أحدث هدنة تجارية بين الصين والولايات المتحدة تُربك المستثمرين

الأسواق حذرة ومتخبطة وتنتظر المزيد من التفاصيل

أحد موظفي بورصة نيويورك يتابع الشاشات خلال ساعات العمل يوم الثلاثاء (أ.ب)
أحد موظفي بورصة نيويورك يتابع الشاشات خلال ساعات العمل يوم الثلاثاء (أ.ب)
TT

أحدث هدنة تجارية بين الصين والولايات المتحدة تُربك المستثمرين

أحد موظفي بورصة نيويورك يتابع الشاشات خلال ساعات العمل يوم الثلاثاء (أ.ب)
أحد موظفي بورصة نيويورك يتابع الشاشات خلال ساعات العمل يوم الثلاثاء (أ.ب)

منحت أحدث هدنة تجارية بين الصين والولايات المتحدة المستثمرين أملاً في التوصل إلى اتفاق نهائي يرضي القوتين العظميين المتخاصمتين، على الرغم من أن احتمال اندلاع جولة جديدة من الرسوم الجمركية لا يزال يُشكل خطراً على الأسواق.

كان رد فعل السوق الخافت دليلاً على ذلك، حيث اختتم المسؤولون الأميركيون والصينيون يوم الثلاثاء يومين من المحادثات في لندن بتعهدات بإحياء اتفاق أُبرم الشهر الماضي في جنيف، ورفع قيود التصدير الصينية على المعادن النادرة - وهي نقطة خلاف في ذلك الاتفاق.

يُظهر الترحيب الحذر من مستثمري العملات والأسهم أنه على الرغم من انتهاء الاجتماع بهدنة، فإن الأسواق كانت تأمل في المزيد، وأن نقص التفاصيل يعني أن حالة عدم اليقين ستظل مرتفعة على الأرجح.

وصرح محللون بأن أهم ما استُخلص من الاجتماع هو أن المحادثات دلت على براغماتية الجانبين.

وقال مارك دونغ، المؤسس المشارك لشركة «ماينورتي أسيت» لإدارة الأصول في هونغ كونغ: «هذه أخبار إيجابية للسوق. على الأقل الآن هناك حد أدنى لا يرغب أي من الطرفين في تجاوزه».

وارتفعت الأسهم الصينية إلى أعلى مستوياتها في ثلاثة أسابيع تقريباً، بينما انخفضت العقود الآجلة للأسهم الأميركية بشكل طفيف. وارتفع الدولار الأميركي قليلاً، واستقر اليوان الصيني.

وقال كريس ويستون، رئيس قسم الأبحاث في شركة الوساطة الأسترالية «بيبرستون»: «في الوقت الحالي، طالما أن عناوين المحادثات بين الطرفين لا تزال بناءة، فمن المتوقع أن تظل الأصول عالية المخاطر مدعومة». وأضاف: «المشكلة تكمن في التفاصيل، لكن غياب رد الفعل يشير إلى أن هذه النتيجة كانت متوقعة تماماً».

وتراجعت الأسواق بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن فرض رسوم جمركية بمناسبة «يوم التحرير» في الثاني من أبريل (نيسان) الماضي، حيث ساور المستثمرين قلق بشأن ركود اقتصادي وشيك. لكن هذه المخاوف هدأت مع تراجع ترمب عن معظم الرسوم العقابية، مما رفع أسعار الأسهم.

لانكستر هاوس في العاصمة البريطانية لندن حيث التقى وفدا التجارة الأميركية والصينية (رويترز)

وارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» القياسي بنسبة 6.5 في المائة منذ ذلك الحين، وهو على وشك استعادة مستوى قياسي مرتفع. وكان أداء الأسهم الصينية ضعيفاً، إذ يخشى المستثمرون من استمرار ضعف الاقتصاد، لكنها مع ذلك استعادت خسائرها لتعود إلى مستوى الثاني من أبريل.

