أنقرة وبغداد ومرحلة جديدة من العلاقات بعد إلقاء حزب العمال الكردستاني السلاح

إردوغان أكد في حديثه مع السوداني عزمه «اقتلاع الإرهاب»

العلمان التركي والعراقي
العلمان التركي والعراقي
TT

أنقرة وبغداد ومرحلة جديدة من العلاقات بعد إلقاء حزب العمال الكردستاني السلاح

العلمان التركي والعراقي
العلمان التركي والعراقي

في وقت اختار فيه العشرات من مقاتلي حزب العمال الكردستاني، بزعامة عبد الله أوجلان، كهفاً ذا رمزية تاريخية بين مدينة السليمانية ومصيف دوكان مكاناً لحرق أسلحتهم، في خطوة، وإن وُصفت بالرمزية، تنهي حقبة من تاريخ صبغته الدماء على مدى أكثر من أربعة عقود، يظل العراق طرفاً معنياً بقوة بهذه الأحداث.

فبينما كان حزب العمال الكردستاني يُشهر سلاحه منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي بوجه الدولة التركية؛ بسبب ما يعتبره حقاً قومياً له في التمتع بحياة سياسية مستقلة، نال العراق المجاور قسطاً غير يسير من هذه المواجهة، فالمناطق التي يوجد فيها الحزب تقع عند حافات حدوده مع تركيا، وهي مناطق جبلية وعرة صعبة التضاريس، خصوصاً سلسلة جبال قنديل، فضلاً عن أنها - سواء داخل تركيا أو شمال العراق - منطقة تقطنها غالبية كردية، ويتداخل فيها ما هو سياسي بما هو عرقي.

وفي حين أن الجانب التركي عقد اتفاقاً مع العراق في عهد النظام السابق يمنح كلاً منهما الحق في مطاردة عناصر المعارضة لكلا البلدين (حزب العمال لجهة تركيا، وقوى المعارضة العراقية قبل سقوط النظام عام 2003)، ورغم أن هذا الاتفاق بقي شكلاً حتى بعد سقوط نظام صدام حسين؛ فقد بدا أن الجانب التركي هو المستفيد الأكبر من الاتفاق الذي أُبرم في نهاية تسعينات القرن الماضي، إذ بدأ يتمدد إلى مساحات شاسعة في محافظات أربيل والسليمانية ونينوى لملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني.

حرق سلاح لحزب العمال الكردستاني في خطوة رمزية في السليمانية بالعراق يوم الجمعة (رويترز)

ومما زاد من تعقيد المشكلة أنه بعد دخول تنظيم «داعش» العراق عام 2014، وبسط هيمنته على مساحات واسعة من الأراضي العراقية، وما فعله بالأقليات الدينية والعرقية لا سيما الإيزيديين والشبك، فضلاً عن الشيعة، فإن قسماً من سكان تلك المناطق تعاونوا مع عناصر من «حزب العمال» لمحاربة «داعش» بعد أن أخذ مئات الإيزيديات سبايا.

وشكل التداخل في تلك المناطق المختلطة عرقياً ودينياً ومذهبياً إشكاليات جديدة، لا سيما عندما تحالفت بعض القوى العراقية المسلحة مع قسم من عناصر حزب العمال الكردستاني، وهو ما جعل التوصل إلى تسوية سياسية على صعيد نزع سلاح عناصر هذا الحزب أمراً في غاية الصعوبة.

ترحيب عراقي

الجانب العراقي عَدّ نزع سلاح الحزب خطوة تاريخية مهمة تمهد الطريق لإنهاء الصراع المسلح والخروقات الأمنية التي امتدت لعقود، وسقط فيها عشرات الآلاف من القتلى.

ولاقت الخطوة ترحيباً من رئاسة الجمهورية العراقية التي رأت أنها تفتح الباب أمام آفاق مستقبلية تسهم في تعزيز فرص السلام في المنطقة، ودعت لضرورة الالتزام الكامل بالحفاظ على الأمن والاستقرار ودعم الحقوق المشروعة للأطراف كافة.

وأكدت الرئاسة العراقية أن الخطوة تمُثل «عنصراً مهماً لترسيخ الأمن والاستقرار في عموم المنطقة، وتفسح المجال أمام تعزيز العلاقات الثنائية بين العراق وتركيا على أساس احترام السيادة المتبادل، وضمان أمن وسلامة الشعبين الصديقين».

