الدرعية... ترميم التاريخ وإعادة التأهيل

العاصمة الأولى تتحول إلى وجهة عالمية وكبرى المشروعات السعودية

منظر عام لمدخل حي الطريف بالدرعية التاريخية (الهيئة الملكية لمدينة الرياض)
منظر عام لمدخل حي الطريف بالدرعية التاريخية (الهيئة الملكية لمدينة الرياض)
TT

الدرعية... ترميم التاريخ وإعادة التأهيل

منظر عام لمدخل حي الطريف بالدرعية التاريخية (الهيئة الملكية لمدينة الرياض)
منظر عام لمدخل حي الطريف بالدرعية التاريخية (الهيئة الملكية لمدينة الرياض)

وضعت الدرعية اللبنة الأولى لأساس نشأة الدولة السعودية الأولى، فمنها انطلق الإمام محمد بن سعود بمشروعه الوحدوي، وفقاً لرؤية جديدة، وهي التحول من «دولة المدينة» إلى «الدولة الشاملة»، والسعي لتوحيد الجزيرة العربية، وإقامة دولة مركزية فيها تحت مظلة سياسية مستقرة تؤهلها لمواكبة الحضارة الإنسانية في العالم من حولها.

وسجلت الدرعية اسمها منذ قرون محطةً مهمةً على طريق القوافل التي تمتد من البحر الأحمر إلى خليج البصرة، واشتهرت ببيوتها جميلة البناء المشيدة بالأحجار، ويخترقها وادي حنيفة، وتعج منذ القدم بالمساجد والمدارس، وتحيط بها حقول مترامية من القمح والحنطة والشعير، إضافة إلى أشجار النخيل والخوخ والتين، وعدّت إحدى مناطق تربية سلالة عرقية من الخيل العربية الأصيلة، التي وصلت شهرتها إلى الممالك وسائر الأقطار.

وطُرحت آراء متعددة حول تسميتها الدرعية، لكنها احتفظت بهذا الاسم منذ القدم وإلى اليوم، كما عرفت باسم «العوجا»، ودارت نقاشات حول دلالات الاسم الأخير، وحسم الملك سلمان الآراء التي طُرحت بهذا الخصوص بتأكيده الدلالة المكانية للاسم بأن العوجا هي الدرعية.

وأقرت السعودية استراتيجيات وبرامج لتطوير «الدرعية» من النواحي العمرانية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها بوصفها عاصمة الدولة السعودية الأولى التي وضعت اسمها أقوى الدول في المنطقة، ولعبت دوراً محورياً في التاريخ السياسي للسعودية، وشهدت المدينة اندثاراً عمرانياً في بدايات القرن التاسع عشر الميلادي، بعد تدميرها من قِبَل المحتل العثماني، وأصبحت مهجورة في معظم أجزائها.

ودخلت الدرعية من ضمن المشروعات الكبرى للسعودية؛ حيث أعلن الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، رئيس مجلس إدارة صندوق الاستثمارات العام، في 9 يناير (كانون الثاني) من عام 2023 عن ضم مشروع الدرعية بوصفه خامس المشروعات الكبرى المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، ليصبح واحداً من المشروعات الفريدة من نوعها على مستوى العالم، بما يزخر به من مقومات ومعالم ثقافية وتراثية وسياحية.

وستواصل «هيئة تطوير بوابة الدرعية» مهامها التنظيمية والإشرافية لنطاقها الجغرافي، وذلك حفاظاً على تراث الدرعية وتاريخها، بالإضافة إلى مسؤولياتها المتمثلة في خدمة مجتمع أهالي الدرعية، وفي تأكيد استمرارية تقديم الدعم الكامل لمشروع الدرعية ليصبح واحداً من أهم الوجهات السياحية بالعالم.

