انْسَ المثالية... حان الوقت للاحتفاء بغرابتك

سمات فريدة تميز شخصية الإنسان عن «المعايير السلوكية السائدة»

انْسَ المثالية... حان الوقت للاحتفاء بغرابتك
TT

انْسَ المثالية... حان الوقت للاحتفاء بغرابتك

انْسَ المثالية... حان الوقت للاحتفاء بغرابتك

كلمة «غريب»، أو عبارة مثل: «غريب الأطوار»: تعبيرات بحد ذاتها تُبهج النفس، إنها ليست سريعة وحيوية فحسب، بل «بهلوانية» بامتياز؛ فهي تقفز لتنفذ حركة سريعة في الهواء قبل أن تدغدغ عقلك.

سمة بشرية فريدة

تُعرّف القواميس «الغرابة» أو «غرابة الأطوار» (quirk) بأنها «عادة سلوكية غريبة»، أو «سمة فريدة، مختلفة، وساحرة أحياناً، تجعل الشخص مميزاً في قلب الحشود»، أو كما يُعرّفها «قاموس أكسفورد»: «جانب من شخصية أو سلوك شخص ما غريب بعض الشيء»... ومع ذلك، تبقى هذه مجرد تجريدات باهتة.

لكن إليك الأمثلة التالية: من الاستحمام في الهواء (بنجامين فرانكلين) إلى الكتابة وقوفاً (فرجينيا وولف)؛ والاكتفاء بالقيلولة المتقطعة، بدلاً من النوم (ليوناردو دافنشي) إلى التحدث بصوت عالٍ مع النفس في أثناء العمل، أو الإجابة عن الأسئلة بفيض من المعلومات. إنها أمثلة تدل على أن غرابة الأشياء بكلّ خصائصها يتعذر حصرها، ما يُعد إحدى الدلائل على التباين اللانهائي في صور السلوك البشري. (وبالطبع، للحيوانات كذلك طباع غريبة. لدى صديقي كلب يسارع إلى مهاجمة شاشة التلفزيون كلما أطل وجه رئيس أميركي معين عليها).

انحرافات حميدة

ويكاد يكون لدى كل منا سمة غريبة أو اثنتان، ويقصد بها انحرافات حميدة عن معيار سلوكي «قياسي» مفترض - أو خرافي، حسبما يرى الكثيرون - أبسط من أن تُحدث احتكاكاً مع الآخرين أو أنها تُعيق الأداء، وغالباً ما تعزز القدرة على التفاعل مع العالم. ومهما كانت بسيطة، فإنها تميل إلى أن تكون سمات مميزة للأفراد، وبمثابة توقيعات فريدة للأشخاص، ووسائل لتيسير التواصل، وأعمدة للوعي الذاتي، ومصادر للنجاح الشخصي والمهني. ومع ذلك، فقد تجاهل علم النفس هذه الصفات وقيمتها تقريباً، وركز بدلاً من ذلك على صور الاضطرابات.

* قد تشكل توقيعاً متميزاً للأفراد ووسائل لتيسير التواصل ومصادر للنجاح الشخصي والمهني*

في هذا الصدد، قال عالم النفس المقيم في نيويورك، باري لوبيتكين: «للكثيرين، فإن الطباع الغريبة عبارة عن علامة مميزة: أنا فريد، ومختلف بشكل فريد. ولا شيء يُسعد الناس أكثر من الشعور بالتميز، والتفرد، والاختلاف».

وهنا يحمل مصطلح «الغرابة» وظيفة دلاليةً أخرى، إذ يُحوّل ما يُمكن اعتباره عيباً، أو بؤرةً للمرض، إلى مصدر فخرٍ. وأشار لوبيتكين إلى أن «الغرابة مصطلحٌ مُسلٍّ، فهو خفيفٌ على اللسان؛ فالناس لا يُريدون معرفة عاداتهم، لكنهم يستمتعون بفكرة امتلاك غرابةٍ مُعيّنة».

ولا يُمكن إنكار وجود حدودٍ مُبهمةٍ غالباً حول فكرة الغرابة، مثلاً بين الغرابة على جانبٍ من النظام الاجتماعي، والغرابة والمرض النفسي، خصوصاً اضطراب الوسواس القهري، على الجانب الآخر. ومع ذلك، فإن هناك فرقاً مهماً: فبالإضافة إلى عدم إضعاف قدرة الناس على العمل، فإن الغرابة لا تُؤذي أو تُعيق بأي شكلٍ من الأشكال تفاعل الآخرين مع أصحابها، كما أوضح لوبيتكين.

ولا يعني هذا أن الغرابة لا يُمكن أن تُؤدّي وظيفةً نفسيةً مُهمة. إن الأشخاص الذين يتحدثون بصوت عالٍ إلى أنفسهم في أثناء العمل قد يفعلون ذلك لتقليل مستوى القلق، أو لإنهاء صوت النقد الداخلي.