مقاتلات من حزب العمال الكردستاني أثناء إلقائهن السلاح في السليمانية (أ.ف.ب)

وأعلنت الرئاسة دعمها الكامل لإنجاح هذه الخطوة حتى النهاية، «والمساهمة بكل ما من شأنه تحقيق الأهداف المأمولة منها في طي صفحة الماضي المؤلمة، وفتح صفحة جديدة عنوانها التعاون والتنسيق المشترك لخدمة للجميع».

مرحلة جديدة

وبينما عبر الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، عن عزمه «اقتلاع الإرهاب» خلال مباحثاته الهاتفية مساء السبت مع رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، توشك ملامح مرحلة جديدة على صعيد العلاقة بين بغداد وأنقرة، وبين بغداد وما تبقى من عناصر حزب العمال الكردستاني في العراق، أن تولد.

رئيس حكومة العراق محمد شياع السوداني (رويترز)

الرئيس التركي أبلغ السوداني بأن بلاده ماضية في تطبيق رؤيتها «تركيا خالية من الإرهاب»، وأنها تهدف لـ«اقتلاع الإرهاب من المنطقة بشكل دائم». وأضاف أنها ستواصل اتخاذ الخطوات اللازمة في هذا الخصوص، وستبقى في حالة تأهب لمواجهة من يحاولون تقويض هذا المسار.

وبحث الجانبان العلاقات الثنائية وقضايا إقليمية ودولية، ولفت إردوغان إلى مواصلة تركيا والعراق اغتنام فرص التعاون في شتى المجالات، وفق أسس الربح المتبادل، لا سيما فيما يخص مشروع «طريق التنمية».

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يلقي كلمة في أنقرة يوم السبت (إ.ب.أ)

أما السوداني، وطبقاً لبيان صادر عن مكتبه، فقد قدم «التهنئة لإردوغان بمناسبة عقد اتفاق السلام بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني، مؤكداً أن الاتفاق سينعكس بشكل إيجابي على المنطقة، وسيدفع باتجاه استقرارها ودفع عجلة التنمية فيها، بما يحقق الخير لشعوبها».

وماذا بعد؟

يقول القيادي في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، محمود خوشناو، إن عملية السلام بين تركيا وحزب العمال لا تنحصر في مرحلة واحدة، بل هناك مراحل أهمها تفهم الطرفين أنه لا بد من الوصول إلى عملية سلام ومن ترتيب الأولويات داخل تركيا.

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «يبدو من خلال تصريحات كبار المسؤولين الأتراك، وخصوصاً مسؤولي الدولة، أنها عازمة على المضي بتفكيك العُقَد السابقة التي كان يجري من خلالها التعامل مع الملف الكردي».

ومضى قائلاً: «أهم مسألة هي أن قرار أوجلان يجري تطبيقه بحزم، وهو ما يعني التزام جميع القيادات والقواعد به». وأكد أن الخطوة الأخرى المهمة بعد مرحلة حرق السلاح هو ما ستُقدم عليه أنقرة على صعيد إجراء خطوات إصلاحية أو تعديل قوانين.

ويرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية، عصام فيلي، أن التحدي الذي كان يواجه تركيا «انتقل من التحدي الداخلي إلى التحدي الخارجي، خصوصاً بعد أن تتم عملية التسليم الكامل لسلاح حزب العمال، حيث تنتهي آخر ذرائع تركيا في الوجود داخل الأراضي العراقية».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «في الأيام القادمة سوف يكون هناك تنسيق بين بغداد وأنقرة لتحديد جدول زمني لمغادرة كل القوات التركية من الأراضي العراقية، فضلاً عن الجوانب الاقتصادية وبخاصة موضوع المياه».

واستطرد: «العراق سوف يطالب تركيا، وبقوة، بسحب أي قوات لها من أراضيه؛ إذ لم يعد ثمة أي مبرر لوجود أي قوات أجنبية داخله لانتفاء كل الذرائع».


