أيمن زيداني يُعيد تأهيل علاقة الإنسان بالأرض فنّياً

الفنان السعودي لـ«الشرق الأوسط»: حالة الكوكب يُرثى لها

يُصوّر علاقة الإنسان بالطبيعة على أنها عملية متواصلة من إعادة التفاوض (الصور بإذن من الفنان)
يُصوّر علاقة الإنسان بالطبيعة على أنها عملية متواصلة من إعادة التفاوض (الصور بإذن من الفنان)
TT

أيمن زيداني يُعيد تأهيل علاقة الإنسان بالأرض فنّياً

يُصوّر علاقة الإنسان بالطبيعة على أنها عملية متواصلة من إعادة التفاوض (الصور بإذن من الفنان)
يُصوّر علاقة الإنسان بالطبيعة على أنها عملية متواصلة من إعادة التفاوض (الصور بإذن من الفنان)

تُقدِّم أفلام الفنان السعودي أيمن زيداني وأعماله التركيبية البيئية والعضوية، مثل الأشجار والبكتيريا والنباتات، منظوراً بديلاً للعالم البشري. فممارساته الفنّية تُصوّر علاقة الإنسان بالطبيعة على أنها عملية متواصلة من إعادة التفاوض. حضر في بينالي الشارقة بفيلمه التجريبي «عودة القدماء»؛ ومن خلاله شكَّل مقاربة لطبقات الحياة العميقة المُتجسِّدة في النفط منذ عصور ما قبل التاريخ، بالتوازي مع تناوله العنف الكامن في عملية استخراجه.

أفلامه وأعماله التركيبية البيئية والعضوية تُقدّم منظوراً بديلاً للعالم البشري (أيمن زيداني)

عبر فطر عملاق يُدعى «بروتوتاكسيتس»، يروي القصة. ورغم ندرة الحصول على أحافير هذا الفطر، فإنه اكتُشِف في السعودية والولايات المتحدة. بالتعاون مع الباكستانية سايرا أنصاري، كتب أيمن زيداني فيلماً يَحبكُ الواقع بالخيال العلمي لفَهْم حياة الفطر وموته وعودته. تحاوره «الشرق الأوسط» في ارتكاز فنّه على الموارد وهاجس فناء الكوكب.

حضر في بينالي الشارقة بفيلمه التجريبي «عودة القدماء» (الصور بإذن من الفنان)

فيلمه المُشارك في بينالي الشارقة بدورته الـ16، عملٌ جاهز أنتجه عام 2020 ضمن معرض «2139» الذي استضافته جدة. يرى في استباقه للجائحة، أهميةً أو ماركةً نظراً لِما حلَّ بالأرض والإنسان في ذلك العام المرعب. ومن خلال ولادة أحد أنواع الفطريات القديمة وفنائه، فعودته إلى الحياة، يُسجِّل الفنان الشاب موقفاً من عالم يُفرط في الاستهلاك. وجود الفطر المذكور في أماكن محدودة، منها الجوبة في الجوف، رفَعَ ضرورة استخدامه هذا العنصر، الذي سبق أن تمركز في الأرض وعُدَّ من أكبر المخلوقات بطول 8 متر، لسرد القصة وتشغيل إنذار الخطر.

فيلمه مقاربة لطبقات الحياة العميقة المُتجسِّدة في النفط منذ أقدم العصور (الصور بإذن من الفنان)

يتحدّث الفطر بصيغة الجمع في الفيلم، ويتساءل: «كيف أشرح لكم ما أصبحنا عليه الآن؟ تقطعون كوكبكم بالحرق والنهب، مُبيدين كلَّ شيء للوصول إلينا». بهذه الصرخة أو المجاهرة، يشدّ الانتباه إلى المصير العالمي إنْ واظب الإنسان على التمادي والاستهانة بالمستقبل. والإنسان يعني السيستم والشركات والأطماع والحروب وسطح الأرض وباطنها؛ وأيّ تهديد يتسبَّب به يُسرِّع التهلكة.

