«للحياة خيال واسع»... بناء هوية وانتماء داخل جغرافيا بديلة

المغربية الفرنسية نجاة فالو بلقاسم تمزج بين المذكرات والتاريخ السياسي ــ الاجتماعي

«للحياة خيال واسع»... بناء هوية وانتماء داخل جغرافيا بديلة
TT

«للحياة خيال واسع»... بناء هوية وانتماء داخل جغرافيا بديلة

«للحياة خيال واسع»... بناء هوية وانتماء داخل جغرافيا بديلة

في مقدمة كتاب «للحياة خيال أوسع» (La vie a plus d'imagination que toi) لنجاة فالو - بلقاسم، (منشورات ملتقى الطرق La croisée des chemins، الدار البيضاء، 2025)، تتوقف الكاتبة عند السبب الذي دعاها لإصدار طبعة مغربية، محددة إياه في الحرص على إبراز الوجه الفرنسي لهويتها الذي يجب أن يعرفه المغاربة، بعد أن اطلع الفرنسيون في طبعة غراسي، التي صدرت بباريس، على وجهها المغربي في أصوله الأولى. صحيح أن دار النشر المغربية المتحمسة للأدب المكتوب بالفرنسية، اضطلعت بدور أساسي في لفت انتباهها لأهمية جمهور الضفة الجنوبية، بالنسبة لمن هو في مثل وضعها (كما تؤكد بوضوح في المقدمة)؛ بيد أنها ستدرك بعد الصلات التي انتسجت تدريجياً مع بلدها الأصلي، إثر انتهاء مسؤولياتها السياسية، أنه من المهم ليس فقط تدوين شهادة مؤثرة عن مسيرة استثنائية من الاندماج والنجاح السياسي، بل أساساً الوقوف عند مفارقات هذا الاستثناء وما تخلله من أعطاب والتباسات، وجدران يبنيها الوجود خارج المحيط المرجعي. وبذا يضحى الكتاب متجاوزاً لوسم «سيرة ذاتية» الذي يبرز على الغلاف، ليتحول إلى مزيج من المذكرات والسجال السياسي، والسرد الشخصي، والتاريخ الاجتماعي، الذي يعيد بناء تقاسيم ذات، وهوية وانتماء فكري ولغوي وعرقي داخل جغرافيا بديلة، سيأخذها الشأن العام لتتقاطع مع قضايا ثقافية وعاطفية وسياسية كبرى في فرنسا كما في المغرب.

تبنى السيرة عبر المراوحة السردية بين وقائع مقرونة بزمنها، وبين لحظة إعادة إدراكها وكتابتها، أي بالتنقل الخطابي ما بين الذاكرة والوعي بها، وما يتخلل ذلك من فجوات يملؤها التأمل والتشخيص والنقد. لتنتهي إلى متن سردي يوثق الواقعة وطبيعة تمثلها، مع ما يقترن بها من رهانات سياسية. حيث تنطلق الساردة من استعاد الذاكرة لمرتع طفولتها المبكرة في قرية «بني شيكر» في منطقة الريف شمال المغرب، حيث وُلدت عام 1977، والتي لن تعود لزيارتها مرة أخرى إلا بعد مرور عشر سنوات، لتتمثل شيئاً فشيئاً الملامح المرزئة لاندثار الظلال، وتلاشي اللغة، والانمحاء التدريجي للمحيط العائلي. استرجاع يلوح في بداية السرد أشبه بومضات تونع من عمق الحلم المفارق الذي تحقق، لذا سرعان ما يتخلل التحول من المرتع إلى بلد الإقامة والانتماء، ما بعد الهجرة، وقفات تأملية تستدعي الطفولة مقرونة بوعي الهنا والآن، قبل السفر في الجغرافيا، ورحلة التعلم واكتساب اللغة، وانزياحات الانتماء، وإدراك مأزق الوجود في البين بين. في فقرة من السيرة نقرأ ما يلي: «بين سن الرابعة عشرة والثامنة عشرة، عندما عدتُ إلى بني شيكر ثلاث مرات لقضاء الصيف، وجدتُ نفسي أغوص من جديد في عالم أدهشني. كانت قريتي قد تغيرت كثيراً، ولكن بقيت تلك الشمس الحارقة، وذلك البُعد عن كل شيء، والفقر أيضاً، وغياب الأطباء والرعاية والتعليم والأنشطة الاقتصادية. كانت الأيام تمضي ببطء، وكل ما كنت أنتظره هو العودة إلى فرنسا» (ص 35-36)

