رغم مفاوضات «الهدنة»... لماذا يريد نتنياهو من الجيش خطة لاحتلال غزة؟

نتنياهو يرأس اجتماع المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر «الكابينت» (أرشيفية - د.ب.أ)
نتنياهو يرأس اجتماع المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر «الكابينت» (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

رغم مفاوضات «الهدنة»... لماذا يريد نتنياهو من الجيش خطة لاحتلال غزة؟

نتنياهو يرأس اجتماع المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر «الكابينت» (أرشيفية - د.ب.أ)
نتنياهو يرأس اجتماع المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر «الكابينت» (أرشيفية - د.ب.أ)

بينما يستعد مفاوضون من «حماس» وإسرائيل لبدء مفاوضات غير مباشرة في الدوحة بشأن هدنة في غزة، طلب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، من قوات جيشه إعداد خطة لاحتلال القطاع.

وتعمد رجال نتنياهو تسريب ما جرى في الجلسات الأمنية لقيادة الحرب، مساء السبت، حيث قالوا إنها شهدت «نقاشات حادة وصراخاً وضرباً على الطاولة»، كما أصدر رئيس الحكومة تعليماته لرئيس أركان الجيش، إيال زامير، بإعداد خطة لاحتلال غزة وعرضها عليه بعد عودته من زيارة واشنطن، التي يرجح أن يتم خلالها الإعلان عن وقف إطلاق النار.

واختلف المحللون الإسرائيليون حول الهدف من هذا التسريب، فقدّر فريق أنه كان مجرد «ضغط الساعات الأخيرة على قيادة (حماس) حتى توافق على المقترحات في جولة الدوحة»، بينما اعتبر فريق ثان أن نتنياهو أراد «إظهار الغضب على قيادة الجيش التي سربت هي الأخرى أن الحكومة تمارس عليه ضغوطاً لاحتلال غزة وتصعيد عملياته الجنونية ضد الفلسطينيين».

وذهب فريق ثالث من المحللين إلى أن المسار يُعبّر عن «حقيقة موقف الحكومة الرافض لوقف إطلاق النار».

أكثر من سبب

لكن يبدو أن كل هذه الأسباب مجتمعة تقف وراء طلبات نتنياهو من زامير؛ فهو يريد الضغط على «حماس» حتى تتنازل عن شرط وقف دائم لإطلاق النار، كما أنه يرغب في إبقاء التهديد بالاحتلال والترحيل على الطاولة حتى لا ينسحب تيار «الصهيونية الدينية» من الحكومة (ويمثله الوزيران إيتمار بن غفير، وبتسلئيل سموتريتش)، وبالتالي إرضاء قاعدته الشعبية في اليمين.

وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير يتجول في البلدة القديمة بالقدس (أرشيفية - رويترز)

وأخيراً، فرئيس الحكومة الإسرائيلية حريص على أن يظل الجيش في خانة الدفاع عن النفس، والخوف من اتهامه بالفشل، كما أنه يبث إشارة أيضاً للرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بأن نتنياهو يتصرف مثله «يريد السلام من خلال القوة فقط».

ماذا دار في الجلسة؟

الجلسة كُرست للبحث في الخطط العسكرية في حال عدم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، وبحسب ما أوردت القناة «12» الإسرائيلية، جاءت هذه الجلسة بعد أن أعلن الجيش الإسرائيلي اقترابه من تحقيق أهداف عملية «عربات جدعون»، على أن يتبعها «عدة إمكانات وخطط سيقوم بعرضها على المستوى السياسي من أجل تحقيق أهداف الحرب باستعادة المختطفين وهزيمة (حماس)».

وقالت القناة العبرية إن الجلسة «شهدت سجالاً حاداً بين نتنياهو، ورئيس أركان الجيش، إيال زامير، وسط تأييد من الوزيرين بن غفير وسموتريتش لرئيس الحكومة».

ونقلت القناة أن بن غفير وسموتريتش اتهما رئيس الأركان بعدم تنفيذ توصيات المستوى السياسي، فيما رد الأخير عليهما بالقول إنه «لا مجال للتسويف في غزة... انتبها لكلامكما. هناك جنود يقتلون في المعارك».

