ما أبرز الوظائف المعتمدة على الذكاء الاصطناعي؟

وكيف ستؤثر التكنولوجيا على سوق العمل؟

مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي وتوسع استخدامها في قطاعات عديدة من سوق العمل ظهرت العديد من الوظائف الجديدة (أ.ف.ب)
مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي وتوسع استخدامها في قطاعات عديدة من سوق العمل ظهرت العديد من الوظائف الجديدة (أ.ف.ب)
TT

ما أبرز الوظائف المعتمدة على الذكاء الاصطناعي؟

مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي وتوسع استخدامها في قطاعات عديدة من سوق العمل ظهرت العديد من الوظائف الجديدة (أ.ف.ب)
مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي وتوسع استخدامها في قطاعات عديدة من سوق العمل ظهرت العديد من الوظائف الجديدة (أ.ف.ب)

يُحدث الذكاء الاصطناعي تحولاً كبيراً في سوق العمل، وقد يكون من المبكر الحُكم على هذا التحول بصورة كاملة بإيجابياته وسلبياته، لكن الأمر المؤكد هو أن هذا التحول يُسهم في إيجاد وظائف جديدة، وقد يُهدد وظائف أخرى، في حين ستظل بعض المهن بمنأى عن هذا التحول والتهديد ولو مؤقتاً.

في هذا السياق، يجدر بنا استكشاف كيف يسهم الذكاء الاصطناعي فعلياً في إيجاد فرص عمل جديدة داخل سوق العمل.

كيف يُسهم الذكاء الاصطناعي في إيجاد وظائف جديدة؟

مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتوسع استخدامها في قطاعات عديدة من سوق العمل، ظهرت العديد من الوظائف الجديدة أو تطورت مهن قائمة بفضل الذكاء الاصطناعي، وأبرز هذه الوظائف ما يلي:

مهندس الذكاء الاصطناعي

متخصص في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي لتطوير تطبيقات وأنظمة تهدف إلى تعزيز كفاءة المؤسسات. يركز على تصميم وتطوير الأدوات والأنظمة والعمليات التي تُسهم في تطبيق الذكاء الاصطناعي لحل المشكلات الحقيقية التي تواجه العالم، وهنا يأتي دور التخصصات الأخرى.

مهندس الذكاء الاصطناعي هو متخصص يستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي لتطوير تطبيقات وأنظمة تُعزز كفاءة المؤسسات (أ.ف.ب)

مهندس التعلم الآلي

بعد استعراض دور مهندس الذكاء الاصطناعي، يأتي مهندس التعلم الآلي، المتخصص في إجراء أبحاث حول الذكاء الاصطناعي المسؤول عن تعلم الآلة وتصميمه. يقوم بصيانة أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية وتحسينها، كما يُطور أنظمة تعلم الآلة التي تُسهم في تعزيز جودة الخوارزميات المستخدمة.

مهندس البيانات

إضافةً إلى ذلك، يقوم مهندس البيانات بإنشاء أنظمة لجمع البيانات الخام وإدارتها وتحويلها إلى معلومات قابلة للاستخدام، ليتمكن علماء البيانات ومحللو الأعمال وغيرهم من متخصصي البيانات من تفسيرها والاستفادة منها في سوق العمل المتطور بفضل الذكاء الاصطناعي.

عالم البيانات

بدوره، يُحدد عالم البيانات الأسئلة التي ينبغي على المؤسسة أو الفريق طرحها، ويُساعدهم في إيجاد حلول لها باستخدام البيانات. وغالباً ما يُطور نماذج تنبؤية تُستخدم لوضع النظريات والتنبؤ بالأنماط والنتائج. وقد يستخدم تقنيات التعلم الآلي لتحسين جودة البيانات.

مهندس البرمجيات

أما مهندسو البرمجيات، الذين يُعرفون أحياناً بـ«المطورين»، فيتخصصون في تصميم وتطوير البرمجيات لأجهزة الكمبيوتر والتطبيقات. وهم يُشكلون الرابط العملي بين الابتكار التقني والاحتياجات الفعلية لسوق العمل، التي تتأثر بشكل كبير بالذكاء الاصطناعي.