وقد يبدد التوافق الإطاري الأخير في لندن لإعادة إبرام اتفاق بعض السيناريوهات القاتمة للغاية للأسواق، لكن المستثمرين سيحتاجون إلى خطوات ملموسة أكثر ليشعروا بالرضا التام. ويُلمس التأثير الواسع للرسوم الجمركية الشاملة في حرب تجارية قد تُؤدي إلى توقف 600 مليار دولار من التجارة بين البلدين، في كلا الاقتصادين.

وقال لين جينغوي، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة رين تري بارتنرز، سنغافورة: «يتمتع كلا الجانبين بضغط واستعداد للتوصل إلى اتفاق. هذا إنجاز مؤقت في المحادثات، لكنه لن يُغير نمط التنافس الصيني الأميركي الدائم... لن ترفع الولايات المتحدة القيود المفروضة على صادرات الرقائق إلى الصين بشكل كامل، لكنها قد تخففها استجابةً لضغوط بكين وقطاع أشباه الموصلات المحلي».

ويتوقع الاقتصاديون أن يُلقي الضرر الناجم عن الرسوم الجمركية المتبادلة وتقلبات الأسواق المالية بظلاله على الاقتصاد العالمي لأشهر. وقال فيليب وول، كبير مسؤولي الأبحاث ومدير المحافظ الاستثمارية في «رايليانت غلوبال أدفايزرز»، إن المستثمرين الذين يعيدون شراء الأسهم إلى مستويات قياسية يُقللون بشكل كبير من شأن الضرر الناجم بالفعل عن حالة عدم اليقين هذه هذا العام. وأضاف: «أشعر الآن بحذر وترقب أكبر من التفاؤل المطلق. إذا تم التوصل إلى أي اتفاق كبير، فقد نشهد ارتفاعاً في الأسهم استجابةً لذلك، لكنني أعتقد أن هذا مجرد رد فعل في هذه المرحلة، وقد يكون هذا النشوة قصير الأمد مع ظهور مخاطر جديدة».

وأشار راي أتريل، رئيس استراتيجية الصرف الأجنبي في بنك أستراليا الوطني، إلى أنه «من السابق لأوانه القول إننا في خضم إبرام اتفاقية تجارية جديدة وحازمة بين الولايات المتحدة والصين. لقد كان العام بأكمله مليئاً بالبشائر الإيجابية بشأن التوصل إلى اتفاقيات، ثم لم نشهد تقدماً ملموساً أو تراجعاً في الأمور التي كان من المفترض الاتفاق عليها. لا نزال نرى أنه مهما تم الاتفاق عليه في الأسابيع والأشهر المقبلة، وجهة النظر الأساسية هي أننا سنصل في النهاية إلى وضع تعريفات جمركية عالمي أسوأ بكثير مما كان عليه قبل تولي ترمب الرئاسة، لذا سنظل نواجه بيئة تعريفات نعتقد أنها ستضر بالنمو العالمي».

ويحتاج الاقتصاد الصيني إلى استراحة من الرسوم الجمركية التي أثرت على صادراته، في ظل مواجهة البلاد لضغوط انكماشية عميقة وضعف الاستهلاك. علاوة على ذلك، وبينما لم يتضح بعد التأثير النهائي للحرب التجارية على التضخم الأميركي وسوق العمل، فقد أضرت الرسوم الجمركية بثقة الشركات والأسر الأميركية.

وقد أدى ذلك إلى ضغوط على الدولار، حيث انخفض بأكثر من 8 في المائة مقابل العملات الرئيسية المنافسة هذا العام، في ظل قلق المستثمرين بشأن الاقتصاد الأميركي وسلامته المالية.

