هل تتجه أميركا والصين إلى شراكة جديدة؟

بعد تخلي ترمب عن خطابه المتشدد والتزامه ببعض طلباتها... من تايوان إلى شرائح الذكاء الاصطناعي

الرئيس الأميركي يحضر اجتماعاً ثنائياً مع نظيره الصيني خلال قمة قادة مجموعة العشرين في أوساكا باليابان عام 2019 (رويترز)
الرئيس الأميركي يحضر اجتماعاً ثنائياً مع نظيره الصيني خلال قمة قادة مجموعة العشرين في أوساكا باليابان عام 2019 (رويترز)
TT

هل تتجه أميركا والصين إلى شراكة جديدة؟

الرئيس الأميركي يحضر اجتماعاً ثنائياً مع نظيره الصيني خلال قمة قادة مجموعة العشرين في أوساكا باليابان عام 2019 (رويترز)
الرئيس الأميركي يحضر اجتماعاً ثنائياً مع نظيره الصيني خلال قمة قادة مجموعة العشرين في أوساكا باليابان عام 2019 (رويترز)

بعد تخفيف الرئيس الأميركي دونالد ترمب وكبار مسؤولي إدارته من حدة موقفهم تجاه الصين، بما في ذلك العلاقة مع تايوان ورفع الحظر عن تصدير بعض شرائح الذكاء الاصطناعي، بدا أن السياسات الأميركية التي كانت تعد الصين خصماً منافساً، في طريقها للتغيير وقد تقود إلى تحالف جديد، أو على الأقل إلى شراكة بينهما، على حساب الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة. فالتنازلات الأخيرة التي قدمتها إدارة ترمب، بشأن تايوان وتكنولوجيا الرقائق، جاءت قبل قمة محتملة بين ترمب والرئيس الصيني شي جيبينغ، وفي خضم محادثات تجارية بالغة الأهمية بين البلدين، قد تقود إلى توقيع اتفاق تجاري، يرى البعض أنه قد يكون على حساب العديد من شركاء الولايات المتحدة، الذين بالكاد توصلوا إلى تفاهمات تجارية مماثلة معها.

مصافحة بين ترمب وشي في قاعة الشعب في بكين عام 2017 (رويترز)

نقاط ضعف مشتركة

ولفت العديد من الخبراء، بمن فيهم مسؤولون سابقون في إدارة ترمب، إلى أن الحرب التجارية التي أعلنها الأخير سابقاً ضد الصين، قد تكون خطأ غير محسوب، بعدما تبين أن بكين عثرت على نقاط ضعف أميركية، على رأسها معادن الأرض النادرة، واستخدمتها في المواجهة مع واشنطن.

يقول جاك بورنهام، كبير الباحثين في الشأن الصيني في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهو مركز بحثي محسوب على الجمهوريين، إن محادثات التجارة الجارية بين واشنطن وبكين، تعد جهداً لاستهداف نقاط ضغط دقيقة، مع السعي لتخفيف وطأة كل هجوم. وأضاف في حديث مع «الشرق الأوسط» قائلاً إن الاختبار الآن يتمثل في القدرة على التحمل، حيث تسعى كل من الولايات المتحدة والصين إلى تقليص نقاط ضعفهما، في الوقت الذي تواجهان فيه اتجاهات اقتصادية أوسع.

وبعدما أجّلت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) اجتماعاً بين وزير دفاع تايوان وكبار قادة البنتاغون في يونيو (حزيران)، قيل إنها جاءت بعد أن حثّ شي ترمب على الحد من التعامل مع تايوان خلال مكالمة هاتفية في وقت سابق من يونيو، وتعليق بعض ضوابط التصدير الجديدة على الصين، حيث أعلنت إدارة ترمب عن خطط لثني الرئيس التايواني، لاي تشينغ تي، من التوقف في الولايات المتحدة خلال جولة له تبدأ في الأول من أغسطس (آب). وهو ما أدى إلى إلغاء الزيارة التي كان من المقرر مبدئياً أن تشمل توقفا في مدينتي دالاس ونيويورك، خلال زيارته لحلفاء قليلين لبلاده في أميركا اللاتينية، بعد أن حاولت إدارة ترمب تغيير مسار رحلته.

نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ يُشير بيده قبيل محادثات تجارية بين الولايات المتحدة والصين في استوكهولم (رويترز)

رضوخ لضغوط بكين

وكانت صحيفة «فاينانشال تايمز» أول من أورد خبر إلغاء رحلة لاي بعد ضغوط من إدارة ترمب، وهو ما عُدّ رضوخاً للضغوط الصينية التي ترى أن أي تواصل مع المسؤولين التايوانيين هو استفزاز لبكين.

ووفقاً لصحيفة «واشنطن بوست»، فقد حذّر منتقدو الانفراج الناشئ، بمن فيهم جمهوريون وديمقراطيون، من أن هذه الخطوات الأخيرة قد تُقوّض الأمن القومي الأميركي وتؤثر على التحالفات الإقليمية. وأعربوا عن قلقهم من أن رغبة ترمب في إبرام صفقة تجارية مع الصين، تُهمّش جهود واشنطن لمنافسة بكين اقتصادياً وتكنولوجياً وعسكرياً بشكل أكثر قوة، في الوقت الذي تسعى فيه الصين إلى إزاحة الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين في التقنيات الناشئة، مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية، والتي تعتبرها مفتاح تسريع تحديثها العسكري وهيمنتها الاقتصادية العالمية.

ويؤكد بورنهام في حديثه مع «الشرق الأوسط» أن الصين تسعى إلى استبدال الولايات المتحدة كقوة عالمية بارزة في جميع المجالات تقريباً، مُدركةً أن واشنطن تُمثل أكبر تهديد مُحتمل لطموحاتها الجيوسياسية. وتهدف كل خطوة تتخذها بكين تجاه الولايات المتحدة إلى ترسيخ سيطرتها، ولن تتنازل عن أي ميزة بسهولة.

ونقلت الصحيفة عن إيلي راتنر، المسؤول الدفاعي السابق في إدارة بايدن قوله، إن «هذه التنازلات تُرسل إشارة خطيرة، مفادها أن نهج أميركا تجاه تايوان قابل للتفاوض». وأضاف: «هذا لن يؤدي إلا إلى مزيد من الضغط والإكراه الصيني».

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت والممثل التجاري جيميسون غرير قبل محادثات تجارية بين الولايات المتحدة والصين في استوكهولم (رويترز)

إقامة علاقة مع بكين

ومن الواضح أن الصين ترغب في التقنيات الأميركية، فقد ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن الوصول إلى الرقائق المتقدمة كان أولوية للمفاوضين الصينيين في محادثات التجارة. وبعدما اختتمت الجولة الأخيرة من تلك المحادثات في استوكهولم يوم الثلاثاء، صرح وزير الخزانة الأميركية، سكوت بيسنت، بأن على الرئيس أن يقرر ما إذا كان سيمدد الهدنة التجارية بين البلدين. وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي في بيان: «ناقش الرئيس ترمب علناً رغبته في إقامة علاقة بناءة مع الصين، التي ترسل المعادن الأرضية النادرة إلى الولايات المتحدة. إنه يركز على تعزيز المصالح الأميركية، مثل تهيئة الظروف للصناعات الأميركية وحث الصين على وقف تدفق الفنتانيل إلى بلدنا».

ووفقاً لمسؤول أميركي، تدرس الإدارة ما إذا كانت سترسل المزيد من المعدات العسكرية مباشرة إلى تايوان. وقد قدّمت وزارة الدفاع قائمة بالمساعدات إلى البيت الأبيض للنظر فيها من قِبَل الرئيس، لكن لم تتم الموافقة عليها بعد. وبدلاً من ذلك، أرسلت القائمة إلى وزارة الخارجية.

شريحة مُهمَلة من إنتاج شركة التكنولوجيا الأميركية «إنفيديا» في برلين (إ.ب.أ)

شريحة «إتش 20»

غير أن أبرز الانتقادات جاءت بعدما وافقت إدارة ترمب على السماح لشركة «إنفيديا» بتصدير شريحة الذكاء الاصطناعي فائقة التطور «إتش 20» إلى الصين، بعد جهود بذلها رئيسها التنفيذي، جينسن هوانغ، لإقناع ترمب. وزعمت الشركة أن الشريحة لن تُستخدم لمساعدة الجيش الصيني وأن أميركا تستفيد عندما تعتمد الدول الأخرى على تقنيتها.