أطلال الدرعية التاريخية (الهيئة الملكية لمدينة الرياض)

وتم في هذا الشأن تأسيس هيئة تطوير بوابة الدرعية في 20 يوليو (تموز) 2017، وهي هيئة حكومية سعودية تهدف إلى تطوير الدرعية عمرانياً، وثقافياً، واقتصادياً؛ لأهميتها التاريخية، والإسهام في تحويلها إلى واحدة من أعظم الوجهات العالمية، ومكانٍ لتجمع العالم بأسره، لتستمر الدرعية مصدر فخرٍ، ومنارة اعتزاز لكل السعوديين.

ووضعت الهيئة شعاراً لها تمثل في جعل الدرعية معلماً وأيقونة للسعودية ورمزاً لوحدة السعوديين، يفخرون بها ويسعون لتطويرها إلى معلم جذبٍ عالمي واستثنائي، ووضعت هيئة تطوير بوابة الدرعية عدداً من الأهداف لتحقيق ذلك من خلال الحفاظ على جوهرة المملكة، حي الطريف التاريخي، الذي يتربع على قائمة المواقع التراثية العالمية بـ«اليونيسكو»، وتسعى الهيئة إلى الحفاظ على الطبيعة التاريخية والحضارية لكل المواقع في جوهرة المملكة. لتكون وجهة عالمية لا مثيل لها، إضافة إلى جعل الدرعية وجهة الزوار الاستثنائية حيث تطمح الهيئة بأن تكون بوابة الدرعية ووادي صفار وحي البجيري وجهاتٍ نابضة بالحياة، تزخر بأعلى مستويات الضيافة، والاستجمام والتسوق، بشكلٍ ثقافي لا مثيل له، كما تسعى الهيئة لأن تكون جاراً حسناً لمجتمع الدرعية العظيم، لتوفر بيئة ممكنة وقادرة على المزيد من الارتقاء بمجتمع الدرعية، بذراعٍ لا يتوانى عن تحسين الخدمات وتطويرها وتذليل كل الصعوبات، ليكون مجتمعاً ملهماً واستثنائياً.

ومن ضمن خطط التطوير التي تقوم بها الهيئة توقيع عدد من الاتفاقيات حيث وقعت مذكرة تفاهم مع مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية (كاكست)، بهدف إيجاد تعاون استراتيجي بين الطرفين، ورفع مستوى التخطيط للأعمال المشتركة، وتوحيد الجهود ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي.

تشمل هذه الاتفاقية مجالات التعاون في حوكمة البيانات وتبادل المعلومات ذات الاهتمام المشترك، وتبادل المعرفة والخبرات والاستشارات الفنية في المجالات المشتركة، ودعم الأنشطة البحثية بين الطرفين، والشراكة في دعم الجهود التعريفية بمنتجات كلا الطرفين، والتعاون في مجال أعمال الصور الفضائية والتصوير البصري ثلاثي الأبعاد والمسح الراداري للكشف عن الآثار المدفونة، إلى جانب التعاون في مجال تقنيات المواد المتقدمة ونظم البناء المؤتمتة، بما يساعد هيئة تطوير بوابة الدرعية على القيام بدورها ضمن نطاقها الإشرافي.

قصر سلوى بالدرعية التاريخية (الهيئة الملكية لمدينة الرياض)

كما وقعت الهيئة عدداً من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، مع كل من: مذكرة تفاهم مع جامعة الملك سعود شملت مذكرة التعاون في مجال المخططات الرئيسة للهيئة والجامعة، وجامعة اليمامة في مجالات التوظيف والتدريب والمعارض والبحوث، واتفاقية تعاون مع دارة الملك عبد العزيز في تعميق التعاون في المشروعات والمبادرات المشتركة، ومع جامعة المعرفة في مجالات التوظيف والتدريب والمعارض والمؤتمرات العلمية، ومذكرة تفاهم مع جامعة الفيصل في مجال التوظيف والتدريب والمعارض والبحوث.

وشملت اتفاقيات مع كل من: مذكرة تفاهم مع الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة لغرض إيجاد تعاون استراتيجي بينهما، ومذكرة تفاهم مع «الآيكوموس» السعودي لغرض المحافظة على المواقع التراثية الثقافية والطبيعية، ومذكرة تفاهم مع وزارة الصناعة والثروة المعدنية، بهدف تعزيز التعاون في القطاعات المتعلقة بأعمال التعدين.

