«المصيف» يتجاوز إمكانات كثير من المصريين بسبب الغلاء

مواطنون يُقلّصون المدة... وآخرون يستغنون عن البحر

مصريون يستمتعون بإجازتهم الصيفية بالإسكندرية (الشرق الأوسط)
مصريون يستمتعون بإجازتهم الصيفية بالإسكندرية (الشرق الأوسط)
TT

«المصيف» يتجاوز إمكانات كثير من المصريين بسبب الغلاء

مصريون يستمتعون بإجازتهم الصيفية بالإسكندرية (الشرق الأوسط)
مصريون يستمتعون بإجازتهم الصيفية بالإسكندرية (الشرق الأوسط)

استغنى إسلام عادل (28 عاماً) وأسرته عن رحلتهم الصيفية إلى مرسى مطروح الساحلية (شمال غربي مصر) بسبب موجة الغلاء التي يعاني منها الكثير من المصريين.

يقطن إسلام في منطقة إمبابة بالجيزة (غرب القاهرة)، ويعمل مدرساً للموسيقى صباحاً، وفي المساء يعطي دروساً فيها لتحسين دخله. في العام السابق، تكلفت رحلته مع شقيقين وأب وأم نحو 20 ألف جنيه (كان سعر الدولار نحو 48 جنيهاً)، لكن هذا الرقم «يحتاج إلى 5 آلاف جنيه زيادة على الأقل هذا العام حتى نستطيع تكرار هذه الرحلة ولو بعدد أيام أقل»، مشيراً إلى أنه «اعتاد أن يساهم هو وأشقاؤه في تكاليف الرحلة مع والدهم (على المعاش)، لكن ذلك لم يعد متاحاً مع ارتفاع تكاليف المعيشة، ومحاولته الادخار للزواج».

الباعة المتجولون إحدى سمات الشواطئ الشعبية (الشرق الأوسط)

وسجّلت مصر نسبة تضخم على أساس سنوي في يونيو (حزيران) الماضي بلغت 14.9 في المائة، في وقت تشهد البلاد أزمة اقتصادية ممتدة منذ عام 2016، دفعت الحكومة إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي مرتين؛ الأولى في 2016، والأخرى في 2023.

أسرة إسلام واحدة من ضمن العديد من الأسر، من شرائح اجتماعية مختلفة، ضمت المصيف إلى «قائمة الاستغناء» بسبب ارتفاع الأسعار، أو غيّرت نمط قضائه، بعدما أصبحت مصاريفه تفوق طاقتها.

وللتكيف مع ارتفاع الأسعار، غيّر البعض وجهته الصيفية بالتوجه إلى «العين السخنة» بدلاً من «الساحل» أو الغردقة، وآخرون قلّصوا عدد الأيام التي يقضونها ليومين أو ثلاثة بدلاً من أسبوع، أو استأجروا «شاليه» (شقة) بدلاً من النزول في فندق 5 نجوم كامل الخدمات، وغيرهم استبدلوا بالمصيف رحلة يوم واحد إلى أحد الشواطئ، أو مدينة ألعاب مائية.

أحد فنادق مدينة الغردقة عام 2024 (الشرق الأوسط)

أما من تخلّوا عن رحلة المصيف ككل، فلم تستطع إمكاناتهم استيعاب أيّ من خططه، ومن ضمنهم آلاء محمد (33 عاماً)، وهي ربة منزل تقطن في منطقة الهرم، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «منذ 4 أعوام لم نسافر للمصيف، آخر مرة كانت في الغردقة بفضل عرض وفّره لنا شقيقي الذي كان يعمل في مجال السياحة».

وتضيف: «شقيقي مقيم حالياً خارج مصر، وأسعار الفنادق مرتفعة لا نستطيع تحملها، خصوصاً أن لديّ 3 أطفال».