غير أن المنتقدين قالوا إن هذه التقنية ستساعد في تطوير المجمع الصناعي العسكري الصيني، مع تطبيقات تتراوح من محاكاة الأسلحة النووية إلى تطوير الطائرات من دون طيار.

ويوم الاثنين، وجّه 20 خبيراً في الأمن القومي، رسالة يحثون فيها وزير التجارة، هوارد لوتنيك، على التراجع عن هذا القرار. وقالت الرسالة: «نعتقد أن هذه الخطوة تمثل خطأً استراتيجياً يُهدد التفوق الاقتصادي والعسكري للولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو مجال يُنظر إليه بشكل متزايد على أنه حاسم في القيادة العالمية في القرن الحادي والعشرين».

ومن بين الموقعين أعضاء سابقون في إدارتي ترمب، مثل ديفيد فيث، الذي قاد سياسة المنافسة التكنولوجية في مجلس الأمن القومي حتى أبريل (نيسان) الماضي، وماثيو بوتينغر، الذي شغل منصب نائب مستشار الأمن القومي في ولاية ترمب الأولى.

سابقة خطيرة

وقال كريستوفر باديلا، المسؤول السابق في مجال مراقبة الصادرات في إدارة جورج دبليو بوش، إن استعداد إدارة ترمب الواضح لوضع ضوابط تصدير التكنولوجيا على طاولة المفاوضات التجارية يُعد تطوراً مقلقاً. وأضاف: «منذ إدارة كارتر وتطبيع العلاقات مع الصين، كانت السياسة المتبعة هي رفض طلب بكين رفع ضوابط التصدير مقابل، على سبيل المثال، سد العجز التجاري». وعدّ استخدامها وسيلة ضغط في محادثات التجارة «سابقة خطيرة»، «ويثير احتمالاً حقيقياً بأن تُطالب الصين الآن بتخفيف ضوابط التصدير مقابل تنازلات تجارية مستقبلية، أو مقابل اتفاق إذا زار الرئيس الصين في وقت لاحق من هذا العام».

وكان ترمب قد صرح أن الرئيس شي دعاه لزيارة الصين، ومن المرجح أن يفعل ذلك في المستقبل غير البعيد. ويوم الثلاثاء، نشر على موقع «تروث سوشيال» أنه «لا يسعى» إلى عقد قمة مع شي. وكتب: «قد أذهب إلى الصين، ولكن ذلك سيكون فقط بناءً على دعوة من الرئيس شي، والتي مُددت». «وإلا، فلا فائدة!».

ومع ذلك تتخذ إدارة ترمب خطوات لمحاولة الحفاظ على ريادة الولايات المتحدة. فقد أعلنت أخيراً عن «خطة عمل» للذكاء الاصطناعي، تهدف إلى تقليص البيروقراطية وتسهيل بناء شركات التكنولوجيا لمراكز البيانات اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. وفي وقت سابق من هذا العام، كشفت شركة «أوبن إيه آي» وشركة «سوفت بنك» اليابانية عن شراكة بقيمة 500 مليار دولار لبناء مراكز بيانات جديدة للذكاء الاصطناعي.


مقالات ذات صلة

الرسوم الأميركية تضرب صادرات الاتحاد الأوروبي وتهبط بفائضه التجاري

الاقتصاد مجسّم لدونالد ترمب مع علمي أميركا والاتحاد الأوروبي وعبارة «رسوم 15 %» في رسم توضيحي (رويترز)

الرسوم الأميركية تضرب صادرات الاتحاد الأوروبي وتهبط بفائضه التجاري

انكمش الفائض التجاري للاتحاد الأوروبي مع بقية دول العالم بنسبة 60 في المائة خلال فبراير (شباط)، مدفوعاً بتراجع حاد في الصادرات إلى الولايات المتحدة تجاوز الربع.

«الشرق الأوسط» (بروكسل )
الاقتصاد جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم...

