الأردن... جدلية العلاقة بين «الإخوان» والسلطة

ارتباط «الجماعة» و«جبهة العمل الإسلامي» عقّد الصلات بالدولة

تظاهرة لناشطي الحركة الإسلامية ومناصريها (رويترز)
تظاهرة لناشطي الحركة الإسلامية ومناصريها (رويترز)
TT

الأردن... جدلية العلاقة بين «الإخوان» والسلطة

تظاهرة لناشطي الحركة الإسلامية ومناصريها (رويترز)
تظاهرة لناشطي الحركة الإسلامية ومناصريها (رويترز)

بعد سنوات وعقود من «الصمت الرسمي» على تجاوزات «جماعة الإخوان المسلمين»، نفد صبر السلطات الأردنية أمام «اختراق» مهمٍّ نفذه أتباع ومنتمون للجماعة تستهدف «زعزعة» الأمن الوطني بالثلاثية المتعلقة بما بات يعرف بـ«خلية تصنيع الصواريخ والتجنيد والتدريب وتصنيع الطائرات المسيّرة». وكانت القضية المنظورة لدى محكمة أمن الدولة (قضاء عسكري مختص بقضايا الإرهاب والجرائم الاقتصادية) قد جرى الكشف عنها مع نهايات الشهر الماضي.

وُلدت «جماعة الإخوان المسلمين» في الأردن عام 1946 بصفتها جمعيّةً دعوية، وانتشر حضورها في مناطق متعددة. وكانت تبثّ خطابها الدعوي لجذب المريدين، وهو ما حصل في السنوات التي انتعشت فيها «الجماعة» بمواجهة الشيوعيين والبعثيين خلال خمسينات القرن الماضي وستيناته، ولقد لوّنت تلك التيارات الحياة السياسية في البلاد مع بداية حكم الراحل الملك الحسين بن طلال (1935 - 1999).

كان الشيوعيون والبعثيون في الأردن يطمحون إلى الاستحواذ على السلطة، مستوردين أحلامهم من تجارب شركائهم في سوريا والعراق ومصر. ووقفت تلك المرحلة على أعتاب خصومة شديدة بينهم وبين الراحل الملك الحسين، فكانت «حركة الضباط الأحرار» واحدة من محاولاتهم قبل الكشف عنهم، وهم الذين أعفى عنهم الحسين وأعادهم للخدمة. وفي ذروة نشاط «الجماعة» عام 1957 استطاع الملك الراحل توظيف «الجماعة» التي صار انتشارها الذي أصبح واسعاً، في مواجهة الخصوم المشتركين للطرفين. وبالفعل، كان لتقاطع المصالح بين الحسين و«الجماعة» فرصة لتحييد الخصوم التقليديين الذين تعرّضوا للسجن، في ظل أحكام عرفية فُرضت إبان سنوات الحكم الأولى الصعبة للحسين، لكنه اجتهد في تكتيكاته حتى تنقل بانسيابية بين المواقف والقوى السياسية.

خلفيات لا بد منها

يوم 17 من فبراير (شباط) الماضي، طرح العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني سؤالاً خلال واحد من لقاءاته الشعبية: «بعد 25 سنة ليش أغير موقفي؟... 25 سنة بقول كلا للتهجير... كلا للتوطين.. كلاّ للوطن البديل». الجملة الساخنة في كلام الملك كانت توجه اتهاماً لمجموعة لم يسمِّها عندما قال: «للأسف عندنا ناس جوّه البلد بياخدوا أوامر من الخارج... عيب عليهم».

هذه التصريحات فتحت الباب على تصعيد لأفراد الحركة الإسلامية في البلاد - ممثلة بـ«الجماعة» غير المرخّصة و«حزب جبهة العمل الإسلامي» - في شعاراتهم خلال المسيرات والوقفات الاحتجاجية التي اعتادوا تنفيذها في محيط السفارة الإسرائيلية في عمّان، أو خلال في تنظيم مسيرات بعد صلاة الجمعة أمام الجامع الحسيني في وسط عمّان.