إطار ذهني لسلوك مختلف

هناك كذلك تمييز داخلي مهم، يتعلق بالإطار الذهني الذي يبتكره الشخص لسلوكه المختلف: هل يرى اختلافه باعتباره نقيصة أم تفرداً؟

في الغالب، ينظر الناس إلى غرابتهم السلوكية على نحو سلبي في مرحلة الطفولة، في خضم محاولاتهم فهم تعقيدات الأعراف الثقافية ـ أعراف كثيراً ما يجري فرضها بقسوة عبر تنمّر زملاء المدرسة الإعدادية والثانوية. ومع ذلك، فإنهم عندما يكبرون وينضجون، ويشرعون في اكتشاف ذواتهم الحقيقية، يبدأون في الاستمتاع بتلك الغرائب.

ومع ذلك، هناك مَن لا يتجاوز أبداً استبداد تلك المعايير الاجتماعية المبكرة، فيبذلون قصارى جهودهم لإخفاء غرائبهم عن الآخرين. وقد تكون الغرائب محبّبة للغاية، ففي الواقع، فإن هذه السمات تضفي طابعاً إنسانياً على الفرد، من خلال تمييزه عن الآخرين، وخلق نقطة جاذبة للمشاعر الإيجابية.

وغالباً ما تُثير السمات الغريبة البهجة والدهشة، وتُعد أمثلة حيّة على تفرد الإنسان. وهناك جانب آخر يجعل الغرائب سمات محببة؛ فهي بريئة، لا تخدم غرضاً خفياً أو مصلحة شخصية.

في هذا الصدد، شرحت المعالجة المعنية بقضايا الأسرة سوزان بيرن - ستون، أن «الغرائب ليست تبادلية، أي أنها لا تُوجد لغرض تحقيق مكسب ما، بل هي تعبيرات صافية عن الشخصية». وأضافت: «إنها تُضيف متعة إلى التفاعل مع الشخص».

نموذج لفهم الغرابة: التنوع العصبي

إذا كان هناك نموذج لفهم الغرائب، فهو مفهوم «التنوع العصبي» (neurodiversity)، الذي يدور حول فكرة أن أدمغة البشر تعمل بطرق مختلفة، وإنه ضمن حدود معينة، لا تُعدّ الاختلافات في الإدراك والسلوك «نواقص» أو «اضطرابات»، وإنما اختلافات طبيعية وعضوية.

يكمن الهدف الرئيسي من هذا المفهوم في قبول الفردية: الامتناع عن إصدار أي حكم سلبي على التنوع البشري؛ وبدلاً من ذلك فتح الباب أمام الاستمتاع بهذه الاختلافات والاستفادة منها.

غالباً ما يرتبط مفهوم التنوع العصبي بـالتوحُّد؛ إذ نشأ أصلاً ضمن النقاشات المتعلقة بهذه الحالة. ونتيجة لذلك، كثيراً ما يجري وضع جميع مظاهر التنوع العصبي تحت مظلة التوحد.

غير أنه في الواقع، كما شرح الطبيب النفسي المقيم في نيويورك، غرانت برينر، أن التنوع العصبي يتجاوز طيف التوحد بكثير.

وعلى سبيل المثال، فإن التوحُّد لا يشمل كل أشكال معالجة الحواس غير التقليدية أو صعوبات التعلم غير اللفظية، ناهيك من الاختلافات الشخصية أو طرق التكيّف مع التجارب التنموية والشدائد، وكلها تسهم في تشكيل الطيف الواسع من الغرائب، التي تُضفي نكهة مميزة على صور السلوك البشري.

وأضافت عالمة النفس المقيمة في لوس أنجليس، ديبرا براوس، وهي أم داعمة للتنوع العصبي، ولديها ابن مصاب بالتوحد، أن هناك أبعاداً في التفكير أو الشعور أو السلوك يكون فيها كل إنسان غير نمطي بطريقة ما.

وأوضحت: «ليس بهم نقيصة أو بحاجة إلى إصلاح، بل لديهم فقط نظام تشغيل مختلف».

وأشارت إلى أن المشكلة تكمن في أن تربيتنا تجري على فكرة أن هناك طريقة واحدة صحيحة لفعل الأمور، وطريقة واحدة صحيحة لنكون «أشخاصاً طبيعيين» في هذا العالم. غير أنه في الحقيقة، نحن نستفيد من تعدد وجهات النظر وتنوع الأساليب.

ومع ذلك، نتولى الحكم على الآخرين ـ عادةً على نحو سلبي ـ بناءً على مقياس واحد ضيق، ونتولى «تجريم» أو «تشخيص» الاختلافات، باعتبارها اضطرابات.

وفي ظل تزايد تعقيد العالم ومشكلاته، يبدو جلياً أن التفكير المختلف أصبح ضرورةً متزايدة، خصوصاً أنه يُسهم في إيجاد طرق مبتكرة لحل المشكلات، فالأعمال الرقمية والتكنولوجية تُركز على التفاصيل ـ سمةٌ غالباً ما تكون من سمات التوحد.

