«غير مرئية»... الإيهام بحقيقية الأحداث

شيرين فتحي تفكك تصورات ذهنية حول الكتاب

«غير مرئية»... الإيهام بحقيقية الأحداث
TT

«غير مرئية»... الإيهام بحقيقية الأحداث

«غير مرئية»... الإيهام بحقيقية الأحداث

تفتتح الروائية المصرية شيرين فتحي روايتها «غير مرئية» بتنبيه لافت للقارئ، يعد بمثابة جزء من لعبة الرواية وبنيتها، تقول فيه: «هذه الرواية يحكيها الطفلان لو عاشا، وتحكيها الأم لو أنها أنجبتهما، وأحكيها أنا أحياناً»، هذا الافتتاح يشكل القاعدة الأولى في لعبة الرواية برمتها، إذ إن كل شيء فيها محل شك واحتمال، فلا يعرف القارئ هل يوجد هذان الطفلان أم لا، وهل هذه الأم حقيقية أم أن سرديتها محض توهمات، فهذا التنبيه الافتتاحي يهدم - ابتداءً - أحد أهم شروط فن القص، وهو الإيهام بحقيقية الأحداث، فتبدأ روايتها بكسر هذا الإيهام، منبهةً إلى أن هذه الشخصيات غير حقيقية، ليست فقط على مستوى مرجعها الواقعي في العالم، ولكنها أيضاً قد تكون غير حقيقية حتى على مستوى مرجعها التخييلي في الرواية.

تنبني الرواية - الصادرة عن دار «كتوبيا» في القاهرة - على تقنية تعدد الأصوات، بين صوت الأم، وصوت زوجها، وصوت كل ابن من ابنيها، وكل صوت يسعى لتشكيل سرديته ورؤيته للأحداث، ثم يأتي الصوت الذي يليه، لا ليقدم رؤية مغايرة للأحداث فقط، بل إنه يشكك في وجود الشخصية السابقة عليه من الأساس، فتبدو وكأنها كانت محض توهمات من صنع خيال آخرين، فكل شخصية موجودة بدرجة ما، بقدر ما هي غائبة أيضاً في حكاية الطرف الآخر، فتبدو كل الشخصيات، في جانب منها، غير مرئية، بل إن العالم كله يكون غير مرئي. فالسرد، هنا، أشبه بعملية دائمة من الإثبات ثم المحو، الكتابة ثم الكشط على ما سبق كتابته، والجزء المكشوط لا يمكن إلغاؤه تماماً، فهو لا يذهب إلى العدم، لكنه موجود كأثر، يمكن رؤيته، لكن مع الكثير من التشكك في وجوده، أو في فاعليته، وهذه النزعة الارتيابية يؤكدها السرد للقارئ في هذا المقطع الدال «لأن الأم شعرت بالوحدة، قررت أن توهم نفسها أنها أنجبت، ولأن الطفل ظل وحيداً، اخترع له أخاً، ولأنني فكرت أن أتخلص من وحدتي، تخيلتهم جميعاً، وحكينا الحكاية».

تبدأ الرواية بداية بصوت الابن الأصغر، الذي يمثل الشخصية المركزية إلى جوار شخصية أمه، وقد ورث موهبة الحكي عنها، ولا يجيد شيئاً في العالم سوى كتابة القصص، فكل فكرة أو شعور يعبر عنه بكتابة قصة، لكن قصصه مصحوبة بلعنة، فسرعان ما تختفي سطورها، ليجد الأوراق بيضاء تماماً. وقد جرب الكتابة على جميع أنواع الورق، والجدران، وحتى على جسده، وجسد حبيبته، لكن كل كلمة يكتبها سرعان ما تختفي، حتى أنه لا يجد قصة واحدة يبرهن بها على موهبته، وتكون دليلاً على كونه مؤلفاً، وهذا أحد تجليات الغرائبية في الخطاب السردي. اختفاء القصص، هنا، ليس منفصلاً عن لعبة المحو التي تنتظم البناء السردي للرواية كله. وسرعان ما يصدمه صوت شقيقه الأكبر، ويخبره بحقيقة أنه لم يكتب أبداً، وأن القصص التي يدونها هي قصص الأم، التي كانت تحكيها له، ويكتبها هو، دون أن يدري أنها ليست من تأليفه، لذلك تختفي من الورق، لأنه في الحقيقة لم يؤلفها.