«شاطئ النخيل» في الإسكندرية يشهد زحاماً لافتاً خلال الصيف (الشرق الأوسط)

ويبلغ متوسط سعر ليلة الفندق في مدينتَي العين السخنة ورأس سدر (شرق القاهرة) نحو 3 آلاف جنيه للفرد في غرفة مزدوجة، مع وجبتَي إفطار وعشاء، ضمن ما رصدته «الشرق الأوسط» عبر مواقع الحجز وإعلانات الشركات، خلال ذروة فصل الصيف في يوليو (تموز) الجاري، وأغسطس (آب) المقبل. وتصنّف المدينتان ضمن شريحة متوسطة.

وبذلك تحتاج عائلة آلاء إلى 15 ألف جنيه نظير الليلة الواحدة بخلاف مصاريف المواصلات والتنزه: «من الواضح أن هذا الصيف سيمضي مثل سابقيه، ويظل المصيف رغبة مؤجلة كل عام»، مشيرة إلى أن «زوجها يعمل في مجال النظارات الطبية في دولة عربية»، نظير توفير حد أدنى من الحياة الكريمة لهم، والتي «لا تتضمن الرفاهيات مع الارتفاعات المستمرة في الأسعار».

ويعوّل العديد من الأسر على الرحلات التي تنظمها النقابات المهنية والعمالية، والمعسكرات الصيفية، كملاذ لقضاء عطلة صيفية أقل تكلفة من سعر السوق. لكن هذا الأمر لم ينفع الثلاثينية آمنة عبد العظيم، هذا العام، وهي تعمل صحافية، مع ارتفاع أسعار الشقق التي أعلنت عنها نقابة الصحافيين. تقول آمنة لـ«الشرق الأوسط»: «العام الماضي سافرت أنا وأمي مع شقيقي في رحلة تتبع عمله كانت تكلفتها 10 آلاف جنيه فقط لقضاء أسبوع في مرسى مطروح، والعام الأسبق 2023 سافرنا أنا ووالدتي وبنت أخي في رحلة مع نقابة الصحافيين، سعر الفرد في فندق كامل الخدمات كان 2700 جنيه فقط».

الغلاء يجبر مصريين على التخلي عن الرفاهية (الشرق الأوسط)

وأضافت أن «هذا العام طُرحت الرحلة في نفس الفندق بـ6 آلاف جنيه للفرد الواحد»، وهو ما يفوق طاقتها، مشيرة إلى أنها بحثت عبر مواقع البحث والشركات ووجدت الأسعار 3 أضعاف العام السابق؛ لذا قررت الاستغناء عن المصيف.

وأكدت المصادر الثلاثة أهمية هذه الرحلة بالنسبة لهم؛ كونها «تجدد الطاقة»، معتبرين أن الاستغناء عنها ليس سوى جزء من سلسلة تقليص الرفاهيات المستمرة مع ارتفاعات الأسعار.

وبلغت نسبة إنفاق المصريين على بند «الثقافة والترفيه» 2.4 في المائة فقط من مجمل إنفاقهم، وفق الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن العام المالي 2019/2020.

وترى أستاذة علم الاجتماع سامية خضر، أن «استغناء بعض الأسر عن المصيف مع ارتفاع الأسعار يعد تمريناً عملياً على فكرة المرونة والتكيف»، مطالبة الأهالي بـ«تعليم أبنائهم هذه القيمة من خلال الموقف».

وتضيف خضر لـ«الشرق الأوسط» أن «الأسر تلجأ عادة لبدائل أخرى، حتى لا تحرم أبناءها من الترفيه إذا لم تستطع تلبية طموحاتهم في السفر لمدن ساحلية، سواء بنزهات أمام النيل، أو بأخرى في حديقة عامة، أو حتى التمشية ليلاً». لكن آلاء ترى أنه «حتى البدائل ليست دائماً متاحة؛ فأنا لا أستطيع التحرك بـ3 أطفال في أعمار متقاربة في المواصلات العامة، وأي نزهة الآن تحتاج إلى مصاريف سيارة خاصة، وأخرى لتلبية احتياجات الأطفال؛ لذا عادة ما تكون خروجاتنا لزيارة الأقارب».