وهم الكمال - احترام تباينات الطبيعة

وعلى نحو مماثل، تدحض الغرائب فكرة الكمال؛ فهي تُمثل دليلاً قاطعاً على أن الكمال ليس سوى وهمٍ وخيال، وأنه ليس مستحيلاً فحسب، بل غير ضروري وغير ذي أهمية، وأن السعي وراء الكمال ليس سوى عبث.

وتتجسد الغرائب الجمالية والفلسفة اليابانية المعروفة باسم «وابي سابي (Wabi-sabi)». وحسبما شرحها ليونارد كورين في كتابه «(وابي سابي) للفنانين والمصممين والشعراء والفلاسفة»، فإن «وابي سابي» نهجٌ يصعب استيعابه تجاه جميع جوانب الحياة، يُدرك عدم كمال الأشياء وزوالها، ويُقدّر ما هو شخصي وفريد، ويحترم الطبيعة، خاصة تبايناتها، ويتقبل عدم قدرتها على التحكم في جوهرها.

ويتجلى «وابي سابي» بوضوح في فن «الكينتسوغي (kintsugi)» الياباني، حيث لا يُغض الطرف عن العيوب فحسب، بل إنها تُبرز وتمنح مساحة لتتألق. عادةً، تُرمم قطعة فخار مكسورة، وتُغلّف الشظايا المتكسرة معاً بورنيش يحتوي على مسحوق ذهبي أو فضي مضيء. وبذلك، يصبح الإناء، عملياً، أقوى من ذي قبل، وفي الوقت ذاته لا يُخفى العيب، بل يجري عرضه وتحويله إلى ميزة.

في عالم البشر، تُعزّز الغرائب الود؛ فهي تربط بين الناس، وتُحفّز الألفة. عن ذلك، قال لوبيتكين: «إن النظر إلى عيوب الآخرين باعتبارها سمات محببة، تُمكّنني من تقبّل عيوبي والامتناع عن إصدار أحكام على الآخر».

إن تقدير النقائص لدى الآخرين يسمح للناس بأن يكونوا ضعفاء. في هذا الصدد، قال لوبيتكين: «إن رؤية صفة غريبة يُوظّفها شخص ما بشكل إيجابي تُعطي الإذن للآخرين (ليظهروا غرابتهم). إن الشيء الغريب الذي أحبه فيك يُساعدني على تقبّل ضعفي».

وكما قال برينر: «لهذا الأمر تأثير يضفي على الآخرين شعوراً بالتحرر».

نقاط قوة

في الواقع، إن النظر إلى الصفات المميزة باعتبارها نقاط قوة يُحرر الناس ويشجعهم على استخدامها كأدوات للتفاعل مع العالم. ويُقال إن أحداً لم يستفد من صفاته المميزة بقدر مارشال غولدسميث، الذي يُعتبر منذ زمنٍ طويلٍ المدرب التنفيذي الرائد في العالم، والرجل الذي ابتكر هذه المهنة بمفرده.

وأضاف: «سيخبرك أي شخص عملت معه أنني شديد المواجهة. أُلقي عليهم اللوم. أسخر منهم. في برنامج تدريب المدربين، أتحول إلى رمز لكل ما لا ينبغي فعله».

لن يتهم أحدٌ غولدسميث أبداً بأنه شخصٌ رتيب أو ممل، لكن صراحته المُفرطة تُناسب تماماً زبائنه المميزين - أشخاصٌ في القمة ليس لديهم أقرانٌ للتحدث معهم، ولا يسمعون الحقيقة أبداً ممن حولهم، وليس لديهم وقتٌ يُضيعونه - أضف إلى ذلك أن هؤلاء الأشخاص مفعمون بالوقاحة.

استغلال الصفات الغريبة إيجابياً

من ناحيةٍ أخرى، فإنّ اعتبار الصفات الغريبة عيوباً يجب إخفاؤها يدفع العقل نحو اتخاذ موقف دفاعي، لتجنب كشفها؛ وبذلك يُهدر الطاقة التي يُمكن توظيفها في مساعٍ إيجابية، بينما يسمح تقبّل الصفات الغريبة - ودمجها بسلاسة في الشخصية - باستغلالها على الوجه الأكمل. وبحسب برينر، فإنها صورة من صور «تعظيم الشخصية» - أي أن تكون أفضل نسخة من شخصيتك. وأضاف: «يشبه الأمر تعلّم استخدام التوابل المناسبة بالطريقة الصحيحة، فالأمر يصبح سمةً مُميّزةً». في الواقع، الأمر يصبح أشبه بتوقيع، أو علامة تجارية، أو أداة لتأكيد الأصالة.

ويبدأ إنجاح غرابتك عبر الوعي الذاتي، بمعنى معرفة نفسك، وقبولها، واختيار التعبير عنها. وكما الحال مع أي سمة، معرفة متى تُوظّفها. وهنا، أوضح برينر: «أنت بحاجة إلى القليل من الشجاعة أو الثقة لإظهار غرابتك الحقيقية». ويتطلب الأمر بعض الممارسة. «لا تخشَ المخاطرة. عليك أن تكون على استعداد لمواجهة الفشل. عليك أن تختبر، وأن تتبنى نهجاً ارتجالياً، وأن تسمح لنفسك بالخروج عن المألوف. عليك أن تجعل ذلك هدفاً نصب عينيك، وأن تُطلق العنان لنفسك لتكون النسخة الأفضل من غرابتك».

