنة بالأردن عام 2005.

الترجمة ضرورة لكي تكون جزءاً من هذا العالم الذي لا يكف عن التحول

> بعيداً عن نماذج مثل إدوارد سعيد وإيهاب حسن، لماذا لا يساهم النقاد العرب الذين يعيشون في بلدانهم الأصلية في المشهد النقدي العالمي؟

- في العقود الأخيرة، مع اقترابنا أكثر من التفكير النقدي في العالم، وبتأثير وسائل التواصل وإتاحة الكتب والنظريات بلغات مختلفة على شبكة الإنترنت، صار التفكير النقدي والقضايا المطروحة متقاربة، إن لم تكن متطابقة بين مناطق مختلفة من العالم. وربما صار من العبث أن نفكر في نظرية نقدية عربية، فالنظرية هي النظرية، والأدب هو الأدب في كل مكان من العالم. الاختلاف مرجعه إلى اختلاف الثقافات والموروثات وطبائع اللغات المختلفة، وهذه أشياء يمكن أن تساعد في استكشاف جوانب خاصة من النظريات المطروحة. فما بعد الاستعمار بالنسبة لأدبنا العربي مختلف نسبيّاً عنه في ثقافات أفريقيا ومنطقة الكاريبي والهند وغيرها من مناطق المستعمرات القديمة.

> ما الملامح الأخرى التي يمكن أن يختص بها الأدب العربي وتمنحه خصوصية في الممارسة النقدية؟

- الأمر نفسه يمكن أن نراه في تحققات السرد بضمير المخاطب مثلاً الذي انشغلت به في الأدب العربي عبر كل مراحله وعصوره، وكانت تحققاته في أدبنا مختلفة نسبيّاً عنها في الآداب الأخرى، وحاولت بلورة ذلك في فصول كتابي «أنت»، خصوصاً بالوقوف عند كتاب متفرد لأبي حيان التوحيدي يسيطر عليه خطاب الأنت، وهو كتاب «الإشارات الإلهية»، أو في دراسة مصطلح «الحديث» الذي يسري تأثيره في أنواع مختلفة من الأدب العربي عبر عصوره المختلفة، ويربط بين الأدب العربي القديم والأدب العربي الحديث، وبين الأدب الفردي والرسمي، والأدب الشعبي الجمعي. وربما كانت هذه المادة الأدبية التي اختصت بها اللغة العربية عبر تاريخها هي ما يعطي للنقاد العرب الفرصة أن يقدموا فهمهم الخاص وإسهامهم المتميز في النقد والنظرية العالمية.


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.