نتنياهو يرأس اجتماع المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر «الكابينت» (أرشيفية - د.ب.أ)

وزعمت القناة أنه خلال الجلسة «رفع نتنياهو صوته وضرب بقبضته على الطاولة، مطالباً بإعداد خطة إخلاء واسعة لأهالي غزة ونزوحهم إلى جنوب القطاع»، وشدد: «لن أتنازل. (حماس) لن تبقى تحت أي ظرف في غزة».

وبحسب القناة أيضاً فقد عارض زامير فرض السيطرة الإسرائيلية على أهالي غزة، محذراً من فقدان السيطرة،

ومن بين ما قاله خلال الجلسة: «هل تريدون حكماً عسكرياً؟ مَن سيحكم مليوني شخص جوعى ومهانين؟»، فيما رد عليه نتنياهو بصوت عالٍ: «الجيش ودولة إسرائيل»، قبل أن يضيف قائلاً: «لا أريد حكماً عسكرياً، لكنني لست مستعداً لإبقاء (حماس) بأي شكل من الأشكال».

ورد زامير على حديث نتنياهو بالقول: «يجب أن نتحدث حول ذلك، لم نتفق على هذا. السيطرة على أشخاص مجوّعين وغاضبين يمكن أن يؤدي إلى فقدان السيطرة التي قد تؤدي إلى مهاجمة الجيش»، كما أوضح أن هذه الخطة «ستكون لها آثار هائلة على الاقتصاد والمجتمع الإسرائيلي، وستتطلب موارد كبرى من حيث نشر القوات النظامية والاحتياط».

وطالب نتنياهو زامير خلال الجلسة بإعداد خطة إخلاء حتى عودته من واشنطن، بعد لقاء الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لإجراء محادثات بشأن غزة وإيران، وسيبقى هناك حتى نهاية الأسبوع.

بحث عن صورة النصر

ويمارس الجيش الإسرائيلي عمليات تصعيد رهيبة في غزة، ويريد أن ينهي الحرب بصورة نصر قوية.

والصورة المتبلورة عنه حتى الآن، أنه «ناجح» على الجبهة اللبنانية والجبهة السورية والجبهة الإيرانية، لكنه «فاشل» على جبهة غزة، ولا يتصور أن تنتهي الحرب بلا ضربات قاصمة لـ«حماس»، لكنه يؤمن بأن ما حققه حتى الآن في غزة يكفي لكي تترجمه الحكومة إلى مكسب سياسي.

أما نتنياهو فهو غاضب بالضبط من هذا التوجه، لأنه يضع الكرة في ملعبه، بينما هو بارع في تحميل غيره المسؤولية، كما سبق وأن فعل مع غالبية القادة والمسؤولين الأمنيين الذي أقالهم منذ «7 أكتوبر (تشرين الأول)».

وكلاهما، نتنياهو وزامير، يواجهان بشيء من الإحباط استمرار «حماس» في تنفيذ عمليات تودي بحياة الجنود الإسرائيليين، رغم كل ما تعرضت له الحركة من اغتيالات هائلة، ورغم كل ما تعانيه غزة وأهلها من قتل ودمار.

أفراد من القوات الجوية الإسرائيلية يحملون جندياً إسرائيلياً مصاباً في غزة يناير 2024 (أ.ف.ب)

لكن زامير فقط يرى أنه بالإمكان أن يغطي على الإخفاقات في غزة مقابل مكاسب الجبهات الأخرى. ويفضل إنهاء الحرب في هذه المرحلة، ويؤكد أن «البقاء في غزة هو مقامرة، وأن أقوى الجيوش في العالم لا تستطيع أن تحارب تنظيمات بقوة الاحتلال».

ومع ذلك قال زامير إنه «مستعد للامتثال إلى أوامر القيادة السياسية حتى لو كان يحمل رأياً مغايراً».