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت لدى مغادرة لانكستر هاوس في العاصمة البريطانية لندن (رويترز)

وفي الوقت الحالي، يواجه ترمب تحديات كثيرة، بما في ذلك خلافه الصارخ مع أغنى رجل في العالم، إيلون ماسك، ومشروع قانون ضريبي يخضع لتدقيق مكثف، واحتجاجات شوارع في لوس أنجليس على سياسة إدارته بشأن الهجرة... ويزيد كل هذا من صعوبة المفاوضات الناجحة مع الصين، والمستثمرون ليسوا مستعدين للمراهنة على النتيجة بعد.

وقال تان شياويون، الشريك المؤسس لشركة زونسو كابيتال، قوانغدونغ: «ستستمر المحادثات في ظل الإطار المُتفق عليه، وأعتقد أن الولايات المتحدة ستُقدم تنازلات أكبر من الصين للتوصل إلى اتفاق... في ظل الظروف الحالية، يواجه الجانب الأميركي تحديات أكثر إلحاحاً، بينما يتمتع الجانب الصيني بمساحة أكبر للتنفس. كانت الصين في موقف دفاعي، لكنها تحولت إلى موقف هجومي، مستغلةً المعادن النادرة والوصول إلى الأسواق. وهذا يُمثل إعادة توازن في القوة والنفوذ».

وفي تحليله للموقف بشكل عام، يقول شارو تشانانا، كبير استراتيجيي الاستثمار في «ساكسو بنك» بسنغافورة: «من المرجح أن تُرحّب الأسواق بتحول اللهجة من المواجهة إلى التنسيق. ولكن مع عدم وجود اجتماعات أخرى مُجدولة، لم نخرج من المأزق بعد. تعتمد الخطوة التالية على تأييد ترمب وشي للإطار المُقترح وتطبيقهما له. من المهم ألا يُساء فهم هذا التهدئة التكتيكية على أنها تراجع كامل عن الانفصال الاستراتيجي. لا تزال المنافسة الأساسية حول التكنولوجيا وسلاسل التوريد والأمن القومي قائمة إلى حد كبير. يمكن أن تظهر قضايا جديدة دائماً، وسيكون الاختبار الحقيقي هو مدى تطبيق هذه (الصفقة القديمة الجديدة)».


مقالات ذات صلة

بنك اليابان يحذِّر من مخاطر استمرار توترات حرب إيران

الاقتصاد محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)

بنك اليابان يحذِّر من مخاطر استمرار توترات حرب إيران

قال البنك المركزي الياباني إنه يجب توخي الحذر من المخاطر التي تهدد النظام المالي للبلاد، والناجمة عن التطورات في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد سفينة حربية يابانية بميناء «داروين» في أستراليا (أ.ب)

اليابان تلغي قيود تصدير الأسلحة وتفتح أبوابها للسوق الدولية

كشفت اليابان، الثلاثاء، عن أكبر تعديل شامل لقواعد تصدير الأسلحة منذ عقود، حيث ألغت القيود المفروضة على مبيعات الأسلحة الخارجية...

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد شاشة تعرض حركة الأسهم على جسر مشاة بمدينة شنغهاي الصينية (رويترز)

الأسهم الصينية تتراجع مع ترقب محادثات سلام أميركا وإيران

تراجعت أسهم البر الرئيسي الصيني في ظل ترقب المستثمرين محادثات سلام محتملة بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (بكين)
خاص ميناء نيوم في السعودية (نيوم)

خاص ميناء نيوم يُعيد رسم خريطة التجارة العالمية من شمال السعودية

في الخامس عشر من أبريل نشرت شركة «نيوم» السعودية على منصة «إكس» تغريدة لافتة تحمل رسالة مختصرة وبالغة الدلالة: «أوروبا - مصر - نيوم - الخليج: طريقك الأسرع».