كما وقعت الشركة العقارية السعودية عقداً بقيمة 722 مليون ريال مع «هيئة تطوير بوابة الدرعية» لتنفيذ أعمال حفر محطات مترو الوسطى والجنوبية والشرقية والأعمال ذات الصلة.

وأعلنت شركة الدرعية السعودية في 10 يوليو (تموز) 2024 توقيع عقد مع شركة «السيف مهندسون مقاولون» بالشراكة مع «الشركة الصينية العامة للهندسة المعمارية» (CSCEC) لتنفيذ مشروع يعد أضخم العقود الإنشائية الممنوحة في تاريخ تطوير الدرعية حتى الآن بقيمة تتجاوز 7.8 مليار ريال (ملياري دولار)؛ بهدف بناء منطقة متعددة الاستخدامات، تضم مؤسسات تعليمية متقدمة ومواقع ثقافية ومكاتب حديثة وفندقاً فاخراً بالمنطقة الشمالية من الدرعية.

وفي 24 يوليو 2024 أعلنت شركة «الدرعية» تعاقدها مع «أورباكون» السعودية، و«البواني القابضة»، لتنفيذ مشروع بناء 4 فنادق فاخرة ونادي الدرعية الملكي للفروسية والبولو، في وادي صفار بالدرعية، بقيمة 8 مليارات ريال.

وفي يونيو (حزيران) 2023 انتقلت ملكية نادي الدرعية إلى هيئة تطوير بوابة الدرعية، حيث أعلن وزير الرياضة ذلك ضمن مؤتمر تخصيص الأندية الرياضية.

وفي ديسمبر (كانون الأول) نظمت هيئة تطوير بوابة الدرعية، بالتنسيق مع دارة الملك عبد العزيز، فعاليات «ملتقى الدرعية الدولي» تحت عنوان «الدرعية: نقطة التقاء الثقافات»، بهدف تعزيز الأبحاث الأكاديمية عن الدرعية وتاريخها العريق.


مقالات ذات صلة

تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

ثقافة وفنون الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)

تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

تزامناً مع الاحتفاء بيوم «التأسيس» السعودي، دشنّ الدكتور إبراهيم المطرف كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (الشرق الأوسط)

الملك سلمان: تأسيس دولتنا قام على التوحيد والعدل وجمع الشتات

أكد خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز، أن الدولة السعودية قامت على كلمة التوحيد، وتحقيق العدل، وجمع الشتات تحت راية واحدة.

«الشرق الأوسط» (جدة)
رياضة سعودية الأمير عبد العزيز بن تركي الفيصل (وزارة الرياضة)

الفيصل مهنئاً بيوم التأسيس: السعودية ستواصل مسيرة التمكين

رفع الأمير عبد العزيز بن تركي الفيصل وزير الرياضة رئيس اللجنة الأولمبية والبارالمبية السعودية، خالص التهنئة والتبريكات للقيادة في البلاد بمناسبة يوم التأسيس.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج مئات الوثائق في وسط الجزيرة العربية تؤكد تمسك وتشدد السكان بالدين (صور من الباحث)

فقدان التاريخ السياسي لم يغيب المظاهر الدينية في المنطقة

عدَّ الباحث الدكتور راشد بن عساكر، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن فقدان التاريخ السياسي وسط الجزيرة العربية لم يغيّر المظاهر الدينية

بدر الخريف (الرياض)
رياضة سعودية رونالدو محتفلا مع لاعبي النصر بعد الفوز على الحزم (موقع النادي)

«بشت التأسيس» يزين احتفالات رونالدو بصدارة النصر

قاد الأسطورة البرتغالي كريستيانو رونالدو احتفالات النصر باستعادة صدارة الدوري السعودي للمحترفين، مرتديا البشت السعودي بطرازه القديم والتاريخي.