* مجلة «سيكولوجي توداي» - خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

«هوايات الجدّات»... اكتشف سرّ الهدوء النفسي في عصر الإرهاق الرقمي

يوميات الشرق العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)

«هوايات الجدّات»... اكتشف سرّ الهدوء النفسي في عصر الإرهاق الرقمي

في زمن الإرهاق الرقمي، والاعتماد المفرط على الشاشات، تتجه الأنظار مجدداً نحو «الهوايات الهادئة»، أو ما يُعرف بـ«هوايات الجدّات».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق من حديث خفيف... تنبت علاقة (آي ستوك)

لا تستخفّ بالحديث العابر... قد يدهشك

تُظهر دراسة حديثة أن تجنّب المحادثات التي تبدو «رتيبة» قد يحرمنا من تجربة أكثر متعة وإثراءً مما نتصوَّر...

«الشرق الأوسط» (ميشيغان)
يوميات الشرق عادات قد تُعرقل نجاح العلاقات (بكسلز)

لماذا تفشل العلاقات رغم المشاعر؟ عادات لا واعية «تخرّب الحب»

بعض العادات اليومية قد تؤدي إلى «تخريب الحب» بشكل غير مباشر، حتى لدى الأشخاص الذين يسعون لبناء علاقات عاطفية صحية ومستقرة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق الأمير البريطاني هاري يتحدث خلال فعالية في مقر فريق ويسترن بولدوجز التابع لدوري كرة القدم الأسترالية في ملبورن (أ.ف.ب) p-circle

دون انتقاد والده… الأمير هاري يؤكد رغبته في أن يكون أباً أفضل

تحدّث الأمير البريطاني هاري بصراحة عن رؤيته لدور الأب، مؤكداً سعيه لأن يكون نسخة أفضل من الآباء الذين سبقوه.

«الشرق الأوسط» (ملبورن (أستراليا))
صحتك القلق يتحوّل من استجابة طبيعية إلى اضطراب عندما يصبح مستمراً وشديداً (بيكسلز)

بين القلق والوسواس القهري… كيف تميّز حالتك بدقة؟

يختبر الإنسان القلق في جزء طبيعي من حياته اليومية فهو ليس بالضرورة علامة على اضطراب نفسي بل يُعدّ استجابة فطرية ومتكيفة تساعدنا في التعامل مع التهديدات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات
TT

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

لطالما رغب المبرمج المصري عاصم صبري في نموذج ذكاء اصطناعي يُمثل ثقافته. لكن المشكلة تكمن في عدم عثوره على نموذج مثل هذا. ويقول صبري: «صناعة الذكاء الاصطناعي في مصر... غير موجودة». لذا قام ببناء نموذجه الخاص: «حورس»، نسبةً إلى إله السماء المصري القديم.

«حورس» على منصة «Hugging Face»

«حورس» للذكاء الاصطناعي

يقول صبري إن الهدف كان التوقف عن «الاعتماد على نماذج أخرى، مثل النماذج الأميركية أو الصينية»، والتوجه بدلاً من ذلك عن شكل النموذج الذي يُركز بشكل أكبر على الثقافة المصرية. ولجعل «حورس» يعمل، قام بتدريبه باستخدام وحدات معالجة الرسومات من «غوغل كولاب» Google Colab ومزودي خدمات سحابية آخرين، إلى جانب مجموعات بيانات مفتوحة المصدر. وقد حقق النموذج، الذي تم إصداره في أوائل أبريل (نيسان) الحالي، أكثر من 800 عملية تنزيل في أسبوعه الأول على منصة «Hugging Face».

انحصار لغوي

ويُعدّ صبري واحداً من بين عدد متزايد من المطورين الذين يسعون لتصحيح خللٍ مزمن في مجال الذكاء الاصطناعي. فالنماذج تتقن الإنجليزية، وإلى حدٍّ أقل، الصينية، لكنها أقل كفاءةً بكثير في معظم اللغات الأخرى. واللغات التي تُصنّف على أنها لغات أقلية، هي في الواقع لغات الأغلبية العالمية. ومع ذلك، وبفضل طريقة تدريب النماذج (على كميات هائلة من البيانات المُستخرجة من الإنترنت)، بالإضافة إلى اقتصاديات صناعة التكنولوجيا، تبقى الإنجليزية هي اللغة المهيمنة.

فجوة اللغات

في عام 2023، نشرت الباحثة علياء بهاتيا، بالتعاون مع زميل لها في مركز الديمقراطية والتكنولوجيا، دراسةً تُشير إلى أن اللغات غير القياسية «ضاعت في الترجمة» بسبب تأثيرات التنعيم والحوافز التجارية التي تُشكّل شركات التكنولوجيا الكبرى. ففي خضمّ التهافت على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، أعطت الشركات الأولوية لدعم اللغة الإنجليزية، ويعود ذلك جزئياً إلى محدودية بيانات التدريب، ولم تبذل جهداً يُذكر لسدّ هذه الفجوة.

