رئيس الوزراء الباكستاني يأمل إجراء مفاوضات مع الهند في السعودية

محللون لـ«الشرق الأوسط»: ثقة الجانبين بالرياض تلعب دوراً في تسهيل عقد المباحثات

جندي باكستاني يقف عند نقطة حدودية بين الهند وباكستان في 4 مايو (إ.ب.أ)
جندي باكستاني يقف عند نقطة حدودية بين الهند وباكستان في 4 مايو (إ.ب.أ)
TT

رئيس الوزراء الباكستاني يأمل إجراء مفاوضات مع الهند في السعودية

جندي باكستاني يقف عند نقطة حدودية بين الهند وباكستان في 4 مايو (إ.ب.أ)
جندي باكستاني يقف عند نقطة حدودية بين الهند وباكستان في 4 مايو (إ.ب.أ)

قال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الأربعاء، إن المملكة العربية السعودية قد تكون مكاناً «محايداً» لعقد «محادثات ضرورية» بين باكستان والهند حول القضايا الملحّة.

ونقلت تقارير إعلامية عقب لقاءٍ أجراه رئيس الوزراء الباكستاني مع عدد من الصحافيين بمقر رئاسة الوزراء في العاصمة إسلام آباد، أن القضايا الرئيسية المطروحة للتفاوض مع الهند ستشمل كشمير، والمياه، والتجارة، والإرهاب، مستبعداً احتمال أن تكون الصين مكاناً محايداً للمفاوضات، معرباً عن أمله في الوقت ذاته أن تكون السعودية مكاناً يمكن للطرفين التوافق على إجراء المفاوضات على أرضها.

رئيس الوزراء الباكستاني مستقبِلاً وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية في 9 من الشهر الجاري (رئاسة الوزراء الباكستانية)

وأوضح شريف أنه في حال عُقدت محادثات بين باكستان والهند، فإن مستشار الأمن القومي هو من سيقود الوفد الباكستاني، وبيّن أن الأوضاع بين باكستان والهند بدأت في التهدئة بعد الاتصالات التي جرت على صعيد عسكري بين البلدين.

وفد هندي إلى السعودية

ومن المتوقع أن يصل وفد هندي مشكّل من عدد من الأحزاب البرلمانية وشخصيات سياسية بارزة في الهند، بتنسيق مع الحكومة الهندية، إلى السعودية قريباً، بغرض عرض وجهة النظر الهندية في الصراع الذي جرى مع باكستان، وفقاً لما أكدته وسائل إعلام هندية، الأربعاء، والتي أضافت أن زعماء المعارضة سيتعاونون في هذا الإطار، في حين أشارت وزارة الشؤون البرلمانية إلى أن «الوفود المكونة من جميع الأحزاب سوف تعكس الإجماع الوطني الهندي، ونهجها الحازم في مكافحة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره».

وحول المنطقة المحايدة التي ستحتضن محادثات هندية - باكستانية قريباً، وفقاً لبيان الخارجية الأميركية في وقتٍ سابق، كشف الدكتور أحمد فاروق، السفير الباكستاني لدى السعودية، لـ«الشرق الأوسط» الأسبوع الماضي، أنه لم يتم الاتفاق على هذه المسألة بين الطرفين حتى الآن، مشدّداً على استعداد بلاده لمناقشة جميع القضايا الثنائية مع الهند في أي مكان محايد، على أساس الاحترام المتبادل والمساواة في السيادة، كما سترحب بوساطة الدول الصديقة. وأردف: «هذا سيعتمد على موقف الهند وسلوكها»، وأكد أن بلاده ترى أن «السلام الدائم في جنوب آسيا لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال حوار مستمر بين الهند وباكستان يهدف إلى معالجة جميع القضايا الثنائية، وعلى رأسها نزاع جامو وكشمير، عبر الحوار والدبلوماسية».