كتب أيمن زيداني فيلماً يَحبكُ الواقع بالخيال العلمي (الصور بإذن من الفنان)

لـ15 دقيقة، مدّة العرض، يُقدِّم الفنان محاولةً لإعادة إنتاج قصص تُحاكي إشكالية الغد. يقول: «البشرية في حالة يُرثى لها بما يتعلّق بمصير الأرض. الموضوع مهم جداً، فالتوجّه واضح نحو الانحدار الشديد على مستوى التغيُّر المناخي أو خسارة التنوّع البيولوجي. مستقبل الأرض يؤرقني فنّياً. نحن في منطقة حسّاسة. ففي الخليج، تُلامس الحرارة درجات مهولة. إننا من أوائل الذين سيتأثّرون بالمتغيّرات المناخية المُتسارعة، مقارنة بشعوب الأماكن الباردة. يصبح الموضوع أكثر إلحاحاً اليوم، ويتّخذ طرحه مرتبة الضرورة القصوى».

جميع ممارسات أيمن زيداني الفنّية محورها علاقة الإنسان بالأرض، بتعقيداتها وتشعّبها. هو في وضعية تأهيل هذه العلاقة طوال الوقت. وبإنتاجه قصصاً جديدة، يُعيد رواية الموضوعات البيئية من مُنطلق هَمّ إنساني وقلق وجودي. ولا يحصر أبطال موضوعاته بالمخلوقات الأخرى، فالفرد يُشكِّلها أيضاً. يخصُّ إنسان الجزيرة العربية؛ إذ يسكن أفكاره ويحرّضه على الصرخة ورفعها إلى مستوى الصدمة، بكونه بطل الحكايات الأول.

جميع ممارساته الفنّية محورها علاقة الإنسان بالأرض (الصور بإذن من الفنان)

وراكم تجارب موضوعها الأبطال غير البشريين، وميَّز أعمالاً سابقة له بطغيان أشكال المخلوقات، منها حيتان بحر العرب في عُمان، أو الفطريات في الجوف، أو النباتات الفطرية في العُلا والمساحات الصحراوية. يقول: «أُوجّه ممارساتي الفنّية مؤخراً نحو الممالك العربية القديمة، وتستوقفني مملكة الأنباط واللحيانية. تلك محاولاتي لاستعادة الذاكرة وتاريخ الأرض. إرث البشرية يعنيني. نشأتُ في عسير وبين جبالها، فشكَّلت طفولتي ومسارات حياتي. للجبال هيبة، وجميع التصميمات القديمة، منها الأهرامات، مُستوحاة منها. الجبال مقدَّسة عموماً، وموضوع ألهم تقليدَه والتشبُّه به. لنأخذ جبال السروات مثلاً، المُمتدّة من اليمن حتى السعودية، فإلى الأردن وما بعده. هذه جبال السروات أو السراة، لكنها في الأردن تُبدّل اسمها إلى الشراة. هي نفسها السروات، بامتدادها الهائل. وفي عُمان والشارقة أيضاً جبال تُلهمني فنّياً. أعمل ليبقى إرث الجزيرة العربية عظيماً».

يُقدّم أيمن زيداني محاولة لإعادة إنتاج قصص تُحاكي إشكالية المستقبل (الصور بإذن من الفنان)

أقام في الرياض، فأرغمه الانتقال إليها إعادة صوغ علاقته بالمنطقة بأسرها: «لستُ صحراوياً. لم أنشأ في الصحراء ولم أختبر العيش فيها. علاقتي بها مولودة من التعلُّم. منها استقيتُ دروساً وعمّقتُ نظرتي إلى الحياة. وأقمتُ هنا في الشارقة 5 سنوات. هذه الإقامة وطَّدت علاقتي بالبحر. وذلك مكَّن فَهْمي للتضاريس، وسهَّل بناء علاقتي الخاصة بالجزيرة العربية. نتاج مجموع تلك العلاقات، شكَّل مشاركاتي الفنّية السابقة واللاحقة».