«الشرق الأوسط» (الرياض )

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

خلال 40 يوماً من الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ابتداءً من 28 فبراير (شباط) الماضي، ظهر موقف الجماعة الحوثية بوصفه من أكثر المواقف إثارة للتساؤل في الأوساط السياسية والعسكرية، ليس نتيجة ما قامت به الجماعة، بل بسبب ما امتنعت عنه؛ حيث لم يرتقِ دورها إلى المستوى الذي يترجم شعار «وحدة الساحات» كما الحال مع «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية المسلحة.

فالجماعة التي اكتسبت حضورها الإقليمي بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عبر تصعيدها في البحر الأحمر وخليج عدن والهجمات ضد إسرائيل، مع رفعها شعار «وحدة الساحات» عنواناً لتحالفاتها، بدت هذه المرة أكثر تحفظاً، مكتفية بأدوار أدائية محدودة مقارنة مع خطابها المرتفع، في سلوك يعكس -وفق تقديرات مراقبين- انتقالاً واضحاً من التعبئة الآيديولوجية إلى حسابات أكثر براغماتية تحكمها «معادلة البقاء» في المقام الأول.

في هذا السياق، اقتصر تدخل الحوثيين على تبني 5 عمليات هجومية بالصواريخ والمسيّرات، كانت ذات طابع رمزي ودون تأثير على مسار المعركة، بهدف تسجيل موقف سياسي إلى جانب إيران دون الانخراط في مواجهة واسعة، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الجماعة وطهران، وحدود التزامها الفعلي، في إطار ما يُعرف بمحور «المقاومة».

عنصر حوثي يحمل سلاحاً على الكتف خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وتشير هذه المعطيات إلى أن قيادة الجماعة أعادت ترتيب أولوياتها وفقاً لمعادلة البقاء الداخلي، التي باتت تتقدم على أي اعتبارات آيديولوجية أو تحالفات إقليمية، فبعد سنوات من الصراع، استمر الحوثيون في سيطرتهم على أجزاء واسعة من شمال اليمن، وأصبح هدفهم الأساسي يتمثل في تثبيت هذه السيطرة وتحويلها إلى واقع سياسي معترف به.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يفسّر الباحث والأكاديمي اليمني الدكتور فارس البيل هذا السلوك بأن «تلكؤ الجماعة في الانخراط الكامل ليس أمراً مستجداً، بل تكرر في حرب الـ12 يوماً (حرب أميركا وإسرائيل على إيران في صيف العام الماضي)، غير أن ذلك لا يعني استقلال قرارها عن إيران»، مشيراً إلى أن «الرد الأميركي والإسرائيلي العنيف، وتجربة الحوثيين السابقة مع الضربات، جعلا أي انخراط واسع بمثابة تهديد وجودي قد يقود إلى نهايتهم».

ومن هذا المنطلق، يرى محللون يمنيون أن انخراط الجماعة في حرب إقليمية مفتوحة دفاعاً عن إيران لم يكن خياراً واقعياً، بالنظر إلى التكلفة المرتفعة التي قد تترتب عليه. فمثل هذا الانخراط كان سيُعرّض ما تبقى من البنية العسكرية للجماعة إلى خطر التدمير، ويُهدد بإعادة خلط الأوراق داخلياً، خصوصاً في ظل احتمالية المواجهة مع القوات الحكومية وانهيار التهدئة الهشّة المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2022.

كما أن ترسانة الجماعة الصاروخية ومن المسيّرات، التي تُمثل أحد أبرز عناصر قوتها في أي مواجهة محلية، تجعل من استخدامها في معارك بعيدة مخاطرة غير محسوبة، ولهذا تُشير التقديرات إلى أن الجماعة فضّلت الاحتفاظ بقدراتها العسكرية لخدمة أهدافها الداخلية، بدلاً من استنزافها في صراع غير مضمون العواقب.

هاجس الردع الدولي

ولعبت تجربة الحوثيين السابقة في استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر دوراً محورياً في تشكيل موقفهم خلال الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، فعلى الرغم من المكاسب الإعلامية التي حققتها تلك العمليات، فإنها قوبلت بردود عسكرية قوية من الولايات المتحدة وبريطانيا، قبل أن تفاقم إسرائيل الوضع عبر 19 موجة من الضربات الموجعة.