في الذاكرة القريبة أيضاً، يوم 17 فبراير من العام الماضي تمكّن مسلحان من الوصول إلى السياج الحدودي مع الضفة الغربية؛ لتنفيذ عملية ضد دورية إسرائيلية، بينما أعلن الجيش الإسرائيلي أنه تمكَّن من «تحييد مهاجمَين عبرا من الأردن إلى الأراضي الإسرائيلية» جنوب البحر الميت وأطلقا النار على جنود. وكان لافتاً حينذاك أن حزب «جبهة العمل الإسلامي» وليس «الجماعة» فقط أعلن «مباركته للعملية البطولية» التي نفذها اثنان من شباب الحركة الإسلامية. وعلى هامش الخلفيات المهمة، كان ما قاله الناطق الرسمي للحكومة محمد المومني في اجتماع حضرته «الشرق الأوسط» في وقت سابق، بأن الخلية بدأ نشاطها في مايو (أيار) 2021.

سنوات من الاحتواء والرعاية الرسمية

في حكومة وصفي التل، الذي اغتيل في القاهرة خلال نوفمبر (تشرين الثاني) 1971 بعد نحو سنة من «أحداث سبتمبر/أيلول» 1970، عُين القيادي الإسلامي البارز الدكتور إسحاق الفرحان وزيراً للتربية والتعليم ووزيراً للأوقاف في فترتين منفصلتين. وأسندت مهمة تطوير مناهج التربية والتعليم إلى الفرحان الذي كان أنهى دراساته العليا في هذا المجال بالخارج. ومن هنا يُعتقد أن برنامج «الجماعة» الدعوي دخل ضمن الكتب المدرسية، وساعد في الأمر وجود معلمين منتسبين لها أو مقربين منها ساهموا في استكمال برنامج «تدين المناهج الدراسية».

والواقع، ليس الفرحان وحده الذي أدخل الدين بمناهج التربية والتعليم، بل كان هناك مبتعثون على حساب الحكومات الأردنية من «الجماعة» يتلقون دراساتهم المتقدمة في الولايات المتحدة. وبعد عودتهم تسلّموا مواقع متقدّمة في وزارة التربية والتعليم، من أبرزهم القيادي الدكتور عبد اللطيف عربيات، الذي ظل وكيلاً عاماّ للوزارة نحو عقد من الزمان، وهذا الموقع ضمِنَ للرجل الثاني في الوزارة استكمال خطة السيطرة على النشء من خلال الدين.

وبعد نجاح «الثورة الإيرانية» عام 1979، بدأ «الإسلام السياسي» في الأردن يستلهم من التجربة فرصة لصدارة المشهد السياسي محمولاً على أكتاف قواعده الموزّعة على مناطق المملكة، وتحديداً مراكز المدن الرئيسة الثلاث عمّان والزرقاء وإربد.

وعلى خط موازٍ، غدت وزارة الأوقاف والمقدسات الإسلامية هدفاً سهلاً للحركة، التي تمكنت من التسلل إلى منابر المساجد عبر أئمتها. ومن ثم صارت المساجد عملياً مقار للعمل التنظيمي لـ«ألجماعة» في إطار دعوي قبل أن يتطوّر إلى عمل سياسي يستقطب مُريديه في حلقات الذكر والدروس التي كانت «الجماعة» تنظّمها بعد صلاة العشاء.

العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني على منبر الأمم المتحدة (غيتي)

الترشّح للبرلمان... وما بعده

عام 1989، بعد أحداث «هبة نيسان» وإقالة حكومة زيد الرفاعي، وقرار العودة للحياة الديمقراطية، خاضت «الجماعة» انتخابات مجلس النواب الـ11 (1989 - 1993) وشكّلت كتلة وازنة في ذلك المجلس الذي حظي بثقة شعبية واسعة. وذهبت «الجماعة» في ذلك المجلس إلى منح الثقة لأول مرة والمشاركة في حكومة مضر بدران، تحت شعار «دعم الأردن للعراق في مواجهة عدوان قوى التحالف الدولي» بقيادة الولايات المتحدة.