الإسكندرية وِجهة مفضلة لآلاف المصريين خلال الصيف (الشرق الأوسط)

وقال الباحث الاقتصادي في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، محمد رمضان، إن الأنشطة الترفيهية، ومن ضمنها المصيف، يتحكم فيها ما يتبقى من ميزانية الأسر بعد الإنفاق على بنود الحياة الأساسية من مأكل وملبس وتعليم وصحة وغيرها، مشيراً إلى أنه في مقابل زيادة الإنفاق على هذه البنود بفعل ارتفاع الأسعار، يتراجع هامش الترفيه لدى الأسر وتتغير أشكاله.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الأسر تتكيف مع ميزانيتها المتغيرة؛ فتتجه مثلاً إلى قرية في (الساحل الشمالي) أقل تكلفة من (مراسي) لو كانت تعتاد قضاء المصيف فيها، أو تغيّر وِجهتها تماماً إلى مدن ساحلية أخرى أقل تكلفة مثل شرم الشيخ، أو الإسكندرية، وهكذا».

واعتبر رمضان أن «تراجع نسب الإنفاق على الترفيه في مصر يعكس بشكل مباشر الأزمة المعيشية لدى العديد من الطبقات».


مقالات ذات صلة

مصر: جدل «التداعيات الاقتصادية» لا ينحسر مع مؤشرات التهدئة بالمنطقة

شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري خلال اجتماع مع وزير المالية لبحث نتائج اجتماعه مع صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

مصر: جدل «التداعيات الاقتصادية» لا ينحسر مع مؤشرات التهدئة بالمنطقة

لا يزال جدل «التداعيات الاقتصادية» للحرب الإيرانية على مصر، مستمراً في مصر، رغم مؤشرات التهدئة في المنطقة أخيراً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من اجتماع سابق داخل حزب «الوفد» المصري (حزب الوفد)

خلاف بين أحزاب مصرية على أسبقية تعديلات «قوانين الأسرة»

منذ أن وجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكومة بإدخال تعديلات على القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية، نشطت أحزاب للتعبير عن رؤيتها بشأن هوية القوانين الجديدة

عصام فضل (القاهرة)
شمال افريقيا وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان يبحثون مسار المفاوضات الأميركية-الإيرانية (الخارجية المصرية)

لقاءات مصرية مكثفة في أنطاليا لمواجهة تداعيات حرب إيران

لقاءات مصرية مكثفة تعقد على هامش أعمال منتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية وإنجاح مسار المفاوضات بين واشنطن وإيران.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أثناء لقائه الرئيس الصومالي على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي (الخارجية المصرية)

مصر تؤكد التزامها بدعم الصومال سياسياً وعسكرياً وأمنياً

أكدت مصر مواصلة دعم الصومال في مختلف المجالات السياسية والعسكرية والأمنية والإنسانية، وذلك في ضوء العلاقات القوية بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا  جانب من تطوير ميناء سفاجا بالبحر الأحمر في مصر (وزارة النقل المصرية)

توترات «هرمز» تدعم الربط عبر موانئ السعودية ومصر

تدعم توترات الملاحة في مضيق هرمز الربط التجاري بين موانئ السعودية ومصر بما يوفر منفذاً جديداً لسلاسل الإمداد بين دول مجلس التعاون الخليجي وأوروبا

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

هاني شاكر يتعرض لانتكاسة صحية بعد فشل تنفسي

هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)
هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)
TT

هاني شاكر يتعرض لانتكاسة صحية بعد فشل تنفسي

هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)
هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)

تعرّض الفنان هاني شاكر لانتكاسة صحية مفاجئة، إثر إصابته بفشل تنفسي خلال خضوعه للعلاج في فرنسا، وذلك بعد تحسّن ملحوظ طرأ على حالته خلال الأيام الماضية. ويخضع حالياً لملاحظة طبية دقيقة، وفق ما أكدت المطربة نادية مصطفى، السبت، في بيان نشرته عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، نقلاً عن نهلة توفيق، زوجة الفنان الكبير، علماً بأن نادية مصطفى ترتبط بعلاقة صداقة مع أسرة هاني شاكر.

