ديكارت يصارع الظلام والظلاميين

لم يكن ملحداً أبداً وإنما كان مؤمناً عميق الإيمان بالله

ديكارت يصارع الظلام والظلاميين
TT

ديكارت يصارع الظلام والظلاميين

ديكارت يصارع الظلام والظلاميين

عبقرية الأمم، كل الأمم، تتجسَّد عادة في كبار الأدباء والشعراء والفلاسفة. ولهذا السبب نقول إن ديكارت هو فرنسا، وشكسبير هو إنجلترا، وسيرفانتس هو إسبانيا، ودانتي هو إيطاليا، والمتنبي هو الأمة العربية... إلخ. هذا لا يعني أنه لا يوجد عباقرة آخرون غيرهم. أبداً لا. ولكن نقول هذا على سبيل المثال لا الحصر. وفيما يخص ديكارت، فهو بالفعل أشهر فيلسوف في تاريخ فرنسا. ولا يستطيع أحد أن ينافسه على قمة الشهرة والمجد. فمن هو هذا الشخص الذي وصلت شهرته إلى شتى أصقاع الأرض؟ ما من جامعة في العالم إلا وتدرِّس الفلسفة الديكارتية؛ فمن هو هذا «البطل المقدام للفكر»، كما وصفه هيغل يوماً ما؟

قد يستغرب القارئ إذا ما قلنا له إن ديكارت كان مهدداً في حياته باستمرار. ولهذا السبب نصحه أصدقاؤه بعد أن توسموا فيه أمارات العبقرية بأن يغادر فرنسا فوراً. قالوا له بما معناه: أنت وحدك القادر على كشف الحقيقة والمنهج المؤدي إلى تنويرنا وخلاصنا. وبالتالي فأنت لم تعد ملك نفسك وإنما ملك فرنسا كلها بل والبشرية جمعاء. ونحن لسنا سعداء لأن تغادرنا وتتركنا. ولا نطلب منك ذلك عن طيبة خاطر. ولكن إذا ما بقيت في البلاد فسوف تكون رأسك في الدائرة الحمراء للخطر. وعندئذ قد يطيحون بك قبل أن تكتشف الحقيقة وتضع مؤلفاتك الكبرى. وهذه خسارة لا تعوض.

لماذا قالوا له هذا الكلام؟ لأن فرنسا وقتها كانت أصولية ظلامية متعصبة، كبعض عالمنا العربي والإسلامي. كانت كاثوليكية بأبوية في أغلبيتها الكبرى. وكانت تسحق المذاهب الأخرى وتكفرها ولا تدعها تتنفس، مجرد تنفس. كانت الحرية الفكرية معدومة فيها، على عكس إنجلترا وسويسرا وهولندا. ولكن هذه بلدان بروتستانتية تمثل أقلية داخل البحر العرمرم للمسيحية الكاثوليكية البابوية. وبما أن الحق دوماً مع الأكثرية، حتى ولو كانت على خطأ، فإن من مصلحة ديكارت الكاثوليكي أن يعيش عند البروتستانتيين الزنادقة الأكثر عقلانية وتسامحاً في فهم الدين المسيحي. نقول ذلك على الرغم من أنهم كانوا مكفرين من قبل الأغلبية الكاثوليكية التي تستبيح دمهم وتتقرب إلى الله تعالى بذبحهم. على هذا النحو كانت الأمور في ذلك الزمان. لشدّما تغيرت أوروبا. كيف كانت في العصور الخوالي وكيف أصبحت؟!

ينبغي العلم أن ديكارت كان يعيش في عهد الكاردينال الشهير ريشيليو والملك لويس الثالث عشر. وقد اضطر الكاردينال العتيد إلى التعاون مع الأصوليين المسيحيين الذين كانوا يسيطرون على عامة الشعب آنذاك. ينبغي العلم أن الشعب البسيط الجاهل دائماً مع الأصوليين ورجال الدين «بتوع ربنا». انظروا ما يحصل عندنا أو في إيران وتركيا والعالم الإسلامي كله على سبيل المثال... ولكن ديكارت كان يعيش في القرن السابع عشر، ونحن نعيش في عز القرن الحادي والعشرين، أي بعد 400 سنة من ديكارت. ومع ذلك، فلا نزال غارقين في الظلامية الدينية ذاتها. ولا نزال مرعوبين من الأصوليين مثله، وربما أكثر منه...