وعام 1992 أسّس حزب «جبهة العمل الإسلامي»، وأصبح الذراع السياسية لـ«الجماعة». وبدء الكلام عن تبعية «الحزب» لـ«الجماعة»، وليس فك الارتباط بين العمل الدعوي والعمل السياسي. لكن الانقلاب في العلاقة حصل بين «الجماعة» والحكومات منذ قرار حكومة طاهر المصري - التي خلفت حكومة بدران - المشاركة في المؤتمر الدولي للسلام، الذي انعقدت أولى جلساته في العاصمة الإسبانية مدريد عام 1992، وتوقيع «الجماعة» مذكرة نيابية تدعو إلى طرح الثقة بحكومة المصري، قبل استقالة الأخير بإرادته.

من هناك، بعد إجراء انتخابات مجلس النواب الـ12 (1993 - 1997)، التي قاطعها الإسلاميون، سيطر على العلاقة بين «الجماعة» والحكومة غياب الثقة، ودخلت «الجماعة» و«الحزب» في حالة سكون إبان فترة مرض الملك الراحل الحسين، وتسلم الملك عبد الله الثاني سلطاته الدستورية.

بعدها شارك «الحزب» في انتخابات مجلس النواب الـ14 عام 2003 بعد تعطيل الحياة البرلمانية لمدة سنتين بسبب «الانتفاضة الثانية». وفعلاً فاز 16 نائباً يمثلون «الحزب» (أي جبهة العمل الإسلامي).

واستمرت علاقات المد والجزر بين الحركة الإسلامية والمؤسسات الرسمية. وبعد الدعوة إلى انتخابات مجلس النواب الـ15 عام 2007، شارك كل من «الجماعة» و«الحزب» إثر إبرام صفقات مع حكومة الرئيس معروف البخيت. لكن الانتخابات شهدت تجاوزات خطيرة، اعتبرها «الحزب» انقلاباً على ما سبق الاتفاق عليه إثر فوز 6 نواب إسلاميين فقط.

«الصقور» و«الحمائم»

تلك الفترة عرفت أصعب الانقسامات داخل الحركة الإسلامية، وتحرّر تيار «الصقور» من سطوة تيار «الحمائم»، وانتهت الأزمة بانشقاق قيادات سابقة اتهمت قيادات فاعلة باختطاف «الجماعة» و«الحزب» من قِبل «حركة المقاومة الإسلامية» (حماس)، وسيطرتها على هويتيهما بعد السعي للانقلاب على أدبيات وثوابت الحركة. وبالفعل، نتج عند ذلك انشقاق القيادي البارز ارحيل غرايبة الذي أسس حزب «المبادرة الوطنية» (زمزم)، والقيادي سالم الفلاحات الذي أسس حزب «الشراكة والإنقاذ»، وكان سبقهما القيادي عبد الرحيم العكّور الذي أسس حزب «الوسط الإسلامي».

وأدت سيطرة تيار «الصقور» المتشدّد إلى استعداء المؤسسات الرسمية والأمنية على الحركة، وانقطاع شعرة الثقة بينهما إلى أن قرّرت حكومة عبد الله النسور (2012 - 2016) قبول طلب تأسيس «جمعية الإخوان المسلمين» خلفاً لـ«جماعة الإخوان المسلمين» القائمة، وإلغاء ترخيص «الجماعة» الأم عام 2015، ليبقى حزب «جبهة العمل الإسلامي» الواجهة السياسية للتنظيم. بيد أن «الجماعة» ظلت ناشطة رغم اعتبارها غير مرخَّصة، وذلك على مرآى حكومات سابقة ومسمعها.