مهندس الرؤية الحاسوبية

يأتي هنا دور المتخصصين في تمكين أجهزة الكمبيوتر من «رؤية» وفهم العالم المرئي. فمهندس الرؤية الحاسوبية يقوم بتصميم وتنفيذ أنظمة للتعامل مع الصور والفيديو، وتحليلها واستخراج المعلومات منها، وهو مجال بات في صميم الابتكارات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.

البرمجة اللغوية العصبية

وبشكل مشابه، يعمل متخصصو البرمجة اللغوية العصبية على التطبيقات التي تتعامل مع اللغة البشرية وتفسيرها، مثل برامج الدردشة الآلية، ما يُسهم في تحسين التفاعل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي من خلال تحليل وتفسير بيانات اللغة الطبيعية.

مهندس الروبوتات

أما في المجالات الاصطناعية، فإن مهندس الروبوتات يطور تطبيقات روبوتية للعديد من الصناعات، بما في ذلك السيارات، والتصنيع، والدفاع، والطب. كما يُصمّم منتجات جديدة، أو يُجمّع نماذج أولية للاختبار، ويشرف على روبوتات الإنتاج.

باحث في الذكاء الاصطناعي

أخيراً، يُجري باحثو الذكاء الاصطناعي الأبحاث، ويُحللّون ويطوّرون نماذج وأنظمة وخوارزميات جديدة لدعم تطورات الذكاء الاصطناعي، وهم غالباً في طليعة الابتكارات التي تُغيّر وجه سوق العمل باستمرار.

الصفات المشتركة للوظائف المعتمدة على الذكاء الاصطناعي

تتميز كل هذه الوظائف بأنها تتطلب كفاءات في البرمجة، والتحليل، والابتكار، والتحديث المستمر للمعرفة تماشياً مع تطور الذكاء الاصطناعي في سوق العمل.

مع استعراض الوظائف التي أنشأها أو طورها الذكاء الاصطناعي، تجدر الإشارة إلى أن هناك مهناً لا تعتمد حتى الآن على الذكاء الاصطناعي، أو لا يمكن لهذه التقنية أن تحل محلها بشكل كلي.

وظائف لا تعتمد على الذكاء الاصطناعي

وفيما يلي أمثلة على مهن لا تزال تعتمد في جوهرها على العنصر البشري:

المعلم

رغم تحقيق الأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي لتقدم ملحوظ في الفصول الدراسية، حيث ساعدت الأطفال على تنمية مهاراتهم الاجتماعية والعاطفية، فإن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع بناء الثقة والألفة التي يتمتع بها المعلمون البشريون مع طلابهم. ويظل المعلم البشري أيضاً أكثر قدرة على حل الخلافات، والتواصل مع أولياء الأمور.

الذكاء الاصطناعي لا يستطيع بناء الثقة والألفة التي يتمتع بها المعلمون البشريون مع طلابهم (أ.ب)

التمريض

على جانب آخر، قد تقع مهام الرعاية الصحية البسيطة، مثل استرجاع بيانات المرضى، على عاتق الذكاء الاصطناعي. أما التفاعلات المباشرة فتحتاج إلى لمسة إنسانية لا يمتلكها سوى الممرضين وغيرهم من العاملين الصحيين.

الاختصاصي الاجتماعي

وبشكل مشابه، يصعب على الذكاء الاصطناعي أن يستبدل الاختصاصيين الاجتماعيين، نظراً لأن عملهم يتطلب مرونة عالية وحكمة إنسانية ودعماً عاطفياً لفئات حسّاسة في المجتمع.

المعالج النفسي

كذلك، يبذل المعالجون النفسيون جهداً عاطفياً كبيراً أثناء توجيه الناس ومساعدتهم، وهو أمر بعيد حتى الآن عن قدرات الذكاء الاصطناعي.

