المترجم... شريك في الإبداع أم ظلّ مغيّب؟

أبرز مظاهر التهميش عدم وضع أسماء المترجمين على الأغلفة

المترجم... شريك في الإبداع أم ظلّ مغيّب؟
TT

المترجم... شريك في الإبداع أم ظلّ مغيّب؟

المترجم... شريك في الإبداع أم ظلّ مغيّب؟

لماذا تتكرّر ظاهرة تغييب أسماء المترجمين عن أغلفة الكتب وصفحاتها الداخلية، وهل يعكس هذا تجاهلاً لدور المترجم في إعادة صياغة النصوص؟ كيف تؤثّر هذه الممارسات على مصداقيّة النصوص المترجمة وعلى فرصها في الوصول إلى دوائر الأضواء الأدبية والمنافسة في الجوائز العالمية المرموقة؟ وهل يمكن لأدب مترجم أن يُحافظ على خصوصيته إذا عُومل كنصّ تقنيّ أو منتج صناعيّ، بعيداً عن حساسيّة الترجمة الأدبيّة وجماليّاتها؟ كيف يمكن لبعض التصرّفات الراهنة في العالم العربيّ أن تواكب التحدّيات الثقافية وتضمن أن يكون للمترجمين مكانة اعتبارية تعزّز من دورهم في المشهد الأدبيّ؟

من البديهيّ القول إنّه لا يمكن تجاهل الدور المحوريّ الذي يلعبه المترجمون في وصل الثقافات وجسر الفجوات بين الأمم عبر ترجماتهم، وإنّهم، كفاعلين ثقافيّين، يعملون في منطقة توازن دقيقة بين الحفاظ على أمانة النصّ الأصليّ وجماليّات اللغة الهدف، والحفاظ على روح النصّ وضرورات السياق الثقافيّ. ومع ذلك، تراهم يظلّون في كثير من الأحيان في الهامش، مغيّبين، سواء من خلال تهميش اسمهم أو التعامل مع جهودهم كعمل تقنيّ خالٍ من الإبداع، أو كأنّ دورهم ينتهي بمجرّد حصولهم على أجورهم الماليّة.

ومعلوم أنّ الترجمة عمل إبداعيّ يتطلّب حساسية أدبية وفنّية عالية، والمترجم في هذا الإطار ليس ظلاً للنصّ الأصليّ، بل هو شريك، و«صاحب» النصوص في اللغة المترجَمة بصيغة ما، يُسهم في تطويرها وإغناء معانيها، كما أكّد أمبرتو إيكو في كتابه عن الترجمة: «أن نقول الشيء نفسه تقريباً»؛ حيث أشار إلى أنّ الترجمة هي عملية «قول الشيء نفسه ولكن بطريقة مختلفة».

أحد أبرز مظاهر التهميش تتجلّى في عدم وضع أسماء المترجمين على أغلفة الكتب، كما هو الحال في بعض دور النشر العربية، التي تكتفي بذكر اسم المترجم داخل الصفحات. هذا الأسلوب ينزع عن المترجم حقّه في الظهور في المقدّمة، ويضيّع على القارئ فرصة اكتشاف اسمه من الغلاف؛ لأنّه يتعامل مع رؤى المترجم واجتهاده، ما يجعل حضوره الاعتباريّ ضرورياً لضمان مصداقيّة النصّ. وفي حالة الترجمة من العربية إلى الإنجليزية واللغات الأخرى، نشير هنا إلى حالة جائزة «كتارا للرواية العربية»؛ حيث يتمّ تغييب أسماء المترجمين عن الأعمال المترجمة إلى الإنجليزية أو الفرنسية، سواء على الأغلفة أو حتى داخل الصفحات، وهذه الطريقة تقدّم النصوص والروايات الفائزة بـ«كتارا» وكأنها صادرة باللغة الإنجليزية أو الفرنسيّة من دون أيّ وسيط، متجاهلةً الدور المركزيّ للمترجم في تشكيل النصّ، ما يُعتبر طمساً لجهدٍ إبداعيّ أساسيّ، وحرماناً للنصّ المترجم من حقوق البحث عن الظهور في اللغات الجديدة في المجال الذي يقدّم فيه.

