التمويل المستدام... من خيار أخلاقي إلى محرك أساسي للربحية في الأسواق العالمية

مختصون لـ«الشرق الأوسط»: يقلّل المخاطر البيئية والمالية للشركات على المدى الطويل

نمو الاستثمار المستدام مع ازدهار المشاريع البيئية والاقتصادية (صندوق النقد الدولي)
نمو الاستثمار المستدام مع ازدهار المشاريع البيئية والاقتصادية (صندوق النقد الدولي)
TT

التمويل المستدام... من خيار أخلاقي إلى محرك أساسي للربحية في الأسواق العالمية

نمو الاستثمار المستدام مع ازدهار المشاريع البيئية والاقتصادية (صندوق النقد الدولي)
نمو الاستثمار المستدام مع ازدهار المشاريع البيئية والاقتصادية (صندوق النقد الدولي)

في وقتٍ يشهد فيه العالم تحوّلات اقتصادية وبيئية متسارعة، يفرض التمويل المستدام نفسه كلاعب محوري في الأسواق العالمية، ليس بوصفه خياراً أخلاقياً فحسب، بل كفرصة استثمارية ذات عوائد ملموسة.

ويُعرَّف التمويل المستدام بأنه عملية دمج الاعتبارات البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG) ضمن القرارات الاستثمارية، بما يُسهم في تعزيز الاستثمارات طويلة الأجل الموجهة نحو الأنشطة الاقتصادية والمشاريع المستدامة.

ومع تصاعد المخاطر المرتبطة بالتغير المناخي، وتزايد وعي المستثمرين بالمسؤولية البيئية والاجتماعية، بات من الواضح أن تجاهل معايير الاستدامة لم يعد مجرّد غفلة تنظيمية، بل خطأ استراتيجي قد يكلّف الشركات والمستثمرين خسائر فادحة.

أمام هذا الواقع الجديد، تبرز تساؤلات جوهرية حول طبيعة العلاقة بين الربح والاستدامة، وحول قدرة التمويل المستدام على تحقيق توازن فعلي بين الأداء المالي والمسؤولية المجتمعية.

عامل ينظف الألواح الشمسية وهو خيار للطاقة المستدامة يزداد شعبية بين المنازل والمزارع لتوليد الكهرباء (رويترز)

تبني ممارسات مستدامة

وأكد الرئيس الأول لإدارة الأصول في «أرباح كابيتال»، محمد الفراج، أن التمويل المستدام لم يعد خياراً أخلاقياً يعتمد على دوافع الشركات أو الدعم الحكومي، بل تحول إلى أداة استثمارية فاعلة ومحرك للربحية على المدى الطويل.

وأوضح أن هذا التحول جاء نتيجة إدراك المستثمرين أن الشركات التي تتبنى ممارسات مستدامة تتمتع بأسس أقوى وأكثر استقراراً.

وأشار الفراج في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن القيمة الاقتصادية المتزايدة هي الدافع الأساسي وراء تبني الشركات للتمويل المستدام.

وبيّن أن دراسات عديدة أظهرت قدرة الشركات التي تدمج معايير الاستدامة على جذب المواهب، وبناء علامات تجارية قوية، وتقليل تكاليف التشغيل على المدى الطويل بفضل كفاءة استخدام الموارد والطاقة.

ولفت إلى أن السنوات الخمس الأخيرة شهدت تحسناً ملحوظاً في أداء أدوات التمويل المستدام، مثل السندات الخضراء وصناديق الاستثمار المستدامة، مقارنة بالأدوات التقليدية.

وتابع أن هذه الصناديق أظهرت مرونة أكبر في أوقات الأزمات الاقتصادية؛ إذ كانت أقل عرضة للتذبذبات الحادة، وهو ما يعكس قدرة الشركات المستدامة على إدارة المخاطر بشكل أفضل.

وضرب مثالاً على ذلك بتفوق العديد من الصناديق المستدامة على مؤشراتها القياسية خلال ذروة جائحة «كوفيد-19» في عام 2020؛ ما دفع مستثمرين إلى إعادة تقييم استراتيجياتهم. واعتبر أن هذا الأداء القوي جاء نتيجة التركيز على الجودة والحوكمة والمرونة في مواجهة التحديات.