العمل اليدوي

وإلى جانب ما سبق، ستظل مهن مثل السباك والكهربائي بمنأى عن الذكاء الاصطناعي؛ لأنها تتطلب مهارات يدوية دقيقة يصعب على التقنية الحديثة تعويضها.

المحامي

يُتوقع من المحامين الاحتفاظ بأدوارهم لسنوات مقبلة، كون الذكاء الاصطناعي لا يمتلك القيم الأخلاقية أو السلوكيات المهنية التي تميز الممارسة القانونية.

اختصاصي الموارد البشرية

أما اختصاصي الموارد البشرية، فعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي يسهم في فحص السير الذاتية، فإن التفاعل الإنساني يبقى ضرورياً في عمليات المقابلة وحل المشكلات البشرية.

الفنان

وفي المجال الفني، حتى مع إنتاج الذكاء الاصطناعي للأعمال الإبداعية، تظل الأصالة والابتكار الإنساني من نصيب البشر.

في المجال الفني حتى مع إنتاج الذكاء الاصطناعي للأعمال الإبداعية تظل الأصالة والابتكار الإنساني من نصيب البشر (أ.ف.ب)

الصفات المشتركة للوظائف غير القابلة للأتمتة بالذكاء الاصطناعي

تتطلب هذه الوظائف جميعها تفاعلاً مباشراً، وحسّاً إنسانيّاً عالياً، أو مهارات يدوية وإبداعية يصعب على الذكاء الاصطناعي محاكاتها أو استبدالها في سوق العمل.

بعد استعراض الوظائف التي تأثرت بالذكاء الاصطناعي، وتلك التي لا تزال بمنأى عنه، يحسن بنا تسليط الضوء على الكيفية التي يُعيد بها الذكاء الاصطناعي تشكيل سوق العمل، والتأثيرات المتوقعة لهذا التحول.

تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل

للتكنولوجيا تاريخ طويل في إعادة تشكيل سوق العمل بشكل جذري، وقد أدَّت كل موجة ابتكار إلى تغيير بنية الأسواق وديناميكياتها. وفي الوقت الحالي، أصبح الذكاء الاصطناعي هو العامل الرئيسي في إعادة تحديد معالم سوق العمل، وإيجاد فرص عمل جديدة.

في الوقت الحالي أصبح الذكاء الاصطناعي هو العامل الرئيسي في إعادة تحديد معالم سوق العمل وإيجاد فرص عمل جديدة (رويترز)

الطلب على العمالة

في ضوء تبني الذكاء الاصطناعي من قِبل الشركات، تُشير تقديرات إلى القدرة على توفير ما يقرب من ربع وقت العامل، خصوصاً في الوظائف المعتمدة على البيانات. وفي حين تبقى الأعمال اليدوية المعقدة أقل تأثراً، من المرجح أن تشهد الوظائف الروتينية والتحليلية تغييرات جذرية في سوق العمل.

ورغم أن الذكاء الاصطناعي قد يُسبب فقدان بعض الوظائف في بعض القطاعات، فإنه من المرجح أيضاً أن يؤدي إلى إيجاد فرص عمل جديدة، لا سيما في الوظائف المتخصصة التي تستند إلى تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي وصيانتها أو تحليل البيانات الناتجة عنها.

رفع مستوى الكفاءة

يُسهم دمج الذكاء الاصطناعي في سوق العمل ضمن رفع الكفاءة والإنتاجية في المؤسسات والأعمال. إذ تتيح الأتمتة الذكية للموظفين التركيز على المهام الاستراتيجية ذات القيمة، مثل التفكير الإبداعي، وبناء العلاقات، وحل المشكلات المعقدة، في حين يتولَّى الذكاء الاصطناعي المهام الروتينية المتكررة، وهذا التوزيع الفعّال للأدوار يمكن أن يُعزز من إيجاد فرص عمل جديدة تتطلب مهارات متقدمة.