وجاء رد أسرة هاني شاكر عقب تصريحات للكاتب الصحافي عادل حمودة أعلنها الجمعة، وذكر فيها أن قلب هاني شاكر توقف لمدة 7 إلى 8 دقائق عقب إجرائه عملية في القولون قبل أسابيع، ثم عاد إلى الحياة، مؤكداً أن المعلومات حصل عليها من التقرير الطبي عن حالة شاكر الصحية، والتي يجري نشرها لأول مرة.

ونفت زوجة هاني شاكر، عبر البيان، ما تردد بشأن تعرضه لنزيف حاد وتوقف في القلب لمدة 7 أو 8 دقائق، مؤكدة أنه دخل أحد المستشفيات بالقاهرة إثر إصابته بنزيف حاد نتيجة مشكلة قديمة في القولون، حيث يعاني وجود «جيوب أدت إلى التهابات ونزيف». وأضافت أنه تعرض لنزيف شديد استدعى نقله دم، وتدخل الأطباء عبر «الأشعة التداخلية» لوقف النزيف، إلا أن حالته شهدت لاحقاً توقفاً في القلب لمدة 6 دقائق، قبل أن يتم إنعاشه بسرعة خلال 3 محاولات.

وذكر البيان أنه على أثر ذلك قرر الأطباء إجراء الجراحة في ظروف بالغة الصعوبة والخطورة، وتمت العملية بنجاح. وبعد الإفاقة، تعرَّف هاني شاكر على زوجته ونجله شريف، وبدأت مرحلة التعافي. إلا أنه، نظراً لطول فترة بقائه في العناية المركزة التي قاربت 20 يوماً، أصيب بضعف عام في عضلات الجسم، ما دفع الأطباء إلى التفكير في سفره لاستكمال التأهيل الطبي. وأضاف البيان أنه بالفعل شهد تحسناً ملحوظاً، وخرج من العناية المركزة، غير أنه تعرّض لاحقاً لانتكاسة صحية مجدداً.

وطلبت نادية مصطفى من جمهور الفنان هاني شاكر الدعاء له بأن يعود سالماً لأسرته ومحبيه.

وكان شاكر قد تعرّض لأزمة صحية فبراير (شباط) الماضي، وبعد إجراء جراحة بالقاهرة سافر لفرنسا منتصف مارس (آذار) الماضي؛ حيث استقل طائرة طبية مجهزة.

وأعلنت نقابة الموسيقيين في بيان لها أن هاني شاكر خضع لفحوصات طبية للاطمئنان على استقرار حالته الصحية. كما كشف نقيب الموسيقيين مصطفى كامل، في وقت سابق، عن استقرار حالته ومغادرته غرفة الرعاية المركزة بالمستشفى الذي يتلقى العلاج به في فرنسا، مشيراً إلى أنه بدأ مرحلة العلاج الطبيعي، ما عزز حالة من التفاؤل بقرب عودته سالماً إلى مصر.

ولاحقت المطرب هاني شاكر شائعات عديدة منذ إعلان مرضه، تارة عن تدهور صحته، وأخرى عن وفاته، لتشعل مواقع «السوشيال ميديا» وتثير غضب أسرته وجمهوره.

وقال الناقد أمجد مصطفى إن بيان أسرة هاني شاكر وضع النقاط فوق الحروف بشأن حالته الصحية الحالية، وأنه أنصف الأطباء المصريين بعد نجاحهم في إجراء الجراحة الحرجة له بالقاهرة. وأبدى أمجد، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، دهشته مما ذكره الكاتب عادل حمودة، مؤكداً أن ذلك «ليس سبقاً صحافياً وليس وقته»، مشيراً إلى أن أسرته هي الجهة الوحيدة التي يحق لها الكشف عن تفاصيل حالته، عبر الفنانة نادية مصطفى المقربة من العائلة. واختتم بتوجيه الدعاء له بالشفاء، وتجاوز أزمته الصحية.

فيما دعا الناقد أحمد السماحي للفنان هاني شاكر أن يتجاوز أزمته الصحية، وأن يعود لمحبيه قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «شاكر أحد الذين لم يخدشوا هيبة الغناء، وحافظ على وقار الغناء العربي من خلال اختياراته الغنائية ووقوفه الراقي المحترم على المسرح».