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الاقتصاد عامل يسير بجوار لفائف الصلب في شركة «سالزغيتر إيه جي» شمال ألمانيا (د.ب.أ)

بين مطرقة الإنتاج الصيني ورسوم ترمب... أوروبا تضاعف جمارك الصلب الأجنبي

اتفق مشرِّعو الاتحاد الأوروبي، يوم الاثنين، على مضاعفة الرسوم الجمركية على الصلب الأجنبي.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد حاويات بضائع معدة للتصدير في ميناء نانجينغ شرق الصين (أ.ف.ب)

الصين تتعهد بـ«إجراءات مضادة» حال تنفيذ تهديد ترمب بتعريفات جمركية

تعهدت الصين، الثلاثاء، بفرض «إجراءات مضادة» إذا نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديده بفرض تعريفات جمركية جديدة.


الصين وتركمانستان تطلقان مشروع توسعة ثاني أكبر حقل غاز في العالم

تصدّر تركمانستان التي تمتلك رابع أكبر احتياطي غاز في العالم معظم إنتاجها إلى الصين (إكس)
تصدّر تركمانستان التي تمتلك رابع أكبر احتياطي غاز في العالم معظم إنتاجها إلى الصين (إكس)
TT

الصين وتركمانستان تطلقان مشروع توسعة ثاني أكبر حقل غاز في العالم

تصدّر تركمانستان التي تمتلك رابع أكبر احتياطي غاز في العالم معظم إنتاجها إلى الصين (إكس)
تصدّر تركمانستان التي تمتلك رابع أكبر احتياطي غاز في العالم معظم إنتاجها إلى الصين (إكس)

أطلقت تركمانستان والصين، أعمال توسعة الإنتاج في حقل غاز «غالكينيش» العملاق، ما يعزز مكانة بكين في قطاع الطاقة في هذه الدولة الواقعة في آسيا الوسطى.

وتصدّر هذه الجمهورية السوفياتية السابقة التي تمتلك رابع أكبر احتياطي غاز في العالم، معظم إنتاجها إلى الصين منذ عام 2009، وهو العام الذي افتتح فيه خط أنابيب للغاز بين آسيا الوسطى والصين.

وفي قلب الصحراء، افتتح الرئيس السابق قربانقلي بردي محمدوف الذي يدير البلاد إلى جانب ابنه الرئيس سردار بردي محمدوف، رسمياً، المرحلة الرابعة من أصل سبع مراحل تطويرية مخطط لها في غالكينيش.

وحضر الحفل نائب رئيس الوزراء الصيني دينغ شيويه شيانغ، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال دينغ: «الغاز التركمانستاني رمز للسعادة (...) فهو موجود في كل بيت صيني».

وتضمن الحفل عروضاً موسيقية وراقصة احتفاء بالصداقة التركمانستانية الصينية، كما هي العادة في المناسبات التي ترعاها الدولة في تركمانستان.

نظّم الحفل برعاية قربانقلي بردي محمدوف، الملقب رسمياً بـ«حامي الأبطال» والمفوّض صلاحيات واسعة.

ينتج حقل غالكينيش الواقع في صحراء كاراكوم على بُعد نحو 400 كيلومتر شرق العاصمة عشق آباد، الغاز منذ عام 2013، ويعد ثاني أكبر حقل غاز في العالم، وفقاً لشركة الاستشارات البريطانية غافني كلاين.

وتتولى شركة النفط الوطنية الصينية المملوكة للدولة أعمال التوسعة.

وفي زيارة قام بها إلى عشق آباد عشية الحفل، قال داي هوليانغ، رئيس مجلس إدارة شركة النفط الوطنية الصينية «إن الصداقة بين الصين وتركمانستان راسخة كجذور شجرة».


قطاع النقل الألماني يتوقع زيادة حالات الإفلاس وسط تفاقم أزمة الطاقة

ازدحام السيارات في ساعة الذروة على الطريق السريع بالعاصمة الألمانية برلين (رويترز)
ازدحام السيارات في ساعة الذروة على الطريق السريع بالعاصمة الألمانية برلين (رويترز)
TT

قطاع النقل الألماني يتوقع زيادة حالات الإفلاس وسط تفاقم أزمة الطاقة

ازدحام السيارات في ساعة الذروة على الطريق السريع بالعاصمة الألمانية برلين (رويترز)
ازدحام السيارات في ساعة الذروة على الطريق السريع بالعاصمة الألمانية برلين (رويترز)

يتوقع قطاع النقل في ألمانيا زيادة جديدة في حالات الإفلاس في ضوء تدهور الأوضاع على خلفية تداعيات حرب إيران.