زينب علي (الرياض)
الاقتصاد شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

«نيكي» يغلق مرتفعاً وسط تفاؤل بشأن «اتفاق الشرق الأوسط»

أغلق مؤشر «نيكي» الياباني على ارتفاع يوم الثلاثاء، مدفوعاً بازدياد التفاؤل إزاء تقارير تفيد بأن طهران تدرس المشاركة في محادثات السلام مع واشنطن في باكستان.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

زخم الطلبات يرفع وتيرة نمو خدمات التوصيل في السعودية

مندوب يقوم بتوصيل طلبية في الرياض (الشرق الأوسط)
مندوب يقوم بتوصيل طلبية في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

زخم الطلبات يرفع وتيرة نمو خدمات التوصيل في السعودية

مندوب يقوم بتوصيل طلبية في الرياض (الشرق الأوسط)
مندوب يقوم بتوصيل طلبية في الرياض (الشرق الأوسط)

مدفوعاً بتغيرات متسارعة في سلوك المستهلك وتنامي الاعتماد على الحلول الرقمية، يواصل قطاع توصيل الطلبات في السعودية تحقيق قفزات نوعية، معززاً مكانته بوصفه أحد أبرز محركات الاقتصاد الرقمي، بعد تسجيل القطاع نمواً لافتاً خلال الربع الأول من العام الحالي بنسبة تقارب 49 في المائة، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.

ويدعم تلك القفزة زيادة تجاوزت 118 مليون طلب خلال الربع الأول من العام الحالي، في دلالة واضحة على اتساع قاعدة المستخدمين وتطور البنية التحتية للخدمات اللوجيستية والتقنية في المملكة.

وحسب تقرير حديث صادر عن الهيئة العامة للنقل، استحوذت العاصمة الرياض على 44 في المائة من إجمالي الطلبات في الربع الأول 2026، تلتها مكة المكرمة 22.2 في المائة، ثم المنطقة الشرقية 16.2 في المائة، فيما توزعت بقية الطلبات على باقي مناطق المملكة.

أبرز التطبيقات

ومن أبرز قائمة تطبيقات التوصيل في السعودية: «هنقرستيشن»، و«جاهز»، و«كيتا»، و«مرسول»، و«نينجا»، و«كريم ناو»، و«تويو»، وغيرها من المنصات التي تعمل في هذا المجال.

وتشهد تلك التطبيقات منافسة شرسة مع ارتفاع الطلبات المنفذة من قبل المستهلكين والاعتماد عليها بشكل كبير، حيث يقدم بعض من تلك المنصات عروضاً ترويجية وخصومات على تلك الطلبات للاستحواذ على أكبر نسبة من العملاء.

وكان قطاع نشاط الطلبات قد سجل في المملكة نمواً ملحوظاً خلال الربع الثالث من العام الماضي، إذ تجاوز إجمالي عدد الطلبات المنفذة أكثر من 103 ملايين عملية طلب على مستوى مناطق السعودية، بارتفاع بلغ 40 في المائة، قياساً بالربع المماثل من عام 2024، مما يعكس النمو المتواصل في خدمات توصيل الطرود وارتفاع الطلب على التجارة الإلكترونية والخدمات اللوجيستية في البلاد.

الأنظمة والتشريعات

ويعود هذا النمو الملحوظ الذي يشهده قطاع توصيل الطلبات إلى عدد من العوامل، أبرزها تطوير الأنظمة والتشريعات التي مكّنت الشركات من رفع جودة خدماتها وكفاءتها التشغيلية، إلى جانب تعزيز البنية التحتية الرقمية ودعم الابتكار في مجالات الخدمات اللوجيستية.

كما أسهمت التحولات في سلوك المستهلكين والاعتماد المتزايد على التجارة الإلكترونية في رفع حجم الطلب على خدمات التوصيل، بالإضافة إلى الاستثمارات في الحلول التقنية الحديثة التي عززت سرعة الاستجابة ورفعت مستوى التنافسية داخل السوق.

يذكر أن المملكة شهدت في الأعوام الأخيرة طفرة في تطبيقات التوصيل، ومن ضمنها خدمات المطاعم والتموينات وبقية المستلزمات الأخرى. وبلغت ذروة اعتماد المستهلكين عليها بعد تطبيق الإجراءات الاحترازية للحد من انتشار فيروس كورونا المستجد في عام 2020.


