حكايات تتناثر ما بين لبنان والقاهرة والحرب الأهلية

اللبنانية لنا عبد الرحمن تستلهم الروائح في «ذاكرة الوصال»

حكايات تتناثر ما بين لبنان والقاهرة والحرب الأهلية
TT

حكايات تتناثر ما بين لبنان والقاهرة والحرب الأهلية

حكايات تتناثر ما بين لبنان والقاهرة والحرب الأهلية

في كتابها «ذاكرة الوصال- سيرة مُتأملة في الحياة» الصادر عن دار «العين» للنشر بالقاهرة، تنحو الكاتبة والروائية اللبنانية لنا عبد الرحمن منطقاً خاصاً لاقتفاء أثر الحكايات، فتفتح لذاكرتها نوافذ الزمان والمكان، مُتحررة من التسلسل التصاعدي النمطي للسيرة، فتقودها الصور المُنثالة من فترة طفولتها إلى تقاطعات الحرب الأهلية في لبنان، لتحمل معها حلم البستان بين المدن والأسفار، مُستعينة بقوة الحواس والمُخيلة في تلقيها للعالم وللكتابة، وصولاً إلى جنة الكتب والمكتبات، كما يصفها بورخيس.

لا تنغلق الكتابة على محطات من سيرتها بين مسقط رأسها في لبنان والقاهرة حيث المُستقَر، بل تطرح رؤى مُنفتحة على الحواس، يصعب فصل تواشجها خلال خبرات التلقي المختلفة في الحياة، كما ينعكس هنا على الاسترسالات الذاتية، حيث الحقول الفنية تتداخل مع الخبرة اليومية في إيقاع منسجم، فتقول في مقدمة الكتاب: «ما الحدود بين متاهة الأحلام الليلية، والصور التي يستدعيها ذهننا في الواقع في أحد الأفلام، أو الكتب التي قرأناها؛ تنهار الحدود عند الكتابة، كما ينهار الحد الفاصل بين اليقظة والمنام».

يبدو الالتفات للبسيط والمنسيّ هو رهان الكتاب الأول في استعادة الماضي البعيد، فتتذكر المؤلفة كيف أوقعت بها وردة مخملية بلون أحمر في غواية تذوّقها وهي طفلة، لتفاجأ أن الرائحة الذكية لا تعني بالضرورة مذاقاً مُشابهاً، فتتعلم درساً عن المسافة بين الخيال والإدراك، وتتذكر ذلك اليوم الذي تسأل فيه جدتها عن سبب مغادرتهم بيتهم، وتخليها عن شرفتها العامرة بورود الجوري والياسمين، لتتعلّم أول دروس الحرب، والفقد، والرحيل، وبعد سنوات تعرف أن الجدّة لم تتخلى عن شرفتها وورودها، وأنه ليس في الأمر ثمة خيانة منها كما كانت تظن، ولتتعلّم منطق الحرب الذي يقلب الحياة رأساً على عقب في لحظة، ومنطق القذائف التي تُبدد أسوار الشرفات، مهما سكنتها الجدّات الطيبات راعيات الورود.

مساحة من تراب

تُلهِم تقنية الاسترجاع حركة الذاكرة في التنقّل بخفّة من طرف حكاية إلى عمق حكاية أخرى، ولعل خلفية الهجرة القسرية التي عمقتها الحرب الأهلية التي عاشتها الكاتبة خلال سنوات طفولتها في لبنان، عززت لديها ذلك الهاجس المقيم بالاستقرار، ولا أدل على الاستقرار أكثر من الرغبة في الزراعة: «مساحة من التراب تُغري أصحاب القلوب الخضراء بتقليبها وزرعها وريّها» ويبدو تتبع تلك «المساحة» غارقاً بالمفارقات، بداية من زراعة أصص شباك المطبخ، وصولاً لزراعة حديقة صغيرة، وفي كل مرة كانت رائحة المزروعات تختلف، في مسار يفتحه الكتاب عن تفاعل الروائح مع الطبيعة الجغرافية والمناخية من جهة، ومع طبيعة الذكريات من جهة أخرى.

يتداخل الصوت الذاتي للكاتبة، مع ذاكرة الرحلة والقراءة والمشاهدة، في كتابة تستعير فن «الكولاج» وتستفيد من جمالياته لمقاربة الذاكرة والوجدان، ففي فصل «تلك الرائحة... كهف بعيد قريب» تُقارب بين جارتها التي تهجرت من فلسطين وظلّت رغم السنوات قادرة على تمييز رائحة نوع من الزعتر الذي يُزرع بقريتها، لتخرج من حدود تلك القصة القريبة إلى ذاكرة الكاتبة الهندية أروندتي روي في روايتها «رب الأشياء الصغيرة» التي تصف بلدة «ايمينيم» في شهر مايو (أيار) برائحة تفجر المانجو والموز، ما يجعل رائحتهم المُفعمة المُتداخلة مع حرارة الجو وكأنها تفوح من عالم الرواية.