كان للطفلة «نجاة» خمس سنوات حين التحقت العائلة بالأب المهاجر، في إطار خطة التجمع العائلي التي كفلتها قوانين الهجرة الفرنسية في ذلك الوقت، ولم تكن تطوي تحت أعطافها إلا كلماتها الأمازيغية، ومعانيها الزهيدة، ستترك وراءها المنزل والفناء المفتوح، والمراعي المقفرة، وقطيع الماعز، والبئر، وذاكرة اليباب. كما ستفارق كيانها الفطري الذي لم تستقم فتوته بعد، لتلتحق بضفة بعيدة، حيث «ستجرف الفرنسية الأسماء كلها» (ص22)... بدأت الرحلة سنة 1982، من إبحار السفينة إلى مرسيليا، مطوحة بالماضي في قعر المتوسط إلى الأبد. بالموازاة مع تخايل الضفة الأخرى. وتدريجياً ستسكن الضوضاء أرجاء الكون، مثلما المطر، مبددة أثر القرية المشمسة الهاربة. حيث يلتحق والدها بالعمل. وهي مع إخوتها بالمدرسة. لتتوالى شهور السعي للانتماء. قبل أن تطوي صفحة العودة نهائياً، حيث إن زوجها نفسه وأبناءها لن يعرفوا يوماً القرية الأصل.

والشيء الأكيد أن هذا الانتقال كان اللحظة الفارقة الأولى في مسار عبور الحواجز اللغوية والثقافية والعقائدية، بالنسبة لطفلة في الخامسة من عمرها. وبقدر ما مثلت تلك المحطة نقطة تحول حياتي راديكالي، غير أنها شكلت القاعدة الأساس للقدرة على التكيف والاندماج. هذه البداية المتواضعة شكلت الخلفية الدرامية لمسيرة نجاة فالو-بلقاسم اللاحقة، فوصولها إلى أعلى المناصب السياسية في فرنسا وزيرة للتعليم والشباب والرياضة، ثم وزيرة لحقوق المرأة، يمثل قصة نجاح ملهمة. يُبرز الكتاب كيف أن قدرة الحياة على «تجاوز الخيال» تجلت في مسارها، حيث لم تكن تلك المسيرة متوقعة بأي شكل من الأشكال في طفولتها.

وليس من شك أن الصدمة القاعدية الأولى لم تتمثل في لغة التخاطب ولا المجتمع ولا الفضاء المحيط فحسب، وإنما في الوجود الاسمي ذاته: «نجاة»، في سياق زمني كان الكل فيه يسمى «ماري» أو «أوليفيي» أو ما شابهاهما من أسماء، قبل أن تتحول الأسماء العربية إلى ملمح فرنسي. مثلما كانت الصدمة في وجود له امتناعاته المسترسلة في مدن «الجمهورية العلمانية»، المتصالحة مع «التعدد» في شعاراتها الكبرى، والرافضة له في مزاجها العميق. ذلك ما تؤكده الساردة مرة تلو أخرى في فصول السيرة، منذ الأيام والسنوات الأولى في أبوفيل Abbeville و أميين Amiens، قبل الانتقال لباريس وليون... إنما في الإقامة والترحال ما بين الهامش والمدن، لم يكن يخيم فقط الجدار العاطفي للعنصرية الكامنة، خلف رفض الأسماء والسحنات التي شرع اليمين المتطرف في تعرية عمقها تدريجياً، بل كان ثمة أيضاً وقبل كل اختلاف، «وطن الخيال» الساكن في الأدب والفكر والفلسفة والقانون، بين الحروف المرصوصة في المكتبات، القادمة في جوف عربات متنقلة بين شوارع القرى والمدن الصغيرة، وفي المباني العريقة للجامعات ودور الثقافة والمتاحف، وتلك التي تبيع الإصدارات القديمة على جنبات السين حيث «القراءة تنقذ، وتمنح حيوات أخرى» (ص 23).

 القراءة هي النسيان، هي الصحوة، هي التعلم، هي التغيير، هي الذهاب إلى المرآة للفهم وللتحول

لذا يبدو طبيعياً أن تعترف الساردة أن القراءة أنقذت كل شيء في داخلها. لقد كانت القراءة في اللحظات السعيدة أو الصعبة تتجلى دوماً بوصفها ملجأ. سيما أن السياسي، في فجوات الحياة، كان التلفاز هو رهابه الكبير لهذا كانت القراءة لا تقتصر فقط على ملأ الفجوات، وإنما باختصار المسافات. «القراءة هي النسيان، هي الصحوة، هي التعلم، هي التغيير، هي الذهاب إلى المرآة للفهم، وللتحول» (ص23). من هنا كان طبيعياً أن تخط المهاجرة النهمة للقراءة والتعلم مسار صعود لامع من المدرسة الثانوية في مدينة أميين Amiens ثم بعد الالتحاق بمعهد الدراسات السياسية في باريس (Science Po Paris) عام 2002. تلك المحطة الحاسمة، التي لم تكن مجرد إنجاز أكاديمي، بل بوابة ولوج عالم السياسة والعمل العام، لشخصية فذة ومحاربة وبذكاء استثنائي.