التجربة في مكان العمل

ومع زيادة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، من المتوقع أن تتطور تجربة الموظفين في أماكن العمل بشكل واضح؛ حيث تزداد بيئات العمل شمولاً وجاذبية من خلال تقليل الأعباء الروتينية وتحسين جودة حياة الموظفين. سيشعر الكثير من العاملين بأنهم يقضون وقتاً أكبر في الابتكار والتعلم، وسوف تتغير متطلباتهم ومهاراتهم، بما يخدم الابتكار المستمر في سوق العمل.

الذكاء الاصطناعي وإيجاد فرص عمل جديدة

في المجمل، يُعيد الذكاء الاصطناعي رسم خريطة سوق العمل عبر دفع المؤسسات إلى تبني تقنيات متطورة، ما يزيد من فرص إيجاد وظائف جديدة تتعلق بالتقنية والتحليل والابتكار. وفي المقابل، فإن بعض المهن التقليدية ستحتاج إلى تطوير مستمر لمهارات العنصر البشري لضمان استمراريتها بجانب الذكاء الاصطناعي.

في الختام، يُمثل الذكاء الاصطناعي قوة محورية في سوق العمل اليوم، من خلال إيجاد فرص عمل جديدة وتطوير وظائف قائمة، مع الحفاظ على أهمية المهن الإنسانية التي لا يُمكن استبدالها. يعتمد مستقبل سوق العمل بشكل متزايد على مدى قدرة الأفراد والمؤسسات على مواكبة التحولات التقنية والاستفادة المثلى من الذكاء الاصطناعي في جميع المجالات.


مقالات ذات صلة

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

تكنولوجيا يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

«بيربليكسيتي» توسع طموحها من البحث إلى الحوسبة الشخصية، ساعية إلى دور أكبر للذكاء الاصطناعي في الاستخدام اليومي للحاسوب.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تقرير «سيسكو» يظهر أن الشبكات اللاسلكية في السعودية لم تعد مجرد بنية اتصال بل أصبحت عنصراً مؤثراً في نمو الأعمال 2030 (شاترستوك)

خاص «سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يعزز قيمة الشبكات اللاسلكية في السعودية رغم التعقيد

التقرير يرصد تحول الشبكات اللاسلكية في السعودية إلى أداة للنمو وسط تصاعد التعقيد والمخاطر الأمنية وفجوة المهارات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الميزة لا تعني إزالة «شورتس» نهائياً من المنصة بل تقليص ظهوره والتحكم في استهلاكه (أدوبي)

هل تسعى «يوتيوب» إلى تقليص حضور «شورتس»؟

«يوتيوب» يضيف خيار «صفر دقيقة» لتقليص تصفح «شورتس» في خطوة تمنح المستخدم تحكماً أكبر دون إزالة الخدمة نهائياً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الدراسة ترى أن تقدم الذكاء الاصطناعي في العمل يحدث تدريجياً عبر نطاق واسع من المهام لا عبر صدمات مفاجئة (رويترز)

دراسة من «MIT»: الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل المهام لا الوظائف فقط

تظهر دراسة «MIT» أن الذكاء الاصطناعي يتقدم تدريجياً في إنجاز المهام مع تفاوت قطاعي وفجوة مستمرة في الاعتمادية.

نسيم رمضان (لندن)
علوم نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

جهود حثيثة من أميركا اللاتينية إلى آسيا

كريس ستوكل - والكر (واشنطن)

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
TT

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

توسّع «بيربليكسيتي» طموحاتها إلى ما هو أبعد من البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي؛ إذ ترى أن المرحلة المقبلة من الحوسبة الشخصية ستقوم على مساعد أكثر وعياً بسياق المستخدم، وقادر على الاقتراب من نشاطه الرقمي اليومي.

وفي منشور جديد عبر موقعها الإلكتروني بعنوان «The Personal Computer Is Here»، تعرض الشركة هذه الرؤية باعتبارها جزءاً من توجه أوسع لجعل الذكاء الاصطناعي طبقة أكثر حضوراً في التصفح والبحث وتنفيذ المهام، بدلاً من بقائه أداة تُستخدم للإجابة عن الأسئلة المنفصلة فقط. ويتقاطع هذا الطرح مع الاهتمام المتزايد باستراتيجية «بيربليكسيتي» في مجال المتصفح، ومع مساعيها للانتقال من منتج بحث إلى واجهة أوسع للذكاء الاصطناعي الشخصي.

