في تحول تاريخي... سياسات واشنطن المتخبطة تُباعد بين الدولار وعوائد السندات

مخاوف المستثمرين بشأن خطط ترمب واستقلالية «الفيدرالي» تسببت بفك العلاقة الأزلية

شاشة تظهر الرئيس الأميركي والرئيس التنفيذي لشركة «تسلا» إيلون ماسك بينما يعمل متداول في بورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تظهر الرئيس الأميركي والرئيس التنفيذي لشركة «تسلا» إيلون ماسك بينما يعمل متداول في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

في تحول تاريخي... سياسات واشنطن المتخبطة تُباعد بين الدولار وعوائد السندات

شاشة تظهر الرئيس الأميركي والرئيس التنفيذي لشركة «تسلا» إيلون ماسك بينما يعمل متداول في بورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تظهر الرئيس الأميركي والرئيس التنفيذي لشركة «تسلا» إيلون ماسك بينما يعمل متداول في بورصة نيويورك (رويترز)

على مدى عقود، كانت سندات الخزانة الأميركية بمثابة حجر الزاوية للتمويل العالمي، ومقياساً رئيسياً لمشاعر المستثمرين. فلطالما ارتبط ارتفاع عوائد هذه السندات بوجود اقتصاد أميركي قوي يجذب رؤوس الأموال الأجنبية ويعزز قيمة الدولار. إلا أن هذه العلاقة التقليدية قد انهارت مؤخراً، مع تراجع اهتمام المستثمرين بالأصول الأميركية وسط مخاوف مزدادة بشأن مصداقية الاقتصاد الأميركي واستقلالية مؤسساته المالية، مدفوعين بسياسات الرئيس دونالد ترمب المتقلبة.

أوراق نقدية من الدولار (رويترز)

علامة «توتر» بدلاً من «قوة»

اعتادت عوائد الاقتراض الحكومي وقيمة العملة الأميركية على التحرك بتناغم تام. لكن منذ إعلان ترمب عن تعريفات «يوم التحرير» في أوائل أبريل (نيسان)، ارتفعت عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات؛ من 4.16 في المائة إلى 4.42 في المائة، بينما انخفض الدولار بنسبة 4.7 في المائة مقابل سلة من العملات. هذا التراجع في الارتباط وصل إلى أدنى مستوى له في نحو 3 سنوات، مما يشير إلى أن ارتفاع العوائد هذه المرة لا يعكس قوة اقتصادية، بل هو «أحد أعراض التوتر»، ويعكس عدم ارتياح المستثمرين بشأن الولايات المتحدة.

ويعلق شهاب جالينوس، رئيس استراتيجية صرف العملات الأجنبية لمجموعة العشر في «يو بي إس»، قائلاً لصحيفة «فاينانشيال تايمز»: «في الظروف العادية، تعدّ العوائد المرتفعة علامة على أداء الاقتصاد الأميركي القوي. وهذا جذاب لتدفقات رأس المال إلى الولايات المتحدة. لكن إذا كانت العوائد ترتفع لأن الديون الأميركية أكثر خطورة، بسبب المخاوف المالية وعدم اليقين في السياسة، ففي الوقت نفسه يمكن أن يضعف الدولار»، مشبهاً هذا النمط بما «يُرى بشكل متكرر في الأسواق الناشئة».

الأسباب الرئيسية لفك الارتباط

وفقاً لـ«ذي إيكونوميك تايمز» و«فاينانشيال تايمز»، يمكن تلخيص الأسباب الرئيسية وراء هذا التباعد في الآتي:

1- ديناميكيات العرض والطلب: نفقات حكومية جامحة ترفع العوائد.

من المتوقع أن تؤدي النفقات الحكومية غير المنضبطة إلى اتساع كبير في العجز المالي الأميركي. وبالنظر إلى الميل التاريخي للتدخل النقدي القوي خلال فترات التباطؤ الاقتصادي، فإن نسبة العجز إلى الناتج المحلي الإجمالي ونسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في طريقهما نحو الارتفاع. ومع تدهور هذه المؤشرات المالية، تتفاقم مخاوف المستثمرين بشأن الجدارة الائتمانية للولايات المتحدة، مما يدفعهم إلى طلب عوائد أعلى على أوراق الخزانة.