يُعيد رواية الموضوعات البيئية من مُنطلق هَمّ إنساني وقلق وجودي (الصور بإذن من الفنان)

وفنُّ أيمن زيداني هذا يتطلّب اطّلاعاً وقراءة ومحاولة تعمّق في مسارَي الأرض التاريخي والجغرافي: «نجهل مسائل كثيرة، منها مثلاً المجسَّمات المستطيلة، وتُسمَّى المستطيلات، الموجودة في خيبر البالغة 9 آلاف سنة. لا ندري مَن بُناتها. محاولة تعلّمي تترافق مع متابعة نتائج البحوث والاكتشافات الآثارية والأنثروبولوجية». فممارساته في النهاية تُعدُّ بحثية قبل اللمسة الفنّية. اعتمادُها جوهري على التقصّي وخَلْط المعلومة الواقعية بالخيال، ليملأ الجانب الخيالي فراغ الواقع غير المُكتَشف بعد. يتأسّف للجهل الإنساني حيال التفسير الكامل للمسارَيْن الجغرافي والتاريخي لاستمرار البشرية، ويُكمل إنتاج القصص لتقليص الجوانب المجهولة.


مقالات ذات صلة

غواص ينزل إلى أعماق متجمِّدة ويعود بحكاية مدهشة

يوميات الشرق الصقيع لا يخفي الحياة (أ.ب)

غواص ينزل إلى أعماق متجمِّدة ويعود بحكاية مدهشة

في مشهد أقرب إلى الاستكشافات النادرة، خرج الغواص دان جيكوبس مؤخراً من فتحة ضيقة شُقّت في جليد بحيرة فنلندية متجمِّدة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الضباب يُغطي المحيط الهادئ بالقرب من حي بارانكو في ليما (أ.ب)

«الأمم المتحدة»: الأرض احتبست حرارة قياسية في 2025

حذرت الأمم المتحدة اليوم (الاثنين) من أن كميّة الحرارة المحتبسة في الأرض بلغت مستويات قياسية عام 2025.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
العالم طرق مغطاة بالطين في جنوب شرقي البرازيل بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

كشفت السلطات المحلية اليوم الثلاثاء أن ما لا يقل عن 22 شخصاً لقوا حتفهم بعد هطول أمطار غزيرة على ولاية ميناس جيرايس جنوب شرقي البرازيل.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
يوميات الشرق الشتاء في فنلندا يستمر ما بين مائة ومائتي يوم (رويترز)

حيث لا يذوب الجليد: ما أكثر دول العالم برودة؟

تشهد ولايات عدة في شمال شرقي الولايات المتحدة حالياً عاصفة ثلجية قوية، دفعت السلطات إلى إصدار تحذيرات لأكثر من 40 مليون نسمة، بسبب سوء الأحوال الجوية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ باراك أوباما مع ترمب خلال جنازة الرئيس جيمي كارتر (أ.ف.ب)

ترمب ينقض قرارات أوباما المناخية بعدّها «عملية احتيال»

نقض الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرارات اتخذها سلفه باراك أوباما عام 2009 كأساس لجهود الولايات المتحدة في تنظيم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

علي بردى (واشنطن)

تفسير جديد لنشأة إحدى أعظم العجائب الطبيعية في أميركا

قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)
قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)
TT

تفسير جديد لنشأة إحدى أعظم العجائب الطبيعية في أميركا

قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)
قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)

يُمثّل أخدود «غراند كانيون»، أو الخانق العظيم، في شمال ولاية أريزونا أحد أبرز العجائب الطبيعية في الولايات المتحدة، إذ يمتدّ لمسافة 277 ميلاً بمحاذاة نهر كولورادو الذي يبلغ طوله 1450 ميلاً.

