كازانوفا الساحر مقيماً على التخوم الموحشة للملذات

لم تولد أسطورته من مخيلات الآخرين بل اجترحها من وقائع حياته

مشهد من فيلم" كازانوفا"، المنتج عام 2005
مشهد من فيلم" كازانوفا"، المنتج عام 2005
TT

كازانوفا الساحر مقيماً على التخوم الموحشة للملذات

مشهد من فيلم" كازانوفا"، المنتج عام 2005
مشهد من فيلم" كازانوفا"، المنتج عام 2005

«لقد كُتبت شهرة كازانوفا بجميع اللغات، حتى أنه يفوق في عالميته معاصريه غوته وفريدريك الأكبر، فمن أقصى شمال العالم إلى جنوبه يبتسم الملايين لذكر اسمه في حين أنهم لا يعرفون عن الآخرين من العظماء سوى معلومات جافة. لقد غطى تألقه على بريق الملوك والشعراء في عصره، حتى ليُعتبر أشهر رجال القرن بعد نابليون، الذي قُورن به في معرض الفكاهة».

لم أجد ما أستهل به هذه المقالة عن جياكومو كازانوفا أفضل من هذا النص الذي كتبه الناقد الألماني إميل لودفيغ عن المكانة التي احتلها كازانوفا في نفوس القراء والمهتمين من شرق العالم وغربه. على أن ما كتبه لودفيغ، لم يكن ليختلف بشيء عما كتبه نقاد آخرون فائقو الأهمية من طراز ستيفان زفايغ وهافيلوك أليس وجيمس ستيوارت، الذي رأى في حياة العاشق الإيطالي المغامر، نوعاً من «أوديسة صغيرة كتبها رجل قُدّر له أن يتخذ مكاناً له بجوار الخالدين في الأرض».

مشهد من فيلم" كازانوفا"، المنتج عام 2005

وإذا كانت الكتابة عن كازانوفا (1725 - 1798م) تأتي في سياق الكتابة عن رموز العشق الغربي، فإن ما يميزه عن الآخرين هو كونه لم يولد من رحم المخيلات والتصورات الصرف، كما كان شأن تريستان وروميو ودون جوان، بل ولد من الأحشاء الحقيقية للقرن الثامن عشر، حيث كانت التقاليد القديمة تتصارع مع الجديدة، والشعوذة مع العقل، والديني مع الدنيوي.

ويكفي أن نتتبع سيرة كازانوفا الشخصية، لكي نشعر أننا إزاء شخص متعدد الهويات والطبائع، بحيث يظهر أحياناً في صورة شيطان، وأحياناً أخرى في صورة ملاك، وأحياناً ثالثة يتحول إلى مزيج غريب من هذا وذاك. ولأن له سمات الأعاصير، فقد كان كازانوفا لا يميز بين بيضاء أو سمراء، متزوجة أو عزباء، فقيرة أو موسرة، بل يرى في كل امرأة يصادفها بصمة مختلفة من بصمات الأنوثة الكونية، وتسوقه رغباته إلى القيام بمجازفات لا تخطر على بال.

وإذ يطلعنا كازانوفا في مذكراته على أن الهوس بالنساء، بخاصة الممثلات والمغنيات والراهبات، هو جزء من تراث عائلته القديم، يشير إلى رحيل أبيه المبكر، وإلى قرار أمه الفتية العزوف عن الزواج، موثرة التفرغ لتربية أطفالها. ومع أنه يشير بعد ذلك إلى انحراف صحته ونحوله المرضي وفقر عائلته اللاحق، فإنه يشير أيضاً إلى أنه استهل مغامراته العاطفية وهو بعد في العاشرة، مع زميلة له في الدراسة تكبره بسنوات ثلاث. ولعل من أكثر المفارقات غرابة هو انخراطه في السلك الكهنوتي، نزولاً عند رغبة بطريرك البندقية. على أنه لم يكتف بالدور الجديد الذي أنيط به، بل أضاف إليه دور الواعظ، ليلقي على الملأ خطباً دينيةً تحث على الفضيلة والتقوى.

الأرجح أن قبول كازانوفا القيام بمهمة رجل الدين لم يكن انصياعاً محضاً لرغبة البطريرك، بقدر ما كان استجابة لنوازعه النفسية الدفينة التي تجعل منه ساحة للعراك الضاري بين المقدس والمدنس، وبين الجسدي والروحي. والأدل على ذلك هو مسارعته إلى إقامة علاقة غرامية مع ابنة أخ القسيس المشرف على تدريبه، وإلى إقامة علاقة متزامنة بين شقيقتين، إضافة إلى علاقته بامرأة متزوجة سببت له مرضاً تناسلياً، كما تسببت بصرفه من السلك الكهنوتي. وفي معرض عدم تمييزه بين امرأة وأخرى، إلا من حيث الجاذبية، يكتب كازانوفا في مذكراته أنه التقى بمغنية مشهورة وبرفقتها خادمة سمراء، ليضيف قائلاً «ومع أن المغنية كانت فتية وجميلة، فهي لم تثر في نفسي أي رغبة، حيث كانت حسناء أكثر مما يجب وبدينة أكثر مما يجب. ولأن خادمتها كانت على العكس من ذلك، سمراء وساحرة ذات قد ممشوق وعينين وضاءتين، فقد وقعت في حبها على الأثر».