مقالات ذات صلة

واشنطن ترفع الضغط على بغداد لمنع تشكيل «حكومة خاضعة للفصائل»

المشرق العربي رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

واشنطن ترفع الضغط على بغداد لمنع تشكيل «حكومة خاضعة للفصائل»

في غمرة انشغال قوى «الإطار التنسيقي» بتشكيل الحكومة الجديدة، أدرجت وزارة الخزانة الأميركية 7 من قادة الميليشيات العراقية على قائمة العقوبات.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

اجتماع مرتقب في بغداد قد يحدد مرشح رئاسة الحكومة

من المقرر أن تعقد قوى «الإطار التنسيقي»، التحالف الحاكم في العراق، اجتماعاً حاسماً يوم السبت في بغداد، في محاولة للتوصل إلى اتفاق بشأن مرشح لرئاسة الوزراء.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي عناصر من «البيشمركة» يتموضعون تحت صورة لمسعود بارزاني في كركوك (أرشيفية - إ.ب.أ)

بارزاني يهاجم «صفقات مشبوهة» شمال العراق

أعلن مسعود بارزاني رئيس «الحزب الديمقراطي الكردستاني» رفضه لمخرجات التوافق السياسي الأخير في محافظة كركوك شمال العراق؛ ما أفضى إلى تغيير منصب المحافظ.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي رئيس الحكومة محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

مناورات تشكيل الحكومة العراقية تدخل مرحلة حاسمة

دخلت القوى السياسية العراقية مرحلة حاسمة في تشكيل الحكومة الجديدة، في وقت قرر فيه "الإطار التنسيقي" تأجيل اجتماع حاسم إلى السبت المقبل.

حمزة مصطفى (بغداد)
الخليج علم الإمارات (الشرق الأوسط)

الإمارات تحتج لدى العراق على «هجمات انطلقت من أراضيه»

استدعت وزارة الخارجية الإماراتية القائم بأعمال السفارة العراقية، وسلّمته مذكرة احتجاج عبّرت فيها عن إدانتها واستنكارها لما وصفته بـ«الاعتداءات الإرهابية».

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)

استعدادات للانتخابات البرلمانية في الحسكة السورية

اجتماع اللجنة العليا في محافظة الحسكة والفريق الرئاسي (فيسبوك)
اجتماع اللجنة العليا في محافظة الحسكة والفريق الرئاسي (فيسبوك)
TT

استعدادات للانتخابات البرلمانية في الحسكة السورية

اجتماع اللجنة العليا في محافظة الحسكة والفريق الرئاسي (فيسبوك)
اجتماع اللجنة العليا في محافظة الحسكة والفريق الرئاسي (فيسبوك)

بدأت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب السوري الخطوات العملية لإجراء الانتخابات في محافظة الحسكة، شمال شرقي سوريا.

وقال المتحدث باسم الفريق الرئاسي، أحمد الهلالي، لـ«الشرق الأوسط»، إن اجتماعاً موسعاً عُقد في مبنى محافظة الحسكة، السبت، شارك فيه محافظ الحسكة نور الدين أحمد، واللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، وفريق البعثة الرئاسية بقيادة العميد زياد العايش، ومديرية الشؤون السياسية، وتمت مناقشة أفضل السبل لإنجاز هذا الاستحقاق بكل سلاسة.

وأوضح الهلالي أن دور الفريق الرئاسي، المكلف بمتابعة تنفيذ اتفاق 29 يناير (كانون الثاني) المبرم بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، في عملية الانتخابات سيكون «تنسيقياً وبهدف تذليل العقبات أمام عمل اللجنة العليا واللجان الفرعية».

وفيما يتعلق بموعد الانتخابات قال الهلالي إن ذلك «يعتمد على استكمال الإجراءات اللازمة»؛ إذ سيتم خلال الأسبوع القادم تشكيل اللجان الفرعية في المناطق، يليه تشكيل الهيئات الناخبة، ثم إجراء الانتخابات، لافتاً إلى أن اللجنة العليا واللجان الفرعية سيعملون على «توسيع التمثيل لتكون الهيئات الناخبة معبرة عن تنوع الحسكة بطريقة مرضية، حيث تضم الهيئات نسبة 70 في المائة من الكفاءات، و30 في المائة من الوجهاء والأعيان».

اللجنة العليا للانتخابات مع محافظ الحسكة والفريق الرئاسي في محافظة الحسكة (مديرية إعلام الحسكة)

وأكد المتحدث باسم اللجنة العليا للانتخابات، نوار نجمة، لـ«الشرق الأوسط»، أن المشاركين في الاجتماع أبدوا إيجابية كي يكون نجاح العملية الانتخابية في الحسكة «خطوة إيجابية جديدة في إطار عملية الاندماج السياسي والاجتماعي».