ورغم اتفاق العلماء على أنّ الأخدود تشكّل بفعل تأثير النهر قبل ما بين 5 و6 ملايين سنة، لم يتمكن الباحثون من التوافق بشأن العمليات التي أدت إلى ذلك وتوقيتها.

وتشير دراسة حديثة نقلتها «الإندبندنت» إلى أنّ النهر ربما بدأ في نحت مساره عقب فيضان بحيرة قديمة قبل نحو 6.6 مليون سنة، وهو ما يقدّم دعماً جديداً لفرضية طُرحت منذ ثلاثينات القرن الماضي.

ماءٌ صبور نَحَتَ الصخر وترك حكايته (رويترز)

ووفق العلماء، فإنّ تدفق المياه نحو حوض «بيداهوتشي» أدَّى إلى امتلائه ثم فيضانه، متجاوزاً الحاجز الطبيعي وعابراً قوس «كايباب» شديد الانحدار، وهي منطقة مرتفعة بين ولايتي أريزونا ويوتا، ليتشكّل لاحقاً ما نعرفه اليوم باسم «غراند كانيون».

وأوضح عالم الجيولوجيا بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، جون هي، أن هذه اللحظة يمكن عدّها «ولادة نهر كولورادو بشكله الحالي»، مشيراً إلى أن وصوله إلى هذا الحوض ربما غيّر النظام البيئي بأكمله في المنطقة.

وجاء هذا الاستنتاج بعد دراسة تركيب الحجر الرملي المأخوذ من «غراند كانيون» ومن حوض «بيداهوتشي»، إذ تبيَّن أنّ كليهما يحتوي على حُبيبات مجهرية متشابهة تُعرف ببلورات «الزركون». وتتميَّز هذه البلورات بقدرتها على مقاومة التحلُّل عبر الزمن، ممّا يجعلها أداة دقيقة لتتبّع تاريخ الصخور ومصادرها.

وباستخدام تقنيات تعتمد على أشعة الليزر، تمكّن الباحثون من تحديد البصمة الكيميائية لهذه البلورات، ليتبيَّن تطابقها مع رواسب نهر كولورادو، ممّا يعزّز فرضية تدفّقه نحو الحوض قبل فيضانه.

كما كشفت طبقات الصخور العائدة إلى الفترة عينها عن آثار تموّج، تشير إلى تدفُّق نهر قوي في مياه ساكنة، وهو ما يدعم سيناريو الفيضان.

في صمت الماء تشكّلت الحكاية (رويترز)

ورغم ذلك، لا تزال تساؤلات قائمة بشأن طبيعة هذا الحدث، سواء كان فيضاناً مفاجئاً أو عملية تعرية تدريجية، كما لم تحظَ النتائج بإجماع علمي كامل.

وفي هذا السياق، أبدى بعض الباحثين تحفّظهم، مشيرين إلى أنّ تفاصيل فرضية فيضان البحيرة تحتاج إلى مزيد من الاختبار، فيما تحدَّث آخرون عن احتمال وجود مسارات بديلة لتدفُّق النهر.

ومع ذلك، يجد فريق الدراسة أنّ سيناريو الفيضان يظلُّ التفسير الأقرب لفهم تشكّل هذا المَعْلم الطبيعي، في وقت لا تزال فيه أسرار «غراند كانيون» تتكشَّف تدريجياً أمام العلماء.


دبّ داخل سيارة فاخرة؟ الخدعة انكشفت وانتهت بالسجن

خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)
خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)
TT

دبّ داخل سيارة فاخرة؟ الخدعة انكشفت وانتهت بالسجن

خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)
خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)

صدر حكم قضائي بالسجن بحق 3 رجال من ولاية كاليفورنيا بعد إدانتهم في قضية احتيال تأميني، لجأوا خلالها إلى حيلة تمثَّلت في الاستعانة بشخص يرتدي زيّ دبّ لافتعال أضرار مُصطنعة في سيارات فارهة.