انخراط سعودي مبكر

ولفت فاروق إلى أن السعودية سهّلت التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين باكستان والهند، معرباً عن امتنان بلاده لـ«الدور المحوري الذي لعبته دول أخرى، لا سيما السعودية، في تسهيل المباحثات التي أدت إلى إعلان وقف إطلاق النار وإقناع الطرفين بأن الحرب ليست حلاً»، لافتاً إلى أن الرياض لعبت دوراً حاسماً في التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، مشيراً إلى أنها انخرطت بشكل فاعل منذ البداية، وقامت بدور الوسيط، مما يعكس الأهمية والجدية التي توليها السعودية لـ«تهدئة الوضع المتدهور بسرعة في جنوب آسيا، وتسهيل المباحثات من أجل وقف إطلاق النار».

جندي هندي يراقب مسيّرة قرب خط السيطرة في الجزء الخاضع للهند من كشمير (أ.ف.ب)

ورأى فاروق أن جهود المملكة في بناء السلام في كثير من النزاعات الدولية برهان على نفوذ قيادتها المتزايد، والاحترام الذي تحظى به داخل المنطقة وخارجها، كما تؤكد هذه الجهود أن السعودية هي «قوة خير تقود من الأمام في تعزيز السلام حول العالم»، وفقاً لتعبيره، مطالباً الدول التي لعبت دوراً حيوياً في دفع الطرفين للتوصل إلى وقف إطلاق النار بـ«مراقبة الوضع عن كثب والبقاء منخرطة بشكل فاعل»، إلى جانب اضطلاع المجتمع الدولي بدور «في الضغط على الهند للجلوس إلى طاولة الحوار مع باكستان ومناقشة جميع القضايا»، مرحّباً بالتصريحات الصادرة عن السعودية ودول صديقة أخرى، تدعو إلى الحوار بين البلدين.

تجارب سابقة

الكاتب المختص بشؤون الأمن القومي أحمد القريشي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الدبلوماسية السعودية «أثبتت نفسها طرفاً فاعلاً في النظام الدولي»، سواء في إيران وأفغانستان أو أزمات أوكرانيا والسودان واليمن وأزمة غزة، وفقاً لوصفه، وألمح القريشي إلى تجارب من مساعدة سعودية سابقة في الوساطة بين الجانبين، ومن ذلك «أزمة إسقاط المقاتلة الهندية وأسر طيّارها في فبراير (شباط) عام 2019، وهي الأزمة التي جرى حلها عبر إطلاق باكستان سراح الطيار وإعادته للهند»، بحسب القريشي.

وشرح القريشي تفسيره لتصريحات رئيس الوزراء الباكستاني، الأربعاء، لعدد من وسائل الإعلام في البلاد، بأن الرياض تتمتع ليس فقط بعلاقات ممتازة مع البلدين الهند وباكستان، بل يظهر من تصريح رئيس الوزراء الباكستاني أنها «تحوز الثقة الكاملة من جانب إسلام آباد كمكان للمفاوضات مع الهند، ولا شك أن القيادة الهندية تنظر أيضاً إلى الحكمة والقيادة السعودية لفض النزاع».

ويذهب الدكتور حسن شهزاد، وهو محلل سياسي باكستاني، في الاتجاه ذاته، قائلاً إن «السعودية هي الدولة الوحيدة التي تدين لها كل من باكستان والهند على قدم المساواة»، وشدّد على أن باكستان «تقدِّر جهود الوساطة التي تبذلها السعودية»؛ إذ التقى رئيس الوزراء شهباز شريف بالسفير السعودي نواف المالكي، مؤخراً، وأعرب عن تقديره لجهود السعودية من أجل الوساطة، إلى جانب استقبال الوزير عادل الجبير عند وصوله إلى باكستان في خضم التوتّر الأخير، وأكد له تعاون باكستان الكامل في جهود الوساطة السعودية للحد من الصراع.

جنديان هنديان قرب خط السيطرة في الجزء الخاضع للهند من كشمير (أ.ف.ب)

وبالنظر لعدد من المعطيات، طالب شهزاد رئيسَ الوزراء الهندي بإنقاذ سمعته إذا أراد البقاء في السباق الانتخابي المقبل، وذلك عبر أن ينقل إلى السعودية أنه «جاد في قبول وساطتها لحل الصراع»، على حد تعبيره. وأردف: «يجب أن يعرف رئيس الوزراء الهندي أن السعودية هي الدولة الوحيدة التي يمكن أن تحقق وساطتها السلام المستدام مع باكستان، وليس الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أبداً».