وأضاف نجمة أن اللجنة العليا أجرت عدة لقاءات، أبرزها كان مع محافظ الحسكة، مشيراً إلى أن اللقاءات كانت إيجابية وتم الاتفاق على البدء مباشرة بالخطوات العملية للعملية الانتخابية، وأنه سوف تتشكل اللجان الفرعية، والتي تقوم بدورها باقتراح أسماء أعضاء الهيئات الناخبة، ولافتاً إلى أن اللجنة العليا والمحافظ والوفد الرئاسي «أبدوا إيجابية عالية للتعاون لتشكيل اللجان الفرعية والهيئات الناخبة».

وأوضح نجمة أن حصة محافظة الحسكة في مجلس الشعب عشرة مقاعد، وقد تم انتخاب واحد منها في منطقة رأس العين، وتتبقى تسعة مقاعد موزعة على مناطق الحسكة والمالكية والقامشلي. وأكد أن تشكيل الهيئات الناخبة سيراعي التنوع في المحافظة، مضيفاً أن اللجنة العليا تعمل على أن يكون نجاح العملية الانتخابية في الحسكة «خطوة إيجابية جديدة في إطار عملية الاندماج السياسي والاجتماعي بالنسبة للمحافظة» و«نقطة انطلاق حقيقية لعودة الحياة السياسية إلى طبيعتها في سوريا».

صورة متداولة لوصول وفد اللجنة العليا للانتخابات إلى مطار القامشلي (مرصد الحسكة)

ووصل وفد من اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب إلى مطار القامشلي في أول رحلة قادمة من مطار دمشق منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وأول رحلة بعد تسلم الحكومة السورية إدارة مطار القامشلي، في إطار عملية الدمج تنفيذاً لاتفاق 29 يناير.

الرئيس السوري أحمد الشرع كشف خلال مشاركته في مؤتمر أنطاليا الدبلوماسي، الجمعة، أن أولى جلسات مجلس الشعب ستُعقد مع نهاية أبريل (نيسان) الحالي. وقال إن من جدول أعماله سيكون صياغة الدستور، وسيتضمن داخله الكثير من التشريعات، التي سيجري التصويت عليها، منها تفاصيل وشكل مرحلة ما بعد السنوات الخمس الانتقالية.

وكانت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب أجّلت انتخابات مجلس الشعب في ثلاث محافظات، هي الحسكة والرقة والسويداء، بسبب «التحديات الأمنية»، وجرت الانتخابات في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 وفق نظام انتخابي غير مباشر لانتخاب 140 عضواً من أصل 210 أعضاء، ويقوم رئيس الجمهورية باختيار الأعضاء السبعين المتبقين، ومع انتهاء العملية الانتخابية في محافظة الحسكة تكون العملية الانتخابية شملت كافة المحافظات السورية ما عدا محافظة السويداء؛ إذ أُجريت في محافظة الرقة الانتخابات في مارس (آذار) الماضي، وفاز أربعة أعضاء عن دائرتَي الرقة والطبقة.


واشنطن ترفع الضغط على بغداد لمنع تشكيل «حكومة خاضعة للفصائل»

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

واشنطن ترفع الضغط على بغداد لمنع تشكيل «حكومة خاضعة للفصائل»

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

في غمرة انشغال قوى «الإطار التنسيقي» بتشكيل الحكومة الجديدة وما يرتبط بذلك من خلافات حادة بين زعمائه حول المرشح المناسب لرئاستها، يأتي إدراج وزارة الخزانة الأميركية 7 من قادة الميليشيات العراقية على قائمة العقوبات، ليزيد الأمر تعقيداً، حسب مراقبين، خصوصاً أنها طالت قوى وازنة، مثل «عصائب أهل الحق» التي تمتلك نحو 27 مقعداً برلمانياً وقد حصلت على منصب نائب رئيس البرلمان الاتحادي.

وجاءت العقوبات الجديدة بعد أقل من أسبوع على قيام وزارة الخارجية الأميركية بعرض مكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات عن أحمد الحميداوي، زعيم «كتائب حزب الله» العراقي. بعد أن حمَّلته واشنطن مسؤولية شن هجمات ضد المنشآت الدبلوماسية الأميركية، وخطف مواطنين أميركيين، وقتل مدنيين عراقيين.