أزعور لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تمتلك «مصدات مالية» قوية لمواجهة تداعيات الحرب

أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)
أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)
TT

أزعور لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تمتلك «مصدات مالية» قوية لمواجهة تداعيات الحرب

أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)
أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)

«هي صدمة متعددة الأبعاد»... هكذا اختصر مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، المشهد القاتم الذي يعصف بالمنطقة، واصفاً الحرب الحالية بأنها زلزال لم تشهده الجغرافيا السياسية والاقتصادية منذ خمسة عقود، وأنها أصابت أحد أكثر الممرات الاقتصادية حيوية في العالم، حيث لم تكتفِ بزعزعة أسواق الطاقة، بل امتدت لتعطل طرق التجارة وتضرب ثقة قطاع الأعمال، مما خلق حالة من الغموض تتطلب استجابات غير تقليدية. وأكد في المقابل أن السعودية نجحت خلال السنوات الأخيرة في بناء مؤسسات مالية صلبة وتنويع مصادر دخلها، مما يمنحها مساحة للمناورة رغم الضغوط.

وكان صندوق النقد الدولي خفَّض في تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» توقعات نمو دول الخليج لعام 2026؛ بسبب تداعيات حرب إيران، مع تفاوت لافت في حجم التأثير بين البلدان بحسب درجة انكشافها على أسواق الطاقة والتجارة، وتوفر بدائل لضمان صادراتها النفطية. ففي البلدان المصدّرة للنفط المتضررة من الصراع، يُتوقع حالياً انكماش خمسة من ثمانية اقتصادات في عام 2026. وتواجه قطر الانخفاض الأكثر حدة في التوقعات نتيجة ما لحق ببنيتها التحتية من أضرار هائلة. وفي المقابل، تواجه سلطنة عُمان تراجعاً طفيفاً في التوقعات بسبب وقوع منفذها البحري بالكامل خارج مضيق هرمز، كما يُتوقع أن تستفيد من تحسن أرصدة ماليتها العامة وحسابها الجاري بفضل ارتفاع أسعار النفط. فيما برزت السعودية في مقدِّمة الدول التي ستُحقِّق نمواً هذا العام بنحو 3.1 في المائة، بفضل أنابيب النفط البديلة.

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)

من جهته، أوضح أزعور خلال حلقة نقاش افتراضية حول آخر مستجدات صندوق النقد الدولي بشأن تأثير حرب الشرق الأوسط على اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن هذه الصدمة الاستثنائية التي ضربت قلب الممرات التجارية والطاقة العالمية، تقابلها صلابة مؤسسية في السعودية؛ حيث أكد أن المملكة نجحت في بناء «مصدات» مالية قوية من خلال تنويع الدخل وتقوية مؤسساتها، مما يمنحها الحيز المالي الكافي للمضي قدماً في طموحات «رؤية 2030» وحماية مشاريعها العملاقة من شظايا الاضطرابات الإقليمية.

مؤسسات مالية قوية

وشرح أزعور في إجابته على سؤال «الشرق الأوسط» أن السعودية عملت بذكاء لربط سياستها المالية بـ«مرساة» متوسطة المدى. وأوضح أن عملية «إعادة ترتيب أولويات المشاريع» التي تقوم بها المملكة هي ممارسة اقتصادية صحية وطبيعية تفرضها تغيرات الظروف الدولية، والهدف منها هو ضمان استمرار الغرض الجوهري لـ«رؤية 2030» في تنويع الاقتصاد وخلق الوظائف، مؤكداً أن المملكة تمتلك القدرة على التكيف مع اضطرابات طرق التجارة بفضل المؤسسات المالية القوية التي تم بناؤها.