ويُعد هاني شاكر (73 عاماً) المُلقب بـ«أمير الغناء العربي» أحد كبار المطربين العرب، وقد بدأ مسيرته الفنية سبعينات القرن الماضي، وشق طريقه بنجاح، واستطاع أن يؤكد موهبته وسط عمالقة نجوم الغناء على غرار الموسيقار محمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، وفريد الأطرش، وحاز شاكر خلال مشواره عدداً من الجوائز والتكريمات من بينها وسام الاستحقاق من تونس، والوسام العلوي بدرجة قائد من محمد السادس ملك المغرب، وجائزة فلسطين؛ حيث كان من أوائل المطربين الذين غنوا بها، وتولى منصب نقيب الموسيقيين بمصر.


كلاب مرفهة في مصر تثير انتقادات اجتماعية

تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)
تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)
TT

كلاب مرفهة في مصر تثير انتقادات اجتماعية

تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)
تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)

جدد إعلان عن إعداد «تورتة» صحية للكلاب للاحتفال بأعياد ميلادها، الضوء على التناقضات التي تحكم ملف رعايتها في مصر، فبينما تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي بصورة شبه يومية مقاطع تُصوّر مواجهات بين الأهالي والكلاب الشاردة، وسط دعوات للتخلص منها، فإنه في المقابل تنشط حملات للتبرع لملاجئها ورعايتها، إلى جانب مظاهر رفاهية موجهة للكلاب المنزلية، في مشهد تنعكس فيه تفاعلات متباينة بين السخرية والفضول، والتعاطف والسخط.

وعبر منصة «تيك توك»، نشرت إحدى القائمات على محل متخصص لبيع مستلزمات الحيوانات الأليفة، مقطع فيديو «تُبشر» فيه مُربي الكلاب بتصميم «تورتة» مناسبة لأليفهم، بحيث يمكنهم «طباعة» صورته على سطحها بعد تزيينها، والاحتفال معه بعيد ميلاده، والاطمئنان على «خلو الكعك من المواد المضرة للكلاب لا سيما السكريات، التي تسبب أضراراً كبيرة للبنكرياس»، وفق الإعلان.

ووسط تعليقات تتساءل عن تفاصيل أكثر عن مكونات «التورتة» وسعرها، والوقت اللازم لإعدادها، تصاعدت في المقابل موجة من التعليقات الساخرة على شاكلة: «أنا لم أحتفل بعيد ميلادي منذ سنوات»، و«أنا لم أشتر تورتة لأبنائي... أشتريها للكلب؟!»، على نحو يستعيد العبارة الشهيرة في مسرحية «الواد سيد الشغال» التي كان يسخر فيها «سيد» (قام بدوره الفنان عادل إمام) من الرفاهية الكبيرة التي يُحاط بها الكلب «شحيبر» من جانب أسرة ملاك الفيلا التي يعمل بها، وهم يحرصون على تقديم فطور «فخم» لكلبهم.

يتزامن ذلك مع تحركات رسمية للتعامل مع ملف «الكلاب الضالة» في مصر؛ إذ أعلنت وزارة الزراعة، الخميس، عن تحصين نحو 22 ألف كلب شارد ضد مرض السعار منذ مطلع يناير (كانون الثاني) هذا العام، إلى جانب تنفيذ ما يقرب من 1900 عملية تعقيم، ضمن «حملة قومية تعتمد على أساليب علمية وإنسانية للحد من انتشار المرض والسيطرة على أعداد الكلاب في الشوارع»، حسب بيان الوزارة.

كما دعت المواطنين إلى الإبلاغ عن حالات انتشار كلاب ضالة عبر خط ساخن خصصته الوزارة لهذا الشأن، في خطاب يوسّع دائرة المسؤولية المجتمعية.