ثمة لعبة دائرية في البناء السردي، فالأم «عالية»، أنجبت طفلين، أحدهما مؤلف والآخر ليس كذلك، وهو نفس ما يتكرر مع ابنها الأصغر، الذي يتزوج هو الآخر فتاة اسمها «عالية»، وينجبان طفلين، أحدهما مؤلف والآخر لا، وتتقاطع الحكايتان، وكأن الحكاية تعيد نفسها حد الملهاة، مع الوضع في الاعتبار أن هذا كله قد يكون محض توهمات ابتدعها راوٍ أكبر، ابتكر كل هذه الشخصيات داخل السرد، فالأكاذيب لا تنتهي، وتتتناسل بتناسل الحكايات، وكل منها يقوض الآخر ويفككه، ربما لهذا تنتهي الرواية بمقطع سردي يحمل رقم «0»، وكأن الحكاية تعود أدراجها إلى المربع الأول، وهو نفس الرقم الذي كان في الإهداء، وصدرت به شيرين فتحي روايتها قائلة: «مني إلى عالية، والعكس. كلانا يحمل الرقم صفر، تلك الدائرة المغلقة بالإنجليزية، أو النقطة المهملة بالعربية. هو حلقة الوصل بين النهاية والبداية، وكأن ما جاء قبل الحكاية هو نهاية حكاية قديمة، وهو نفسه أيضاً بداية». وتتداخل كل من «عالية» الأم، و«عالية» زوجة الابن، ولا تعرف أي منهما حقيقية وأيهما وهمية، أم أن الزوجة الشابة صدى للوجود القديم للأم، أم أن الاثنتين لا وجود لهما من الأساس.

تتكون الرواية من ثلاثة فصول رئيسة، كل منها يتكون من عدد متفاوت من المقاطع أو المشاهد السردية، ويمكن التعاطي مع كثير من هذه المقاطع بوصف كل منها قصة قصيرة منفصلة، لكن تضامها إلى جوار بعضها، هو ما يصنع هذا البناء الروائي، عبر تقنية الكولاج، ومن ثم فإن وجودها معاً، في هذا التجاور، يقدم حمولات دلالية مختلفة عن حمولة كل قصة بشكل منفرد. ومع التوغل في الأحداث، وتتالي القصص، التي تنهض كل منها على أنقاض السابقة عليها، تتحول الدلالات، التي لا تصل إلى محدد، بل يكون المعنى في حالة إرجاء دائماً، وكل قصة تمثل اختلافاً لدلالة القصة السابقة لها.

تنزع الرواية إلى تفكيك كثير من التصورات الذهنية حول الكتاب والمؤلفين، وتفكك حتى تصورات الناس عن شكل بيوت الأدباء، بل إن بها نزوعاً كبيراً في السخرية من فكرة الكاتب الكبير، ولعلها سخرية من فكرة الشهرة والشخصيات العامة بشكل كلي، وتصور - ساخرة - الكاتب الكبير وكأنه قرد موضوع في قفص لتشاهده جماهير القراء والمتابعين، وكذلك في مشهد سباق المؤلفين داخل مضمار، وهو سباق يخوضه المؤلفون وهم يمشون على أربع، والفائز ليس من يصل أولاً إلى خط النهاية، لكنه آخر الواصلين. وتسخر كذلك من الكتاب الشباب، حين تنكسر الزهرية التي يضعها الكاتب الكبير على مكتبه، ولا يستطيع الكتابة دون وجودها، فيطلب من الكاتب الشاب أن يؤدي دور المزهرية، ويستجيب بالفعل، ويظل منحنياً في وضع معين كأنه مزهرية، ويضع له الكاتب الكبير الورود في «قفاه»، ويظل على هذا الوضع عدة ساعات. إنها سخرية من المشهد الأدبي كله.

تجسد الرواية، عبر شخصية «عالية»، مأساة المرأة الكاتبة، التي تعاني من تلصص زوجها على كتاباتها، وإسقاط كل ما يحدث لبطلات شخصياتها على حياتها هي، ويأتي هذا التجسيد عبر مشاهد كثيرة، تتراوح بين المأساوية والسخرية السوداء، فضلاً عن مأساة هذه الكاتبة مع فكرة الأمومة، وانتهاءً بقرارها التوقف عن الكتابة، بل عن الخيال كله، رغم أن الكتابة لديها بمثابة فعل وجودي، فهي لا تكتب بهدف إنجاز كتاب أو مشروع بعينه. كلما تمادت في الكتابة تكشف العالم جلياً واضحاً أمامها، كأن الكتابة تنزع طبقات السواد عن العالم، والعتمة من المشاهد.


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.