وأشار الفراج إلى أن الاستثمار المستدام يُعد أقل مخاطرة على المدى الطويل؛ كونه يأخذ في الحسبان مخاطر لا تظهر في التحليلات المالية التقليدية، مثل تغير المناخ، ومخاطر حقوق الإنسان، والحوكمة الفاسدة. وأكد أن هذا النهج يمنح الشركات «درعاً للمخاطر» من خلال تمكينها من التعامل مع التشريعات البيئية والاجتماعية المتزايدة، وتقليل احتمالية التعرض للغرامات أو العقوبات، فضلاً عن تعزيز مرونتها أمام صدمات السوق.

وأبان أن التكاليف الأولية المرتفعة للاستدامة قد تؤثر على القدرة التنافسية للشركات في المدى القصير، لكنها تمنحها ميزة تنافسية مستدامة على المدى الطويل.

واختتم الفراج بالتأكيد على أن التمويل المستدام يمثل تطوراً طبيعياً في فلسفة الاستثمار، يعيد تعريف العلاقة بين الربح والمسؤولية، لافتاً إلى أن المستثمر الذكي بات يتجه نحو بناء ثروة قائمة على أسس صلبة ومستدامة في عالم مليء بالمخاطر البيئية والاجتماعية والاقتصادية.

مزارع يقف في حقله متحدثاً عن تأثير توسع زراعة الصويا على الغابات المطرية في سانتاريم بالبرازيل (رويترز)

تغيرات عالمية

بدوره، أكد المستشار المالي والاقتصادي الدكتور حسين العطاس، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن التمويل المستدام لم يعد مجرد توجه أخلاقي أو إطار دعائي، بل أصبح خياراً استثمارياً مدفوعاً بمنطق اقتصادي بحت، وذلك في ظل التحولات المناخية والتغيرات التنظيمية العالمية وتبدّل سلوك المستثمرين.

ولفت إلى أن مؤشرات الأسواق في السنوات الأخيرة أظهرت أن الشركات والصناديق التي تطبق معايير الاستدامة تحقق أداءً مالياً أفضل على المدى الطويل، وتتمتع بمستويات أقل من التقلبات والمخاطر.

وأضاف أن الدعم الحكومي لا يزال عاملاً مساعداً، لكنه لم يعد العامل الوحيد. فقد أصبح المستثمرون المؤسسيون، وصناديق التقاعد، ومديرو الأصول العالمية، يتبنون استراتيجيات الاستدامة بهدف تحقيق عوائد محسّنة ومخاطر أقل.

وأشار العطاس إلى أن الاستثمار المستدام يعزز قدرة الشركات على الامتثال التنظيمي المبكر، وتقليل الأضرار البيئية التي قد تسبب دعاوى قانونية أو عقوبات، وبناء سمعة سوقية قوية تنعكس على ولاء العملاء والمستثمرين، ورفع كفاءة العمليات من خلال الابتكار وكفاءة الطاقة وإدارة الموارد.

وأكد أن الاستدامة تساهم في تقليل المخاطر البيئية والمالية على المدى الطويل، مما يجعلها وسيلة لتحصين الشركات مالياً.

وحول التأثير المحتمل على التنافسية، قال العطاس إن الشركات المستدامة قد تتحمل تكاليف انتقالية على المدى القصير، مثل استثمارات الطاقة المتجددة أو تطوير تقارير الحوكمة، إلا أن هذه التكاليف تتحول لاحقاً إلى مزايا تنافسية من خلال خفض التكاليف التشغيلية، وتعزيز ثقة السوق والمستثمرين، وجذب الكفاءات الشابة، إضافة إلى تسهيل الوصول إلى تمويل أرخص.

وشدد على أن الاستدامة لم تعد عبئاً تشغيلياً، بل استثمار استراتيجي في استمرارية وتوسع الشركات.

واختتم العطاس كلامه بالتأكيد على أن التمويل المستدام أصبح شرطاً أساسياً للربحية والنجاح في الأسواق العالمية، وتجاهله قد يؤدي إلى تخلف الشركات.