رصيد سعودي

المتخصص في الشؤون الدولية أحمد آل إبراهيم، قال لـ«الشرق الأوسط» إن مشاركة السعودية في الجهود لوقف إطلاق النار أعطت زخماً إيجابياً؛ نظراً لكون الطرفين يثقان بشدة في السعودية، وأشار إلى ذلك من خلال اللقاءات الأخيرة بين زعيمَي البلدين مع ولي العهد السعودي، إلى جانب الزيارات الرسمية مؤخراً.

وكانت التصريحات من الجانبين التي تلت إعلان وقف إطلاق النار، وتضمّنت تقديرهما للدور المحوري والأساسي الذي لعبته الرياض في جهود خفض التصعيد، برهاناً لدى آل إبراهيم على دور السعودية الحاسم في هذا الشأن، وعدّ أن ذلك يضيف إلى رصيد السعودية في جهود نزع فتيل الأزمة، وتجنيب العالم خطر نشوب حرب عسكرية بين الجارتين النوويتين، إلى جانب جهودها في مناطق أخرى حول العالم بذات الخصوص، مما يجعلها أكثر مكان قد يلقى تفاعلاً إيجابياً من نيودلهي وإسلام آباد للوساطة واحتضان أي مفاوضات مرتقبة.

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة

وزير الخارجية السعودي ونظيره الباكستاني يبحثان سبل خفض حدة التوتر

الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي (الشرق الأوسط)

وزير الخارجية السعودي ونظيره الباكستاني يبحثان سبل خفض حدة التوتر

تلقى الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله، وزير الخارجية السعودي، اليوم، اتصالًا هاتفيًا من نائب رئيس الوزراء وزير خارجية باكستان محمد إسحاق دار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
آسيا الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري (أ.ف.ب) p-circle

باكستان تتهم أفغانستان بخلق ظروف «مشابهة أو أسوأ» مما كانت قبل هجمات 11 سبتمبر

حذّر رئيس باكستان من أن حكومة «طالبان» في أفغانستان خلقت ظروفاً «مشابهة أو أسوأ» من تلك التي سبقت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية التي استهدفت أميركا.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
آسيا رجال أمن باكستانيون في حراسة ميناء كراتشي بعد تصعيد عسكري بين بلادهم والهند في مايو الماضي (إ.ب.أ)

باكستان والهند تتبادلان قوائم المنشآت النووية والسجناء

قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية، طاهر حسين أنداربي، اليوم الخميس، إن باكستان والهند تبادلتا قوائم منشآتهما النووية بموجب اتفاق خاص

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
آسيا أفراد من الجيش يتفقدون موقع الهجوم الانتحاري خارج مقر قوة الحدود في بيشاور حيث قتل ثلاثة أفراد من القوات شبه العسكرية الباكستانية (أ.ف.ب)

3 قتلى في هجوم انتحاري استهدف مقر شرطة الحدود الباكستانية

أسفر تفجير انتحاري عن مقتل ثلاثة عناصر أمن باكستانيين عند مقر شرطة الحدود في مدينة بيشاور بولاية خيبر بختونخوا الحدودية مع أفغانستان.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
آسيا الهند: نتعامل مع انفجار نيودلهي على أنه «واقعة إرهاب»

الهند: نتعامل مع انفجار نيودلهي على أنه «واقعة إرهاب»

أكدت الحكومة الهندية، اليوم الأربعاء، أنها تتعامل مع انفجار سيارة في نيودلهي على أنها «واقعة إرهاب»، وتوعدت الجناة بتقديمهم إلى العدالة بأسرع ما يمكن.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

خلال 40 يوماً من الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ابتداءً من 28 فبراير (شباط) الماضي، ظهر موقف الجماعة الحوثية بوصفه من أكثر المواقف إثارة للتساؤل في الأوساط السياسية والعسكرية، ليس نتيجة ما قامت به الجماعة، بل بسبب ما امتنعت عنه؛ حيث لم يرتقِ دورها إلى المستوى الذي يترجم شعار «وحدة الساحات» كما الحال مع «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية المسلحة.