وبدوره، يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة تكاليف الاقتراض عبر الاقتصاد الأوسع، مما يؤثر على كل شيء بدءاً من الرهون العقارية وقروض السيارات، وصولاً إلى ديون الشركات. ولاحتواء هذه الدوامة التصاعدية في العوائد، قد يضطر «الاحتياطي الفيدرالي» إلى تطبيق «التحكم في منحنى العائد» (YCC)، وهي استراتيجية تتضمن عمليات شراء واسعة النطاق للسندات طويلة الأجل لتحديد سقف لأسعار الفائدة.

متداولان في بورصة نيويورك (رويترز)

2- خفض التصنيف من قبل «موديز»: ضربة هيكلية للمصداقية الأميركية.

في 16 مايو (أيار) 2025، خفضت وكالة «موديز» تصنيف الولايات المتحدة السيادي من «إيه إيه إيه» إلى «إيه إيه 1»، لتلحق بذلك خطى وكالتي «ستاندرد آند بورز» (2011) و«فيتش» (2023). لم يكن هذا التخفيض رمزياً فحسب، بل سلّط الضوء على التالي:

  • عجز فيدرالي متوقع أن يتسع إلى 9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035.
  • نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي يتوقع أن تتجاوز 134 في المائة.
  • مدفوعات الفائدة قد تستهلك 30 في المائة من الإيرادات الفيدرالية بحلول عام 2035 (مقابل 18 في المائة اليوم).

وقد أثار هذا التخفيض عمليات بيع حادة في سندات الخزانة، مما دفع العوائد إلى الارتفاع وقوض الثقة في الدولار.

3- إعادة التموضع العالمي: اليابان والصين تتراجعان.

أدى التحول «المتشدد» لليابان - مدفوعاً بالتضخم المستمر - إلى توقعات بزيادات إضافية في أسعار الفائدة وعكس «مراجحة الين». ومع قيام اليابان والصين بخفض حيازاتهما من سندات الخزانة الأميركية، يتراجع الطلب الأجنبي على الديون الأميركية، مما يضيف مزيداً من الضغط التصاعدي على العوائد والضغط الهبوطي على الدولار.

التأثير الأوسع

هذا التباعد له تداعيات خطيرة تتجاوز أسواق السندات:

1- ارتفاع تكاليف إعادة التمويل: مع حلول أجل استحقاق أكثر من 55 في المائة من الدين الأميركي - ما يقرب من 5.1 تريليون دولار - قبل يوليو (تموز) 2025، فإن إعادة تمويل هذا الدين بعوائد مرتفعة ستزيد بشكل كبير من تكاليف الفائدة. ويتفاقم هذا العبء المالي بسبب تخفيضات ضريبية تجاوزت 4.5 تريليون دولار وتباطؤ نمو الإيرادات.

2- ضعف النمو الاقتصادي: أدت أسعار الاقتراض المرتفعة إلى تراجع كبير في إصدارات الديون من قبل الشركات، خصوصاً ذات التصنيفات الائتمانية المنخفضة. وفي أبريل 2025، أصدرت الشركات الأميركية ذات التصنيف المنخفض أقل من مليار دولار من السندات، وهو الأدنى في 4 سنوات. هذا التراجع الحاد في الاقتراض يؤشر إلى انخفاض الاستثمار، وضعف توقعات الإيرادات، مما قد يؤدي إلى خفض التكاليف، وتقليص الوظائف، وتباطؤ نمو الأجور، ويهدد بتراجع الإنفاق الاستهلاكي، وبالتالي زيادة مخاطر الركود أو الانكماش الاقتصادي.

الرئيس دونالد ترمب على خشبة المسرح في قاعدة العديد الجوية بالدوحة (أ.ب)

سياسات ترمب وهجماته على الفيدرالي

لقد أسهم مشروع قانون الضرائب «الكبير والجميل» الذي طرحه ترمب، بالإضافة إلى تخفيض تصنيف «موديز»، في تسليط الضوء على استدامة العجز، مما أثر سلباً على أسعار السندات. ويشير تحليل أجرته تورستن سلوك، كبيرة الاقتصاديين في «أبولو»، إلى أن فروق مقايضات التخلف عن سداد الائتمان الحكومي الأميركي تتداول عند مستويات مماثلة لليونان وإيطاليا.