تصدع البنية التحتية للطاقة

وأوضح أزعور أن الصدمة الحالية اتخذت من قطاع الهيدروكربونات مركزاً لها، حيث تشير البيانات والرسوم البيانية إلى توقف مفاجئ لتدفق أكثر من 12 مليون برميل يومياً من النفط والغاز. وشرح أن هذا التعطل لم يقف عند حدود الطاقة، بل تمدد ليصيب «القطاع الحقيقي»؛ حيث سجلت السياحة في معظم دول مجلس التعاون تراجعاً ملحوظاً، كما تضررت ثقة قطاع الأعمال، وظهرت تداعيات ذلك بوضوح في اتساع هوامش الائتمان وتذبذب العملات، وكان الجنيه المصري الشاهد الأكبر على وطأة هذه الهزات الارتدادية العنيفة.

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

سيناريوهات «يوم الحساب»

وعند الانتقال للحديث عن المستقبل، رسم أزعور ملامح «السيناريو المرجعي» الذي يفترض انتهاء الأعمال القتالية بحلول منتصف العام، ومع ذلك، أوضح أن الأسواق يجب أن تتأهب لأسعار نفط أعلى بـ10 دولارات للبرميل. وحذر بشدة من سيناريو «أكثر تعقيداً» قد يقفز فيه النفط إلى متوسط 130 دولاراً لفترة طويلة، مبيناً أن هذا التحول سيحول الأزمة من صدمة عرض إلى عبء ثقيل على موازين الدول المستوردة للنفط مثل الأردن وتونس، حيث سيؤدي لانكماش حاد في الحساب الجاري.

ترابط مصالح المنطقة

وشرح أزعور بعمق مدى ترابط مصالح المنطقة، موضحاً أن دولاً مثل باكستان ومصر والأردن تعتمد بشكل بنيوي على دول الخليج، ليس فقط في تأمين الطاقة، بل في «شرايين الحياة» المالية. وأكد أن أي اضطراب في الخليج يترجم فوراً إلى تراجع في تحويلات المغتربين (التي تمثل 5 في المائة من الناتج المحلي لبعض الدول) وتوقف في التدفقات الرأسمالية، محذراً من أن استمرار الحرب قد يحول أزمة الطاقة إلى «كارثة أمن غذائي» للدول الهشة بسبب ارتفاع تكلفة الأسمدة والسلع الأساسية.

«ابقوا البارود جافاً»

وفي الجزء الأكثر حزماً من عرضه، أوضح أزعور أن «مساحة المناورة» أمام الحكومات باتت تضيق بسبب المديونية العالية التي خلفتها الجائحة. واستشهد بنصيحة «وزير مالية خليجي» بضرورة «إبقاء البارود جافاً»، شارحاً أن الدول مطالبة اليوم بالرشاقة في استخدام هوامش الأمان المتاحة لها. وشدد على ضرورة «المعايرة» الدقيقة للسياسات؛ بحيث يتم إلغاء الدعم الشامل وتوجيهه نقدياً للفئات الضعيفة، مع ضرورة الحفاظ على «تشديد نقدي» لمحاربة التضخم، والاعتراف بأن مرونة سعر الصرف هي الدرع الحقيقية لحماية الاقتصاد من الهزات العنيفة.

ورأى أزعور أن هذه الأزمة، رغم قسوتها، يجب أن تكون نقطة تحول تفرض إعادة تفكير جذرية في الاستراتيجيات الاقتصادية طويلة الأمد للمنطقة. وأوضح أن الاعتماد المفرط على مسارات تجارية وطاقية أحادية بات يشكل خطراً وجودياً في عالم يتسم بالتقلبات الجيوسياسية المتسارعة، مشدداً على أن «اليوم التالي» للحرب لا ينبغي أن يكون عودة للنماذج القديمة، بل انطلاقة نحو بناء «اقتصاد المرونة».