فالجماعة التي اكتسبت حضورها الإقليمي بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عبر تصعيدها في البحر الأحمر وخليج عدن والهجمات ضد إسرائيل، مع رفعها شعار «وحدة الساحات» عنواناً لتحالفاتها، بدت هذه المرة أكثر تحفظاً، مكتفية بأدوار أدائية محدودة مقارنة مع خطابها المرتفع، في سلوك يعكس -وفق تقديرات مراقبين- انتقالاً واضحاً من التعبئة الآيديولوجية إلى حسابات أكثر براغماتية تحكمها «معادلة البقاء» في المقام الأول.

في هذا السياق، اقتصر تدخل الحوثيين على تبني 5 عمليات هجومية بالصواريخ والمسيّرات، كانت ذات طابع رمزي ودون تأثير على مسار المعركة، بهدف تسجيل موقف سياسي إلى جانب إيران دون الانخراط في مواجهة واسعة، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الجماعة وطهران، وحدود التزامها الفعلي، في إطار ما يُعرف بمحور «المقاومة».

عنصر حوثي يحمل سلاحاً على الكتف خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وتشير هذه المعطيات إلى أن قيادة الجماعة أعادت ترتيب أولوياتها وفقاً لمعادلة البقاء الداخلي، التي باتت تتقدم على أي اعتبارات آيديولوجية أو تحالفات إقليمية، فبعد سنوات من الصراع، استمر الحوثيون في سيطرتهم على أجزاء واسعة من شمال اليمن، وأصبح هدفهم الأساسي يتمثل في تثبيت هذه السيطرة وتحويلها إلى واقع سياسي معترف به.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يفسّر الباحث والأكاديمي اليمني الدكتور فارس البيل هذا السلوك بأن «تلكؤ الجماعة في الانخراط الكامل ليس أمراً مستجداً، بل تكرر في حرب الـ12 يوماً (حرب أميركا وإسرائيل على إيران في صيف العام الماضي)، غير أن ذلك لا يعني استقلال قرارها عن إيران»، مشيراً إلى أن «الرد الأميركي والإسرائيلي العنيف، وتجربة الحوثيين السابقة مع الضربات، جعلا أي انخراط واسع بمثابة تهديد وجودي قد يقود إلى نهايتهم».

ومن هذا المنطلق، يرى محللون يمنيون أن انخراط الجماعة في حرب إقليمية مفتوحة دفاعاً عن إيران لم يكن خياراً واقعياً، بالنظر إلى التكلفة المرتفعة التي قد تترتب عليه. فمثل هذا الانخراط كان سيُعرّض ما تبقى من البنية العسكرية للجماعة إلى خطر التدمير، ويُهدد بإعادة خلط الأوراق داخلياً، خصوصاً في ظل احتمالية المواجهة مع القوات الحكومية وانهيار التهدئة الهشّة المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2022.

كما أن ترسانة الجماعة الصاروخية ومن المسيّرات، التي تُمثل أحد أبرز عناصر قوتها في أي مواجهة محلية، تجعل من استخدامها في معارك بعيدة مخاطرة غير محسوبة، ولهذا تُشير التقديرات إلى أن الجماعة فضّلت الاحتفاظ بقدراتها العسكرية لخدمة أهدافها الداخلية، بدلاً من استنزافها في صراع غير مضمون العواقب.

هاجس الردع الدولي

ولعبت تجربة الحوثيين السابقة في استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر دوراً محورياً في تشكيل موقفهم خلال الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، فعلى الرغم من المكاسب الإعلامية التي حققتها تلك العمليات، فإنها قوبلت بردود عسكرية قوية من الولايات المتحدة وبريطانيا، قبل أن تفاقم إسرائيل الوضع عبر 19 موجة من الضربات الموجعة.