كما أثارت هجمات ترمب على رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول قلق السوق، حيث استدعى الرئيس باول إلى البيت الأبيض مؤخراً. ويرى مايكل دي باس، الرئيس العالمي لتداول أسعار الفائدة في «سيتاديل سيكيوريتيز»، أن «قوة الدولار الأميركي تأتي جزئياً من نزاهته المؤسسية: سيادة القانون، واستقلالية البنك المركزي، والسياسة التي يمكن التنبؤ بها». ويضيف أن «الأشهر الثلاثة الماضية شككت في ذلك»، وأن «الشاغل الرئيسي للأسواق الآن هو ما إذا كنا ننتقص من المصداقية المؤسسية للدولار، أم لا».

الرئيس الأميركي يسير مع جيروم باول مرشحه لرئاسة «الاحتياطي الفيدرالي» عام 2017 (أرشيفية -أ.ف.ب)

تحول في استراتيجيات الاستثمار

يمثل التباعد بين عوائد الخزانة والدولار تحولاً ملحوظاً عن نمط السنوات الأخيرة، حيث كانت التوقعات بشأن السياسة النقدية والنمو الاقتصادي هي المحركات الحاسمة لتكاليف الاقتراض الحكومي. يقول أندرياس كونيغ، رئيس قسم العملات الأجنبية العالمية في «أموندي»، إن هذا النمط الجديد يمكن أن يزيد المخاطر للمستثمرين الباحثين عن أصول الملاذ الآمن. «هذا يغير كل شيء. في السنوات القليلة الماضية، كان الاحتفاظ بالدولار في المحفظة... عاملاً جيداً جداً للاستقرار... إذا فجأة أصبح الدولار مرتبطاً (بالخسائر بدلاً من الاستقرار)، فإنه يزيد المخاطر».

ويشير محللو «غولدمان ساكس» إلى أن المخاوف الجديدة المتعلقة باستقلالية «الاحتياطي الفيدرالي»، والاستدامة المالية تجعل نمط الأصول يبدو مختلفاً بوضوح، وقد شكلت «تحدياً لكلتا أدوات التحوط الشائعة للمحافظ».

ويُعزى ضعف العملة الأميركية جزئياً إلى لجوء حاملي الأصول المقومة بالدولار بشكل مزداد إلى تحوط استثماراتهم باتخاذ مراكز بيع في الدولار. ووفقاً لجالينوس من «يو بي إس»، «كلما زاد عدم اليقين في السياسة، زادت احتمالية أن يرفع المستثمرون نسب التحوط الخاصة بهم»، وهو ما قد يعني «بيع مليارات كثيرة من الدولارات» إذا زادت نسب التحوط على المخزون الحالي من الأصول الدولارية.


مقالات ذات صلة

الدولار يتراجع والين تحت ضغط «شهية المخاطر» وترقب مفاوضات السلام

الاقتصاد أمين صندوق في متجر بقالة يسحب أوراقاً نقدية من فئة الدولار (أ.ب)

الدولار يتراجع والين تحت ضغط «شهية المخاطر» وترقب مفاوضات السلام

تراجع الدولار وسط تعرض الين الياباني لضغوط، يوم الثلاثاء، حيث اتجه المستثمرون نحو العملات المرتبطة بالمخاطر.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)
الاقتصاد امرأة هندية ترتدي حلياً ذهبياً في متجر مجوهرات في بنغالور (إ.ب.أ)

الذهب يتراجع مع ارتفاع الدولار وترقُّب «محادثات السلام» في إسلام آباد

تراجع الذهب يوم الثلاثاء مع ارتفاع الدولار، في حين يترقب المستثمرون المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد هندية ترتدي قطعة من الحُلي الذهبية داخل متجر مجوهرات في بنغالور (إ.ب.أ)

الذهب يتراجع مع صعود الدولار ومخاوف التضخم وسط اضطرابات «هرمز»