ولا تتمثل أهمية التطور هنا في أن الشركة نشرت بياناً جديداً عن منتجها فحسب، بل في أنها باتت تعرض تقنيتها بوصفها جزءاً من تحول أكبر في طريقة تفاعل المستخدمين مع الحواسيب. فبدلاً من تقديم الذكاء الاصطناعي كإضافة إلى سير العمل القائم، تضعه «بيربليكسيتي» في موقع الطبقة التي يمكن أن يمر عبرها هذا السير نفسه. وهذا يضع الشركة في منافسة أكثر مباشرة ليس فقط مع منافسي البحث بالذكاء الاصطناعي، بل أيضاً مع مطوري المتصفحات والشركات التي تحاول رسم واجهة الاستخدام المقبلة في عصر الذكاء الاصطناعي.

التحول الجديد يشير إلى أن «بيربليكسيتي» تريد أن تؤثر في طريقة استخدام الحاسوب لا في البحث فقط «بيربليكسيتي»

«توسيع دور بيربليكسيتي»

يكتسب هذا التحول أهمية خاصة؛ لأن «بيربليكسيتي» بنت حضورها الأول بوصفها منصة تعتمد على الإجابات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والبحث على الويب. أما الآن، فتشير اللغة الجديدة التي تستخدمها الشركة إلى أنها تريد أن تُعرَف بدرجة أقل كوجهة لطرح الأسئلة، وبدرجة أكبر كنظام يفهم سياق المستخدم ويساعده في إدارة أنشطته الرقمية الأوسع. وعملياً، يعني ذلك الاقتراب أكثر من طريقة تصفح الأفراد، ومقارنتهم للمعلومات، واتخاذهم القرارات، وتنفيذهم المهام. وهو ادعاء أكبر بكثير من مجرد تقديم نتائج بحث أفضل.

كما يساعد السياق الصناعي الأوسع في تفسير هذا التوجه؛ فشركات الذكاء الاصطناعي تحاول بشكل متزايد تجاوز واجهات الدردشة المستقلة إلى بيئات برمجية تلتقط قدراً أكبر من النشاط اليومي للمستخدم. وأصبحت المتصفحات ساحة مهمة لهذا التنافس؛ لأنها تحتل بالفعل موقعاً مركزياً في كيفية عمل كثير من الناس على الإنترنت. ومن خلال ربط رسالتها بالحوسبة الشخصية لا بالبحث فقط، تبدو «بيربليكسيتي»، وكأنها تقول إن المتصفح والمساعد الذكي يبدآن في الاندماج.

الانتقال إلى طبقة أكثر التصاقاً بالمستخدم يفرض تحديات تتعلق بالسياق والخصوصية والموثوقية «بيربليكسيتي»

الخصوصية والموثوقية أولاً

لا يعني هذا الانتقال أن الطريق سهل؛ فوجود طبقة ذكاء اصطناعي أكثر التصاقاً بالمستخدم يتطلب الوصول إلى السياق، والاستمرارية عبر المهام، وقدراً كافياً من الثقة حتى يسمح الأفراد للبرمجيات بالاقتراب أكثر من عادات عملهم. وهذه متطلبات أكثر تعقيداً بكثير من مجرد الإجابة عن سؤال أو تلخيص صفحة. كما أنها ترفع سقف التحديات المرتبطة بتصميم المنتج، وتوقعات الخصوصية، والموثوقية. وتوحي الرسائل الأخيرة للشركة بأنها ترى أن هذا التحدي يستحق المخاطرة؛ لأن الميزة التنافسية المقبلة في الذكاء الاصطناعي قد لا تأتي فقط من جودة الإجابة، بل من التغلغل في سير العمل اليومي للمستخدم.