مسلح حوثي خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيم الجماعة في 10 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

وكما يبدو، فإن هذه الضربات خلال العامين الماضيين تركت أثراً واضحاً في حسابات القيادة الحوثية التي باتت تُدرك أن التصعيد ضد المصالح الدولية قد يستدعي ردّاً واسع النطاق يتجاوز الضربات الغربية والإسرائيلية السابقة إلى عمليات أكثر شمولاً قد تُهدد وجودها، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع منح القوات الحكومية الشرعية الضوء الأخضر لإطلاق عمليات برية لتحرير المحافظات الخاضعة للجماعة.

وفي هذا الإطار، يربط الدكتور البيل بين هذا الإدراك وحالة الضعف التي أصابت شبكة النفوذ الإيراني، مشيراً إلى أن «تشتت الأذرع، وتراجع فاعلية مراكز القيادة في (الحرس الثوري) بعد الضربات، أفقدا طهران القدرة على إدارة الساحات بشكل متماسك، وهو ما انعكس في خطاب حوثي متردد ومضطرب منذ بداية الحرب».

كما يؤكد البيل أن «إيران قد تنظر إلى اليمن بوصفه ساحة احتياط، وليس ساحة اشتباك رئيسية، في ظل محدودية تأثير الحوثيين مقارنة بفصائل أقرب جغرافياً، ما يجعل الجماعة ورقة مؤجلة تستخدم في سياق المساومة أو التصعيد المرحلي».

وفي السياق ذاته، بدا أن الجماعة اختارت استراتيجية «تجنب الاستفزاز»، من خلال تنفيذ هجمات محدودة لا تدفع نحو تصعيد كبير، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لطبيعة موازين القوى، وحرصاً على تجنب الانزلاق إلى مواجهة غير متكافئة.

طبيعة العلاقة

وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، والتي غالباً ما تُصوَّر على أنها علاقة تبعية كاملة، غير أن الأداء الفعلي للجماعة خلال الحرب أظهر قدراً من التحفظ في إظهار الولاء المطلق، على الرغم من تصريحات القيادات الإيرانية وتهديدهم بورقة البحر الأحمر وباب المندب، في إشارة إلى حليفهم الحوثي.

ويؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الإله سلام أن الجماعة تحمل بُعداً عقائدياً يمنحها شعوراً بالخصوصية، ما يجعل قرارها «مستقلاً نسبياً» داخل المحور الإيراني، مشيراً إلى أنها تعتمد سياسة «الإبطان» تكتيكاً براغماتياً، فتقلص انخراطها عندما تشعر بتهديد وجودي أو اختلال في موازين القوى.

أشخاص يستقلون سيارة في صنعاء تمر أمام لوحة إعلانية رقمية تحمل صورة زعيم الحوثيين يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ويضيف سلام في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هذا السلوك، رغم ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» تدريباً وتسليحاً، «يوحي بوجود تعدد في مراكز التأثير على قرارها»، مستشهداً بتجربة «اتفاق استوكهولم»، التي أوقفت المواجهات في الحُديدة وأبقت على نفوذ الحوثيين، بما يُعزز فرضية أن الجماعة تتحرك ضمن شبكة توازنات أوسع من مجرد التبعية لطهران.

في المقابل، يقدّم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية مغايرة، إذ يتهم الجماعة بأنها «أداة إيرانية» لزعزعة الاستقرار الإقليمي، وتهديد أمن الممرات المائية الدولية، مؤكداً أن استمرار سيطرتها على أجزاء من اليمن يجعل هذا التهديد قائماً ومتصاعداً.

ويشدد العليمي من خلال تصريحاته الرسمية الأخيرة، على أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن لم يعد شأناً داخلياً، بل قضية دولية تمس أمن التجارة العالمية، داعياً المجتمع الدولي إلى تبني مقاربة أكثر حزماً «تنهي التهديد، ولا تكتفي باحتوائه».