تاريخ فاصل في العلاقة الجدلية

يوم 23 أبريل (نيسان) الماضي أعلن وزير الداخلية مازن الفراية «الجماعة» منظمة «محظورة» في البلاد، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة بتنفيذ حملات أمنية من أجل إغلاق مقارها ومصادرة ممتلكاتها وتجميد أصولها. ويمكن القول إن ما حصل الأربعاء قبل الماضي واحد من جملة تداعيات مُحتملة لما بعد يوم 15 من الشهر الماضي، بعد الكشف عن خلية منتمية لـ«الجماعة» سعت لتنفيذ نشاطات مسلّحة قد تهدّد أمن المملكة واستقرارها. وبدا لمراقبين أن السلطات الأردنية قد تذهب إلى ما هو أبعد من فكرة تحييد «الجماعة» المحظورة وقياداتها في الفعل السياسي على الساحة المحلية وقطع اتصالاتها مع الخارج والداخل، وخصوصاً مع بقاء باب الاحتمالات مفتوحاً على علاقة حزب «جبهة العمل الإسلامي» بالخلية، ولتلك اللحظة حساباتها المركّبة.

مصدر سياسي قال لـ«الشرق الأوسط» أخيراً «استقوت الحركة بالشارع، مستخدمة خطابها العاطفي في جذب الحشود تحت عناوين قضايا معيشية وأخرى سياسية». «لقد تلقوا تعليمات مباشرة من قيادات من حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ... واختلطت الأمور لدى قيادات الجماعة فتحوّلوا من جماعة أردنية إلى فرع من فروع (حماس) في الخارج، لينتهي دورها الوطني عند تغيير أولويات الجماعة وأجندتها السياسية».

معاهدة السلام

مفهومٌ أن أبرز التحولات التي شهدها «الجماعة» و«الحزب» جاءت بعد مصادقة الأردن على قانون معاهدة السلام مع إسرائيل. وهو ما شكّل مِفصلاً مهماً في الانقسام على أُسس إقليمية بعد إعلان قيادات وازنة انتماءها والتزامها بتوجيهات مُرسلة يمكن حصرها فقط بـ«حماس».

وعلى فترات، توالى انشقاق عدد من القيادات البارزة. وأيضاً، على فترات متباعدة سيطرت «حماس» على قرارات «الجماعة» الأردنية. وتدخلت «حماس» فعلاً في المشهد السياسي الأردني قبل إغلاق مكاتبها في عمّان عام 1999، وبعده أيضاً، عبر «تسخين وتحشيد الجماعة والحزب ومنتسبيهما في مواجهة السلطات المحلية». ويمكن تتبع تاريخ التدخلات «الحمساوية» بعدما سيطر الفكر المتشدّد على تيار «الصقور» داخل الحركة الإسلامية. والكلام المنسوب لمصادر رسمية مطلعة يُفيد «بأن صدر السلطات الأردنية ضاق بعد استنفاد استخدام مصطلحات الاحتواء والاسترضاء والمرونة في التعامل مع قوى سياسة لم تُثبت حسن النوايا على صعيد مشاركتها السياسية في البلاد».

بعد نجاح «الثورة الإيرانية» بدأ «الإسلام السياسي» في الأردن

يستلهم من التجربة فرصة لتصدر المشهد

التوضيح الرسمي الأردني

يؤكد الموقف الرسمي الأردني حق المقاومة الفلسطينية المشروع في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، لكنه يرفض أن تكون الجبهة الشرقية لنهر الأردن منطلقاً لعمليات عسكرية ضد الاحتلال، لما يمكن أن يتسبب في إقحام الأردن بمواجهة مباشرة مع إسرائيل. ثم إن الأردن ملتزم بمعاهدة السلام، ويُصرّ بالمقابل على التزام إسرائيل. وهذا الموقف ليس جديداً، وبالأخص رفض أن يكون الأردن منطلقاً لأي عمل عسكري ضد الجوار.

وتنبَّه الرسميون لما نفذه «الحزب» و«الجماعة» خلال العقدين الأخيرين من «استعراضات استفزازية» في الشارع، وخلال سنوات «الربيع الأردني» بين أعوام (2011 - 2014) كانت مسيرات الحركة الإسلامية تستعرض بتشكيلات لعناصر مُدربة تقدّمت صفوف المحتجين، لتتفاعل جبهات إعلامية خارجية في بث الإشاعات وتبني أخبار كاذبة للتشويش على الداخل.