غضب من التسريبات

لكن المشكلة أن رفاق نتنياهو في الحكومة، وليس فقط بن غفير وسموتريتش، بل يوجد معهم نواب ووزراء من «الليكود»، لا يكتفون بتصريحات نتنياهو، ويعتبرونها محاولة للتغطية على ما سيحصل في البيت الأبيض.

لذلك خرج سموتريتش، الأحد، بتصريحات هاجم فيها زامير ونتنياهو على السواء، وقال: «التسريبات المجزوءة والموجّهة من (الكابينيت) كانت ولا تزال أمراً مرفوضاً يمسّ بأمن الدولة، ويجب وضع حد لها».

نتنياهو وسموتريتش في أحد اجتماعات «الكابينت» (رويترز)

وتابع: «الحقيقة يجب أن تُقال: إلى جانب الإنجازات الكبيرة في كل جبهات القتال، فيما يتعلق بإدارة الجهد الإنساني بشكل لا يسمح بوصوله إلى (حماس)، فإن رئيس الأركان لا يفي بمهمته، ويجبر القيادة السياسية على إدخال مساعدات تصل إلى (حماس)، وتتحول إلى إمدادات لوجيستية للعدو أثناء الحرب».

وأضاف: «مع كامل التقدير، انتقادي موجّه أيضاً إلى رئيس الحكومة، الذي على مدار أشهر الحرب، لم ينجح في تنفيذ قرارات المستوى السياسي وفرضها على قيادة الجيش العليا، وتتمثل في القضاء على (حماس) واستعادة الأسرى».


مقالات ذات صلة

«اتفاق غزة»: الوسطاء يسعون لتفعيل «لجنة التكنوقراط»

تحليل إخباري أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين (أ.ف.ب)

«اتفاق غزة»: الوسطاء يسعون لتفعيل «لجنة التكنوقراط»

تتجه الأنظار نحو «لجنة إدارة قطاع غزة» بعد 3 أشهر من تأسيسها دون بدء عملها الفعلي من القطاع، وذلك بعد حديث الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام» بقطاع غزة.

محمد محمود (القاهرة )
شؤون إقليمية صورة تذكارية للوزراء والمسؤولين المشاركين في الاجتماع حول غزة على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي في جنوب تركيا السبت (الخارجية التركية)

اجتماع تركي - عربي يطالب بوقف انتهاكات إسرائيل في غزة والأراضي الفلسطينية

أكد وزراء ومسؤولون من تركيا، والسعودية، ومصر، والأردن، وقطر، والإمارات ضرورة وقف انتهاكات إسرائيل في غزة، والانتقال للمرحلة الثانية من خطة السلام

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
خاص مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

خاص ضغط قوي على «حماس» للموافقة على نزع سلاح غزة

تواجه حركة «حماس» أكبر حالة ضغط من الوسطاء وأطراف أخرى للموافقة على وثيقة «مجلس السلام» حتى ولو بشكل مبدئي، قبل التفاوض عليها بشأن خطة نزع سلاح الفصائل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه ترمب.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
شؤون إقليمية وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع نظيره التركي (الخارجية المصرية)

وزير الخارجية المصري يزور تركيا لتنسيق المشاورات بشأن إيران وغزة

بدأ وزير خارجية مصر، بدر عبد العاطي، زيارة لتركيا تتخللها لقاءات ذات بعد إقليمي مرتبطة بتطورات الأوضاع في قطاع غزة، والمفاوضات المتعثرة بين واشنطن وطهران.

محمد محمود (القاهرة)

مقتل جندي إسرائيلي في جنوب لبنان

جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
TT

مقتل جندي إسرائيلي في جنوب لبنان

جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم (الأحد)، مقتل أحد جنوده خلال اشتباكات في جنوب لبنان، حيث دخل وقف إطلاق النار المؤقت حيز التنفيذ هذا الأسبوع.

وأفاد بيان للجيش عن مقتل «ليدور بورات، البالغ 31 عاما، من أشدود، وهو جندي في الكتيبة 7106، اللواء 769، خلال اشتباكات في جنوب لبنان»، دون تقديم مزيد من التفاصيل.

وبحسب إحصاء لوكالة الصحافة الفرنسية استنادا إلى بيانات عسكرية، ارتفع إجمالي عدد قتلى الجيش الإسرائيلي في الحرب الدائرة منذ ستة أسابيع بين إسرائيل و«حزب الله» إلى 15.

وهذه هي المرة الثانية التي يعلن فيها الجيش عن مقتل أحد جنوده في جنوب لبنان منذ بدء الهدنة التي أعلنتها الولايات المتحدة لمدة عشرة أيام الجمعة، في إطار جهود أوسع لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط بشكل دائم.

وكانت جولة القتال الأخيرة في لبنان قد بدأت في 2 مارس (آذار) عندما شن «حزب الله، المدعوم من طهران، هجمات صاروخية على إسرائيل ردا على مقتل المرشد في إيران علي خامنئي خلال الموجة الأولى من الضربات الإسرائيلية الأميركية.

وردت إسرائيل بشن ضربات قالت إنها تستهدف «حزب الله» في بيروت والمناطق الجنوبية من البلاد حيث أطلقت أيضا عملية برية.


إغلاق «هرمز» مجدداً يعقّد المفاوضات


مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
TT

إغلاق «هرمز» مجدداً يعقّد المفاوضات


مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)

أعادت إيران، السبت، إغلاق مضيق هرمز بعد ساعات من فتحه بصورة محدودة، مطالبة بإنهاء الحصار الأميركي على موانئها، في خطوة زادت المفاوضات الجارية تعقيداً، وأعادت التوتر إلى الممر البحري الحيوي.

وجاء القرار بعدما أكدت واشنطن أن إعادة فتح المضيق لا تعني رفع الحصار البحري. وقال الجيش الأميركي إن 23 سفينة امتثلت لأوامره بالعودة إلى إيران منذ بدء تنفيذ الحصار البحري. وجاءت التطورات في حين كان يسود ترقب بشأن تحديد جولة ثالثة من المحادثات، بوساطة إسلام آباد.

ومع إغلاق المضيق، أطلق قاربان لبحرية «الحرس الثوري» النار على ناقلة شمال شرقي عُمان من دون تحذير لاسلكي، في حين نقلت «رويترز» عن ثلاثة مصادر في الأمن البحري والشحن أن سفينتين تجاريتين على الأقل تعرضتا لإطلاق نار أثناء محاولة العبور. وقالت الهيئة إن الناقلة وطاقمها بخير، في حين استدعت الهند سفير طهران بعد تعرض سفينة تحمل شحنة نفط خام لهجوم.

وفي واشنطن، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن المحادثات مع إيران «تسير على نحو جيد جداً»، لكنه اتهم طهران بمحاولة إعادة إغلاق المضيق، مضيفاً: «لا يمكنهم ابتزازنا». ولوّح بعدم تمديد الهدنة التي تنتهي الأربعاء إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق طويل الأمد، مؤكداً استمرار الحصار، في حين أفادت «وول ستريت جورنال» بأن الجيش الأميركي يستعد للصعود على متن ناقلات مرتبطة بإيران، والاستيلاء على سفن تجارية في المياه الدولية، مع استعداد الجانبين لاحتمال استئناف القتال.

وفي طهران، لوّح محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، برفض تمديد الهدنة، قائلاً: إما أن يمنحونا حقوقنا على طاولة المفاوضات أو ندخل ساحة المعركة.

وقال قائد عمليات هيئة الأركان علي عبداللهي إن «هرمز» عاد إلى «الوضع السابق» تحت رقابة مشددة، في حين أن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف اتهم ترمب بطرح «ادعاءات كاذبة».

وأفاد مجلس الأمن القومي بأن طهران تراجع مقترحات نقلها قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، الذي أنهى مساء الجمعة زيارة إلى طهران استغرقت ثلاثة أيام.


«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
TT

«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

دخل مجلس الأمن القومي الإيراني على خط السجال الداخلي المتصاعد بشأن إدارة المفاوضات مع الولايات المتحدة، بعد موجة انتقادات طالت وزير الخارجية عباس عراقجي واتهامات للجهات الرسمية بالغموض وسوء إدارة المعلومات، خصوصاً بعد إعلانه فتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة.