مقالات ذات صلة

انفراجة «هرمز» تُحفّز الأسواق العالمية

الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

انفراجة «هرمز» تُحفّز الأسواق العالمية

شهدت الأسواق العالمية انفراجة واسعة واستعادة قوية للزخم عقب قرار إيران بفتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية، تزامناً مع هدنة لبنان. وأدى هذا التحول الإيجابي

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)

الجدعان: إنهاء الصراعات وتأمين السلام ركيزتان أساسيتان لتحقيق النمو المستدام

أعلن وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، أن قدرة العالم على مواجهة الأزمات مرهونة بتبني «رؤية استراتيجية موحدة وإصلاحات».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد صورة جورج واشنطن تظهر على ورقة نقدية أميركية من فئة دولار واحد (أ.ب)

آمال إنهاء الحرب تهبط بالدولار لأدنى مستوياته في 6 أسابيع

استقر الدولار الأميركي قرب أدنى مستوياته منذ أوائل مارس (آذار) مقابل العملات الرئيسية يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)
الاقتصاد امرأة تمر أمام متجر لبيع الذهب في هونغ كونغ (أ.ف.ب)

الذهب يقترب من حاجز الـ4900 دولار وسط ترقب لإنهاء الحرب

ارتفعت أسعار الذهب يوم الخميس، مدعومة بضعف الدولار وارتفاع التفاؤل بشأن اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد سفينة شحن في الخليج العربي، بالقرب من مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)

النفط يتراجع مع تزايد الآمال في التوصل إلى اتفاق أميركي إيراني

تراجعت أسعار النفط في التعاملات المبكرة يوم الخميس، إذ طغت الآمال بتخفيف حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

5 سفن قطرية محملة بالغاز الطبيعي تقترب من مضيق هرمز

أدت حرب إيران إلى تعطيل 17 % من طاقة قطر التصديرية للغاز الطبيعي المسال (رويترز)
أدت حرب إيران إلى تعطيل 17 % من طاقة قطر التصديرية للغاز الطبيعي المسال (رويترز)
TT

5 سفن قطرية محملة بالغاز الطبيعي تقترب من مضيق هرمز

أدت حرب إيران إلى تعطيل 17 % من طاقة قطر التصديرية للغاز الطبيعي المسال (رويترز)
أدت حرب إيران إلى تعطيل 17 % من طاقة قطر التصديرية للغاز الطبيعي المسال (رويترز)

أظهرت بيانات تتبع السفن، السبت، أن خمس سفن محملة بالغاز الطبيعي المسال قادمة من رأس لفان في قطر تقترب من مضيق هرمز. وفقاً لـ«رويترز».

وإذا نجحت السفن في عبور المضيق، فسيكون هذا أول عبور لشحنات غاز طبيعي مسال عبر الممر المائي منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط).

وأعادت إيران يوم الجمعة فتح المضيق، الذي كان يمر عبره قبل الحرب خُمس تجارة النفط والغاز في العالم، عقب اتفاق وقف إطلاق نار منفصل توسطت فيه الولايات المتحدة يوم الخميس بين إسرائيل ولبنان. وكانت قافلة من ناقلات النفط تعبر مضيق هرمز اليوم السبت، لكن تواردت أنباء عن إعادة إغلاق المضيق مجدداً.

وأظهرت بيانات شركة التحليلات «كبلر» أن الناقلات، وهي «الغشامية» و«لبرثه» و«فويرط» و«رشيدة» و«ديشا»، تحركت شرقاً نحو مضيق هرمز. وتدير شركة «قطر للطاقة» الناقلات الأربع الأولى، بينما تستأجر شركة «بترونيت» الهندية الناقلة «ديشا».

وقالت لورا بيج، مديرة قسم تحليلات الغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال في شركة «كبلر»: «نشهد في الوقت الراهن اقتراب خمس سفن محملة من مضيق هرمز. تم تحميل جميع السفن الخمس من محطة رأس لفان في قطر. ومن بين السفن الخمس، تتجه سفينتان إلى باكستان، ومن المرجح أن تتجه سفينتان إلى الهند، بينما لا توجد وجهة واضحة لسفينة واحدة».

وأضافت: «بالإضافة إلى ذلك، دخلت سفينتان تابعتان لشركة (أدنوك) من دون حمولة إلى خليج عمان ورستا خارج الفجيرة. تتوافق تحركات السفن مع بيانات حرق الغاز، مما يشير إلى استئناف العمل في عدة خطوط إنتاج في الموقع الشمالي لرأس لفان، وكذلك في محطة جزيرة داس بالإمارات».

وقطر هي ثاني أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، وتذهب شحناتها في الغالب إلى مشترين في آسيا. ومع ذلك، أدت الهجمات الإيرانية إلى تعطيل 17 في المائة من طاقة قطر التصديرية للغاز الطبيعي المسال، ومن المتوقع أن تؤدي الإصلاحات إلى توقف إنتاج 12.8 مليون طن سنوياً من الوقود لمدة تتراوح بين ثلاث إلى خمس سنوات.