مسلح حوثي خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيم الجماعة في 10 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

وكما يبدو، فإن هذه الضربات خلال العامين الماضيين تركت أثراً واضحاً في حسابات القيادة الحوثية التي باتت تُدرك أن التصعيد ضد المصالح الدولية قد يستدعي ردّاً واسع النطاق يتجاوز الضربات الغربية والإسرائيلية السابقة إلى عمليات أكثر شمولاً قد تُهدد وجودها، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع منح القوات الحكومية الشرعية الضوء الأخضر لإطلاق عمليات برية لتحرير المحافظات الخاضعة للجماعة.

وفي هذا الإطار، يربط الدكتور البيل بين هذا الإدراك وحالة الضعف التي أصابت شبكة النفوذ الإيراني، مشيراً إلى أن «تشتت الأذرع، وتراجع فاعلية مراكز القيادة في (الحرس الثوري) بعد الضربات، أفقدا طهران القدرة على إدارة الساحات بشكل متماسك، وهو ما انعكس في خطاب حوثي متردد ومضطرب منذ بداية الحرب».

كما يؤكد البيل أن «إيران قد تنظر إلى اليمن بوصفه ساحة احتياط، وليس ساحة اشتباك رئيسية، في ظل محدودية تأثير الحوثيين مقارنة بفصائل أقرب جغرافياً، ما يجعل الجماعة ورقة مؤجلة تستخدم في سياق المساومة أو التصعيد المرحلي».

وفي السياق ذاته، بدا أن الجماعة اختارت استراتيجية «تجنب الاستفزاز»، من خلال تنفيذ هجمات محدودة لا تدفع نحو تصعيد كبير، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لطبيعة موازين القوى، وحرصاً على تجنب الانزلاق إلى مواجهة غير متكافئة.

طبيعة العلاقة

وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، والتي غالباً ما تُصوَّر على أنها علاقة تبعية كاملة، غير أن الأداء الفعلي للجماعة خلال الحرب أظهر قدراً من التحفظ في إظهار الولاء المطلق، على الرغم من تصريحات القيادات الإيرانية وتهديدهم بورقة البحر الأحمر وباب المندب، في إشارة إلى حليفهم الحوثي.

ويؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الإله سلام أن الجماعة تحمل بُعداً عقائدياً يمنحها شعوراً بالخصوصية، ما يجعل قرارها «مستقلاً نسبياً» داخل المحور الإيراني، مشيراً إلى أنها تعتمد سياسة «الإبطان» تكتيكاً براغماتياً، فتقلص انخراطها عندما تشعر بتهديد وجودي أو اختلال في موازين القوى.

أشخاص يستقلون سيارة في صنعاء تمر أمام لوحة إعلانية رقمية تحمل صورة زعيم الحوثيين يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ويضيف سلام في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هذا السلوك، رغم ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» تدريباً وتسليحاً، «يوحي بوجود تعدد في مراكز التأثير على قرارها»، مستشهداً بتجربة «اتفاق استوكهولم»، التي أوقفت المواجهات في الحُديدة وأبقت على نفوذ الحوثيين، بما يُعزز فرضية أن الجماعة تتحرك ضمن شبكة توازنات أوسع من مجرد التبعية لطهران.

في المقابل، يقدّم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية مغايرة، إذ يتهم الجماعة بأنها «أداة إيرانية» لزعزعة الاستقرار الإقليمي، وتهديد أمن الممرات المائية الدولية، مؤكداً أن استمرار سيطرتها على أجزاء من اليمن يجعل هذا التهديد قائماً ومتصاعداً.

ويشدد العليمي من خلال تصريحاته الرسمية الأخيرة، على أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن لم يعد شأناً داخلياً، بل قضية دولية تمس أمن التجارة العالمية، داعياً المجتمع الدولي إلى تبني مقاربة أكثر حزماً «تنهي التهديد، ولا تكتفي باحتوائه».