«بيربليكسيتي» توسع موقعها

ما يبرز أكثر من غيره هو اللغة التي باتت «بيربليكسيتي» تستخدمها في تعريف نفسها؛ فالشركة تبدو وكأنها تحاول تثبيت موطئ قدم في فئة تتجاوز البحث، بل حتى تتجاوز الدردشة. إنها تصف مستقبلاً لا يُستشار فيه الذكاء الاصطناعي من حين إلى آخر فحسب، بل يصبح طبقة تشغيل يومية في الحوسبة الشخصية. وهذا إطار استراتيجي أوسع بكثير من ذاك الذي عُرفت به حين ظهرت بدايةً بوصفها شركة ناشئة في البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي.

وبالنسبة إلى «بيربليكسيتي»، فإن دلالة هذا التحول واضحة؛ فالشركة لا تسعى فقط إلى تحسين الطريقة التي يعثر بها المستخدمون على المعلومات، بل تريد أيضاً أن تؤثر في الطريقة التي يتحركون بها داخل العمل الرقمي كله. وما إذا كانت قادرة على تنفيذ هذا الوعد يبقى سؤالاً مفتوحاً، لكن الاتجاه بات واضحاً: «بيربليكسيتي» تريد أن يكون لها دور ليس فقط فيما يسأله الناس للذكاء الاصطناعي، بل أيضاً في كيفية استخدامهم الحاسوب من الأساس.


دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
TT

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

طوّر باحثون من مختبر «كرييت» (CREATE) في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان (EPFL) في سويسرا إطاراً جديداً يهدف إلى معالجة واحدة من أكثر المشكلات إرباكاً في الروبوتات الصناعية تتعلق بكيفية تعليم مهارة واحدة لروبوتات مختلفة البنية من دون إعادة البرمجة من الصفر في كل مرة.

الدراسة المنشورة في دورية «Science Robotics» تقدم ما يسميه الباحثون «الذكاء الحركي»، وهو نهج يحوّل المهمة التي يعرضها الإنسان إلى استراتيجية حركة عامة، ثم يكيّفها تلقائياً مع التصميم الميكانيكي لكل روبوت على حدة.

تكمن المشكلة في أن الروبوتات، حتى عندما تُستخدم في أعمال متشابهة، لا تتحرك بالطريقة نفسها. اختلاف ترتيب المفاصل وحدود الحركة ومتطلبات الاتزان يجعل المهارة التي يتعلمها روبوت ما غير قابلة للنقل مباشرة إلى روبوت آخر. ولهذا؛ فإن تحديث أسطول الروبوتات في المصانع غالباً لا يعني استبدال العتاد فقط، بل يشمل أيضاً إعادة تعريف المهام، وضبط حدود الأمان، وإعادة التحقق من السلوك الحركي لكل منصة جديدة. الدراسة الجديدة تحاول فصل «فكرة المهارة» عن خصائص الروبوت الفردي، بحيث يصبح بالإمكان نقلها بين منصات مختلفة بتكلفة أقل وزمن أقصر.

الباحثون حوّلوا المهام التي يعرضها الإنسان استراتيجيات حركة عامة يمكن تكييفها مع كل روبوت على حدة (EPFL)

نقل المهارة بأمان

ولبناء هذا الإطار؛ بدأ الباحثون من مهام تلاعب بالأجسام عرضها إنسان، مثل الوضع والدفع والرمي. استخدم الفريق تقنيات التقاط الحركة لتسجيل هذه المهام، ثم حوّلها رياضياً استراتيجيات حركة عامة لا ترتبط بروبوت واحد بعينه. بعد ذلك، وضعوا تصنيفاً منظماً للقيود الفيزيائية الخاصة بكل تصميم روبوتي، مثل مدى حركة المفاصل والمواضع التي يجب تجنبها للحفاظ على الاستقرار. وبهذا، لم يعد الروبوت ينسخ حركة بشرية أو حركة روبوت آخر كما هي، بل «يفسر» المهارة ضمن حدوده الميكانيكية الخاصة.