وكان مقطع فيديو قد انتشر على نطاق واسع قد قُدِّم لشركات التأمين على أنه دليل يُظهر ما بدا أنه دبّ داخل سيارة «رولز رويس غوست» موديل 2010 في منطقة ليك أروهيد يوم 28 يناير (كانون الثاني) 2024. كما قُدِّمت مطالبات مشابهة في اليوم نفسه والموقع ذاته تتعلَّق بسيارتين فاخرتين من طراز «مرسيدس».

وذكرت «بي بي سي» أنّ علماء أحياء في إدارة الأسماك والحياة البرّية في كاليفورنيا راجعوا الصور واللقطات، وخلصوا إلى أنها تُظهر إنساناً يرتدي زيّ دبّ، وليس حيواناً حقيقياً.

وعلى إثر ذلك، أطلقت إدارة التأمين في الولاية تحقيقاً حمل اسم «عملية مخلب الدبّ»، نُفذت خلاله مذكرة تفتيش أسفرت عن العثور على زيّ دبّ داخل منزل المتّهمين. وبلغت قيمة المبالغ التي حاولوا الحصول عليها 141,839 دولاراً.

ولم يطعن كلّ من ألفيا زوكرمان (39 عاماً)، وروبن تمرزيان (26 عاماً)، وفاهيه مرادخانيان (32 عاماً)، على تهمة الاحتيال التأميني، وصدر بحقهم حكم بالسجن لمدة 180 يوماً، إضافة إلى عامين من المراقبة ضمن الإفراج المشروط.

وقال مفوض التأمين في الولاية ريكاردو لارا: «ما بدا في ظاهره غير قابل للتصديق، تبيَّن أنه حدث بالفعل، وها هم المسؤولون عنه يواجهون المساءلة».


«هوايات الجدّات»... اكتشف سرّ الهدوء النفسي في عصر الإرهاق الرقمي

العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)
العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)
TT

«هوايات الجدّات»... اكتشف سرّ الهدوء النفسي في عصر الإرهاق الرقمي

العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)
العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)

في زمن الإرهاق الرقمي، والاعتماد المفرط على الشاشات، تتجه الأنظار مجدداً نحو «الهوايات الهادئة»، أو ما يُعرف بـ«هوايات الجدّات»، مثل الحياكة، والخَبز، والتطريز، وحلّ الألغاز. هذه الأنشطة اليدوية لا تُعد مجرد وسيلة لتمضية الوقت، بل أصبحت ملاذاً نفسياً يساعد على تخفيف التوتر، وتعزيز التركيز، واستعادة التوازن الذهني في حياة سريعة الإيقاع.

ويسلط تقرير لموقع «فيريويل مايند» الضوء على أسباب عودة هذه الهوايات إلى الواجهة، وكيف تساهم في تحسين الصحة النفسية، وتقليل التوتر، وتعزيز الشعور بالاتزان في الحياة اليومية.

ما المقصود بـ«هوايات الجدّات»؟

مصطلح «هوايات الجدّات» ليس تقليلاً من شأنها، بل وصفٌ لطيف لهوايات ارتبطت تقليدياً بالأجيال الأكبر سناً، وتتميز بأنها بسيطة، ويدوية، وبعيدة عن التكنولوجيا.

ومن أبرز هذه الهوايات:

- الحياكة، والكروشيه.

- التطريز (الكروس ستيتش).

- صناعة الفخار.

- الرسم، والتلوين.

- الزراعة المنزلية، أو زراعة الأعشاب.

- الخَبز المنزلي من الصفر.

- كتابة الرسائل.

- حلّ الألغاز، والألعاب اللوحية.

- مراقبة الطيور.

- الخياطة، والرقع (اللحف).

وتقول إميلي شارب، وهي معالجة فنية في نيويورك لـ«فيريويل مايند»: «هذه الهوايات البطيئة والحسية تمنحنا مساحة من الهدوء، والانغماس الإبداعي من دون ضغط، وهي أمور نفتقدها بشدة في الحياة الحديثة. كثيراً ما أدمجها في جلسات العلاج، لأنها تساعد على تنظيم المشاعر، وتقليل القلق، وإيجاد لحظات صغيرة من الفرح».