وترى الدكتورة أميرة الشاذلي، أستاذة علم الاجتماع بجامعة القاهرة، أن الإعلانات التي تشمل بنود رفاهية على غرار «تورتة الكلاب» تثير بدورها «حالة من السخط لدى قطاع واسع من المواطنين، في ظل موجة الغلاء التي تطول السلع الأساسية، والقائمون على مثل هذه الإعلانات يدركون مسبقاً حجم الجدل الذي ستثيره، بل قد يعوّلون عليه في الترويج؛ إذ تعتمد بعض المنتجات التي يراها قطاع كبير (استفزازية) على إثارة التفاعل، حتى لو جاء في صورة سخرية أو انتقاد»، كما تقول لـ«الشرق الأوسط».

وتضيف أن «كثيراً من مربي الحيوانات الأليفة يواجهون منذ فترة صعوبات في توفير احتياجات طعامها، ما يدفع بعضهم إلى التخلي عنها تحت ضغط الظروف الاقتصادية، وهو ما يسهم في تفاقم أزمات قائمة، مثل زيادة أعداد الكلاب في الشوارع داخل الأحياء السكنية؛ فملف التعايش بين المواطنين والكلاب في مصر لا يزال يفتقر إلى التنظيم، ويجعل من الصعب لوم من يخشاها، أو من يتعامل معها بدافع الرحمة كما نرى في انتشار مبادرات فردية تدعو إلى إطعامها وتقديم المياه لها مع ارتفاع درجات الحرارة».

وتتعزز الانتقادات الموجهة للإعلانات الترفيهية في وقت يتزايد فيه الحديث عن ارتفاع معدلات الفقر؛ فرغم أن أحدث تقرير حكومي مصري عن معدلات الفقر صدر في عام 2020، وبلغ حينها نحو 30 في المائة، فإن تقارير غير رسمية تتوقع ارتفاع هذه النسبة مع تراجع سعر العملة المحلية أمام العملات الأجنبية وارتفاع التضخم وتأثر الاقتصاد المصري بتداعيات إغلاق جائحة «كورونا»، ثم الحرب الروسية - الأوكرانية، وأخيراً الحرب الإيرانية.


غياب السينما المصرية عن مهرجان «كان» يثير تساؤلات

ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
TT

غياب السينما المصرية عن مهرجان «كان» يثير تساؤلات

ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)

تغيب السينما المصرية عن مهرجان «كان» السينمائي في دورته الـ79 بعدما اعتادت الوجود بأفلام في المسابقات الموازية، في حين تشهد الدورة المرتقبة، المقرر عقدها بين 12 و23 مايو (أيار) 2026، حضوراً لافتاً لأفلام من بعض الدول العربية.

وكانت السينما المصرية قد اعتادت المشاركة في المسابقات الموازية على غرار «نظرة ما» و«أسبوع النقاد»، التي توجت فيها بجوائز مهمة من بينها جائزة «العين الذهبية» لأفضل فيلم وثائقي التي حازها فيلم «رفعت عيني للسما» للمخرجين ندى رياض وأيمن الأمير قبل عامين، وفيلم «ريش» الذي حصل على الجائزة الكبرى لمسابقة «أسبوع النقاد» في الدورة الـ74، والفيلم القصير «16» الذي حمل عنواناً آخر «لا أستطيع أن أنسى وجهك» للمخرج سامح علاء، وتُوّج بالسعفة الذهبية لأفضل فيلم قصير.

وأكد المخرج أيمن الأمير الذي تُوج فيلمه والمخرجة ندى رياض بجائزة «العين الذهبية» لأفضل فيلم وثائقي 2024، أن «الأفلام التي تستطيع أن تنافس في المهرجانات الكبرى تظل قليلة مع الأسف، لذا من الممكن أن نشارك في عام وننتظر أعواماً حتى نعود إلى مهرجان (كان) وغيره من المهرجانات الدولية، لا سيما في ظل ظروف تنتاب العالم حالياً، وتلقي بظلالها على كل شيء بما فيها إنتاج الأفلام».