المكافأة التي نشرتها «الخارجية» الأميركية مقابل معلومات عن زعيم «كتائب حزب الله» العراقي

اتهامات أميركية

واتهم مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، في بيان، الجماعات المعاقبة بـ«ضلوعها في التخطيط والتوجيه وتنفيذ هجمات استهدفت أفراداً ومنشآت ومصالح أميركية داخل العراق. ويقود الأفراد المستهدفون في هذا الإجراء عدداً من أكثر الفصائل المسلحة الموالية لإيران عنفاً في العراق، من بينها (كتائب حزب الله)، و(كتائب سيد الشهداء)، و(حركة النجباء)، و(عصائب أهل الحق)».

وتعمل هذه الفصائل، حسب البيان، «بقدر كبير من الإفلات من العقاب، حيث تنفذ هجمات ضد أفراد أميركيين ومدنيين عراقيين، وتستنزف ثروات العراق لتمويل أنشطتها الإرهابية، كما تقوّض سيادة العراق وعملياته الديمقراطية».

وانخرطت الفصائل إلى جانب إيران في حربها ضد الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، وقامت بتنفيذ مئات الهجمات الصاروخية وإطلاق المسيَّرات على مواقع دبلوماسية وعسكرية أميركية في العراق، ومن ضمنها أكثر من 600 هجمة ضد أصول مدنية وعسكرية في إقليم كردستان، وهجمات صاروخية ضد بعض الدول الخليجية.

ونقل البيان الأميركي عن وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، القول: «لن نسمح للميليشيات الإرهابية في العراق، المدعومة من إيران، بتهديد أرواح الأميركيين أو مصالحهم. وكل مَن يمكّن عنف هذه الميليشيات سيُحاسب».

وتأتي الخطوة، بحسب البيان «استناداً إلى الأمر التنفيذي 13224 المعدل، الذي يستهدف الإرهابيين وداعميهم، وتستكمل سلسلة من الإجراءات السابقة التي اتخذتها وزارة الخزانة ضد شبكة الميليشيات المدعومة من إيران والتي تهدد العراقيين والأميركيين في المنطقة».

وسبق أن صنفت واشنطن «كتائب حزب الله»، و«عصائب أهل الحق»، و«حركة النجباء»، و«كتائب سيد الشهداء» جماعات «إرهابية عالمية ومنظمات إرهابية أجنبية».

ودعا رئيس حكومة إقليم كردستان، السبت، ما وصفهم بـ«شركائنا الدوليين إلى توفير المعدات اللازمة لحماية مواطني كردستان والبنية التحتية للطاقة من هذه التهديدات المستمرة». في إشارة إلى الهجمات المتكررة التي تنفذها الفصائل المسلحة ضد الإقليم، وقد سقط جراءها 5 قتلى خلال الأيام القليلة الماضية.

أبرز قادة الميليشيات

وذكر البيان الأميركي أن «كتائب حزب الله» تبنّت العديد من الهجمات منذ تأسيسها عام 2006، ليس فقط ضد الولايات المتحدة، بل أيضاً ضد قوات التحالف الدولي. وترتبط الجماعة آيديولوجياً بإيران وتتلقى منها دعماً مالياً وعسكرياً، ومن بين المدرجين على لائحة العقوبات، عمار جاسم كاظم الرماحي، قائد عمليات في «كتائب حزب الله»، يشرف على التخطيط للهجمات وتحديد أهدافها. ورضوان يوسف حميد المحمد وحسن ذياب حمزة، وهما من كبار مسؤولي الكتائب ويشاركان في تنسيق العمليات، حسب البيان.

كما أشار البيان إلى أن «عصائب أهل الحق» نفذت آلاف الهجمات ضد القوات الأميركية وقوات التحالف، وتتلقى دعماً وتدريباً من إيران، واستخدمت طائرات مسيّرة إيرانية في هجمات شمال العراق حتى مارس (آذار) 2026.

ومن ضمن قادة «العصائب» التي طالتها العقوبات الأميركية، صفاء عدنان جبار سويد، قائد عسكري ومسؤول عمليات في محافظة صلاح الدين.