لسنوات، عزّزت الاعتبارات الاقتصادية هذه المشكلة. فتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي مُكلف، ولا تملك الشركات حافزاً يُذكر لتطوير نماذج تدعم مجموعات لغوية أصغر حجماً دون عائد واضح.

نماذج محلية

وقد بدأ هذا الوضع بالتغيّر أخيراً، أدى صعود نماذج الذكاء الاصطناعي المحلية، بالتزامن مع تشديد شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى لحدود الرموز الرقمية، إلى فتح المجال أمام الشركات الصغيرة. يقول صبري: «قبل عامين، لم يكن الذكاء الاصطناعي بمثل هذه الكفاءة، ولم تكن نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر. أما الآن، فيمكننا بناء نماذجنا الخاصة من الصفر».

ومع ذلك، لا تزال هناك عقبات. وتشير بهاتيا إلى أن «بعض العوائق لا تزال قائمة فيما يتعلق بالحوسبة، والبنية التحتية، والتمويل»، وهو ما يمثل مجتمعاً «عائقاً كبيراً». ومع ذلك، فإن التقدم واضح.

من اميركا اللاتينية إلى آسيا

وما يتبلور ليس نظاماً بيئياً رسمياً بقدر ما هو شبكة عالمية غير رسمية من النماذج ذات التركيز المحلي: Apertus السويسرية، و Latam-GPT في أميركا اللاتينية، وN-ATLaS النيجيرية، و Sahabat-AI الإندونيسية، وSEA-LION السنغافورية، وGreenMind الفيتنامية، وOpenThaiGPT التايلاندية، وTeuken 7B الأوروبية. يقدم كل منها بديلاً للنماذج السائدة من «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«علي بابا».

جهود شعبية

لا تزال بعض الجهود شعبية، مثل جهود صبري. بينما تحظى جهود أخرى بدعم مؤسسي. وعلى سبيل المثال، يُعدّ مشروع «أبيرتوس» ثمرة تعاون بين جامعتين سويسريتين والمركز الوطني السويسري للحوسبة الفائقة، الذي ساهم بأكثر من 10 ملايين ساعة معالجة رسومية، أي ما يعادل عشرات الملايين من الدولارات في الحوسبة التجارية.

إلا أن معظم المشاريع تعمل على نطاق أصغر بكثير من ذلك. ومع ذلك، فإن القدرة على تدريب ونشر نماذج محلية بتكلفة منخفضة نسبياً تُغيّر قواعد اللعبة. فقد سجّلت نسخة مُحسّنة من برنامج «لاما 3.2» التابع لشركة «ميتا»، الذي تم تدريبه على 14,500 زوج من الأمثلة القانونية الهندية، ما يزيد قليلاً على 1000 عملية تنزيل منذ أوائل أبريل (نيسان). وهذا جانب مُتخصص، لكنه ذو أهمية. وكان من الصعب تبرير الاستثمار فيه اقتصادياً حتى وقت قريب.

توسيع السوق

يشير هذا الإقبال المبكر إلى وجود سوق أوسع من السوق السائد. كما أنه يطرح تساؤلاً أمام كبرى شركات الذكاء الاصطناعي. تقول بهاتيا: «ما تقدمه هذه البدائل هو دليل على إمكانية بناء أنظمة تمثل بشكل أفضل أغلبية المستخدمين واللغات في العالم، طالما أن شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى ترغب فعلاً في الاستفادة من هذه التجارب والتعلم منها».

* مجلة «فاست كومباني».


«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي

«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي
TT

«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي

«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي

لطالما قورن الذكاء الاصطناعي بالذكاء البشري، لكن هذه المقارنة قد لا تكون الأنسب؛ فما يُجيده الذكاء الاصطناعي حالياً يُمكن أن يُساعد في التنبؤ بالوظائف التي قد يحلّ محلّها.

تلميذ رياضيات متفوق

يمكنك أن تقول اليوم ما تريد عن إمكانية وصول الذكاء الاصطناعي يوماً ما إلى ذكاء الإنسان. على سبيل المثال أصبح الذكاء الاصطناعي بالفعل تلميذاً مُتفوقاً في الرياضيات؛ ففي الصيف الماضي، أجاب نظام ذكاء اصطناعي من تطوير «غوغل» و«أوبن إيه آي» إجابة صحيحة على خمسة من أصل ستة أسئلة مُعقدة في أولمبياد الرياضيات الدولي، وهي مُسابقة سنوية لأفضل طلاب المدارس الثانوية في العالم.