كان الأصوليون المسيحيون آنذاك يمثلون غلاة المذهب الكاثوليكي، ويضمهم تنظيم خطير يدعى «رابطة القربان المقدس». وكان هذا التنظيم مرتبطاً بالمخابرات العامة، وتكمن مهمته في ملاحقة من يعتبرونهم أعداء الدين أو المنحرفين عن الصراط المستقيم. كانت مهمته تكمن في ملاحقة من يدعونهم «أعداء الله»، أي كل العلماء والمثقفين المتنورين الذين يريدون أن يفكروا خارج إطار الأصولية المسيحية الساحقة، أو الامتثالية الاجتماعية الخانقة.

لم يكن ديكارت ملحداً أبداً، وإنما كان مؤمناً عميق الإيمان بالله. ولكنه كان متحللاً أو متحرراً من أداء الطقوس والشعائر المسيحية. لا يستطيع أن يمضي سحابة يومه في حضور القُداسات والصلوات والعبادات. يُضاف إلى ذلك أنه كان مهووساً بالبحث عن الحقيقة كأي شخص عبقري، هذا في حين أن الحقيقة موجودة، جاهزة، بالنسبة للأصوليين، ولا داعي للبحث عنها. إنها موجودة في الكتب التراثية القديمة، أي الكتب الصفراء التي علاها الغبار، والتي كانت تشكل القاعدة الإيديولوجية والغذاء الروحي للشعب المسيحي وللمجتمع ككل. كان الكهنة يقولون: يا أيها الفيلسوف المتغطرس؛ لماذا تبحث عن الحقيقة والحقيقة موجودة في كتبنا الدينية المقدسة؟ ومن أنت يا سيد ديكارت حتى تتطاول على القدرة الإلهية؟ على هذا النحو كان الأصوليون يرعبون الفلاسفة والعلماء في ذلك الزمان.

يضاف إلى ذلك أن الكاثوليكيين كانوا يعتبرون أنفسهم بمثابة المذهب الوحيد الصحيح في المسيحية. ولذلك كانوا يكفرون الآخرين كالبروتستانتيين وسواهم ويعتبرونهم هراطقة أو زنادقة. وكانت «رابطة القربان المقدس» الكاثوليكية تشكل أخطر جهاز مخابراتي شديد السرية. كانت منبثّة أو متغلغلة في جميع فئات الشعب، ولكن غير مرئية. وكان هدفها الوشاية بأي شخص تبدر عنه أي رغبة في التحرر، حتى ولو كان تحرراً محدوداً جداً. وكان فقهاء السوربون، أو علماء اللاهوت المسيحي، يراقبون جميع الكتب التي تصدر ويحذفون منها كل ما يعتقدون أنه مخالف للدين.

والأنكى من ذلك أن عملاء ريشيليو كانوا يشكلون «مخابرات على المخابرات». فقد كانوا يتجسسون على جميع الناس بمن فيهم البوليس ورابطة القربان المقدس ذاتها! فكيف يمكن لديكارت أن يعيش في مثل هذا الجو الخانق؟ كيف يمكن له أن يكتب، أو يتنفس، أو يبدع الفلسفة الجديدة التي أخذت تختلج في أعماقه؟ لهذا السبب غادر بلاده الكاثوليكية إلى هولندا البروتستانتية حيث عاش معظم عمره ونشر كل كتبه. في الواقع، فإنه غادرها تحت جنح الظلام، بعد أن سمع بأن الكاردينال ريشيليو يخطط لاغتياله عن طريق أحد رجالات القربان المقدس... ولم يعرف أحد وجهته للوهلة الأولى، ولم يعط عنوانه فيما بعد إلا لبعض أصدقائه الخلَّص بعد أن أمرهم بالحفاظ على الكتمان والسرية المطلقة. وكانوا حريصين عليه أكثر من حرصه على نفسه كما ذكرنا، لأنهم كانوا يعرفون بأنه المفكر الوحيد القادر على خلافة الإنجليزي فرانسيس بيكون، واكتشاف الحقيقة المطموسة التي لا تعطي نفسها إلا للعباقرة أو عباقرة العباقرة.

