ما الذي يحول دون وصول الرواية السعودية إلى الشاشة؟

غياب كُتّاب السيناريو أصغر المشاكل وأقلها تأثيراً

ما الذي يحول دون وصول الرواية السعودية  إلى الشاشة؟
TT

ما الذي يحول دون وصول الرواية السعودية إلى الشاشة؟

ما الذي يحول دون وصول الرواية السعودية  إلى الشاشة؟

على النقيض ممن يعتقدون بوجود ما يسمونها «أزمة كُتّاب سيناريو»، أرى أن عدم وجودهم لن يكون أبداً حجراً تتعثر به الرواية المحلية فيمنع وصولها إلى الشاشة.

والاعتقاد بأنه العائق لرحلتها إلى دور السينما هو، من وجهة نظري، محض تبسيط وتسطيح لما هو معقد، ونتيجة لضبابية الرؤية لوضع صناعة الأفلام في بلادنا.

إن تأخر صنع أفلام «مبنية» على روايات محلية مسألة تكتنفها مشكلات وصعوبات عدة، ليس منها غياب كُتّاب السيناريو، وإذا كان لا بد من اعتباره كذلك، فهو بالتأكيد أصغر المشكلات، وأقلها تأثيراً؛ لأنها ببساطة مشكلة قابلة للحل وبأكثر من طريقة.

فالفراغ الناشئ عن هذا الغياب المفترض يمكن ملؤه بكُتّاب سيناريو أكفاء وذوي خبرة من البلدان العربية مثلاً، مثلما استعانت، وتستعين، هذه البلاد، مثل كل البلدان في العالم، بخبرات وكفاءات أجنبية بتخصصات في جميع المجالات.

باختصار، هذه ليست قضية محورية في رأيي، كما سأوضح فيما يلي:

«شارع الأعشى»... مثلاً

في هذا السياق أذكر أن مسلسل «شارع الأعشى» أفضل وأحدث مثال ذي صلة بالموضوع، حين استعانت «إم بي سي» بالخبرات والكفاءات التركية في مشروع ترجمة رواية الكاتبة بدرية البشر «غراميات شارع الأعشى» إلى مسلسل درامي، فوقعت عقداً بين «إم بي سي ستوديوز» وشركة «آي يابم الشرق الأوسط للإنتاج الإعلامي» التركية.

وكان ثمة خيار آخر أمام «إم بي سي»، وأمام غيرها من مؤسسات الإنتاج، وهو الاكتفاء بالتعاقدات المباشرة مع كُتّاب سيناريو عرب أو أجانب من دون الدخول في تعاقدات شراكة عندما لا يكون ذلك ضرورياً.

وتقدم «إم بي سي» مثالاً جديداً بإنتاجها فيلماً مبني على رواية الروائي أسامة المسلم «جحيم العابرين»، الذي يجري تصويره الآن، كتب السيناريو الروائي المسلم نفسه، وإخراج المخرجة هناء العمير.

ومن جمعية الأدب المهنية يأتي مثالٌ آخر، يدعم الرأي أن عدم وجود كاتب سيناريو ليس هو المشكلة، كما يثبت أن هنالك كُتّاب سيناريو سعوديين يستحقون منحهم فرصة الاعتماد عليهم والثقة بهم، منهم الثلاثة الذين كلفتهم جمعية الأدب بكتابة سيناريوهات من ثلاث روايات: «وجوه الحوش» لحسين علي حسين، و«ابنة ليليت» لأحمد السماري، و«الحفائر حفرة الجبل» لخالد النمازي.

أعتقد أن دور الجمعية ينتهي عند هذا الحد، وإذا وُفِّقَت في تسويق مشروعها على مُنِّتجٍ قادرٍ على، وراغبٍ في، تنفيذ السيناريوهات الثلاثة، سيكون ذلك إنجازاً كبيراً يُسَجَّل لها.

لكن هذه الاختراقات المنفردة، لا تعني الخروج النهائي من نفق المشاكل والصعوبات التي تؤخر مشاهدة روايات سعودية على الشاشة. فثمة حقائق يبدو جلياً غيابُها عن الأذهان.