الفيلم اليمني «المحطة» يشارك في مسابقة «أسبوع النقاد» (مهرجان كان)

ويقول الأمير لـ«الشرق الأوسط»: «لو أردت حالياً صناعة فيلم مثل (رفعت عيني للسما) الذي استغرق تصويره عدة سنوات فلن أستطيع إنجازه بسبب أسعار التصوير في الشوارع التي باتت جنونية، ودونما تفرقة بين فيلم ميزانيته كبيرة أو آخر وثائقي»، لافتاً إلى «وجود صعوبات في التصوير لا سيما لمخرجين لديهم رؤية مختلفة»، مؤكداً أن «قوة السينما تكمن في تقديم أنواع مختلفة، وليس الرهان على نوع أو اثنين من الأفلام، وأن هذا يحدث بقوة صنّاعها خصوصاً في ظل غياب دعم الدولة».

وتسجل الدورة الـ79 لمهرجان «كان» حضوراً عربياً لافتاً حيث تشارك 6 أفلام عربية بالأقسام الموازية للمهرجان، دونما تمثيل عربي بالمسابقة الرسمية. فيشارك المغرب بفيلم «الأكثر حلاوة» للمخرجة ليلى مراكشي في مسابقة «نظرة ما»، وهو إنتاج مشترك بين المغرب وفرنسا وإسبانيا وبلجيكا، ويروي قصة امرأة مغربية تسافر إلى إسبانيا للعمل في موسم حصاد الفراولة ضمن رفيقاتها، لكن رحلتها تصبح مزعجة، حيث تتعرض لمضايقات وسوء معاملة، والفيلم من بطولة نسرين الراضي، وفاطمة عاطف، وهاجر غريغا.

ويشارك في المسابقة ذاتها الفيلم الفلسطيني «البارحة ما نامت العين» من كتابة وإخراج راكان مياسي، وهو أول أفلامه الطويلة، ويعرض قصة هروب فتاة تنتمي إلى قرية بدوية عقب اتهامات طالتها بإحراق سيارة حبيبها، وخلال رحلة البحث عنها تتكشف أسرار عديدة.

وينافس الفيلم اليمني الطويل «المحطة» للمخرجة سارة إسحاق في مسابقة «أسبوع النقاد»، وتدور أحداثه حول بطلته «ليال» التي تدير محطة وقود للنساء بقرية يمنية مزقتها الحرب. كما يشارك في المسابقة نفسها الفيلم السوري الوثائقي القصير «نفرون» للمخرج عبد الله داوود.

بينما يشهد برنامج «أسبوع المخرجين» مشاركة الفيلم المغربي القصير «بحثاً عن الطائر الرمادي ذي الخطوط الخضراء» للمخرج سعيد حميش، والفيلم السوداني القصير «لا شيء يحدث بعد غيابك» للمخرج إبراهيم عمر.

لقطة للفيلم الوثائقي السوري «نفرون» (مهرجان كان)

ويرى الناقد الفني المصري، طارق الشناوي، أن «غياب السينما المصرية عن مهرجان (كان) أو غيره من المهرجانات الكبرى ليس دليلاً على الضعف، بدليل أن الدورة الماضية كان لدينا فيلمان بالمهرجان هما (عائشة لا تستطيع الطيران) لمراد مصطفى و(الحياة بعد سهام) لنمير عبد المسيح».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «يجب أن نفتح الباب أكثر لمناقشة كل قضايانا، لأن هناك أفكاراً كثيرة تتطرق إلى قضايا حساسة ترفضها الرقابة». كما يشير إلى أهمية عودة الدعم الذي كانت تمنحه وزارة الثقافة للأفلام لوجود بعض التجارب خارج الصندوق التي لا تتحمس لها شركات الإنتاج إلا إذا حازت دعم الدولة، «مما يطرح مجالاً آخر للأفكار التي تصلح للمنافسة في المهرجانات»، على حد تعبيره. ويضيف: «لدينا المواهب، لكن المناخ لم يمنحها القدرة كي تنتعش»، لافتاً إلى وجود أفلام قادرة على التنافس واقتناص الجوائز في تونس والمغرب ولبنان والأردن، وأن مصر لم تشارك في المسابقة الرسمية منذ 8 سنوات، حيث كانت آخر مشاركة بفيلم «يوم الدين» 2018 للمخرج أبو بكر شوقي.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended