مشروع «قانون ترمب»... تحول شامل يعيد رسم الاقتصاد والمجتمع الأميركي

إنفاق ضخم لتعزيز الأمن الحدودي ورفع سقف الدين بـ5 تريليونات دولار

دونالد ترمب يتحدث في منشأة احتجاز المهاجرين الجديدة «ألّيجاتور ألكاتراز» بفلوريدا 1 يوليو 2025 (أ.ب)
دونالد ترمب يتحدث في منشأة احتجاز المهاجرين الجديدة «ألّيجاتور ألكاتراز» بفلوريدا 1 يوليو 2025 (أ.ب)
TT

مشروع «قانون ترمب»... تحول شامل يعيد رسم الاقتصاد والمجتمع الأميركي

دونالد ترمب يتحدث في منشأة احتجاز المهاجرين الجديدة «ألّيجاتور ألكاتراز» بفلوريدا 1 يوليو 2025 (أ.ب)
دونالد ترمب يتحدث في منشأة احتجاز المهاجرين الجديدة «ألّيجاتور ألكاتراز» بفلوريدا 1 يوليو 2025 (أ.ب)

يمثّل مشروع قانون الرئيس دونالد ترمب والحزب الجمهوري لخفض الضرائب نقطة تحوّل جوهريّة في هيكل الحكومة الفيدرالية والاقتصاد الأميركي. يتضمن هذا المشروع إعفاءات ضريبية جديدة، وإنفاقاً ضخماً على أمن الحدود، وتخفيضات واسعة في برامج شبكة الأمان الاجتماعي، وتراجعاً ملحوظاً في الاستثمارات الموجهة لمكافحة تغيّر المناخ، بالإضافة إلى قيود جديدة على قروض الطلاب.

وبعد أن أقرّه مجلس الشيوخ يوم الثلاثاء وأعاده إلى مجلس النواب، يسعى الجمهوريون إلى تمرير التشريع بسرعة قياسية. ويهدفون من خلال ذلك إلى إلغاء كثير من إنجازات الرئيس جو بايدن التشريعية، وترسيخ إرث ترمب في مجالات الضرائب، وأمن الحدود، وبرامج مكافحة الفقر التي امتدت عبر عقود، وفق صحيفة «واشنطن بوست».

خلافات ومفاوضات مستمرة

ولا تزال المفاوضات بين الجمهوريين جارية، حيث أدخل مجلس الشيوخ تعديلات جوهرية على المشروع أثارت بعض الارتباك بين أعضاء مجلس النواب. ويعول ترمب وقيادة الجمهوريين في مجلس الشيوخ على تمرير النواب للنسخة المعدّلة، رغم ازدياد المخاوف بشأن قضايا عدة، منها شبكة الأمان الاجتماعي والدين العام. ويستخدم الجمهوريون آلية «تسوية الموازنة» التي تتيح لهم تجاوز عرقلة الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، والمضي قدماً في المشروع على أساس حزبي بحت.

رؤساء وأعضاء لجان في مجلس النواب يناقشون مشروع قانون ترمب تمهيداً لعرضه على المجلس (أ.ب)

أبرز بنود مشروع القانون

- تمديد تخفيضات الضرائب لعام 2017: أصدر قانون «تخفيضات الضرائب والوظائف» لعام 2017، الذي أقرّه ترمب، خفضاً ضريبياً للأفراد في معظم شرائح الدخل، مع تركيز المكاسب على أصحاب المداخيل المرتفعة والشركات. وقد جُعلت تخفيضات ضرائب الشركات دائمة، بينما تنتهي المزايا الفردية بنهاية العام الحالي، ما قد يرفع الضرائب على معظم الأسر ما لم يتحرك الكونغرس. ويهدف المشروع الجمهوري إلى تمديد هذه التخفيضات بشكل دائم.

- زيادة الخصم القياسي: ضاعف قانون ترمب السابق الخصم القياسي، وهو المبلغ المعفى من الضرائب عند تقديم الإقرار الضريبي. ويحافظ المشروع على هذا الإجراء ويعززه، برفع الخصم بمقدار 2000 دولار للأزواج الذين يقدمون إقرارات ضريبية مشتركة، و1000 دولار للأفراد، ليصل إلى 32 ألف دولار للأزواج و16 ألف دولار للأفراد.

- تخفيضات في برنامج «ميديكيد»: يسعى الجمهوريون إلى تقليص موازنات «ميديكيد»، برنامج التأمين الصحي الفيدرالي لذوي الدخل المحدود وذوي الإعاقة، من خلال فرض قيود على الأهلية، ومتطلبات عمل جديدة، وهياكل لتقاسم التكاليف. كما يقترحون قيوداً على الضرائب التي تفرضها الولايات على مقدمي خدمات «ميديكيد»، بهدف خفض التمويل الفيدرالي، وتشجيع استبعاد بعض المهاجرين من قوائم المستفيدين.

عمال اتحاد موظفي الخدمة الدولية يحتجون ضد تخفيضات «ميديكيد» المقترحة قرب الكابيتول بواشنطن 23 يونيو 2025 (أ.ف.ب)

- صندوق دعم المستشفيات الريفية: أنشأ مجلس الشيوخ صندوقاً بقيمة 50 مليار دولار لدعم استقرار المستشفيات والمرافق الصحية الريفية، يبدأ العمل به في 2026 وينتهي في 2032. وقد تمت مضاعفة حجمه لإرضاء السيناتورة ليزا موركوفسكي (جمهورية - ألاسكا)، التي كانت من بين آخر الرافضين للمشروع.

- تعديل سقف خصم ضرائب الولايات والهيئات المحلية (SALT): اتفق بعض المشرعين على رفع الحد الأقصى للخصم الضريبي على ضرائب الولايات والهيئات المحلية من 10 آلاف دولار إلى 40 ألف دولار لمدة خمس سنوات، مع زيادة سنوية بنسبة 1 في المائة، على أن يعود السقف إلى 10 آلاف دولار بعد انتهاء هذه الفترة.

- تحميل حكومات الولايات مزيداً من تكاليف برنامج (SNAP): ينص التشريع على وضع سقف لتوسع برنامج المساعدة الغذائية التكميلية (SNAP)، المعروف سابقاً بقسائم الطعام. وبدءاً من عام 2028 ستتحمل حكومات الولايات جزءاً أكبر من تكاليف إدارة البرنامج، ما قد يدفعها إلى تقليص المزايا أو استنزاف ميزانياتها. كما ستُلزم الولايات ذات معدلات المدفوعات الخاطئة بتحمّل ما يصل إلى 15 في المائة من تكاليف المزايا. حالياً، تُقسَّم التكاليف بالتساوي بين الحكومة الفيدرالية والولايات، لكن بدءاً من 2027 ستتحمل الحكومة الفيدرالية ربع التكلفة فقط.

- زيادة الائتمان الضريبي للأطفال - للبعض فقط: يرفع المشروع قيمة الائتمان الضريبي من 2000 إلى 2200 دولار لكل طفل، ويربطه بالتضخم، لكنه يشترط أن يكون الوالدان أو الأوصياء حاملي أرقام ضمان اجتماعي سارية، مما يستثني غالبية الآباء غير المواطنين من الاستفادة.

- إنفاق ضخم على الحدود وقيود جديدة على الهجرة: يخصص المشروع نحو 170 مليار دولار لحملة إدارة ترمب على الحدود والهجرة، تشمل أكثر من 46 مليار دولار لبناء الجدار وتعزيز نقاط العبور، وأكثر من 70 مليار دولار لبناء وصيانة مراكز احتجاز لإيواء ونقل عائلات المرحلين.

زعيم الديمقراطيين تشاك شومر بعد تمرير مشروع قانون يزيد العجز الوطني بـ3.3 تريليون دولار (إ.ب.أ)

- ضرائب جديدة على الجامعات: يفرض المشروع ضرائب تصاعدية على العائدات الناتجة من أوقاف الجامعات، استناداً إلى حجم الوقف لكل طالب مسجّل، بدلاً من المعدل الموحد الحالي البالغ 1.4 في المائة.

- إنشاء حسابات توفير للمواليد الجدد: يستحدث المشروع ما يُعرف بـ«حساب ترمب»، وهو حساب توفير بقيمة 1000 دولار يُمنح لكل مولود جديد، مع إمكانية الإيداع السنوي حتى 5000 دولار حتى يبلغ المستفيد 31 عاماً، في محاولة لمحاكاة مبادرات مثل «سندات الأطفال» التي اقترحها الديمقراطيون سابقاً.

- إعفاء الإكراميات من الضرائب: ركّز ترمب في حملته على إلغاء الضرائب على الإكراميات، وأدرج هذا الإجراء في مشروع القانون. ويسمح التشريع بخصم ضريبي على إجمالي دخل الإكراميات، مع وضع قيود تمنع «ذوي الرواتب العالية» من التحايل، ويقتصر الاستحقاق على مهن مثل خدمات الطعام، والعناية بالشعر والأظافر، وصالونات التجميل، وعلاجات الجسم والمنتجعات الصحية.

- إعفاء أجور العمل الإضافي من الضرائب: يوفر المشروع خصماً ضريبياً على أجور العمل الإضافي، مع استثناء الإكراميات والموظفين ذوي الأجور العالية، ويتطلب استخدام رقم ضمان اجتماعي، ما يستبعد معظم المهاجرين غير المسجلين من الاستفادة.

- إعفاء فوائد قروض السيارات: يسمح المشروع لمشتري السيارات الأميركية الصنع بخصم يصل إلى 10 آلاف دولار من فوائد قروض السيارات على مدى أربع سنوات، مع تقليص هذا الخصم تدريجياً لمن يكسبون أكثر من 100 ألف دولار (أو 200 ألف دولار للأزواج).

- خصم إضافي لكبار السن: على الرغم من استبعاد مشروع القانون لوعد ترمب بإلغاء ضرائب استحقاقات الضمان الاجتماعي، فإنه يمنح من تزيد أعمارهم على 65 عاماً خصماً إضافياً قدره 6 آلاف دولار، يتناقص تدريجياً مع زيادة الدخل.

- إعفاءات ضريبية دائمة للشركات: يجعل التشريع ثلاثة إعفاءات ضريبية طالبت بها الشركات دائمة. تشمل: الإهلاك الإضافي الذي يتيح شطب نفقات المشتريات الجديدة في السنة الأولى، وخصم نفقات البحث والتطوير، وتوسيع خصم نفقات الفوائد. ويُتوقع أن يوافق مجلس الشيوخ عليها بشكل دائم، ما يجعلها من أكثر بنود المشروع تكلفة.

- موازنة ضخمة للبنتاغون تشمل نظام «القبة الذهبية»: تبلغ موازنة وزارة الدفاع 158 مليار دولار، موزعة على أولويات تشمل 25 ملياراً للذخائر، و28 ملياراً لبناء السفن، و24 ملياراً للدفاع الصاروخي والقدرات الفضائية، بما في ذلك نظام الدفاع الصاروخي «القبة الذهبية» الذي اقترحه ترمب.

- إلغاء برنامج بايدن لإعفاء قروض الطلاب: يوفر المشروع 320 مليار دولار خلال 10 سنوات عبر إلغاء برنامج بايدن لإعفاء قروض الطلاب، وإجراء تعديلات على شروط السداد.

- إعفاءات ضريبية للتعليم الخاص والمنزلي: يرصد المشروع ما يصل إلى 4 مليارات دولار سنوياً إعفاءات ضريبية للتبرعات المقدمة للمنظمات التي تساعد الأسر على دفع رسوم التعليم المنزلي أو الخاص.

- إلغاء تمويل مكافحة تغيّر المناخ: يقترح المشروع إلغاء بعض عناصر قانون بايدن المميز للمناخ لعام 2022، المعروف باسم قانون خفض التضخم. ويُلغى بموجب المشروع الإعفاء الضريبي الفيدرالي الذي يصل إلى 7 آلاف و500 دولار للمستهلكين عند شراء سيارة كهربائية، إضافة إلى إلغاء الحوافز المقدمة لإنتاج الطاقة النظيفة، مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية، بصورة تدريجية وسريعة.

- دعم إنتاج النفط والغاز والفحم: تلزم لجنة الموارد الطبيعية الحكومة الفيدرالية بالبدء فوراً في بيع عقود إيجار لحفر النفط والغاز في خليج المكسيك والمناطق البرية المحمية في ألاسكا، كما يُجبر المشروع وزارة الداخلية على الموافقة على زيادة إنتاج الفحم وتخفيف اللوائح التنظيمية لتخفيض تكلفة استخراجه.

- تقليص حماية الموظفين الفيدراليين: يشترط التشريع إجراء تدقيق في حسابات كبار الموظفين الفيدراليين المشمولين بالتأمين الصحي الحكومي. وكانت النسخ السابقة تتضمن بنوداً تلزم الموظفين الجدد بالاختيار بين تصنيف «متاح حسب الرغبة» الذي يسهّل فصلهم، أو المساهمة بجزء أكبر من رواتبهم في التقاعد، مع إعادة احتساب الاستحقاقات، لكن هذه الأحكام أُلغيت.

- رفع سقف الدين: يحدد سقف الدين الحد الأقصى لاقتراض الحكومة الفيدرالية لتغطية نفقاتها القائمة. ومع تجاوز هذا الحد تقنياً بنهاية 2024 لجأت وزارة الخزانة إلى «إجراءات استثنائية» لتأجيل الحاجة إلى مزيد من الاقتراض. وقد حذر الوزير سكوت بيسنت من نفاد هذه الإجراءات بحلول منتصف أغسطس (آب)، فيما ينص مشروع القانون على رفع سقف الدين بـ5 تريليونات دولار.


مقالات ذات صلة

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

حتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة) أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد دونالد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
المشرق العربي مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه ترمب.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
شؤون إقليمية صورة نشرها التلفزيون الرسمي من اجتماع الوفد الإيراني على هامش محادثات باكستان p-circle

طائرات باكستانية رافقت مفاوضي إيران خشية هجوم إسرائيلي

رافقت ​القوات الجوية الباكستانية المفاوضين الإيرانيين إلى بلادهم بعد أن حضروا في إسلام آباد محادثات مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)

سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

عبّر السفير الأميركي لدى تركيا، توم براك، عن اعتقاده بحل الخلاف حول اقتناء تركيا منظومة الدفاع الروسية «إس - 400» قريباً

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا Brazilian President Luiz Inacio Lula da Silva (Photo by Evaristo Sa / AFP) p-circle

40 دولة تجتمع في برشلونة تحت عنوان «التعبئة التقدمية العالمية» في مواجهة «اليمين العالمي»

تحت عنوان «التعبئة التقدمية العالمية» تجتمع، الجمعة، ولمدة يومين نحو 40 دولة في عاصمة إقليم كاتالونيا برشلونة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

انفراجة «هرمز» تُحفّز الأسواق العالمية

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

انفراجة «هرمز» تُحفّز الأسواق العالمية

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

شهدت الأسواق العالمية انفراجة واسعة واستعادة قوية للزخم عقب قرار إيران بفتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية، تزامناً مع هدنة لبنان. وأدى هذا التحول الإيجابي إلى تبدد سريع للمخاوف الجيوسياسية؛ ما دفع أسعار النفط للتراجع بنسبة تجاوزت 10 في المائة، حيث استقر «برنت» عند 88.27 دولار؛ ما خفف الضغوط التضخمية عالمياً.

وانعكس هذا الاستقرار فوراً على أسواق الأسهم التي انتعشت لتسجل مستويات قياسية، مدفوعة بارتفاع شهية المخاطرة لدى المستثمرين.

وفي سوق العملات، تراجع الدولار ليتيح المجال لصعود اليورو والين، بينما واصلت المعادن النفيسة مكاسبها النوعية.

أما أسواق السندات فقد شهدت هدوءاً مع تقليص الرهانات على رفع الفائدة؛ ما يعكس تفاؤلاً كبيراً بعودة استقرار سلاسل الإمداد وتدفقات الطاقة العالمية بسلاسة.


الجدعان: إنهاء الصراعات وتأمين السلام ركيزتان أساسيتان لتحقيق النمو المستدام

اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
TT

الجدعان: إنهاء الصراعات وتأمين السلام ركيزتان أساسيتان لتحقيق النمو المستدام

اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)

أطلق وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، موقفاً حازماً أكد فيه أن قدرة العالم على مواجهة الأزمات مرهونة بتبني «رؤية استراتيجية موحدة وإصلاحات سريعة»، مُحذراً من أن التفاؤل المفرط في الأسواق قد يحجب حقيقة التحديات الجيوسياسية الراهنة، لا سيما في ظل الصراعات التي تهدد أمن الإمدادات.

كلام الجدعان جاء في مؤتمر صحافي مشترك مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، عقب اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي، وذلك خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين.

وقد توّج الاجتماع بتبني «مبادئ الدرعية» إطاراً تاريخياً لحوكمة صندوق النقد الدولي؛ ما يرسخ مرحلة جديدة من التعاون متعدد الأطراف في مواجهة حالة عدم اليقين العالمي.

الجدعان متحدثاً في المؤتمر الصحافي (أ.ف.ب)

السلام ركيزةً للنمو المستدام

استهل الجدعان المؤتمر بالتأكيد على أن الاقتصاد العالمي قد تعرَّض لاختبارات متلاحقة جراء صدمات متكررة على مدى السنوات القليلة الماضية، ناتجة من الحروب والصراعات، بما في ذلك الصراع الجديد في منطقة الشرق الأوسط.

وأوضح أنه بالإضافة إلى الآثار الإنسانية العميقة، فإن الأثر الاقتصادي لهذه الصدمات هو أثر عالمي، وسوف يضرب مرة أخرى الفئات الأفقر والأكثر ضعفاً بشدة، محذراً من أن هذا يأتي في وقت تآكلت فيه مساحة السياسات وضعف فيه التعاون الدولي.

وأشار الجدعان إلى أن الاستجابة المناسبة من حيث السياسات تعتمد على كيفية انتشار الصدمة عبر الاقتصاد المحلي؛ ما يستدعي سياسات في توقيتها المناسب وقابلة للتكيف مدعومة بأطر عمل موثوقة وتعاون دولي.

وشدد على أن إنهاء الحروب والصراعات وتأمين سلام دائم في جميع أنحاء العالم يظل أمراً أساسياً لا غنى عنه لتحقيق النمو المستدام والاستقرار طويل الأجل.

المؤتمر الصحافي المشترك للجدعان وغورغييفا (أ.ف.ب)

مخاطر الصراعات وتداعياتها على أمن الطاقة

وأكد بيان صادر عن اللجنة أن الاقتصاد العالمي ظل صامداً على مدى السنوات القليلة الماضية رغم الصدمات المتكررة، بما في ذلك الحروب والصراعات. ووصف البيان الصراع في الشرق الأوسط بأنه صدمة عالمية رئيسية جديدة، سيعتمد أثرها الاقتصادي على مدتها وكثافتها وتوسعها الجغرافي.

ولفت إلى أنه بات من الواضح بالفعل، من خلال الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية واضطرابات النقل حتى الآن، أنها تشكل تهديداً خطيراً للاقتصاد العالمي، رغم الجهود الملحوظة لاستدامة تدفق الطاقة، بما في ذلك من خلال إعادة توجيه مسارات النقل لتعزيز أمن الإمدادات.

ونوّه الأعضاء إلى أن تأثير الصدمة غير متماثل للغاية عبر البلدان، وإذا طال أمدها، فقد تبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة ممتدة، وتعطل إمدادات المدخلات الرئيسية، وتضخم المخاطر التي تهدد أمن الطاقة والغذاء، والنمو العالمي، والتضخم، وحسابات القطاع الخارجي.

وأشار البيان إلى أن الأوضاع المالية المشددة والتداعيات المحتملة على الاستقرار المالي قد تزيد من الضغط على الآفاق المستقبلية، في وقت يمر فيه العالم بتحولات هيكلية عميقة في التكنولوجيا، والديموغرافيا، والمخاطر المرتبطة بالمناخ، وهي تغييرات ستعيد تشكيل الاقتصادات وتختبر قدرتها على التكيف.

الجدعان يتحدث مع رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول (رويترز)

أولويات السياسة الاقتصادية والمالية

أكدت اللجنة أنه في هذه البيئة التي تكتنفها حالة من عدم اليقين الشديد، تتمثل الأولوية القصوى في تعزيز الاستقرار الاقتصادي الكلي والمالي، مع تمكين نمو قوي واسع القاعدة، من خلال سياسات في توقيتها المناسب وقابلة للتكيف وموثوقة.

وشددت البنوك المركزية على التزامها القوي بالحفاظ على استقرار الأسعار، عادَّةً أن استقلاليتها والتواصل الواضح ضروريان لمصداقية السياسة وإبقاء توقعات التضخم راسية.

كما أفادت بأن السياسة المالية يجب أن تُعايَر بشكل مناسب وتُرسخ في أطر متوسطة الأجل موثوقة لضمان استدامة الدين، مع إمكانية استخدام تدابير مؤقتة ومستهدفة لحماية الفئات الأكثر ضعفاً حيثما توفرت المساحة المالية.

وأكد الأعضاء استمرارهم في الالتزام بالمعايير الدولية ومراقبة المخاطر التي تهدد الاستقرار المالي، بما في ذلك تعزيز الرقابة على المخاطر النظامية الناشئة عن الذكاء الاصطناعي، والمؤسسات المالية غير المصرفية، والأصول الرقمية، مع تسخير فوائد الابتكار التكنولوجي.

الإصلاحات الهيكلية والتعاون الدولي

وأشارت اللجنة إلى المضي قدماً في الإصلاحات الهيكلية لتمكين استثمار القطاع الخاص، وزيادة الإنتاجية، وحماية أمن الطاقة.

وأكد الأعضاء مواصلة التعاون لمعالجة الاختلالات العالمية المفرطة والتوترات التجارية وبناء سلاسل إمداد أكثر صموداً، ودعم اقتصاد عالمي عادل ومنفتح، مع التأكيد مجدداً على التزامات أسعار الصرف الصادرة في أبريل (نيسان) 2021.

وعبّر البيان عن ترحيب اللجنة بجدول أعمال السياسة العالمية للمدير العام، مؤكداً على الدور الحاسم لصندوق النقد الدولي في مساعدة الدول عبر مشورة السياسات وتنمية القدرات والدعم المالي بالتعاون مع المؤسسات الأخرى.

دعم الدول الضعيفة ومعالجة الديون

وتعهد البيان بمواصلة دعم البلدان في جهودها لتعزيز الاستقرار والنمو، مع إيلاء اهتمام خاص للبلدان منخفضة الدخل والدول الهشة المتأثرة بالصراعات، لا سيما حيث تتزايد ضغوط الديون. وأكد الأعضاء التزامهم بتحسين عمليات إعادة هيكلة الديون، بما في ذلك في «إطار العمل المشترك»، والمضي قدماً في المائدة المستديرة العالمية للديون السيادية.

ورحَّب البيان بـ«دليل إعادة الهيكلة» المحدث، ودعا إلى تعزيز شفافية الديون من جميع أصحاب المصلحة، بما في ذلك الدائنون من القطاع الخاص.

كما حث البيان على زيادة الدعم للبلدان ذات الديون المستدامة التي تواجه تحديات تمويل قصيرة الأجل عبر تسريع تنفيذ نهج الركائز الثلاث لصندوق النقد والبنك الدولي، والانتهاء من مراجعة إطار استدامة الديون.

تعزيز الرقابة وأدوات الإقراض

أعلن البيان دعم اللجنة لزيادة تركيز الرقابة بناءً على الصرامة التحليلية والإنصاف، والتطلع إلى الانتهاء من المراجعة الشاملة للرقابة ومراجعة برنامج تقييم القطاع المالي (FSAP).

كما أيَّد الأعضاء الجهود المستمرة لتحصين إطار الإقراض الخاص بالصندوق، بما في ذلك مراجعة تصميم البرامج والشروط (ROC) والعمل على أطر السياسة النقدية للبلدان التي تمر بأزمات.

مبادئ الدرعية وحوكمة الصندوق

وفي ختام البيان، أعلن الأعضاء تأييدهم لـ«مبادئ الدرعية التوجيهية» لإصلاحات الحصص والحوكمة، عادِّين إياها إنجازاً جماعياً كبيراً ومعلماً مهماً في أجندة إصلاح حوكمة الصندوق.

وتقدمت اللجنة بالشكر لنواب اللجنة الدولية والمجلس التنفيذي والإدارة على جهودهم، مؤكدة أن هذه المبادئ ستعمل كدليل للمناقشات المستقبلية، بما في ذلك المراجعة العامة السابعة عشرة للحصص.

واختتم البيان بالتأكيد مجدداً على الالتزام بصندوق نقد دولي قوي، وقائم على الحصص، ومزود بموارد كافية ليكون في مركز شبكة الأمان المالي العالمية، مع التطلع إلى الانتهاء من الموافقات المحلية لموافقة الأعضاء على زيادة الحصص بموجب المراجعة العامة السادسة عشرة دون أي تأخير إضافي.


الأسواق العالمية تستعيد زخمها بعد الإعلان عن فتح «مضيق هرمز»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق العالمية تستعيد زخمها بعد الإعلان عن فتح «مضيق هرمز»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

شهدت الأسواق العالمية تحركات حادة يوم الجمعة، في أعقاب قرار إيران فتح مضيق هرمز أمام جميع السفن التجارية، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مخاطر الإمدادات الجيوسياسية بسرعة.

فقد أعلن وزير الخارجية الإيراني، يوم الجمعة، أن مضيق هرمز بات مفتوحاً بالكامل أمام جميع السفن التجارية طوال فترة وقف إطلاق النار، في خطوة جاءت بالتزامن مع الهدنة في لبنان. وقال عباس عراقجي في منشور على منصة «إكس» إن عبور السفن عبر المضيق سيجري وفق المسار المنسق الذي أعلنته سابقاً منظمة الموانئ والملاحة البحرية الإيرانية.

وجاء هذا الإعلان ليخفف جزئياً من المخاوف المرتبطة بإمدادات الطاقة العالمية، ما انعكس سريعاً على الأسواق مع تراجع حاد في أسعار النفط عقب التصريحات.

تراجع حاد في أسعار النفط

تراجعت أسعار النفط بأكثر من 10 في المائة يوم الجمعة، مواصلة خسائرها السابقة، وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 11.12 دولار أو 11.2 في المائة لتسجل 88.27 دولاراً للبرميل عند الساعة 13:11 بتوقيت غرينتش، فيما هبطت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي بمقدار 11.40 دولار أو 12 في المائة إلى 83.29 دولار للبرميل.

وقال جيوفاني ستونوفو، المحلل في بنك «يو بي إس»، إن تصريحات وزير الخارجية الإيراني «تشير إلى خفض التصعيد في حال استمر وقف إطلاق النار، لكن يبقى السؤال ما إذا كان تدفق ناقلات النفط عبر المضيق سيشهد زيادة ملموسة».

ويعكس هذا التراجع انحساراً مؤقتاً في علاوة المخاطر الجيوسياسية التي دعمت أسعار النفط خلال الفترة الماضية، وسط ترقب المستثمرين لاحتمال تحول وقف إطلاق النار إلى تهدئة أوسع نطاقاً في المنطقة.

الدولار يتراجع أيضاً

تراجع مؤشر الدولار الأميركي بعد إعلان إيران، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 0.46 في المائة إلى مستوى 97.765. وتراجع الدولار بنسبة 0.6 في المائة إلى 158 يناً، فيما ارتفع اليورو بنسبة 0.6 في المائة إلى 1.1848 دولار، مسجلاً أعلى مستوى له في شهرين.

في المقابل، ارتفع الدولار الكندي أمام نظيره الأميركي يوم الجمعة، فيما تراجعت عوائد السندات الحكومية الكندية. وجرى تداول الدولار الكندي (اللوني) مرتفعاً بنسبة 0.3 في المائة عند 1.366 دولار كندي للدولار الأميركي، بما يعادل 73.21 سنت أميركي، بعد تحركات بين 1.3661 و1.3707 خلال الجلسة.

الأسهم العالمية تواصل مكاسبها

شهدت الأسهم العالمية، التي كانت تتداول بالفعل عند مستويات قياسية، مزيداً من المكاسب عقب الإعلان. وارتفع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 1.4 في المائة، فيما صعدت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.9 في المائة.

وقال مايكل براون، كبير استراتيجيي الأبحاث في شركة «بيبرستون»، إن تحسن آفاق الملاحة عبر مضيق هرمز يقلص بشكل واضح علاوة المخاطر الجيوسياسية، ما يدعم شهية المخاطرة في الأسواق. وأضاف أن هذا التحول يفسر رد الفعل الإيجابي في الأسواق.

السندات العالمية تتحرك بحذر

في أسواق السندات، استقرت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات عند 4.27 في المائة، بينما سجلت عوائد السندات لأجل عامين 3.74 في المائة، في إشارة إلى توازن حذر في توقعات السياسة النقدية. كما انخفض عائد السندات الحكومية الكندية لأجل 10 سنوات بمقدار 8.3 نقطة أساس إلى 3.421 في المائة.

وفي أوروبا، تراجعت عوائد السندات الحكومية الألمانية لأجل عامين إلى أدنى مستوياتها في شهر، بعدما هبطت عوائد «شاتز» لأجل عامين، وهي الأكثر حساسية لتغيرات أسعار الفائدة والتضخم، بما يصل إلى 11.2 نقطة أساس لتسجل 2.412 في المائة قبل أن تقلص خسائرها إلى 2.43 في المائة، مسجلة تراجعاً يومياً بنحو 9.6 نقطة أساس. وكانت العوائد قد بلغت أعلى مستوياتها منذ يوليو الماضي في أواخر مارس (آذار) عند نحو 2.77 في المائة.

وأشارت الأسواق إلى تقليص رهاناتها على رفع البنك المركزي الأوروبي لأسعار الفائدة؛ إذ قدرت احتمالات الرفع في الاجتماع المقبل بنحو 8 في المائة، مقارنة بـ15 في المائة في وقت سابق من الجلسة، مع توقعات بوصول سعر فائدة الإيداع إلى 2.44 في المائة بنهاية العام مقابل 2.55 في المائة سابقاً.

المعادن النفيسة ترتفع

أما في أسواق المعادن النفيسة، فقد ارتفع الذهب الفوري بنحو 2 في المائة إلى 4881 دولاراً للأونصة، كما صعدت الفضة بأكثر من 5 في المائة إلى 82.30 دولار، والبلاتين بنسبة 3 في المائة إلى 2149.15 دولار، وارتفع البلاديوم بنسبة 3 في المائة إلى 1600.88 دولاراً، مدعومة بتزايد الطلب على الملاذات الآمنة رغم تراجع النفط.