أميركا: منح 9 شركات 26 مليون برميل من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي

صهاريج تخزين النفط الخام في ولاية أوكلاهوما الأميركية (رويترز)
صهاريج تخزين النفط الخام في ولاية أوكلاهوما الأميركية (رويترز)
TT

أميركا: منح 9 شركات 26 مليون برميل من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي

صهاريج تخزين النفط الخام في ولاية أوكلاهوما الأميركية (رويترز)
صهاريج تخزين النفط الخام في ولاية أوكلاهوما الأميركية (رويترز)

قالت وزارة الطاقة الأميركية، إنها منحت 26.03 مليون برميل من النفط الخام من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي لتسع شركات نفطية، في إطار الدفعة الثالثة من جهود إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للحد من أسعار الوقود التي ارتفعت بشكل حاد منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

ووافقت إدارة ترمب في مارس (آذار) على سحب 172 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي للنفط في خطوة منسقة مع وكالة الطاقة الدولية لسحب 400 مليون برميل في محاولة للسيطرة على أسعار الوقود التي ارتفعت بسبب الحرب.

وقدمت الولايات المتحدة حتى الآن 126 مليون برميل على ثلاث دفعات من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي في صورة قروض، مع إلزام شركات الطاقة بسداد ثمن النفط الخام مع دفع فوائد إضافية.

ووقَّعت شركات الطاقة اتفاقيات لاقتراض نحو 80 مليون برميل، أي أكثر من 63 في المائة مما عرضته الإدارة.

وذكرت وزارة الطاقة الأميركية أن الشركات التي حصلت على الكميات من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي تشمل «بي بي برودكتس نورث أميركا» و«إكسون موبيل أويل كورب» و«ماراثون بتروليوم».


أستراليا تمدِّد تخفيف معايير جودة الوقود لتعزيز الإمدادات

لافتات معروضة على موزعات وقود فارغة بإحدى محطات الوقود في سيدني 30 مارس 2026 (رويترز)
لافتات معروضة على موزعات وقود فارغة بإحدى محطات الوقود في سيدني 30 مارس 2026 (رويترز)
TT

أستراليا تمدِّد تخفيف معايير جودة الوقود لتعزيز الإمدادات

لافتات معروضة على موزعات وقود فارغة بإحدى محطات الوقود في سيدني 30 مارس 2026 (رويترز)
لافتات معروضة على موزعات وقود فارغة بإحدى محطات الوقود في سيدني 30 مارس 2026 (رويترز)

صرح وزير الطاقة الأسترالي كريس بوين، السبت، بأن أستراليا مدَّدت فترة تخفيف المعايير الخاصة بجودة الوقود حتى سبتمبر (أيلول)، في الوقت الذي تواجه فيه البلاد تداعيات حرب إيران على إمداداتها من الوقود.

وقال بوين في تصريحات نقلها التلفزيون: «قررت تمديد فترة السماح بنسبة كبريت أعلى في البنزين في أستراليا».

ويزيد هذا التخفيف، الذي أُعلن في مارس (آذار)، من كمية الكبريت المسموح بها في الوقود إلى 50 جزءاً في المليون من 10 أجزاء في المليون المعتادة.

وشهدت أستراليا، التي تستورد معظم وقودها، نقصاً محلياً مع تعطل سلاسل الإمدادات جراء الصراع، الذي دخل أسبوعه الثامن، السبت.

وذكر بوين أن إنتاج الديزل ووقود الطائرات والبنزين في مصفاة نفط تعرضت لحريق مملوكة لشركة «فيفا إنرجي» في فيكتوريا، ثاني أكبر ولاية من حيث عدد السكان في أستراليا، ظل دون تغيير عن يوم الجمعة.

وقال: «تعمل مصفاة (جيلونغ) بنسبة 80 في المائة من طاقتها الإنتاجية للديزل ووقود الطائرات، و60 في المائة من طاقتها الإنتاجية للبنزين، ولا يزال الوضع على ما هو عليه».

وقال رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي، الجمعة، إن الحريق لن يؤدي إلى فرض أي قيود على الوقود.

كما أبرم ألبانيزي هذا الأسبوع اتفاقاً مع شركة الطاقة الحكومية الماليزية «بتروناس»، لتزويد أستراليا بالوقود الفائض لديها، وذلك بعد زيارات إلى سنغافورة وبروناي بهدف تعزيز إمدادات الطاقة.