قصور وسذاجة

مع ذلك، قد يكون المنطق السليم للذكاء الاصطناعي ما زال قاصراً بعض الشيء؛ فبعد بضعة أشهر، لاحظ أنورادها ويرامان، مهندس برمجيات في سريلانكا، أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الرائدة تُعاني في الإجابة عن سؤالٍ بسيطٍ للغاية، قد يبدو مُضحكاً للبعض. فعندما أخبر عدداً من برامج الدردشة الآلية أنه بحاجة إلى أخذ سيارته بهدف تصليحها في ورشة تبعد 50 متراً فقط، وسألها إن كان عليه المشي أم القيادة، نصحته البرامج بالمشي!

«الذكاء المتذبذب»

إنّ الطريقة الغريبة التي يبدو بها الذكاء الاصطناعي عبقرياً في لحظة، وغبياً في أخرى، هي ما يُطلِق عليه الباحثون والمهندسون والاقتصاديون مصطلح «الذكاء المتذبذب» (jagged intelligence) (حرفياً «الذكاء المسنّن» أي غير الانسيابي - المحرِّر) . وهم يستخدمون هذا المصطلح لتفسير سبب تقدّم الذكاء الاصطناعي بسرعة في بعض المجالات، كالرياضيات وبرمجة الحاسوب، بينما لا يزال يُكافح لتحقيق تقدّم في مجالات أخرى.

قد يُساعد هذا المصطلح، الشائع الاستخدام بين مُطوّري الذكاء الاصطناعي ومُحلّلي آثاره، في إعادة صياغة النقاش الدائر حول ما إذا كانت هذه الأنظمة تُصبح بذكاء البشر، أو حتى أذكى منهم.

أفضل... وأقل ذكاء

ويرى الباحثون أن الذكاء الاصطناعي شيء مختلف تماماً؛ فهو أفضل بكثير من البشر في بعض المهام، وأقل ذكاءً بكثير في مهام أخرى. كما يُمكن أن يُساعد فهم نقاط القوة والضعف هذه الاقتصاديين على فهم أفضل لما يعنيه الذكاء الاصطناعي لمستقبل العمل؛ إذ وبينما يوجد سببٌ للقلق لدى المُبرمجين المبتدئين بشأن وظائفهم على سبيل المثال، فليس من الواضح - على الأقل في الوقت الراهن - كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي على أنواع العمل الأخرى.

لكن مُراقبة المجالات التي يبدأ فيها الذكاء الاصطناعي بتحقيق تحسينات سريعة قد تُساعد في التنبؤ بأنواع الوظائف التي ستتأثر بهذه التقنية.

وقال ويرامان: «يختلف أداء هذه الأنظمة، وليس من السهل التنبؤ بموعد عجزها عن أداء مهام يستطيع الإنسان القيام بها».

الدماغ البشري: ترابط المعارف وقدرات حل المشكلات

وقد صاغ مصطلح «الذكاء المتذبذب» أندريه كارباثي، أحد الباحثين المؤسسين لشركة «أوبن ايه آي»، والرئيس السابق لقسم تكنولوجيا القيادة الذاتية في شركة «تسلا»، وأحد أبرز المعلقين على صعود الذكاء الاصطناعي على وسائل التواصل الاجتماعي. وكتب على وسائل التواصل الاجتماعي عام 2024: «بعض الأشياء تعمل بكفاءة عالية (وفقاً للمعايير البشرية)، بينما تفشل بعضها الآخر فشلاً ذريعاً (أيضاً وفقاً للمعايير البشرية)، وليس من السهل دائماً التمييز بينهما».

وكتب أن هذا يختلف عن الدماغ البشري، «حيث تترابط كثير من المعارف وقدرات حل المشكلات ترابطاً وثيقاً وتتحسن بشكل خطي معاً، من الولادة إلى البلوغ».

التأثير على الوظائف

منذ أن بدأت «أوبن أيه آي» في مجال الذكاء الاصطناعي. مع ازدهار قطاع التكنولوجيا في عام 2022، تذبذبت تصريحات المسؤولين التنفيذيين في شركات التكنولوجيا بين التحذير من أن ابتكاراتهم الجديدة قد يكون لها تأثير مدمّر على وظائف ذوي الياقات البيضاء، والتقليل من شأن تأثيرها طويل الأمد على التوظيف.

حتى الآن، وخارج قطاع التكنولوجيا، لا توجد سوى أدلّة متفرقة تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح سبباً في فقدان الوظائف. ولكن بالنظر إلى سرعة تطور هذه التكنولوجيا، يرى العديد من خبراء التكنولوجيا أن مسألة استبدال الذكاء الاصطناعي لأنواع أخرى من العاملين في وظائف ذوي الياقات البيضاء ليست مسألة «هل سيحدث ذلك؟»، بل «متى سيحدث؟».

قبل بضع سنوات فقط، كانت هذه الأنظمة لا تزال في بداياتها، تُظهر مهارات برمجية بدائية للغاية. يقول أليكس إيماس، الخبير الاقتصادي في كلية بوث للأعمال بجامعة شيكاغو: «لقد شهدت هذه الأنظمة تحسينات هائلة. في كل مرة يُطرَح فيها إصدار جديد رئيسي، يُفاجأ الناس بقدراته الهائلة». لكن التكنولوجيا التي تُضيف إلى ما يمكن للعاملين القيام به دون استبدالهم لها سوابق كثيرة، وهذا ما يتوقعه بعض باحثي الذكاء الاصطناعي والاقتصاديين.