كما يتهم طهران بأنها تسعى إلى توسيع الصراع عبر استخدام الحوثيين منصةً إقليميةً، في إطار استراتيجية لإرباك المنطقة وإضعاف الدول الوطنية، وهو ما يفرض -حسب تعبيره- التعامل مع الملف اليمني ضمن سياقه الإقليمي الأوسع.

تراجع شعار «وحدة الساحات»

وكشفت حرب الأربعين يوماً عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي للجماعة وممارساتها على الأرض، فشعار «وحدة الساحات»، الذي استُخدم خلال الحرب في غزة لتبرير انخراطها الإقليمي، بدا في هذه الحرب أقرب إلى أداة دعائية منه إلى استراتيجية فعلية.

ففي حين رُفع هذا الشعار بقوة خلال الحرب في غزة، وترافق مع عمليات استهداف للملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، جرى التعامل معه بمرونة ملحوظة في مواجهة الحرب ضد إيران، إذ اقتصر التفاعل الحوثي على خطوات محسوبة، تجنبت الانخراط الكامل، وراعت في الوقت ذاته عدم الظهور بمظهر المتخلي عن الحليف.

الحوثيون يحرقون العلم الإسرائيلي خلال تجمع لهم في صنعاء هذا الشهر (إ.ب.أ)

كما أن غياب الجماعة شبه التام خلال «حرب الاثني عشر يوماً» في 2025، ثم حضورها المحدود في الحرب الأخيرة، يُعزز الاستنتاج بأن قرار المشاركة لا تحكمه اعتبارات آيديولوجية بحتة، بل يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالمخاطر والمكاسب.

ولم تكن هذه الحسابات الحوثية مجرد استنتاجات، بل أكدتها كواليس التقييمات الأميركية، بعد أن حسم وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، هذا الجدل في إحاطة صحافية بمقر البنتاغون الخميس الماضي؛ حيث أعلن بوضوح أن الحوثيين فضلوا البقاء خارج أتون هذا الصراع الإقليمي المباشر، واصفاً قرارهم بـ«الجيد».

وكان المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، قد حذّر في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن من أن سلوك الحوثيين، بما في ذلك الهجمات الأخيرة، يُثير مخاوف من انزلاق اليمن إلى صراع إقليمي أوسع، رغم تجنبه هذا السيناريو حتى الآن.

ودعا غروندبرغ الجماعة إلى الامتناع عن أي تصعيد جديد، حفاظاً على فرص السلام، مؤكداً أن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن تُمثل أولوية دولية، وهو ما يتقاطع مع تحذيرات الحكومة اليمنية.

من كل ذلك، يظهر أن شعار «وحدة الساحات» بالنسبة للحوثيين تحوّل إلى شعار مطاطي يُستخدم وفقاً للظروف، ويُعاد تفسيره بما يتناسب مع أولويات الجماعة، التي باتت تميل بوضوح إلى تغليب حسابات البقاء وتعظيم المكاسب الداخلية، حتى إن جاء ذلك على حساب التزاماتها المعلنة داخل المحور الإيراني.


«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
TT

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)

في مشهد يتكرر كل عام، لكنه يزداد نضجاً، واتساعاً، تتحول رحلة الحج من مجرد انتقال جغرافي إلى تجربة إنسانية متكاملة تبدأ من مطارات الدول المستفيدة، حيث تُختصر المسافات، وتزال التعقيدات، وتُستبدل بها منظومة خدمات دقيقة تعكس رؤية متقدمة في خدمة ضيوف الرحمن. هكذا تواصل مبادرة «طريق مكة» ترسيخ نموذجها الفريد الذي أعاد تعريف رحلة الحج منذ لحظتها الأولى، وجاعلاً من السلاسة عنواناً، ومن الكرامة أولوية، ومن التقنية شريكاً أساسياً في كل خطوة.