وتتوقف عند حاسة الشم القوية لدى «إليزا سوميرز» بطلة «ابنة الحظ» لإيزابيل الليندي، حيث يُصبح حضور إليزا على مدار الرواية مرتبطاً برائحة «الفانيليا والسكر وماء الورد»، وتشير أيضاً لتمجيد بطل الطاهر بن جلون في رواية «تلك العتمة الباهرة» لرائحة القهوة، لأنها تُثير شجن البطل حين يقول: «آه من رائحة القهوة الصباحية والخبز المُحمص»، فتبدو ذاكرة الشمّ في هذا الفصل بطلة تقود دفّة ذكريات الكاتبة، سواء الحيّة أو المعيشة بين الكُتب والقراءات.

تُفصّل المؤلفة هنا هذا الطرح فتقول: «يمكن القول إن الكتابة الجيدة تتميّز بحضور بارز للحواس، وفي الأدب بالتوازي مع المشهدية البصرية، هناك المخيلة الشميّة التي تستولي على مشاعر المتلقي، ويكون لها تفاعلات مؤثرة على استقبال النص، من المؤكد أن نصاً يخلو من الرائحة، هو نص ضعيف لا يقدم جواز سفر شمّي تخيُلي، يتيح للقارئ أن يمضي بعيداً معه، ويُحفز ذاكرته على استدعاء الأماكن والأشخاص والحكايات».

جبل وشجر

لا ينقطع صوت الغناء و«دندناته» عن فصول الكتاب، فهي تتذكر «دندنة» الجّدة في شرفتها، وصوت فيروز الذي يتقاطع مع أصداء ذاكرة جبل الطفولة: «يا جبل يا البعيد خلفك حبايبنا» كما تستدعيها في أحد فصول الكتاب الذي تُنصت فيه للصوت الفيروزي وارتباطه الوثيق بالصباحات اللبنانية، وتستأنس الكتابة بظِل شجرة «توت» كان يطل عليها بيتها ببيروت، للتحدث عن «العلاقة الروحية» التي جمعتها بها، حتى إنها استوحت منها عدة مشاهد في أكثر من قصة قصيرة لها، وتستعجب من قدرة تلك الشجرة على النجاة من خطط التمدد الخرساني آنذاك في بيروت، وكأن للأشجار أرواحاً قادرة على تنفيذ منطقها الخاص غير المفهوم للبشر: «ربما ينظر سكان المدن إلى الأشجار على أنها روبوتات بيولوجية، مصممة لإنتاج الأكسجين والخشب. لكن العلاقة بين الإنسان والشجرة تُشكل صلة حتمية محيرة، تجعل الأشجار ضمن أكثر رفاق الإنسانية ثباتاً وغموضاً».

أما الطهو بوصفه عالماً مُتحالفاً من الحواس فقد وجد طريقه في «ذاكرة الوصال» بمنطق فني وكحالة إبداعية مُتكاملة، تشحذ مُخيلة التجريب، وتشكل الهوية الثقافية، فيتوقف الكتاب عند ليوناردو دافنشي الذي نظر لعالم الطبخ كإبداع في ذاته، حتى إنه ينسب إليه اختراع فكرة الأطباق الصغيرة التي تُقدم قبل الوجبات، كما أبدع في تزيين الأطباق التي كان يُعدها، ويستعين بمقطع ساخر لفرجينيا وولف في «غرفة تخص المرء وحده» من تقاليد الروائيين آنذاك ألا يشيروا إلى الحساء والبط والسلمون، فتقول وولف: «وكأن الحساء والبط والسلمون لا أهمية لهم على الإطلاق. وكأن أحداً لم يُدخن سيجاراً، أو شرب كأساً من النبيذ في تلك الحفلات. أما أنا فسوف أتحدى هذا التقليد وأحكي لكم».

وهكذا، يبدو السعي لصيد الروائح والأنغام والذكريات في الكتاب، وسيلة للتحاور مع الوجدان وسط دراما الحياة التي تشتت مقاصدها، وسط عالم مجنون يتباعد بفعل الفيروسات، ويتقارب بزيف مواقع التواصل الاجتماعي. تقول الكاتبة: «الخيالات جزء من الحقيقة، والحقيقة ليست إلا خيالات... لذا أستمر في الكتابة».


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.