كما يتهم طهران بأنها تسعى إلى توسيع الصراع عبر استخدام الحوثيين منصةً إقليميةً، في إطار استراتيجية لإرباك المنطقة وإضعاف الدول الوطنية، وهو ما يفرض -حسب تعبيره- التعامل مع الملف اليمني ضمن سياقه الإقليمي الأوسع.

تراجع شعار «وحدة الساحات»

وكشفت حرب الأربعين يوماً عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي للجماعة وممارساتها على الأرض، فشعار «وحدة الساحات»، الذي استُخدم خلال الحرب في غزة لتبرير انخراطها الإقليمي، بدا في هذه الحرب أقرب إلى أداة دعائية منه إلى استراتيجية فعلية.

ففي حين رُفع هذا الشعار بقوة خلال الحرب في غزة، وترافق مع عمليات استهداف للملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، جرى التعامل معه بمرونة ملحوظة في مواجهة الحرب ضد إيران، إذ اقتصر التفاعل الحوثي على خطوات محسوبة، تجنبت الانخراط الكامل، وراعت في الوقت ذاته عدم الظهور بمظهر المتخلي عن الحليف.

الحوثيون يحرقون العلم الإسرائيلي خلال تجمع لهم في صنعاء هذا الشهر (إ.ب.أ)

كما أن غياب الجماعة شبه التام خلال «حرب الاثني عشر يوماً» في 2025، ثم حضورها المحدود في الحرب الأخيرة، يُعزز الاستنتاج بأن قرار المشاركة لا تحكمه اعتبارات آيديولوجية بحتة، بل يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالمخاطر والمكاسب.

ولم تكن هذه الحسابات الحوثية مجرد استنتاجات، بل أكدتها كواليس التقييمات الأميركية، بعد أن حسم وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، هذا الجدل في إحاطة صحافية بمقر البنتاغون الخميس الماضي؛ حيث أعلن بوضوح أن الحوثيين فضلوا البقاء خارج أتون هذا الصراع الإقليمي المباشر، واصفاً قرارهم بـ«الجيد».

وكان المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، قد حذّر في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن من أن سلوك الحوثيين، بما في ذلك الهجمات الأخيرة، يُثير مخاوف من انزلاق اليمن إلى صراع إقليمي أوسع، رغم تجنبه هذا السيناريو حتى الآن.

ودعا غروندبرغ الجماعة إلى الامتناع عن أي تصعيد جديد، حفاظاً على فرص السلام، مؤكداً أن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن تُمثل أولوية دولية، وهو ما يتقاطع مع تحذيرات الحكومة اليمنية.

من كل ذلك، يظهر أن شعار «وحدة الساحات» بالنسبة للحوثيين تحوّل إلى شعار مطاطي يُستخدم وفقاً للظروف، ويُعاد تفسيره بما يتناسب مع أولويات الجماعة، التي باتت تميل بوضوح إلى تغليب حسابات البقاء وتعظيم المكاسب الداخلية، حتى إن جاء ذلك على حساب التزاماتها المعلنة داخل المحور الإيراني.


«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
TT

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)

في مشهد يتكرر كل عام، لكنه يزداد نضجاً، واتساعاً، تتحول رحلة الحج من مجرد انتقال جغرافي إلى تجربة إنسانية متكاملة تبدأ من مطارات الدول المستفيدة، حيث تُختصر المسافات، وتزال التعقيدات، وتُستبدل بها منظومة خدمات دقيقة تعكس رؤية متقدمة في خدمة ضيوف الرحمن. هكذا تواصل مبادرة «طريق مكة» ترسيخ نموذجها الفريد الذي أعاد تعريف رحلة الحج منذ لحظتها الأولى، وجاعلاً من السلاسة عنواناً، ومن الكرامة أولوية، ومن التقنية شريكاً أساسياً في كل خطوة.