انطلاق رحلات الحجاج من أنقرة ضمن المسارات المخصصة للمبادرة (واس)

وللعام الثامن على التوالي، تواصل وزارة الداخلية السعودية تنفيذ مبادرة «طريق مكة» -إحدى مبادراتها ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن، وأحد برامج «رؤية المملكة 2030»- عبر 17 منفذاً في 10 دول، تشمل المملكة المغربية، وجمهورية إندونيسيا، وماليزيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، وجمهورية بنغلاديش الشعبية، والجمهورية التركية، وجمهورية كوت ديفوار، وجمهورية المالديف، إضافة إلى دولتي السنغال وبروناي دار السلام اللتين تشاركان للمرة الأولى.

وتهدف المبادرة إلى تيسير رحلة الحج من خلال تقديم خدمات متكاملة، وعالية الجودة، تبدأ بإصدار تأشيرة الحج إلكترونياً، مروراً بإنهاء إجراءات الجوازات في مطارات بلدان المغادرة، بعد التحقق من الاشتراطات الصحية، وأخذ الخصائص الحيوية، وترميز وفرز الأمتعة وفق ترتيبات النقل، والسكن داخل المملكة. وعند وصول الحجاج، ينتقلون مباشرة عبر مسارات مخصصة إلى الحافلات التي تقلهم إلى مقار إقامتهم في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، فيما تتولى الجهات الشريكة إيصال أمتعتهم.

تكامل الجهات الحكومية في تقديم خدمات متقدمة لضيوف الرحمن (واس)

وفي إطار انطلاق موسم حج هذا العام، غادرت أولى رحلات المستفيدين من المبادرة من عدد من الدول، حيث انطلقت من جمهورية بنغلاديش الشعبية عبر صالة المبادرة في مطار حضرة شاه جلال الدولي متجهة إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، وبحضور عدد من المسؤولين، في خطوة تعكس جاهزية عالية، وتنسيقاً متكاملاً.

كما شهدت مدينة كراتشي في باكستان مغادرة أولى الرحلات عبر مطار جناح الدولي متجهة إلى مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة، في حين غادرت أولى الرحلات من ماليزيا عبر مطار كوالالمبور الدولي إلى الوجهة ذاتها، وسط حضور رسمي يعكس أهمية المبادرة في تعزيز تجربة الحجاج.

وامتد تنفيذ المبادرة إلى الجمهورية التركية، حيث انطلقت أولى الرحلات من مطار إيسنبوغا الدولي في أنقرة، متجهة إلى المدينة المنورة، ضمن منظومة تشغيلية موحدة تعكس تكامل الجهود بين مختلف الجهات المعنية.

خدمات تقنية ولوجيستية متكاملة تعزز تجربة الحجاج منذ المغادرة (واس)

وتنفذ وزارة الداخلية السعودية المبادرة بالتعاون مع وزارات الخارجية، والصحة، والحج والعمرة، والإعلام، والهيئة العامة للطيران المدني، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة العامة للأوقاف، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، والمديرية العامة للجوازات، وبالتكامل مع الشريك الرقمي (مجموعة stc).

ومنذ إطلاقها في عام 1438هـ (2017)، أسهمت مبادرة «طريق مكة» في خدمة أكثر من 1.25 مليون حاج، في مؤشر واضح على نجاحها في تحقيق مستهدفاتها، وتطوير تجربة الحج بما يواكب تطلعات المملكة في تقديم خدمات استثنائية لضيوف الرحمن، ترتقي بتجربتهم الإيمانية، وتجسد صورة حديثة لإدارة الحشود، والخدمات اللوجيستية على مستوى عالمي.


وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا
TT

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

شارك الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، في الاجتماع الوزاري الرباعي، الذي عقد في مدينة أنطاليا بتركيا، بمشاركة نائب رئيس الوزراء وزير خارجية باكستان محمد إسحاق دار، ووزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي، ووزير خارجية تركيا هاكان فيدان.
وجرى خلال الاجتماع مناقشة مستجدات الأوضاع الإقليمية، ودعم جهود الوساطة الباكستانية ومساعيها في التوصل لوقف دائم لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، بما يسهم في خفض حدة التصعيد ويجنب المنطقة والعالم التداعيات الأمنية والاقتصادية الخطيرة للحرب.