وقال ديرك إنغلهارت، رئيس الاتحاد الألماني للنقل البري واللوجستيات والتخلص من النفايات، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية: «في ظل الظروف الحالية، ستواصل حالات الإفلاس الارتفاع»، مضيفاً أن ذلك سيصيب في المقام الأول الشركات الصغيرة والمتوسطة.

وقال إنغلهارت: «الوضع كارثي حالياً»، موضحاً أن ارتفاع الأسعار في محطات الوقود منذ بداية حرب إيران يشكل عبئاً كبيراً على الشركات المتوسطة في ألمانيا، مشيراً في المقابل إلى أن وضع القطاع كان متوتراً للغاية حتى قبل اندلاع الحرب.

وأكد أن المشكلة الأكبر تتمثل في «النقص الحاد في السائقين»، حيث يفتقر القطاع إلى نحو 120 ألف سائق شاحنات، مع اتجاه متزايد لهذا النقص.

وأضاف إنغلهارت إن الشركات المتوسطة خفضت قدراتها استجابة للظروف الصعبة، معتبراً ذلك تطوراً مقلقاً لأنه لا يظهر في إحصاءات الإفلاس، مضيفاً أنه في حال تعافي الاقتصاد أو حدوث أزمة أو حالة دفاع، قد لا تتوفر قدرات نقل كافية.

من جانبه، قال فرانك هوستر، المدير التنفيذي للاتحاد الألماني للشحن واللوجيستيات: «بشكل عام، الوضع الاقتصادي سيئ للغاية. يعاني قطاع اللوجيستيات أيضاً مع تدهور أوضاع العملاء... الإيرادات والأرباح تتآكل».

وأوضح هوستر أن قطاع الشحن واللوجيستيات لا يشعر بحالات الإفلاس بنفس حدة قطاع النقل البري، لكنه توقع بشكل واضح زيادة في إغلاق الشركات هناك.

وكانت عدة اتحادات في قطاع النقل قد دعت المستشار الألماني فريدريش ميرتس، قبل أسبوع في رسالة مفتوحة، إلى اتخاذ إجراءات سريعة لمواجهة أزمة التكاليف، محذرة من أن ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف التشغيل إلى جانب الضغوط الاقتصادية المتزايدة يدفع العديد من الشركات إلى حافة الإفلاس.

وطالبت هذه الاتحادات بخفض الضرائب على الطاقة والكهرباء، وإلغاء الازدواجية في أعباء ثاني أكسيد الكربون في النقل البري للبضائع، إلى جانب اتخاذ إجراءات تخفيف أعباء سريعة مثل تحديد سقف لأسعار الطاقة أو تقديم تعويضات.

نقص الكيروسين

على صعيد موازٍ، دعا وزير المالية الألماني، لارس كلينجبايل، إلى اتخاذ إجراءات لمواجهة نقص محتمل في الكيروسين، كانت حذرت منه الوكالة الدولية للطاقة.

وقال رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي في تصريحات لمجلة «دير شبيغل» الألمانية: «يجب أن نأخذ التحذيرات من نقص الكيروسين على محمل الجد... بالنسبة لي من الواضح أنه لا ينبغي لنا التعامل فقط مع مشكلة الأسعار، بل يجب أيضاً أن نضع أمن الإمدادات في الاعتبار في جميع الأوقات».

وكانت الوكالة الدولية للطاقة حذرت، يوم الجمعة، من أن عدة دول أوروبية قد تواجه خلال الأسابيع الستة المقبلة بداية شح في الكيروسين. وقالت وزيرة الاقتصاد الألمانية كاترينا رايشه عقب ذلك إن الكيروسين يتم إنتاجه أيضاً في المصافي الألمانية، وإن البلاد لا تعتمد فقط على الواردات.