تراجعت أسعار الذهب يوم الاثنين؛ متأثرة بارتفاع الدولار الأميركي وتجدد مخاوف التضخم، في أعقاب اضطرابات مرتبطة بإغلاق مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا مواطن يستبدل دولارات من داخل صرافة في القاهرة (رويترز)

تحسّن أداء الجنيه لا يُخفف مخاوف المصريين من هزات الاقتصاد

رغم تحسّن مستوى الجنيه أمام الدولار، فإن ذلك لن ينعكس قريباً على الأسعار، ولن يُبدد المخاوف من الهزات الاقتصادية، حسب متخصصين.

رحاب عليوة (القاهرة)
الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

الأسواق العالمية تستعيد زخمها بعد الإعلان عن فتح «مضيق هرمز»

شهدت الأسواق العالمية تحركات حادة يوم الجمعة، في أعقاب قرار إيران فتح مضيق هرمز أمام جميع السفن التجارية خلال فترة وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (عواصم)

زخم الطلبات يرفع وتيرة نمو خدمات التوصيل في السعودية

مندوب يقوم بتوصيل طلبية في الرياض (الشرق الأوسط)
مندوب يقوم بتوصيل طلبية في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

زخم الطلبات يرفع وتيرة نمو خدمات التوصيل في السعودية

مندوب يقوم بتوصيل طلبية في الرياض (الشرق الأوسط)
مندوب يقوم بتوصيل طلبية في الرياض (الشرق الأوسط)

مدفوعاً بتغيرات متسارعة في سلوك المستهلك وتنامي الاعتماد على الحلول الرقمية، يواصل قطاع توصيل الطلبات في السعودية تحقيق قفزات نوعية، معززاً مكانته بوصفه أحد أبرز محركات الاقتصاد الرقمي، بعد تسجيل القطاع نمواً لافتاً خلال الربع الأول من العام الحالي بنسبة تقارب 49 في المائة، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.

ويدعم تلك القفزة زيادة تجاوزت 118 مليون طلب خلال الربع الأول من العام الحالي، في دلالة واضحة على اتساع قاعدة المستخدمين وتطور البنية التحتية للخدمات اللوجيستية والتقنية في المملكة.

وحسب تقرير حديث صادر عن الهيئة العامة للنقل، استحوذت العاصمة الرياض على 44 في المائة من إجمالي الطلبات في الربع الأول 2026، تلتها مكة المكرمة 22.2 في المائة، ثم المنطقة الشرقية 16.2 في المائة، فيما توزعت بقية الطلبات على باقي مناطق المملكة.

أبرز التطبيقات

ومن أبرز قائمة تطبيقات التوصيل في السعودية: «هنقرستيشن»، و«جاهز»، و«كيتا»، و«مرسول»، و«نينجا»، و«كريم ناو»، و«تويو»، وغيرها من المنصات التي تعمل في هذا المجال.

وتشهد تلك التطبيقات منافسة شرسة مع ارتفاع الطلبات المنفذة من قبل المستهلكين والاعتماد عليها بشكل كبير، حيث يقدم بعض من تلك المنصات عروضاً ترويجية وخصومات على تلك الطلبات للاستحواذ على أكبر نسبة من العملاء.

وكان قطاع نشاط الطلبات قد سجل في المملكة نمواً ملحوظاً خلال الربع الثالث من العام الماضي، إذ تجاوز إجمالي عدد الطلبات المنفذة أكثر من 103 ملايين عملية طلب على مستوى مناطق السعودية، بارتفاع بلغ 40 في المائة، قياساً بالربع المماثل من عام 2024، مما يعكس النمو المتواصل في خدمات توصيل الطرود وارتفاع الطلب على التجارة الإلكترونية والخدمات اللوجيستية في البلاد.

الأنظمة والتشريعات

ويعود هذا النمو الملحوظ الذي يشهده قطاع توصيل الطلبات إلى عدد من العوامل، أبرزها تطوير الأنظمة والتشريعات التي مكّنت الشركات من رفع جودة خدماتها وكفاءتها التشغيلية، إلى جانب تعزيز البنية التحتية الرقمية ودعم الابتكار في مجالات الخدمات اللوجيستية.