أهمية العنصر البشري

منذ ستينات القرن الماضي، كانت الآلة الحاسبة الجيبية قادرة على الجمع والطرح والضرب بسرعة تفوق سرعة الإنسان بكثير. لكن هذا لم يكن يعني أن الآلة الحاسبة يمكن أن تحل محل المحاسب. أما الآن؛ فبإمكان أنظمة مثل «كلود» من أنثروبيك و«كودكس» من «أوبن إيه آي» كتابة برامج حاسوبية بسرعة أكبر بكثير أيضاً. لكنها لا تجيد فهم كيفية اندماج كل جزء من الرموز الكومبيوترية في تطبيق برمجي أكبر؛ فهي تحتاج إلى مساعدة بشرية في ذلك.

يقول الدكتور إيماس: «إذا كانت الوظيفة تتضمن مجموعة من المهام المختلفة - ومعظم الوظائف كذلك - فستتم أتمتة بعض المهام، بينما لن تُؤتمت أخرى. وفي هذه الحالة، قد يتوفر للعامل وقت أطول للقيام بأمور أهم».

في الشهر الماضي، أطلق فرانسوا شوليه، الباحث البارز في مجال الذكاء الاصطناعي، اختباراً رقمياً جديداً يُسمى «ARC-AGI 3»، ويطلب الاختبار حلولاً لمئات الألغاز الشبيهة بالألعاب دون تقديم أي تعليمات لحلها. يستطيع أي شخص عادي غير مُدرَّب حل جميع الألغاز، لكن أنظمة الذكاء الاصطناعي الرائدة تعجز عن إتقان أي منها، وفقاً لاختبارات أجراها شوليه.

يقول خبراء مثل شوليه إنه بمجرد أن يُدرك الناس أن الذكاء الاصطناعي ذكاء غير مُتطوّر، فإنهم يُطوّرون فهماً أفضل لكيفية تطوّر الذكاء الاصطناعي في السنوات المقبلة، وما قد يكون له من تأثير على سوق العمل. ويقول الدكتور إيماس: «سيعتمد هذا على المهام التي يُؤتمتها، وكيف ومتى».

حدود نتاجات الذكاء الاصطناعي

إن نظم الذكاء الاصطناعي، مثل «كلود» و«تشات جي بي تي» تتعلم مهاراتها، من خلال تحديد الأنماط في البيانات الرقمية، بما في ذلك مقالات ويكيبيديا، والأخبار، وبرامج الحاسوب، وغيرها من النصوص المُجمّعة من الإنترنت.. لكن هذا لا يكفي.

لا تُمثّل الإنترنت سوى جزء ضئيل من المعرفة البشرية، فهي تُسجّل ما يفعله الناس في العالم الرقمي، ولكنها تحتوي على معلومات قليلة نسبياً عمّا يحدث في العالم المادي.

لا تخطيط ولا أفكار جديدة

وهذا يعني أن هذه الأنظمة قادرة على كتابة رسائل البريد الإلكتروني، والإجابة عن الأسئلة، والتعليق على أي موضوع تقريباً، وتوليد رموز برمجية. ولكن نظراً لأن أنظمة الذكاء الاصطناعي تُعيد إنتاج الأنماط التي تجدها في البيانات الرقمية، فإنها لا تُجيد التخطيط المُسبق، أو توليد أفكار جديدة، أو التعامل مع مهام لم تُصادفها من قبل.

* لا يمتلك الذكاء الاصطناعي ذكاءً عاماً بل مجموعة واسعة من المهارات المختلفة*

يقول شوليه: «لا يمتلك الذكاء الاصطناعي ذكاءً عاماً، بل يمتلك مجموعة واسعة من المهارات المختلفة».

والآن، تُعلّم شركات مثل «أنثروبيك» و«أوبن ايه آي» هذه الأنظمة مهارات إضافية باستخدام تقنية تُسمى التعلّم المُعزّز. فمن خلال حلّ آلاف المسائل الرياضية، على سبيل المثال، يُمكنها تعلّم أيّ الطرق تُؤدي إلى الإجابة الصحيحة وأيّها لا تُؤدي إليها.

«نعم» في الرياضيات... «لا» في الكتابة الإبداعية

يُجدي هذا الأسلوب نفعاً في مجالاتٍ كالرياضيات وبرمجة الحاسوب، حيث تستطيع شركات الذكاء الاصطناعي تحديد السلوك الجيد والسيئ بوضوح؛ فإجابة المسألة الرياضية إما صحيحة أو خاطئة، وكذلك الأمر بالنسبة لبرنامج الحاسوب، فإما أن يجتاز اختبار الأداء أو يفشل.