حقائق سينمائية منسية

خلال محادثات مع ثلاثة من الأسماء البارزة والوازنة في صناعة الأفلام المحلية، محادثات أشبه ما تكون بالمقابلات غير المُنَظمَّة (غير المُعدَّة)، تكشفت عدة حقائق منسية، أو يجرى تجاهلها وسط غمرة الحماس والاندفاع، اللافت للنظر بقوته، في المطالبة بنقل الرواية المحلية إلى الشاشة.

من تلك الحقائق، والتي تكرر ذكرها أثناء مناقشة الموضوع، هي أن الوقت مبكر جداً، حتى على مجرد مناقشة موضوع الروايات المحلية والسينما، ناهيك عن قضية «ترجمتها» للشاشة.

ويؤكدون أنه موضوع سابق لأوانه لأنه حتى هذه اللحظة لا يمكن القول إن لدينا شركات إنتاج سينمائي مستقلة، أي متخصصة في الإنتاج السينمائي فقط، وقادرة، في الوقت نفسه، على الاستثمار فيه.

فالشركات الموجودة الآن هي شركات إعلانات في الأساس، بعضها انطلق من اليوتيوب، ودخلت مجال الإنتاج التلفزيوني والسينمائي حينما سنحت لها الفرص؛ بيد أنها لم تجرؤ على المغامرة بالتخصص في الإنتاج السينمائي كونه غير مأمون العواقب على الأقل مرحلياً، فقد يؤدي إلى تكبدها خسائر مالية، وربما الإغلاق. الإعلانات هي المجال الحيوي اقتصادياً ومصدر الدخل المأمون والمربح.

«نتفليكس» ومستثمرون

يقول أحد السينمائيين إن في المملكة عدداً كبيراً من شركات الإعلان، يبدأ بعضها خوض تجربة الإنتاج التلفزيوني أو السينمائي عندما تتوفر لديها الإمكانات المالية.

والحقيقة أن كل الشركات لديها الرغبة في خوض التجربة، لكن الفرص لا تتهيأ للجميع، كما أن المستثمرين قليلون. لكن هذه لا يعني انسداد الطريق تماماً أمامها، إذ استطاع البعض منها اجتذاب مستثمرين لتمويل مشاريعها لأنها أصبحت شركات معروفة، أو دخلت في شراكات إنتاج، كما فعلت المجموعة السعودية للإنتاج والتمويل «تلفاز11» بتعاقدها مع «نتفليكس».

ويتفق السينمائيون الثلاثة على أن شراكات مربحة كهذه تمنح شركات الإنتاج القدرة على شراء حقوق ملكية روايات، شريطة فهم الروائيين لطريقة البيع والتعاقد، ولا يقل عن ذلك أهميةً تجنب المغالاة والمبالغة، فاعتقاد بعض الروائيين أن صناعة الأفلام المحلية تدر أموالاً طائلة - والواقع ليس كذلك - وأن رواياتهم كفيلة بذاتها لجعل الأفلام المبنية عليها عظيمة يدفعهم - الاعتقاد - إلى طلب مبالغ خيالية، لا تتناسب منطقياً مع حجم مبيعات ومقروئية رواياتهم الذي لا يستطيعون تقديم أرقام وإحصاءات تثبته، وتبرر مبالغتهم في اشتراط الأثمان الباهظة لروايات قد لا يكون عدد قرائها كبيراً كما يعتقدون أو يتوهمون. كما أن التكلفة العالية لا تنتهي عند حقوق الملكية، فتوظيف كاتب سيناريو للاشتغال على رواية يستغرق وقتاً طويلاً ويشكل عبئاً مالياً إضافياً كبيراً.

صعوبات أخرى وراء الأكمة

لقد سلَّط المتحدثون الضوء على الجانب الأهم للقضية، الذي لن يُرى من دون الانخراط، أو هل أقول التورط، في صناعة الأفلام. بالإضافة، إن وراء الأكمة ما وراءها، ومما وراءها صعوبات سيكشف عرضها أن تحويل الروايات إلى أفلام ليس سهلاً، فوجود المال والرغبة لدى أي شركة إنتاج سيضعها في مواجهة صعوبات لا يستهان بها، في مقدمتها صعوبة اختيار الروايات التي تراهن على انتهائها أفلاماً تحقق اختراقات عظيمة عند شباك التذاكر. سيكون الاختيار صعباً للغاية؛ إذ ستجد نفسها في مواجهة عدد كبير من الروايات «القديمة» والجديدة.