كما أسهمت التحولات في سلوك المستهلكين والاعتماد المتزايد على التجارة الإلكترونية في رفع حجم الطلب على خدمات التوصيل، بالإضافة إلى الاستثمارات في الحلول التقنية الحديثة التي عززت سرعة الاستجابة ورفعت مستوى التنافسية داخل السوق.

يذكر أن المملكة شهدت في الأعوام الأخيرة طفرة في تطبيقات التوصيل، ومن ضمنها خدمات المطاعم والتموينات وبقية المستلزمات الأخرى. وبلغت ذروة اعتماد المستهلكين عليها بعد تطبيق الإجراءات الاحترازية للحد من انتشار فيروس كورونا المستجد في عام 2020.


أزعور لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تمتلك «مصدات مالية» قوية لمواجهة تداعيات الحرب

أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)
أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)
TT

أزعور لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تمتلك «مصدات مالية» قوية لمواجهة تداعيات الحرب

أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)
أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)

«هي صدمة متعددة الأبعاد»... هكذا اختصر مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، المشهد القاتم الذي يعصف بالمنطقة، واصفاً الحرب الحالية بأنها زلزال لم تشهده الجغرافيا السياسية والاقتصادية منذ خمسة عقود، وأنها أصابت أحد أكثر الممرات الاقتصادية حيوية في العالم، حيث لم تكتفِ بزعزعة أسواق الطاقة، بل امتدت لتعطل طرق التجارة وتضرب ثقة قطاع الأعمال، مما خلق حالة من الغموض تتطلب استجابات غير تقليدية. وأكد في المقابل أن السعودية نجحت خلال السنوات الأخيرة في بناء مؤسسات مالية صلبة وتنويع مصادر دخلها، مما يمنحها مساحة للمناورة رغم الضغوط.

وكان صندوق النقد الدولي خفَّض في تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» توقعات نمو دول الخليج لعام 2026؛ بسبب تداعيات حرب إيران، مع تفاوت لافت في حجم التأثير بين البلدان بحسب درجة انكشافها على أسواق الطاقة والتجارة، وتوفر بدائل لضمان صادراتها النفطية. ففي البلدان المصدّرة للنفط المتضررة من الصراع، يُتوقع حالياً انكماش خمسة من ثمانية اقتصادات في عام 2026. وتواجه قطر الانخفاض الأكثر حدة في التوقعات نتيجة ما لحق ببنيتها التحتية من أضرار هائلة. وفي المقابل، تواجه سلطنة عُمان تراجعاً طفيفاً في التوقعات بسبب وقوع منفذها البحري بالكامل خارج مضيق هرمز، كما يُتوقع أن تستفيد من تحسن أرصدة ماليتها العامة وحسابها الجاري بفضل ارتفاع أسعار النفط. فيما برزت السعودية في مقدِّمة الدول التي ستُحقِّق نمواً هذا العام بنحو 3.1 في المائة، بفضل أنابيب النفط البديلة.

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)

من جهته، أوضح أزعور خلال حلقة نقاش افتراضية حول آخر مستجدات صندوق النقد الدولي بشأن تأثير حرب الشرق الأوسط على اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن هذه الصدمة الاستثنائية التي ضربت قلب الممرات التجارية والطاقة العالمية، تقابلها صلابة مؤسسية في السعودية؛ حيث أكد أن المملكة نجحت في بناء «مصدات» مالية قوية من خلال تنويع الدخل وتقوية مؤسساتها، مما يمنحها الحيز المالي الكافي للمضي قدماً في طموحات «رؤية 2030» وحماية مشاريعها العملاقة من شظايا الاضطرابات الإقليمية.

مؤسسات مالية قوية

وشرح أزعور في إجابته على سؤال «الشرق الأوسط» أن السعودية عملت بذكاء لربط سياستها المالية بـ«مرساة» متوسطة المدى. وأوضح أن عملية «إعادة ترتيب أولويات المشاريع» التي تقوم بها المملكة هي ممارسة اقتصادية صحية وطبيعية تفرضها تغيرات الظروف الدولية، والهدف منها هو ضمان استمرار الغرض الجوهري لـ«رؤية 2030» في تنويع الاقتصاد وخلق الوظائف، مؤكداً أن المملكة تمتلك القدرة على التكيف مع اضطرابات طرق التجارة بفضل المؤسسات المالية القوية التي تم بناؤها.