وهكذا، أقسم يميناً بالله أمام أصدقائه الخلص بأنه سيكون حذراً جداً، منذ الآن فصاعداً، وأنه سيحافظ على نفسه وحياته بقدر المستطاع، وسيكرس كل جهوده من أجل كشف الحقيقة العلمية - الفلسفية وخدمة الجنس البشري. ووعدهم بالتوصل إلى المنهج العقلاني والمفتاح الفلسفي الصحيح في أقرب وقت ممكن. وقد توصل إليه وعمره واحد وأربعون عاماً عندما ألف كتابه الشهير «مقال في المنهج». ولكنه نشره من دون توقيع خوفاً من غضب الكنيسة، بعد أن سمع بمحاكمة غاليليو. وهكذا صدر في 8 يونيو (حزيران) 1637 واحد من أعظم النصوص الفلسفية على مدار التاريخ. ثم تلاه نص آخر لا يقل أهمية عنه أن لم يزد هو: «التأملات الميتافيزيقية».

صحيح أنهم وصلوا إلى ديكارت في نهاية المطاف عندما اغتاله الأصولي الكاثوليكي فرنسوا فيوغيه في أقاصي الأرض، في السويد، عن طريق دس السم له غيلة وغدراً في قلب الكنيسة. ولكنه كان قد وضع مؤلفاته الكبرى وحقق كشوفاته العظمى. في الواقع كانوا يخشون من فلسفته العقلانية المستنيرة على مفهومهم الطائفي والتكفيري الظلامي للدين المسيحي. ولهذا السبب اغتالوه ثم اغتالوا فكره عندما وضع «الفاتيكان» مؤلفاته على قائمة الكتب المحرمة. ولكن هيهات... فقد انتشر فكره في كل أنحاء أوروبا انتشار النار في الهشيم.

وفي الختام، دعونا نطرح هذا السؤال: في أي عصر يعيش المثقف العربي حاليا؟ هل يعيش في القرن الحادي والعشرين أم في العصور الوسطى؟ والجواب هو أنه يعيش في عصر الأصولية والأصوليين تماماً مثل ديكارت أيام زمان. نعم، فإنه يعيش في عصر أبو مصعب السوري الذي قال مرة لا فض فوه: «الإرهاب فريضة والاغتيال سنّة». وهو غير ذلك الشخص الشنيع سيئ الذكر أبو مصعب الزرقاوي الذي أدمى العراق يوماً ما، وفرّخ «داعش» في نهاية المطاف. ثم أضاف أبو مصعب السوري قائلاً: اغتيال المثقفين أهم بكثير من اغتيال الرؤساء والزعماء والقادة السياسيين. لماذا؟ لأنهم قادة الفكر في العالم العربي وبالتالي فهم أخطر علينا من القادة السياسيين. إنهم ينافسوننا على قلوب الأجيال الصاعدة وعقولها. إنهم يريدون انتزاع الجماهير الشعبية من أيدينا. وهذا ما لن نسمح به مطلقاً. هذا خط أحمر بالنسبة لنا. ولذلك فاغتيالهم يُعتبر فريضة دينية مطلقة. بهذا المعنى. هكذا نلاحظ أنه ستندلع قريباً معركة فكرية كبرى بين المثقف الأصولي والمثقف التنويري في العالم العربي. وسوف تستخدم فيها كل الأسلحة المشروعة وغير المشروعة. وسوف تكون شديدة الشراسة والضراوة. ولن تنتهي إلا بغالب ومغلوب.


مقالات ذات صلة

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».