في التجربة الأساسية، عرض إنسان مهمة مركبة على خط تجميع كدفع كتلة خشبية من سير ناقل إلى منصة عمل، ثم وضعها على طاولة، ثم رميها في سلة. ووفق التقرير، تمكنت ثلاثة روبوتات تجارية مختلفة تماماً من إعادة تنفيذ التسلسل نفسه بأمان وموثوقية باستخدام إطار الذكاء الحركي. والأهم أن النظام ظل يعمل حتى عند تغيير توزيع الخطوات بين الروبوتات؛ ما يشير إلى أن الإطار لا يحفظ مساراً واحداً فحسب، بل ينقل منطق المهمة نفسه إلى أجسام مختلفة.

أهمية النظام لا تقتصر على إنجاز المهمة بل تشمل الحفاظ على السلوك الآمن والمتوقع داخل حدود كل روبوت (أ.ف.ب)

أتمتة أسرع وأبسط

يقول الباحثون إن القيمة الرئيسية هنا لا تتعلق فقط بإتمام المهمة، بل بضمان أن كل روبوت ينفذها ضمن حدوده الآمنة. رئيسة المختبر أود بيلار وصفت ذلك بأنه معالجة لتحدٍ قديم في الروبوتات متعلق بنقل المهارة المتعلمة بين روبوتات ذات هياكل ميكانيكية مختلفة مع الحفاظ على سلوك آمن ومتوقع. أما أحد الباحثين المشاركين، فأوضح أن كل روبوت «يفسر المهارة نفسها بطريقته، ولكن دائماً ضمن حدود آمنة وقابلة للتنفيذ». هذه النقطة أساسية لأن كثيراً من أنظمة التعلم الروبوتي تُظهر أداءً جيداً في المختبر، لكنها تصبح أقل موثوقية عندما تنتقل إلى منصات أخرى أو إلى بيئات تشغيلية فعلية.

أهمية هذا النهج تظهر بوضوح في التصنيع، حيث يمكن أن يؤدي تبديل الروبوتات أو تحديثها إلى تعطيل طويل ومكلف. فإذا أمكن نقل المهارات بين الروبوتات المختلفة من خلال تمثيل عام للمهمة بدلاً من إعادة البرمجة التفصيلية، فقد يصبح نشر الروبوتات الجديدة أسرع وأكثر استدامة. التقرير يشير أيضاً إلى أن هذا يمكن أن يقلل حجم الخبرة الفنية المطلوبة لتشغيل الأنظمة في البيئات الواقعية، وهي نقطة قد تكون مهمة للشركات التي تريد توسيع الأتمتة من دون الاعتماد الكامل على فرق برمجة متخصصة لكل منصة.

لا يقف طموح الباحثين عند خطوط الإنتاج. فهم يرون أن الإطار قد يمتد إلى التعاون بين الإنسان والروبوت، أو إلى التفاعل المعتمد على اللغة الطبيعية، حيث يمكن للمستخدم أن يوجه الروبوت بأوامر بسيطة من دون الخوض في برمجة تقنية معقدة. كما يبدو النهج مناسباً للمنصات الروبوتية الناشئة، حيث تتطور العتاد بسرعة وقد تُستبدل النماذج الحالية بأخرى أحدث خلال فترة قصيرة. في هذه البيئات، لا تكون المشكلة في تعليم الروبوت مهمة واحدة فحسب، بل في الحفاظ على تلك المهارة قابلة للنقل مع كل جيل جديد من الآلات.


فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
TT

فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)

في مشهدٍ بدا أقرب إلى لقطاتٍ من فيلمٍ خيالي، تحوّل روبوتٌ بشري إلى حديث الشارع في وارسو، بعدما ظهر في مقطعٍ مصوّر وهو يطارد خنازير برية بين أحيائها، في ظاهرةٍ جمعت بين الدهشة والطرافة، وأثارت نقاشاً واسعاً حول مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة.

الروبوت، الذي يحمل اسم «إدوارد وارتشوكي» ويُعرف اختصاراً بـ«إيدِك»، ليس مجرد تجربة تقنية عابرة، بل مشروعٌ طموحٌ وُلد من تعاونٍ بين تقنياتٍ صينية وبرمجياتٍ طُوّرت محلياً. وقد اشتراه رائدا أعمالٍ بولنديان مقابل نحو 25 ألف دولار، قبل أن يعملا على تطوير نظامه ليصبح وفق توصيفهما أول «مؤثر روبوتي» في بولندا. وفقاً لصحيفة «فاينانشال تايمز».