تصدع البنية التحتية للطاقة

وأوضح أزعور أن الصدمة الحالية اتخذت من قطاع الهيدروكربونات مركزاً لها، حيث تشير البيانات والرسوم البيانية إلى توقف مفاجئ لتدفق أكثر من 12 مليون برميل يومياً من النفط والغاز. وشرح أن هذا التعطل لم يقف عند حدود الطاقة، بل تمدد ليصيب «القطاع الحقيقي»؛ حيث سجلت السياحة في معظم دول مجلس التعاون تراجعاً ملحوظاً، كما تضررت ثقة قطاع الأعمال، وظهرت تداعيات ذلك بوضوح في اتساع هوامش الائتمان وتذبذب العملات، وكان الجنيه المصري الشاهد الأكبر على وطأة هذه الهزات الارتدادية العنيفة.

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

سيناريوهات «يوم الحساب»

وعند الانتقال للحديث عن المستقبل، رسم أزعور ملامح «السيناريو المرجعي» الذي يفترض انتهاء الأعمال القتالية بحلول منتصف العام، ومع ذلك، أوضح أن الأسواق يجب أن تتأهب لأسعار نفط أعلى بـ10 دولارات للبرميل. وحذر بشدة من سيناريو «أكثر تعقيداً» قد يقفز فيه النفط إلى متوسط 130 دولاراً لفترة طويلة، مبيناً أن هذا التحول سيحول الأزمة من صدمة عرض إلى عبء ثقيل على موازين الدول المستوردة للنفط مثل الأردن وتونس، حيث سيؤدي لانكماش حاد في الحساب الجاري.

ترابط مصالح المنطقة

وشرح أزعور بعمق مدى ترابط مصالح المنطقة، موضحاً أن دولاً مثل باكستان ومصر والأردن تعتمد بشكل بنيوي على دول الخليج، ليس فقط في تأمين الطاقة، بل في «شرايين الحياة» المالية. وأكد أن أي اضطراب في الخليج يترجم فوراً إلى تراجع في تحويلات المغتربين (التي تمثل 5 في المائة من الناتج المحلي لبعض الدول) وتوقف في التدفقات الرأسمالية، محذراً من أن استمرار الحرب قد يحول أزمة الطاقة إلى «كارثة أمن غذائي» للدول الهشة بسبب ارتفاع تكلفة الأسمدة والسلع الأساسية.

«ابقوا البارود جافاً»

وفي الجزء الأكثر حزماً من عرضه، أوضح أزعور أن «مساحة المناورة» أمام الحكومات باتت تضيق بسبب المديونية العالية التي خلفتها الجائحة. واستشهد بنصيحة «وزير مالية خليجي» بضرورة «إبقاء البارود جافاً»، شارحاً أن الدول مطالبة اليوم بالرشاقة في استخدام هوامش الأمان المتاحة لها. وشدد على ضرورة «المعايرة» الدقيقة للسياسات؛ بحيث يتم إلغاء الدعم الشامل وتوجيهه نقدياً للفئات الضعيفة، مع ضرورة الحفاظ على «تشديد نقدي» لمحاربة التضخم، والاعتراف بأن مرونة سعر الصرف هي الدرع الحقيقية لحماية الاقتصاد من الهزات العنيفة.

ورأى أزعور أن هذه الأزمة، رغم قسوتها، يجب أن تكون نقطة تحول تفرض إعادة تفكير جذرية في الاستراتيجيات الاقتصادية طويلة الأمد للمنطقة. وأوضح أن الاعتماد المفرط على مسارات تجارية وطاقية أحادية بات يشكل خطراً وجودياً في عالم يتسم بالتقلبات الجيوسياسية المتسارعة، مشدداً على أن «اليوم التالي» للحرب لا ينبغي أن يكون عودة للنماذج القديمة، بل انطلاقة نحو بناء «اقتصاد المرونة».