وتطوّرت الإجراءات الرسمية من دون الاكتفاء بحظر «الجماعة» وإغلاق مقارها في المراكز الرئيسة والمحافظات. إذ طالت أيضاً توقيف القيادي البارز في «الجماعة» أحمد الزرقان، والتحقيق معه بصفته المسؤول المالي فيها، وقد يكون هو المرجع في تحديد أصول وحسابات وممتلكات «الجماعة» في الأردن وخارجه.

تغيّر ظروف العلاقة

وهكذا، بعد عقود من «استخدام» السلطات الأردنية «الإخوان» لمواجهة تيارات سياسية مناوئة، انقلبت الأمور في السنوات الـ15 الأخيرة، إثر سيطرة «الصقور» على المواقع القيادية، ومن ثم سيطرة تيار «حماس» على قرار «الجماعة» في المملكة.

ولئن كانت الخصومة مدفوعة شكلاً بمواجهة «الصقور»، فإن الخصومة مدفوعة جوهراً بمعلومات توافرت لدى الأجهزة الأمنية عن «تبعية» إخوان الأردن لقيادات من «حماس» التي أغلقت مكاتبها في عمّان عام 1999، وهو عام تسلّم العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني سلطاته الدستورية.

واستمرت العلاقة المضطربة خلال سنوات «الربيع الأردني»، لا سيما مع أزمة المطالبة بعودة نقابة المعلمين ودور «إخوان» الأردن بتحريك احتجاجات المعلمين، الذي يعتقد أن قاعدة عريضة منهم تنتمي لـ«الجماعة» وذراعها السياسية حزب «جبهة العمل الإسلامي».

ووسط سيطرة «الجماعة» و«الحزب» على قيادة نقابة المعلمين عدداً من الدورات، صدر قرار قضائي في يوليو (تموز) 2020، قضى بـ«تعليق عمل نقابة المعلمين وإغلاق مقارها كافة لمدة سنتين، كما صدرت مذكرات استدعاء شملت النقيب وأعضاء المجلس، على خلفية قضايا منظورة لدى القضاء». ليكون حل وإغلاق نقابة المعلمين «خطوة منتظرة» قد لا يتجاوز موعدها صيف العام الحالي.

صبر رسمي أم ضعف؟

خوفاً من استحقاق مواجهة قضايا ذات اتصال بالرأي العام، غضّت الحكومتان السابقتان، أي حكومة عمر الرزّاز 2018 - 2020 وحكومة بشر الخصاونة (2020 - 2024) عن تطبيق الحكم من جهات إنفاذ القانون، متجاهلتين المسؤولية الأدبية والسياسية عن مزاجية تطبيق حكم قضائي قطعي.

وهكذا، تفجَّرت في حضن الرسميين صدمة نتائج الانتخابات الأخيرة في سبتمبر من العام الماضي، حين حصل الإسلاميون على نحو 460 ألف صوت على مستوى مقاعد الدائرة المخصّصة للأحزاب من إجمالي المقترعين البالغ عددهم نحو 1.6 مليون من أصل نحو 5 ملايين ناخب يحق لهم المشاركة في الانتخابات.

هذه النتائج تسببت بإحالة قيادات أمنية بارزة في جهاز المخابرات العامة إلى التقاعد، وكانت النتائج نفسها مدعاة لمراجعة التشريعات السياسية، بعد تعثر النسخة الأولى من برنامج التحديث السياسي في البلاد الذي انطلق بمناسبة دخول المملكة الأردنية المئوية الثانية من عمرها.

وهو ما يضع الأردن بين استحقاقين: استكمال بناء الحياة السياسية على أرضية من التعددية السياسية من خلال المزيد من الحريات، أو الاعتراف بمشكلة ضعف البنية التحتية سياسياً!


مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.