وجاء تدخل المجلس في محاولة لتوضيح مسار محادثات إسلام آباد، وشروط الهدنة المؤقتة، وآلية فتح المضيق، في وقت كانت فيه منابر مقربة من «الحرس الثوري» تصعّد هجومها على وزارة الخارجية، وتطالب بتفسير ما جرى للرأي العام، بينما توزعت المواقف داخل مؤسسات الحكم بين الدعوة إلى الانضباط الإعلامي، والمطالبة بتشدد أكبر، والتشكيك في جدوى التفاوض نفسه.

وفي بيان مطول، قالت الأمانة العامة لمجلس الأمن القومي إن الرسائل والطلبات الأميركية لوقف إطلاق النار وبدء التفاوض بدأت منذ اليوم العاشر للحرب، بعد ما وصفته بـ«فشل الأعداء المعتدين» في الميدان العسكري.

وأضافت الأمانة العامة التي يترأسها القيادي في «الحرس الثوري»، محمد باقر ذو القدر، أن الجمهورية الإسلامية قبلت إجراء مفاوضات إسلام آباد في اليوم الأربعين للحرب، بعد إعلان رسمي من الرئيس الأميركي قبول الخطة الإيرانية المكونة من عشرة بنود إطاراً لمفاوضات إنهاء الحرب.

وأوضح البيان أن المحادثات استمرت 21 ساعة متواصلة، وأن الوفد الإيراني طرح مطالب الشعب الإيراني «بجدية وبروح مبادرة» رغم انعدام الثقة العميق بواشنطن، لكن الطرف المقابل عاد، بحسب البيان، وطرح مطالب جديدة ومبالغاً فيها خلال التفاوض، ما أدى إلى انتهاء الجولة من دون نتيجة محددة وتأجيل استئنافها إلى وقت لاحق.

وأوضح البيان أيضاً أن مقترحات أميركية جديدة طُرحت في الأيام الأخيرة عبر الوسيط الباكستاني، وأنها قيد المراجعة حالياً من دون أن تقدم رداً بعد. وشدد على أن الوفد الإيراني «لن يقدم أي تنازل أو تراجع» فيما وصفته بـ«المعركة السياسية» لتثبيت ما تحقق ميدانياً.

عاصم منير يتحدث إلى قاليباف على هامش لقائهما في مقر الوزارة الخارجية بطهران اليوم (البرلمان الإيراني)

كما أكد أن من الشروط الأساسية لقبول وقف إطلاق النار المؤقت وقف العمليات في جميع الجبهات، بما فيها لبنان. وقال إن إصرار طهران أفضى إلى وقف إطلاق نار في لبنان، على أن يُفتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة ومشروطة حتى نهاية فترة الهدنة لعبور السفن التجارية فقط، وليس السفن الحربية أو غير العسكرية التابعة لـ«دول معادية»، وذلك تحت إشراف القوات المسلحة الإيرانية وبموجب مسارات محددة.

وأضاف أن اعتماد «القواعد الأميركية» في الخليج على الإمدادات عبر مضيق هرمز يمثل تهديداً للأمن القومي الإيراني، وأن طهران ستواصل فرض الرقابة والسيطرة على الملاحة حتى انتهاء الحرب بالكامل وتحقيق سلام مستدام في المنطقة. وأوضح أن تنظيم حركة العبور يتم عبر الحصول على معلومات كاملة عن السفن، وإصدار تصاريح وفق القواعد الإيرانية المعلنة، وفرض رسوم تتعلق بالأمن والسلامة وحماية البيئة. كما شدد على أن استمرار ما وصفه بمحاولات «العدو» لعرقلة الملاحة أو فرض حصار بحري سيُعد خرقاً لوقف إطلاق النار، وسيؤدي إلى منع أي فتح مشروط أو محدود للمضيق.

وينتهي بيان المجلس بدعوة تحض الإيرانيين على الحفاظ على اليقظة والتماسك الوطني، مع التأكيد على ضرورة نجاح المسار الدبلوماسي إلى جانب تثبيت نتائج الميدان.

وجاء هذا التوضيح بعدما صعّدت وكالتا «فارس» و«تسنيم»، التابعتان لـ«الحرس الثوري»، لهجتهما تجاه طريقة إدارة الملف. ودعت «فارس» المسؤولين إلى تفسير «الصمت» حيال التطورات الأخيرة، واعتبرت أن المجتمع الإيراني دخل في «هالة من الارتباك»، متسائلة: إذا كانت مصلحة البلاد تقتضي عدم نشر تفاصيل المفاوضات أو التطورات الأخيرة، فلماذا لا يُشرح للشعب سبب هذا النهج وضرورة تجنب الشفافية؟

أما «تسنيم» فذهبت أبعد في انتقادها، ووصفت تغريدة عراقجي بشأن المضيق بأنها «سيئة وناقصة» وتمثل «سوء تقدير كاملاً في إيصال المعلومات»، معتبرة أنها نُشرت من دون شروح كافية، وأثارت غموضاً واسعاً بشأن شروط العبور وآلياته وأدت إلى موجة انتقادات كان يمكن تفاديها.

وطالبت «تسنيم» وزارة الخارجية بإعادة النظر في طريقة إدارتها لهذا الملف، بل دعت إلى تدخل مجلس الأمن القومي لوضع آلية أكثر تماسكاً لضبط الرسائل الصادرة عن المؤسسات الرسمية، بما فيها الخارجية.

وقالت الوكالة إن ما ينشره المسؤولون على منصة «إكس»، حتى إن كان موجهاً إلى الخارج أو مكتوباً بالإنجليزية، ينعكس أيضاً على الداخل الإيراني، وإن أي رسالة تثير القلق أو الإحباط تُعد إخلالاً بالتماسك الداخلي.

وفي الساعات الأولى من نشر تغريدة عراقجي، سارعت «فارس» و«تسنيم» إلى نشر معلومات على لسان مصدر مطلع قريب من الأمن القومي بشأن تفاصيل الشروط المرتبطة بإعادة الفتح المؤقت للمضيق، مؤكدتين أن استمرار الحصار البحري سيُعد انتهاكاً لوقف إطلاق النار، وأن العبور يقتصر على السفن التجارية غير المرتبطة بدول معادية، وفق مسارات محددة وتنسيق مع القوات الإيرانية.

وسرعان ما امتدت ردود الفعل إلى شخصيات إعلامية وسياسية مقربة من «الحرس الثوري». فكتب نظام موسوي، المدير المسؤول السابق لصحيفة «جوان»، أن ثقة الناس بالمسؤولين المفاوضين «لا تعني تجاهل الرأي العام»، موجهاً رسالة مباشرة إلى المسؤولين: «قولوا شيئاً».

وذهب نشطاء آخرون، من بينهم علي قلهكي، إلى انتقاد ما وصفوه بـ«الوضع الإعلامي المتردي»، خصوصاً بعد تعارض مضمون تغريدة عراقجي مع توضيحات لاحقة صدرت عن مصدر عسكري عبر التلفزيون الإيراني.

وفي الاتجاه نفسه، دعا حسن عباسي، المنظّر الاستراتيجي المقرب من «الحرس الثوري»، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي أكبر ذو القدر، إلى تعيين متحدث «قدير ومتاح دائماً» للمجلس، مطالباً بإنهاء ما وصفه بـ«فتنة الإشاعات والغموض والحيرة» في أذهان الرأي العام.

وامتد السجال أيضاً إلى شخصيات برلمانية ومحلية. فقال النائب مرتضى محمودي إنه «لولا ظروف الحرب» لكان قد جرى استجواب عراقجي بسبب تغريدته، متهماً وزير الخارجية بأنه لعب مراراً دوراً مهدئاً لأسواق النفط والطاقة العالمية بتصريحات «غريبة وغير مناسبة» في لحظات حساسة.