وشرح أن هذا التحول الجذري يتطلب مسارات عمل متوازية؛ تبدأ بتسريع وتيرة تنويع القواعد الإنتاجية لتقليل الحساسية تجاه صدمات أسعار الطاقة، وصولاً إلى تعميق التكامل الاقتصادي الإقليمي الذي أثبتت الأزمة أنه ليس مجرد خيار سياسي، بل هو «درع أمان» اقتصادية مشتركة. كما أشار إلى ضرورة تعزيز الأمن الغذائي والمائي عبر الابتكار، لضمان ألا تظل لقمة عيش شعوب المنطقة رهينة لتعطل سلاسل الإمداد العالمية.

وفي رسالة لصنّاع القرار، أكد أزعور أن الاستقرار المالي المستدام لا يتحقق فقط بإدارة الأزمات عند وقوعها، بل ببناء «مخففات صدمات» هيكلية في صلب الأنظمة الاقتصادية، تجعل من دول المنطقة فاعلاً قادراً على امتصاص الهزات الكبرى والتحول نحو نمو أكثر استدامة وشمولاً، بعيداً عن تقلبات الجغرافيا السياسية وحروبها الممتدة.


بنك اليابان يحذِّر من مخاطر استمرار توترات حرب إيران

محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)
محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)
TT

بنك اليابان يحذِّر من مخاطر استمرار توترات حرب إيران

محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)
محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)

قال البنك المركزي الياباني، يوم الثلاثاء، إنه يجب على اليابان توخي الحذر من المخاطر التي تهدد النظام المالي للبلاد، والناجمة عن التطورات في الشرق الأوسط، محذراً من أن استمرار التوترات قد يُبقي أسعار الطاقة مرتفعة، ويزيد من حالات تعثر الشركات. وقال بنك اليابان في تقرير نصف سنوي: «يحافظ النظام المالي الياباني على استقراره بشكل عام».

ولكن التقرير أشار إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يؤدي إلى زيادة تكاليف شراء السلع الأساسية للشركات، والتأثير على سلاسل التوريد، مما قد يزيد من مخاطر التعثر، على الرغم من أن إقراض أكبر 3 بنوك يابانية للشرق الأوسط لا يزال محدوداً.

وأضاف التقرير: «لا يزال من الضروري إيلاء اهتمام دقيق لاحتمالية تأثير ذلك على الأوضاع المالية للشركات، وإدارة تدفقاتها النقدية».

وأشار التقرير أيضاً إلى المخاطر المرتبطة بازدياد نشاط المؤسسات غير المصرفية، مثل صناديق التحوط، وشركات الأسهم الخاصة، ومقرضي الائتمان الخاص.

ووفقاً للتقرير، لم تُقدِّم البنوك اليابانية الكبرى حتى الآن سوى نحو 9 في المائة من إجمالي قروضها الخارجية للصناديق الأجنبية، بما في ذلك الأسهم الخاصة والائتمان، مما يدل على أن انكشافها لا يزال محدوداً في الوقت الراهن. ومع ذلك، ذكر بنك اليابان أن القطاع المصرفي المحلي يزداد ترابطاً مع المؤسسات غير المصرفية الأجنبية، محذراً من أن الضغوط التي تُؤثر على هذه المؤسسات من حيث الائتمان أو السيولة «قد تنتقل بسهولة أكبر إلى القطاعات المصرفية في مختلف الدول».

وقد واجهت بعض صناديق الائتمان الخاصة في الولايات المتحدة طلبات استرداد مرتفعة؛ حيث سارع المستثمرون الأفراد القلقون إلى سحب استثماراتهم، وسط مخاوف بشأن الشفافية والتقييمات والاضطرابات الناجمة عن الذكاء الاصطناعي.

ولا يزال سوق الائتمان الخاص في اليابان صغيراً نسبياً، نظراً لسهولة حصول الشركات على قروض مصرفية تقليدية، لكن البنوك اليابانية زادت من تمويلها لصناديق الائتمان الخاصة العالمية في السنوات الأخيرة سعياً وراء عوائد أعلى.