انطلاق رحلات الحجاج من أنقرة ضمن المسارات المخصصة للمبادرة (واس)

وللعام الثامن على التوالي، تواصل وزارة الداخلية السعودية تنفيذ مبادرة «طريق مكة» -إحدى مبادراتها ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن، وأحد برامج «رؤية المملكة 2030»- عبر 17 منفذاً في 10 دول، تشمل المملكة المغربية، وجمهورية إندونيسيا، وماليزيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، وجمهورية بنغلاديش الشعبية، والجمهورية التركية، وجمهورية كوت ديفوار، وجمهورية المالديف، إضافة إلى دولتي السنغال وبروناي دار السلام اللتين تشاركان للمرة الأولى.

وتهدف المبادرة إلى تيسير رحلة الحج من خلال تقديم خدمات متكاملة، وعالية الجودة، تبدأ بإصدار تأشيرة الحج إلكترونياً، مروراً بإنهاء إجراءات الجوازات في مطارات بلدان المغادرة، بعد التحقق من الاشتراطات الصحية، وأخذ الخصائص الحيوية، وترميز وفرز الأمتعة وفق ترتيبات النقل، والسكن داخل المملكة. وعند وصول الحجاج، ينتقلون مباشرة عبر مسارات مخصصة إلى الحافلات التي تقلهم إلى مقار إقامتهم في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، فيما تتولى الجهات الشريكة إيصال أمتعتهم.

تكامل الجهات الحكومية في تقديم خدمات متقدمة لضيوف الرحمن (واس)

وفي إطار انطلاق موسم حج هذا العام، غادرت أولى رحلات المستفيدين من المبادرة من عدد من الدول، حيث انطلقت من جمهورية بنغلاديش الشعبية عبر صالة المبادرة في مطار حضرة شاه جلال الدولي متجهة إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، وبحضور عدد من المسؤولين، في خطوة تعكس جاهزية عالية، وتنسيقاً متكاملاً.

كما شهدت مدينة كراتشي في باكستان مغادرة أولى الرحلات عبر مطار جناح الدولي متجهة إلى مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة، في حين غادرت أولى الرحلات من ماليزيا عبر مطار كوالالمبور الدولي إلى الوجهة ذاتها، وسط حضور رسمي يعكس أهمية المبادرة في تعزيز تجربة الحجاج.

وامتد تنفيذ المبادرة إلى الجمهورية التركية، حيث انطلقت أولى الرحلات من مطار إيسنبوغا الدولي في أنقرة، متجهة إلى المدينة المنورة، ضمن منظومة تشغيلية موحدة تعكس تكامل الجهود بين مختلف الجهات المعنية.

خدمات تقنية ولوجيستية متكاملة تعزز تجربة الحجاج منذ المغادرة (واس)

وتنفذ وزارة الداخلية السعودية المبادرة بالتعاون مع وزارات الخارجية، والصحة، والحج والعمرة، والإعلام، والهيئة العامة للطيران المدني، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة العامة للأوقاف، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، والمديرية العامة للجوازات، وبالتكامل مع الشريك الرقمي (مجموعة stc).

ومنذ إطلاقها في عام 1438هـ (2017)، أسهمت مبادرة «طريق مكة» في خدمة أكثر من 1.25 مليون حاج، في مؤشر واضح على نجاحها في تحقيق مستهدفاتها، وتطوير تجربة الحج بما يواكب تطلعات المملكة في تقديم خدمات استثنائية لضيوف الرحمن، ترتقي بتجربتهم الإيمانية، وتجسد صورة حديثة لإدارة الحشود، والخدمات اللوجيستية على مستوى عالمي.


وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا
TT

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

شارك الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، في الاجتماع الوزاري الرباعي، الذي عقد في مدينة أنطاليا بتركيا، بمشاركة نائب رئيس الوزراء وزير خارجية باكستان محمد إسحاق دار، ووزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي، ووزير خارجية تركيا هاكان فيدان.
وجرى خلال الاجتماع مناقشة مستجدات الأوضاع الإقليمية، ودعم جهود الوساطة الباكستانية ومساعيها في التوصل لوقف دائم لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، بما يسهم في خفض حدة التصعيد ويجنب المنطقة والعالم التداعيات الأمنية والاقتصادية الخطيرة للحرب.