وحسب اتحاد النقل الجوي في برلين، فإن الأوضاع في أسواق الطاقة لن تتحسن بسرعة حتى في حال انتهاء حرب إيران على المدى القصير. وقد ارتفعت أسعار الكيروسين منذ بداية الحرب لأكثر من الضعف. ويأتي جزء كبير من الواردات من الشرق الأوسط، حيث دمرت العديد من منشآت النفط في منطقة الأزمة.

وأوضح كلينجبايل أن تداعيات حرب إيران قد تستمر لفترة أطول، وأضاف نائب المستشار في تصريحاته التي أدلى بها خلال رحلة عودته من واشنطن، حيث شارك في اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي: «نحن في وضع يمثل تحدياً مشابهاً لأزمة الطاقة بعد الهجوم الروسي على أوكرانيا... المناقشات أظهرت لي مرة أخرى أن هذه الأزمة أكبر وأكثر تعقيداً مما يعتقده كثيرون».


مصر: إطلاق مدينة جديدة بتكلفة 27 مليار دولار شرق القاهرة

هشام طلعت مصطفى خلال إطلاقه المشروع الجديد في مجلس الوزراء المصري (الشرق الأوسط)
هشام طلعت مصطفى خلال إطلاقه المشروع الجديد في مجلس الوزراء المصري (الشرق الأوسط)
TT

مصر: إطلاق مدينة جديدة بتكلفة 27 مليار دولار شرق القاهرة

هشام طلعت مصطفى خلال إطلاقه المشروع الجديد في مجلس الوزراء المصري (الشرق الأوسط)
هشام طلعت مصطفى خلال إطلاقه المشروع الجديد في مجلس الوزراء المصري (الشرق الأوسط)

أعلن هشام طلعت مصطفى، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لـ«مجموعة طلعت مصطفى» المصرية، خلال مؤتمر صحافي، اليوم السبت، إن المجموعة ستبني مدينة جديدة متعددة الاستخدامات شرق القاهرة بتكلفة 1.4 تريليون جنيه مصري (27 مليار دولار).

ويجري تطوير المشروع، الذي يحمل اسم «ذا سباين»، بالشراكة مع البنك الأهلي المصري، برأس مال مدفوع قدره 69 مليار جنيه (1.3 مليار دولار).

ويغطي المشروع، الذي سيحمل صفة منطقة استثمارية خاصة داخل مشروع «مدينتي» التابع لـ«مجموعة طلعت مصطفى»، مساحة حوالي 2.4 مليون متر مربع ويجمع بين الوحدات السكنية والمرافق التجارية والفندقية والتجزئة والترفيه والمساحات الخضراء العامة ضمن بيئة حضرية واحدة متصلة.

وأوضح هشام طلعت مصطفى أن هذا المشروع يعادل حوالي واحد في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لمصر، ومن المتوقع أن يدر حوالي 818 مليار جنيه من عائدات الضرائب لميزانية الدولة على المدى الطويل.

رئيس الوزراء وبجانبه من اليمين محافظ المركزي المصري ومن اليسار وزير المالية وبجانبه هشام طلعت مصطفى (الشرق الأوسط)

ومن المتوقع أن يوفر المشروع أكثر من 55 ألف فرصة عمل مباشرة و100 ألف فرصة عمل غير مباشرة.

حضر فعالية الإطلاق في رئاسة مجلس الوزراء، الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء، وحسن عبد الله، محافظ البنك المركزي المصري، وأحمد كجوك، وزير المالية، وراندة المنشاوي، وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية.

وأضاف هشام أن «هذا المشروع لم يولد من فكرة، بل من فِهم عميق للسوق العالمية، فهناك أكثر من خمس سنوات من الدراسات، بمشاركة كبرى بيوت الخبرة الدولية، ونسعى جميعاً لنُجيب على سؤال واحد: كيف نجعل مصر وِجهة أولى للشركات العالمية؟ وكانت الإجابة واضحة: لتحقيق ذلك اعتمدنا على نموذج متقدم لمنطقة استثمارية خاصة (SIZ) توفر إطاراً تنظيمياً مرناً، وإجراءات مُبسطة، وحوافز تنافسِية، ودوائر جمركية خاصة، إلى جانب بيئة أعمال مرنة، وسرعة في التأسيس، وبنية تحتِية رقمية متقدمة، بالإضافة إلى تكامل حقيقي بين العمل والحياة».