لكن التعلم المعزز لا يُجدي نفعاً في مجالاتٍ كالكتابة الإبداعية أو الفلسفة أو حتى بعض العلوم، حيث يصعب التمييز بين الجيد والسيئ.

يقول جوشوا غانز، الخبير الاقتصادي في كلية روتمان للإدارة بجامعة تورنتو: «البرمجة - التي يُبدي الجميع حماساً لها حالياً - لا تُمثل كل ما يفعله الذكاء الاصطناعي. ففي البرمجة، يسهل استخدام حلقة التغذية الراجعة لتحديد ما يُجدي وما لا يُجدي».

تطور التكنولوجيا

أما بالنسبة للمستخدمين؛ فغالباً ما يصعب عليهم تحديد ما يُجيده الذكاء الاصطناعي وما لا يُجيده. وعندما يُدرك الناس تماماً نقاط قوة وضعف الأنظمة، تتغير التكنولوجيا.

قال الدكتور غانز: «إنّ عدم استقرار الذكاء الاصطناعي يعني أن المشكلات قد تنشأ من أي مكان. هناك ثغرات، ولا نعرف دائماً أين تكمن». لكن العامل الحاسم هو أن الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. فالعديد من نقاط الضعف التي أشار إليها الدكتور كارباثي وآخرون في عامي 2024 وبداية 2025 لم تعد موجودة. وستكتشف الشركات أوجه قصور أخرى وتعمل على إصلاحها أيضاً... لذا فان «ثغرات التكنولوجيا تتقلص»، كما قال الدكتور إيماس.

* خدمة «نيويورك تايمز».


منصة فضائية بأذرع آلية لتزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود

منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»
منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»
TT

منصة فضائية بأذرع آلية لتزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود

منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»
منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»

يبدو أن الجميع يطمح للسيطرة على الفضاء. ولكن المشكلة تتمثل في أنه وكلما زاد عدد الأقمار الاصطناعية التي تطلقها الجيوش وتعتمد عليها، ازدادت الحاجة إلى نظام رقابي فعَّال لحماية تلك الأقمار، كما كتبت لورين سي. ويليامز(*).

منصة دعم فضائية

وهنا يأتي دور نظام جديد لقمر اصطناعي مزود بذراع آلية قادرة على تزويد الأقمار بالوقود اللازم: منصة«ميدنايت» من شركة «إم دي إيه» MDA Midnight الكندية هذه، التي كُشف عنها النقاب في ندوة الفضاء في كولورادو هذا الأسبوع. وقالت هولي جونسون، نائبة رئيس قسم الروبوتات والعمليات الفضائية في الشركة، لموقع «ديفنس وان»: «يستطيع هذا القمر الاصطناعي المزوَّد بذراع آلية، الاقتراب من السفن الفضائية الأخرى لفحصها، ومراقبة محيطها، واستكشاف الأجسام المقتربة، والدفاع ضد التهديدات المحتملة عند الحاجة».

التزويد بالوقود بسلامة

وأضافت جونسون أن هذه المنصة تستطيع أيضاً تزويد الأقمار الاصطناعية الأخرى بالوقود باستخدام ذراعه مع الحفاظ على مسافة آمنة من القمر الاصطناعي الذي يحتاج إلى التزويد بالوقود، وضمان استمرارية عمله.

وتابعت: «يتصل الذراع بواجهة تزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود، بينما ستعوِّض الروبوتات معدلات الانحراف النسبي لهاتين المنصتين، لتأمين تزوبد القمر الاصطناعي بالوقود بسلاسة تامة».

10 آلاف قمر اصطناعي

وأضافت جونسون: «هناك مساعٍ حثيثة للحصول على مزيد من المعلومات حول الأجسام الموجودة في الفضاء - بما في ذلك ما يزيد عن 10 آلاف قمر اصطناعي - وما تقوم به، ومن يملكها، وأي تهديدات محتملة... ولكن الجزء المفقود من الوعي بالمجال الفضائي كان القدرة على اتخاذ أي إجراء حيال ذلك».

التنافس مع الصين

يأتي إطلاق هذا المنتج بعد أن أعرب الجنرال ستيفن وايتينغ قائد القيادة الفضائية الأميركية عن مخاوفه بشأن تجارب الصين الأخيرة في تزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود؛ كما شدَّد في الآونة الأخيرة على ضرورة القدرة على نقل الأقمار الاصطناعية.

وقال وايتينغ أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الشهر الماضي: «ما يقلقني هو أنه إذا طوَّروا هذه القدرة، فسيكون لديهم القدرة على المناورة لتحقيق التفوق كما فعلت الولايات المتحدة لعقود - براً وبحراً وجوَّاً - حيث استخدمنا المناورة لصالحنا». وأضاف: «نحن بحاجة إلى تطوير قدراتنا الخاصة في حرب المناورة لضمان قدرتنا على الاستفادة من المزايا التي طوَّرتها القوات المشتركة على مدى عقود في الفضاء، كما فعلنا في مجالات أخرى».

* مجلة «ديفنس وان»، خدمات «ترييون ميديا».