أما قصة الحب التي جمعت بين كازانوفا ومجدالا، إحدى راهبات البندقية الجميلات، فقد تكون واحدة من أكثر القصص التي عاشها غرابة وإثارة للدهشة، الأمر الذي دفع الكاتب الفرنسي برتران دي نورفان إلى جعلها محوراً لروايته «كازانوفا»، التي تدور وقائعها في عام 1757، والتي تجمع بين السرد المشوق والحبكة الغنية بالمفاجآت. وفيها يعرض المؤلف لانغماس كازانوفا في عوالم البندقية الباذخة، بخاصة عالمها الليلي، بما يضمه من أوكار الجنس وأندية اللهو والقمار، التي يؤمها القناصل والسفراء وفاحشو الثراء، وصولاً إلى زجه بتهمة القتل في سجن «الرصاص»، وهروبه اللاحق بحيلة ماكرة.

كما يظهر كازانوفا مزاوجة ناجحة بين نظرته الأبيقورية إلى الحياة، ورشاقة اللغة ومهارة الأسلوب السردي، فيكتب في مذكراته «إن الحب هو أكثر الأشياء مكراً ودهاء، وأكثر ما تتجلى عبقريته وسط الصعاب. ولما كان مجرد وجوده يتوقف على إمتاع الذين يتفانون في عبادته، فإنه ينتزع النجاح من أعماق الحالات المحفوفة باليأس. لا بل إنه يخلق بنفسه المناسبات والملابسات التي تحقق هذا النجاح».

ولأن كازانوفا كان يضيق ذرعاً بكل أرض يقف فوقها أو ثروة ينولها أو امرأة تطولها يداه، فقد آثر مغادرة البندقية بحثاً عن مغامرات مثيرة ونساء جديدات وملذات غير مألوفة، فيمّم وجهه شطر لندن، ثم غادرها قاصداً برلين، وصولاً إلى روسيا، حيث تمكن بمساعدة الأمير العابث كارل فون كورلاند من الانغماس في مجتمعها المخملي. وحيث راح يتنقل بعد ذلك بين بولونيا والنمسا وباريس وإسبانيا، كان صيته كفاتن للنساء، يسبقه إلى كل مدينة يزورها، ويقوده إلى الكثير من المزالق.

على أن ثمة انشطاراً في شخصية كازانوفا تتسع دائرته لتطول كل جوانب حياته التي توزعت بين قمم العيش وسفوحه. فهو من جهة جوّاب الأمصار الذي يمتطي أثمن الخيول وينزل في أفخم الفنادق، ويجالس ملوك عصره وفلاسفته الكبار، من أمثال لويس الخامس عشر وفردريك الكبير وبابا روما وكاترين الثانية وفولتير، وهو من جهة ثانية المتشرد البائس ونزيل السجون والمقامر بكل شيء حتى بحياته نفسها. ومع وقوفنا ذاهلين إزاء تهالك كازانوفا المفرط على المتع الحسية، تستوقفنا الإشارات الدالة على وهنه المبكر، التي بدأ بإطلاقها قبل بلوغه الأربعين. فهو يعلن إثر قدومه إلى لندن بأن المؤثرات الساحرة لشخصيته، التي أوقعت في حبائله مئات النساء، قد أوشكت على البطلان، فيكتب حرفيته «لقد سجلت تاريخ سبتمبر 1763، باعتباره لعنة من لعنات حياتي، ولقد شعرت أن تيار الكهولة يحملني، مع أنني كنت في الثامنة والثلاثين من عمري».

وإذا كان البعض يرد هذا الشعور المبكر بوطأة الزمن إلى تجربة كازانوفا الفاشلة في لندن، حيث المجتمع الإنجليزي الرصين لا يُغزى بسهولة، وحيث الطباع الباردة لهذا المجتمع لا تتلاءم مع الدم الحار للعاشق الايطالي، فإنه لا يلبث أن يكتب في الخمسين «لقد فكرت في أيامي الخالية، ورثيت مسلكي ولعنت الخمسين التي شارفتُ بلوغها، والتي قضت على جميع أحلامي. ولقد حز في نفسي ألا أرى أمامي سوى بؤس الشيخوخة والبطالة والفاقة، وألا تغذيني سوى شهرة مريبة وحسرات عقيمة». وقد يكون الإنفاق السريع لرصيده من الشهوة واندفاعة الدم، هو السبب الأبرز لشعوره المبكر بأعراض الكهولة والسأم والإشباع.

وإثر عودة كازانوفا موهناً ومهيضاً إلى مدينته الأم، عينته محكمة التحقيق مخبراً سرياً يعمل لحسابها. ولعل أكثر ما آلمه في تلك الفترة، لم يكن راتبه الزهيد فحسب، بل تكليفه بكتابة تقارير مفصلة عن الفساق والخلعاء والملحدين، في واحدة من أكثر سخريات القدر مدعاة للدهشة والضحك المر. وبعد أن قطعت السلطة مرتبه نظراً لسوء أدائه الوظيفي، راودته رغبته القديمة في المغامرة فغادر البندقية باتجاه فيينا، ومن ثم أمستردام وباريس وصولاً إلى بوهيميا، حيث استطاع بمساعدة الكونت فون فالدشتاين أن يسترد بعض ما فاته من مباهج العيش وملذاته. كما اعتراه حينها شغف بالغ بالقراءة والتحصيل المعرفي، وانصرف إلى الكتابة والتأليف، لينجز أعمالاً عدة وبحوثاً في الفلسفة والأخلاق والدين، وصولاً إلى مذكراته الشهيرة التي اعتبرها النقاد أفضل أعماله، وأكثرها دلالة على لغته المتوهجة وسرده المشوق.

ورغم أن حياة كازانوفا كانت غنية بالمفارقات والألغاز التي أثارت حيرة نقاده وقرائه على امتداد العصور، فإن موته لم يكن أقل مثاراً للحيرة من حياته. لأن المؤرخين لم يجمعوا على المكان الحقيقي الذي تم دفنه فيه، بحيث تحول موته كحياته إلى متاهة، فكان شريداً لسطح الأرض وباطنها في الآن ذاته.


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.