وشرح أن هذا التحول الجذري يتطلب مسارات عمل متوازية؛ تبدأ بتسريع وتيرة تنويع القواعد الإنتاجية لتقليل الحساسية تجاه صدمات أسعار الطاقة، وصولاً إلى تعميق التكامل الاقتصادي الإقليمي الذي أثبتت الأزمة أنه ليس مجرد خيار سياسي، بل هو «درع أمان» اقتصادية مشتركة. كما أشار إلى ضرورة تعزيز الأمن الغذائي والمائي عبر الابتكار، لضمان ألا تظل لقمة عيش شعوب المنطقة رهينة لتعطل سلاسل الإمداد العالمية.

وفي رسالة لصنّاع القرار، أكد أزعور أن الاستقرار المالي المستدام لا يتحقق فقط بإدارة الأزمات عند وقوعها، بل ببناء «مخففات صدمات» هيكلية في صلب الأنظمة الاقتصادية، تجعل من دول المنطقة فاعلاً قادراً على امتصاص الهزات الكبرى والتحول نحو نمو أكثر استدامة وشمولاً، بعيداً عن تقلبات الجغرافيا السياسية وحروبها الممتدة.


بنك اليابان يحذِّر من مخاطر استمرار توترات حرب إيران

محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)
محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)
TT

بنك اليابان يحذِّر من مخاطر استمرار توترات حرب إيران

محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)
محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)

قال البنك المركزي الياباني، يوم الثلاثاء، إنه يجب على اليابان توخي الحذر من المخاطر التي تهدد النظام المالي للبلاد، والناجمة عن التطورات في الشرق الأوسط، محذراً من أن استمرار التوترات قد يُبقي أسعار الطاقة مرتفعة، ويزيد من حالات تعثر الشركات. وقال بنك اليابان في تقرير نصف سنوي: «يحافظ النظام المالي الياباني على استقراره بشكل عام».

ولكن التقرير أشار إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يؤدي إلى زيادة تكاليف شراء السلع الأساسية للشركات، والتأثير على سلاسل التوريد، مما قد يزيد من مخاطر التعثر، على الرغم من أن إقراض أكبر 3 بنوك يابانية للشرق الأوسط لا يزال محدوداً.

وأضاف التقرير: «لا يزال من الضروري إيلاء اهتمام دقيق لاحتمالية تأثير ذلك على الأوضاع المالية للشركات، وإدارة تدفقاتها النقدية».

وأشار التقرير أيضاً إلى المخاطر المرتبطة بازدياد نشاط المؤسسات غير المصرفية، مثل صناديق التحوط، وشركات الأسهم الخاصة، ومقرضي الائتمان الخاص.

ووفقاً للتقرير، لم تُقدِّم البنوك اليابانية الكبرى حتى الآن سوى نحو 9 في المائة من إجمالي قروضها الخارجية للصناديق الأجنبية، بما في ذلك الأسهم الخاصة والائتمان، مما يدل على أن انكشافها لا يزال محدوداً في الوقت الراهن. ومع ذلك، ذكر بنك اليابان أن القطاع المصرفي المحلي يزداد ترابطاً مع المؤسسات غير المصرفية الأجنبية، محذراً من أن الضغوط التي تُؤثر على هذه المؤسسات من حيث الائتمان أو السيولة «قد تنتقل بسهولة أكبر إلى القطاعات المصرفية في مختلف الدول».

وقد واجهت بعض صناديق الائتمان الخاصة في الولايات المتحدة طلبات استرداد مرتفعة؛ حيث سارع المستثمرون الأفراد القلقون إلى سحب استثماراتهم، وسط مخاوف بشأن الشفافية والتقييمات والاضطرابات الناجمة عن الذكاء الاصطناعي.

ولا يزال سوق الائتمان الخاص في اليابان صغيراً نسبياً، نظراً لسهولة حصول الشركات على قروض مصرفية تقليدية، لكن البنوك اليابانية زادت من تمويلها لصناديق الائتمان الخاصة العالمية في السنوات الأخيرة سعياً وراء عوائد أعلى.