مصدر هذه الصعوبة الأولية هو خلو المشهد الأدبي والثقافي من المعطيات والمؤشرات التي تساعد صُنّاع الأفلام على اختيار الروايات التي يرونها ملائمة.

تمثل قوائم الروايات/ الكتب الأكثر مبيعاً، رغم كل التحفظات التي تحيط بها والانتقادات التي تستهدفها، عاملاً يساعد على الاختيار. إن وجود رواية ما على أكثر من قائمة، ولمدة طويلة، يثير الطمأنينة والثقة بها، وينبئ بنجاح مشروع ترجمتها إلى فيلم.

قد لا يحقق المشروع النجاح المأمول، أو حتى نصف النجاح، غير أن الاختيار لم يكن في الأساس ممكناً من دون تلك القوائم، غير المتوفرة لصُنّاع الأفلام في بلادنا.

المراجعات والجوائز

يؤدي النقد الصحافي، أو المراجعات «reviews»، دوراً مهماً في التعريف والترويج للروايات الجديدة.

وفي بلاد كبلادنا التي يصدر فيها عدد كبير من الروايات سنوياً، يتعذر على صُنّاع الأفلام وغيرهم متابعة ومعرفة، ناهيك عن قراءة، كل ما يصدر، من دون صفحات وملاحق المراجعات التي تختصر عليهم وقت وجهود البحث عمّا يبتغون.

إن الإشادات النقدية والتوصيات بقراءتها فيما يُعرف بـ«rave reviews» عامل حاسم في عملية الاختيار. وتشكل الجوائز الأدبية عاملاً مهماً آخر.

هنالك عوامل أخرى تسهم في تذليل صعوبة البحث والاختيار، ولكنها لا تتوفر في كل رواية جديدة مثل شهرة وشعبية المؤلف، الانتشار الواسع ورواج رواياته السابقة، فوزه بجوائز، أو فوز روايات سابقة له بجوائز، أو «النجاح الجماهيري» لفيلم مبني على إحدى رواياته السابقة. كل هذه العوامل لا يتوفر معظمها في حالة واحد من كُتّاب الرواية الأدبية في واقعنا الأدبي والثقافي.

الوحيد الذي تتوفر معظم هذه المعطيات في حالته، هو الروائي أسامه المسلم، وهذا يفسر شراء «إم بي سي ستوديوز» حقوق روايته «جحيم العابرين» لترجمتها إلى فيلم بنفس العنوان، مُراهنةً على نجاح فيلمها جماهيرياً، كما راهنت على نجاح مسلسل «شارع الأعشى» الذي كلف إنتاجه (52.5) مليون ريال وفقاً لـ«ويكبيديا».

كشّافة كتب وكشّافة أدبيون

في غياب العوامل والظروف المذكورة سالفاً، ليس على المنتج الراغب في، أو يشعر بالحاجة، إلى ترجمة رواية محلية إلى فيلم، سوى الاعتماد على الذات والأخذ بأي وسائل تمكنه من اختيار الروايات المناسبة. ولعل توظيف كشّافة كتب/ كشّافة أدبيين

«book scouts/literary scouts» و«دراماتورغية» كمستشارين، خطوة في اتجاه أحد الحلول، رغم ما تعنيه من ازدياد الأعباء المالية عليه. فكم عدد الكشّافة والدراماتورغية الذين يلزمه توظيفهم للبحث والتنقيب في القديم والجديد عن رواية واحدة فقط؟

الوقت مبكر، كما قال السينمائيون آنفاً، على مطالبة صُنّاع الأفلام بتحويل الرواية السعودية إلى فيلم. سيفعلون ذلك عندما يشعرون بالحاجة، مع توفر الإمكانات والظروف المساعدة على إنجازه.

* كاتب وناقد سعودي


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.