وزير الخارجية عباس عراقجي خلال لقاء قاليباف ومنير في طهران اليوم (البرلمان الإيراني)

وقال عمدة طهران، المحافظ المتشدد علي رضا زاكاني، إن طاولة المفاوضات كان يفترض أن تكون امتداداً ومكملاً للميدان، وإن أي قرار أساسي يجب أن يظل منسجماً مع توجيهات المرشد الإيراني وبموافقته. كما اعتبر أن أي صحة في الرواية الأميركية بشأن استمرار الحصار تعني أن وقف إطلاق النار نُقض وأن إيران لا تزال «في وسط الحرب».

وفي المعسكر الأكثر تشدداً، صعّد عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، محمود نبويان، هجومه على مسار التفاوض، وقال إن المفاوضات مع الولايات المتحدة «لن تصل إلى نتيجة»، وإن إيران ستواصل الحرب حتى «الهزيمة الكاملة لترمب ونتنياهو». وأضاف أن مسؤولية السيطرة على مضيق هرمز تعود حصراً إلى بحرية «الحرس الثوري»، ولا يحق لأي جهة أخرى التدخل.

وكشف نبويان عن قرار داخل لجنة الأمن القومي يقضي بمنع عبور السفن العسكرية الأميركية من المضيق، ومنع سفن الدول التي «تمنح قواعد للعدو» من المرور أيضاً.

كما قال وزير الاقتصاد السابق، إحسان خاندوزي، إن المرور عبر مضيق هرمز يجب أن يكون فقط للدول غير المتخاصمة وبشرط تحصيل رسوم، محذراً من أن تُسوّق الولايات المتحدة رفع الحصار البحري كأنه امتياز لإيران، ومشدداً على أن باب الحوار يجب أن يُغلق ما دام الحصار قائماً.

في المقابل، صدرت دعوات إلى قدر من الانضباط الإعلامي من داخل الجهاز التنفيذي. فقد قال علي أحمدنيا، رئيس دائرة الإعلام الحكومي، إن ما وصفه بـ«العمليات النفسية وصناعة الإنجازات عبر التغريدات» يتطلب الحذر، مؤكداً ضرورة الحفاظ على الوحدة وعدم خدمة «مخطط العدو» من دون قصد.

وأضاف أن فريق الدبلوماسية يعمل في إطار استراتيجية «العزة والمصلحة والحكمة» للدفاع عن حقوق إيران في الإعلام وعلى طاولة المفاوضات. وقال وزير الثقافة السابق، محمد مهدي إسماعيلي، إن الاستراتيجية الأميركية في المفاوضات تقوم على «أخذ كل شيء من دون تقديم أي مقابل».

فيما دخلت مؤسسات أخرى على الخط، من بينها السلطة القضائية التي طالب رئيسها، غلام حسين محسني إجئي، بملاحقة الولايات المتحدة وإسرائيل قضائياً ودفعهما تعويضات عن الحرب.

تأتي هذه الخلافات في وقت تشير فيه تقديرات استخباراتية أميركية وغربية إلى أن الحرب الأميركية - الإسرائيلية أضعفت آلية صنع القرار داخل إيران، بعد مقتل عدد من كبار القادة وتضرر منظومة القيادة والسيطرة.

ووفق هذه التقديرات، باتت قنوات التواصل بين مراكز القرار أكثر تعقيداً، فيما يواجه المسؤولون صعوبات في التنسيق وعقد الاجتماعات، وسط مخاوف من الاستهداف.

كما تعزز نفوذ التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري» على حساب مؤسسات أخرى، في ظل غموض يحيط بحدود سلطة المرشد الجديد مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر علناً منذ توليه المنصب، فيما تعتقد أجهزة استخبارات أميركية وإسرائيلية أنه أصيب خلال الحرب.

ويرى مسؤولون أن هذا المشهد انعكس على أداء المفاوضين، الذين يعملون في بيئة تتسم بتعدد مراكز القرار وتباين الرسائل، ما يزيد صعوبة بلورة موقف تفاوضي موحد أو تقديم تنازلات واضحة.