وذكرت أن «كتائب سيد الشهداء» التي يقودها أبو آلاء الولائي، وهو قيادي في «قوى الإطار التنسيقي» تتلقى دعماً إيرانياً في التدريب والتمويل والتسليح، ومن بين قادتها، خالد جميل عبد البختري وسعيد كاظم مخميس.

كما أدرجت اللائحة الأميركية هشام هاشم جيثوم، مدرب عسكري في «حركة النجباء»، التي أعلنت ولاءها لإيران وهددت باستهداف الأميركيين في العراق والمنطقة.

وأشار البيان الأميركي إلى أنه بموجب هذه الإجراءات «سيتم تجميد جميع الأصول والمصالح المالية للأشخاص المدرجين داخل الولايات المتحدة أو التي تقع تحت سيطرة أشخاص أميركيين، مع إلزام الجهات المعنية بالإبلاغ عنها، كما تُحظر على الأشخاص الأميركيين إجراء أي معاملات مع هؤلاء، ما لم يكن ذلك بموجب ترخيص خاص».

التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع «الإطار التنسيقي»)

شحنات الدولار

بالتزامن، تشير تقارير اقتصادية إلى تحديات تتعلق بوصول شحنات الدولار النقدي المقبلة من البنك الفيدرالي الأميركي إلى البنك المركزي العراقي، ولم يصدر عن البنك المركزي أي بيان في هذا الاتجاه، الأمر الذي لا يمكن التأكد من حقيقة هذه التقارير. وقبل نحو شهرين، تحدثت تقارير مشابه عن تعثر وصول الأموال إلى بغداد، خصوصاً عقب غلق الأجواء العراقية نتيجة الحرب. ومعروف أن أموال النفط العراقي توضع في البنك الفيدرالي الأميركي قبل أن يتم شحنها نقداً إلى العراق.

وتشير بعض المصادر الاقتصادية إلى أن البنك الفيدرالي الأميركي يسعى إلى فرض قيود أشد للحد من تهريب الدولار إلى خارج العراق والالتزام بمعايير الامتثال الدولية (غسيل الأموال).

تشكيل الحكومة

لا تبتعد لائحة العقوبات الجديدة كثيراً عن أجواء تشكيل الحكومة الجديدة، غير أنه «ليس من الواضح فاعليتها في التأثير على خيارات القوى الإطارية بالنسبة لرئيس الوزراء المقبل»، حسب مصدر قيادي في القوى الإطارية.

وقال المصدر إن «عقوبات سابقة طالت الفصائل، لكنها لم تؤثر على نفوذها السياسي داخلياً، وأبرز مثال على ذلك (عصائب أهل الحق)».

لكنه لا يرجح «تجاهل قوى الإطار للرسائل الأميركية المباشرة وغير المباشرة لأنها تدرك حجم المخاطر وكلفة هذا النوع من السلوك، لذلك نجد هذا التعثر الواضح في حسم ملف تشكيل الحكومة».

في المقابل، ترى مصادر أميركية أن العقوبات الجديدة لا تبتعد عن محاولات واشنطن «منع تشكيل حكومة جديدة خاضعة لنفوذ الفصائل المسلحة» حيث تتحكم هذه الفصائل في نحو 100 مقعد برلماني، إلى جانب نفوذها الكبير داخل «قوى الإطار التنسيقي» المسؤولة عن تشكيل الحكومة وطرح مرشح لرئاسة الوزراء. وتفيد مصادر أميركية مطلعة بأن القائم بالأعمال الأميركي في العراق، جوشوا هاريس، أبلغ بعض قادة الإطار أن لدى إدارته «الكثير من المؤشرات السلبية تجاه جميع صانعي القرار في العراق بخصوص نفوذ الميليشيات».

وتقول المصادر إن هاريس تحدث عن أن «واشنطن ستتعامل بحزم مع أي حكومة لن تعمل على إيقاف الميليشيات من الاستمرار في زعزعة استقرار العراق والمنطقة وتوقف كل أنواع الدعم عنها».

وأيضاً «ستقوم واشنطن بمعاقبة أي كيان أو مؤسسة عراقية ستستمر بتسهيل حصول إيران على الدولار سواء كانت رسمية أم غير رسمية».