لماذا تعود هذه الهوايات إلى الواجهة؟

في السنوات الأخيرة بدأ كثيرون يبحثون عن بدائل واقعية بعيداً عن الشاشات، والإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

تقول أندي ريفز، كاتبة وفنانة في مجال الألياف ومؤسسة «Cape Town Craft Club»: «الجيل الجديد يبحث عن تجارب ملموسة بعيداً عن العالم الرقمي. هناك رفض لثقافة الضغط، والإنتاج المستمر، واتجاه أكبر نحو العناية بالذات، والاستدامة. الحِرف اليدوية تتماشى تماماً مع هذا التوجه».

وتضيف أن هذه الهوايات أصبحت أيضاً وسيلة للتعبير عن التفرد: «في عالم متشابه جداً، يصبح ما تصنعه بيدك جزءاً من هويتك».

الفوائد النفسية لهوايات الجدات

وتشير دراسات حديثة إلى أن الأنشطة الإبداعية يمكن أن تساهم في تحسين الصحة النفسية، وتقليل التوتر.

اليقظة الذهنية وحالة «التدفق»

هذه الهوايات لا يمكن ممارستها أثناء التشتت، أو التمرير على الهاتف، بل تتطلب حضوراً ذهنياً كاملاً.

توضح المستشارة كيم ريبي: «الحِرف اليدوية تُبطئ نشاط الدماغ، وتدخله في حالة من التركيز الهادئ. إنها تُبعدنا عن القلق، وتعيدنا إلى اللحظة الحالية».

هذه الحالة تُعرف نفسياً باسم «حالة التدفق»، حيث ينغمس الشخص بالكامل في النشاط ويشعر بالهدوء، والتركيز.

تخفيف التوتر

حتى الحركات البسيطة والمتكررة -مثل الحياكة، أو الرسم- يمكن أن تساعد في تهدئة الجهاز العصبي.

تقول شارب: «هذه الأنشطة تنشّط الجهاز العصبي المسؤول عن الراحة، والهضم، ما يساعد على تقليل التوتر، واستعادة التوازن».

المتعة ليست بالكمالية

من خلال هذه الهوايات يتعلم الكثيرون أن الهدف ليس الكمال، بل المتعة في العملية نفسها.

تقول ريبي: «يتعلم الأشخاص السماح لأنفسهم بأن يكون الناتج غير مثالي، وهذا يخفف من ضغط الكمالية في حياتهم اليومية».

الابتعاد عن العالم الرقمي

من الصعب المرور على الهاتف أثناء التطريز، أو الخياطة، وهذا بحد ذاته ميزة.

تقول شارب: «هذه الأنشطة تعيدنا إلى متعة حسية بسيطة، وتبعدنا عن العالم الرقمي المرهق».

تعزيز التواصل الاجتماعي

هذه الهوايات قد تكون أيضاً جسراً للتواصل مع الآخرين من خلال النوادي، وورش العمل.

وتقول ريفز: «جزء كبير من هذه اللقاءات هو العمل اليدوي، والجزء الآخر هو الشعور بالانتماء، والتواصل الإنساني».

كيف تبدأ من دون ضغط؟

لا تحتاج إلى خبرة مسبقة أو مهارات عالية للبدء:

- ابدأ بهواية بسيطة، مثل التلوين، أو التطريز السهل.

- اسمح لنفسك بأن تكون مبتدئاً.

- شارك في ورش عمل، أو مجموعات محلية إن رغبت.

- تذكّر أن الهدف ليس الإتقان، بل الاستمتاع.

وتختتم شارب: «الأمر لا يتعلق بإنتاج شيء مثالي، بل بخلق مساحة للمتعة، والتجربة، والإبداع من دون حكم مسبق».