وتدريجياً تنتقل السيرة الحافلة بالسجال السياسي حول قيم العدالة والحرية والمساواة، والدفاع عن فكر اليسار، وتعرية مفارقات المجتمع الفرنسي تجاه المهاجرين، إلى التأريخ لمرحلة مفصلية في فرنسا، شهدت تناميا تدريجياً لأحزاب اليمين في مرحلة ما بعد جاك شيراك، هكذا تروي الساردة في مقاطع عديدة من النص كيف بدأت مسيرتها السياسية بالانخراط في العمل المحلي، مستشارة لمكتب رئيس بلدية ليون، جيرار كولومب؛ حيث تعرفت من كثب على آليات العمل البلدي وتحديات الإدارة المحلية. وسرعان ما لمع اسمها داخل الحزب الاشتراكي، باعتبارها امرأة من أصول مغاربية مقنعة وجذابة، ويحتاجها الحزب لاستقطاب الناخبين من أوساط المهاجرين. وتتوقف السيرة ملياً عند لحظات الانتخابات البلدية والتشريعية التي خاضتها نجاة بلقاسم مع مناضلي الحزب الاشتراكي عبر أقاليم الجمهورية، سيما لحظة اختيارها ناطقة باسم سيغولين رويال خلال حملتها الرئاسية عام 2007، وذلك لتضمين النص العديد من رؤى وخيبات الساسة الفرنسيين اليوم؛ تقول مثلاً في أحد المقاطع: «يمتلك الفرنسيون علاقة متناقضة مع السياسة؛ فهم يعتقدون في آنٍ واحد أننا (أي الساسة) عديمو الفائدة، وفي الوقت نفسه يحمّلوننا مسؤولية كل شيء، هذه المعضلة يصعب فكها عندما تواجهها بوصفك سياسياً» (ص 60). ومباشرة بعد فوز فرنسوا هولاند بالانتخابات الرئاسية عام 2012، عُينت نجاة فالو بلقاسم في مناصب وزارية رفيعة: وزيرة لحقوق المرأة والناطقة باسم الحكومة (2012-2014): في هذا المنصب، عملت على قضايا المساواة بين الجنسين ومكافحة التمييز. ثم وزيرة للمدن والشباب والرياضة (2014-2014): قبل أن تصبح وزيرة للتربية الوطنية والتعليم العالي: (2014- 2017)، وهي المحطة الأبرز في مسيرتها، حيث أصبحت أول امرأة تتقلد هذا المنصب في تاريخ فرنسا. وقد قادت خلال هذه الفترة، إصلاحات تعليمية جذرية، وواجهت معارضة شرسة من اليمين، ومن الصحافة، ومن المجتمع الشعبوي أساساً، وهو ما تتوقف عند آثاره الموجعة على شخصيتها وعلى تفكيرها وعلى ممارستها السياسية بعد ذلك، وكذا على مسارها العائلي.

والحق أنه بقدر ما تجلت سيرة: «للحياة خيال أوسع»، بوصفها محكية صعود سياسي، فإن نبرتها في نقد مآل الممارسة السياسية المرتهنة للمشهدية التواصلية والإعلامية، سرعان ما هيمنت على مبنى استرجاع الوقائع، وتبيين المواقف والأفكار. وهو ما يضع القارئ أمام مشهد مرعب لرأي عام كيفته مطحنة الصحافة، وأعادت صياغة صوره ورموزه ومفاهيمه السياسية، مكرسة قاعدة الاتهام تجاه كل مسؤولية في تسيير الشأن العام. الأمر الذي جعل النص يتجلى في غير ما موضع بما هو رثاء للسياسية، وتحديداً في مصيرها الفرنسي. ولا يخفف من قتامة المشهد إلا الفقرات المفردة للحديث عن العائلة؛ عن الأم الأمازيغية العصامية، التي تعلمت الفرنسية على كبر، والزوج بوريس فالو الذي «يجسد فرنسا في روعتها وإنسانيتها» (ص 46)، ثم الأبناء الذين لم يعرفوا تلك الأصول البعيدة لأمهم في قرية بني شيكر في الريف المغربي، والذين أضحو في النهاية يجسدون عبقرية الحياة، وخيالها الواسع: «أبناء طفلة مهاجرة، وأبناء صعود اجتماعي، وأبناء وزيرة، وأبناء فرنسا» (ص 134).


مقالات ذات صلة

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».