«حزب الله» لوّح بالعودة إلى الحرب مع إسرائيل… وفي الداخل

عائلة نازحة خلال عودتها إلى قريتها في الجنوب إثر الإعلان عن الهدنة وهي ترفع علم «حزب الله» على السيارة (رويترز)
عائلة نازحة خلال عودتها إلى قريتها في الجنوب إثر الإعلان عن الهدنة وهي ترفع علم «حزب الله» على السيارة (رويترز)
TT

«حزب الله» لوّح بالعودة إلى الحرب مع إسرائيل… وفي الداخل

عائلة نازحة خلال عودتها إلى قريتها في الجنوب إثر الإعلان عن الهدنة وهي ترفع علم «حزب الله» على السيارة (رويترز)
عائلة نازحة خلال عودتها إلى قريتها في الجنوب إثر الإعلان عن الهدنة وهي ترفع علم «حزب الله» على السيارة (رويترز)

لوّح «حزب الله» بالعودة إلى الحرب مع إسرائيل، بالتوازي مع الحملة السياسية العنيفة التي شنّها نواب وقياديون من الحزب ضد رئيس الجمهورية جوزيف عون على خلفية تمسّكه بخيار التفاوض وعدم توجيهه الشكر لإيران و«المقاومة»، وصولاً إلى القول على لسان أحد نواب الحزب إن من يريد أن يكون مثل (قائد ميليشيا جيش لبنان الجنوبي التي أنشأتها إسرائيل) أنطوان لحد، سنقاتله كما قاتلنا الإسرائيلي».

وجاء موقف الحزب الميداني ليعزّز منسوب التصعيد؛ إذ دعا النازحين صراحة إلى عدم الاستقرار في بلداتهم وقراهم في الجنوب أو الضاحية الجنوبية، والبقاء في أماكن نزوحهم مع الاكتفاء بتفقد الممتلكات، وهو ما عكس توجهاً واضحاً على استعداد الحزب لمرحلة قد تشهد تجدداً للحرب، وهو ما تحدث عنه نائب رئيس المجلس السياسي في الحزب محمود قماطي، متوجهاً إلى جمهور الحزب بالقول: «لا تستقروا في قراكم في الجنوب، ولا حتى في الضاحية، اطمئنوا على أملاككم، ولا تستقروا، ولا تتركوا أماكن نزوحكم».

وانطلاقاً من هذه الأجواء شهد طريق الجنوب - بيروت، يوم السبت، زحمة خانقة لمواطنين عادوا وغادروا مجدداً بلداتهم الجنوبية التي وصلوا إليها، الجمعة، بينما تناقل ناشطون مقربون من «حزب الله» على وسائل التواصل الاجتماعي بياناً طالب «الأهالي الذين عادوا إلى منازلهم خلال فترة الهدنة، تجهيز الاحتياجات الأساسية والضرورية فقط والاستعداد للعودة الفورية إلى أماكن النزوح الآمنة التي كنتم فيها». وورد في البيان أيضاً: «نريد الميدان خالياً إلا من رجال (حزب الله)، كي يكون الرد على الخروقات موجعاً، دقيقاً، وبلا أي تكلفة بشرية في صفوف أهلنا الصامدين».

تهديد عون بمصير السادات

وبعدما كان «حزب الله» لفترة طويلة يحيّد عون عن حملاته التي كان يركزها على رئيس الحكومة نواف سلام، فتح النار مؤخراً عليهما معاً بعد الاجتماع التمهيدي اللبناني - الإسرائيلي الذي عُقد في واشنطن، يوم الثلاثاء الماضي، ووصلت الأمور بمسؤول ملف الموارد والحدود في «حزب الله» نواف الموسوي بالقول إن رئيس الجمهورية حين يتفرد بخطوات بملف التفاوض المباشر «لن يكون بعد الآن رئيساً مقبولاً من أحد في لبنان، فهو ليس أهم من أنور السادات الذي عندما انفرد بخطوة من هذا النوع قاطعه العرب جميعاً وعزلوه». وكان الرئيس المصري الراحل أنور السادات أول رئيس عربي يوقع اتفاقية سلام مع إسرائيل عام 1978، وقد تم اغتياله خلال عرض عسكري في ذكرى حرب أكتوبر (تشرين الأول).