وخلال أسابيع قليلة، خرج «إيدِك» من إطار التجربة المحدودة إلى فضاء الشهرة الواسعة، إذ حقّقت مقاطعه على وسائل التواصل أكثر من 1.5 مليار مشاهدة خلال 45 يوماً، ما جعله ظاهرةً رقميةً لافتةً، تتجاوز حدود الترفيه إلى التأثير الاجتماعي.

لا يقتصر حضور الروبوت على الشاشات؛ فقد بات جزءاً من الحياة اليومية في المدينة، يتنقّل بين الحافلات والمتاجر، ويشارك في فعالياتٍ عامة، بل ويتحوّل أحياناً إلى أداةٍ تسويقية تستعين بها شركاتٌ محلية في حملاتها. ويضيف إلى صورته اللافتة ارتداؤه ساعة «رولكس» مرصّعة بالألماس، في إطار اتفاقية رعاية، ما يعكس تداخلاً غير مألوف بين التكنولوجيا وعالم العلامات الفاخرة.

وبحسب مطوّريه، فإن «إيدِك» يتميّز بقدرةٍ متقدمة على التفاعل الإنساني، إذ جرى تزويده بنموذجٍ لغويٍّ متطور يمكّنه من التحدّث والاستماع بشكلٍ مستقل، فضلاً عن نظام تحديد مواقع (GPS) وقاعدة بيانات تُنشئ ما يشبه «ذاكرةً» رقمية، تمنحه إدراكاً للزمان والمكان.

ويقول أحد القائمين على المشروع إن سلوك الروبوت لم يعد قابلاً للتوقّع دائماً، مضيفاً: «لا نعرف بدقةٍ ما الذي سيقوله، وهذا ما يفاجئنا. كما أنه يتفاعل مع مشاعر من يحدّثهم؛ فإذا واجه شخصاً غاضباً أو محبطاً، يتأثر بذلك ويستجيب بطريقةٍ أقرب إلى التعاطف».

الحضور اللافت للروبوت امتدّ أيضاً إلى المجال العام، حيث التقى بمسؤولين حكوميين، وعقد مؤتمراً صحافياً داخل البرلمان، بل وشارك في نقاشاتٍ مع نواب حول قضايا اجتماعية، في مشهدٍ يعكس تحوّلاً غير مسبوقٍ في دور التكنولوجيا داخل الحياة السياسية.

وفي إحدى المباريات الجماهيرية التي حضرها نحو 20 ألف مشجّع، سرق «إيدِك» الأضواء عند ظهوره على الشاشة الكبيرة، إذ توقّف كثيرون عن متابعة اللقاء، وارتفعت هتافات الأطفال باسمه، في لحظةٍ بدت أقرب إلى احتفاءٍ بنجمٍ رياضي.

ورغم الطابع الترفيهي الذي يحيط بالمشروع، يؤكد مطوّروه أن الهدف يتجاوز ذلك، ليشمل تعريف المجتمع بعالم الروبوتات، والدفع نحو تشريعاتٍ تستقطب الاستثمارات في هذا القطاع سريع النمو، خصوصاً في ظل المنافسة العالمية المتصاعدة، حيث تتقدّم الشركات الصينية، إلى جانب شركاتٍ أميركية مثل «تسلا».

في المحصلة، لا يبدو «إيدِك» مجرد روبوتٍ يرتدي ساعةً فاخرة أو يطارد خنازير برية، بل تجربة إنسانية مفتوحة على أسئلة المستقبل: كيف سيتعايش البشر مع هذه الكيانات الذكية؟ وهل تصبح جزءاً مألوفاً من تفاصيل الحياة اليومية خلال سنواتٍ قليلة؟ الإجابة، كما يبدو، بدأت تتشكّل... خطوةً بعد أخرى.