أطفال في السيارة خلال رحلة العودة إلى قريتهم في الجنوب بعد الإعلان عن هدنة الأيام العشرة رافعين إشارة النصر وعلم «حزب الله» (رويترز)

مواقف تصعيدية بالجملة

وانبرى نواب وقياديو الحزب في الساعات الماضية بالتهجم على عون مطالبين إياه بالتراجع عن مسار التفاوض. وفي مؤتمر صحافي لنائب رئيس المجلس السياسي في «حزب الله» محمود قماطي استنكر «الجحود الرسمي الفاقع الخارج عن الدبلوماسية» معتبراً أن «رئيس الجمهورية شكر القاتل والمجرم، ولم يشكر من أنقذنا وهي إيران».

وأضاف: «الدولة تركض وتهرول نحو الذل والهوان ونحو التفريط بالسيادة خطوة بعد خطوة بدلاً من التمسك بأقوى أوراقها».

من جهته، قال النائب عن الحزب حسن فضل الله: «من يريد أن يكون (أنطوان لحد) سنقاتله كما قاتلنا الإسرائيلي»، وأضاف: «نحن تفردنا بخيار المقاومة، ولم نطلب من السلطة سوى عدم طعننا... أعطيناكم صورة نصر فلا تعطونا صورة ذل».

حنكش: فليأخذوا العبر من التفاوض الأميركي - الإيراني

ورد النائب عن حزب «الكتائب اللبنانية» إلياس حنكش على مواقف نواب وقياديي الحزب معتبراً «أن (حزب الله) لا يزال ينتظر إشارة من إيران، فإذا أُبلغ بقرار الالتزام بمسار التفاوض فسيلتزم، علماً أنه إذا كانت طهران هي نفسها تفاوض من تسميها (الشيطان الأكبر)، فعلى الحزب أن يأخذ العبر مما يحصل بعدما فتح حرباً لمساندة إيران عسكرياً، وأوقف الحرب لمساندتها في مفاوضاتها».

ورأى حنكش في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الهجوم على الرئيس عون غير مبرر ومردود لـ(حزب الله)». وأضاف: «كنا نتوقع قليلاً من النضج والحكمة بالتعاطي على المستوى الوطني من قبلهم، لكن كل مرة تؤكد قياداتهم أنها منفصلة عن الواقع، وتنتهج سياسة النعامة غير آبهة بما يحصل من حولها».

مواطن يشرب الشاي في بيته المتضرر في بلدة قانا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وشدد حنكش على أن «الرئيس عون هو الذي يمثل الشرعية، وقام بمبادرة التفاوض مع إسرائيل بالمباشر، وهذا ما سيحصل، وكل لبنان يسير خلفه ما عدا (حزب الله)»، وقال: «يجب أن تسير هذه المفاوضات بالتوازي مع التزام الجميع بسقف الدولة وحصرية السلاح وبسط السيادة اللبنانية على الأراضي اللبنانية كافة، غير ذلك يكون الحزب يضع نفسه بمواجهة كل اللبنانيين، وسيكون مرة جديدة سبب تأخير قيام الدولة في لبنان... وهذا غير مستغرب من فصيل إيراني يفتخر أنه تابع لـ«الحرس الثوري)».

مواقف عون

وكان الرئيس عون قد توجه للبنانيين بخطاب أوضح خلاله توجهات السلطة اللبنانية في المرحلة المقبلة، فأكد «استعادة لبنان وقرار لبنان للمرة الأولى منذ نحو نصف قرن»، مشدداً على «أننا اليوم نفاوض عن أنفسنا، ونقرّر عن أنفسنا، لم نعد ورقة في جيب أي كان، ولا ساحة لحروب أي كان، ولن نعود أبداً». وشدد على أن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل «ليست ضعفاً وليست تراجعاً وليست تنازلاً؛ بل هي قرار نابع من قوة إيماننا بحقنا، ومن حرصنا على شعبنا، ومن مسؤوليتنا في حماية وطننا بكل الوسائل، خصوصاً من رفضنا أن نموت من أجل أي شيء كان غير لبنان. المفاوضات لا تعني، ولن تعني يوماً التفريط بأي حق، ولا التنازل عن أي مبدأ، ولا المساس بسيادة هذا الوطن».

وإذ أكد استعداده للذهاب حيثما كان «لتحرير أرضي وحماية أهلي وخلاص بلدي»، أوضح أن مهمته واحدة واضحة محددة؛ وهي إنقاذ البلد وشعبه.