الجائزة التي يفترض بها الاحتفاء بالرواية العربية الحديثة قد تعود بمفعولٍ عكسيّ في حالة ترجمة الأعمال المتوّجة بها، فتقدّم نصوصاً غفلاً من اسم المترجم لقارئ مهتمّ بأدقّ التفاصيل، يختار بعناية ما يقرأ ولماذا يقرأ.

وفي هذا السياق تبرز قضية أخرى لا تقلّ أهمّية وهي الاعتماد على شركات الترجمة بدلاً من المترجمين المستقلّين أو ذوي الخبرة الأدبية. هذه الممارسة - وإن أمكن تبريرها في مجالات محدّدة - تؤثّر على جوهر النصوص ذاتها، ممّا يؤدّي إلى فقدانها لفرادتها وجمالياتها وخصوصيتها التي تُعتبر جزءاً رئيساً من روح النصّ الأصليّ. والاستعانة بشركات ترجمة، من دون وضع أسماء المترجمين وإعلان هويّاتهم، يعني أنّ النصّ الإبداعيّ يُعامَل كمنتج قياسيّ، وليس كعمل إبداعيّ مميّز. في هذه الحالة، تُصبح الترجمة أشبه بخطّ إنتاج صناعيّ؛ حيث تُفقد النصوص خصوصيّتها بسبب التعامل معها كموادّ قابلة للنقل من دون مراعاة تفاصيلها الفريدة. هذا الفقدان للخصوصية يُحدث خللاً في تلقّي النصوص المترجمة؛ لأنّ القارئ في اللغة الهدف يتلقّى نسخة منقوصة من النصّ الأصليّ، تفقد روحها وشغفها الذي أراد المؤلّف، والمترجم المعلن عن اسمه وهويّته نقله في حال تثبيته.

ولا يخفى أنّه في عالم الأدب والترجمة، هناك جوائز أدبية كبرى تُدرك أهمّية دور المترجم كشريك إبداعيّ إلى جانب الكاتب، منها جائزة «مان بوكر الدولية البريطانية»، على سبيل المثال، تُعدّ نموذجاً رائداً في تكريم المترجمين. إذ تُمنح الجائزة مناصفةً بين المؤلّف والمترجم، ما يعكس إيماناً راسخاً بأنّ العمل الأدبيّ المترجم هو نتيجة لجهدٍ إبداعيّ مشترَك. هذه الخطوة بالإضافة إلى أنّها تكريم رمزي ومادّيّ، هي إقرار بأهمية المترجم في إبراز النصوص وتحقيقها لأقصى درجات التأثير والجمالية في اللغات الجديدة.

حين يُنشر عمل أدبيّ دون ذكر اسم المترجم، فإنه يُلحق الضرر بالنصّ نفسه، حيث يحرمه من فرص المشاركة في الجوائز الأدبية العالمية المرموقة المخصّصة للأعمال المترجمة. مثل هذه الجوائز، كجائزة BTBA (Best Translated Book Award) الأميركية، تعطي قيمة كبيرة للترجمة والمترجمين وتعتبرهم جزءاً أساسياً من الإبداع الأدبيّ. وعدم ذكر اسم المترجم يجعل النصّ مجهول الهويّة من الناحية الاعتبارية، وبالتالي يُستبعد من المنافسة في هذه الجوائز التي تُعزّز مكانة النصوص المترجمة وتضعها في دائرة الضوء العالميّ.

قسم من دور النشر يعتمد على شركات الترجمة بدلاً من المترجمين المستقلّين أو ذوي الخبرة الأدبية

ومع ظهور أدوات وتطبيقات الترجمة الآلية وتطوّر الذكاء الاصطناعيّ - وهذه أدوات مفيدة وتساعد في الترجمة - قد يتبدّى أنّ الجانب البشريّ في الترجمة مهدّد بالتهميش، لكنّ النصوص الأدبية، بما تحمله من حساسية وجماليات، لا يمكن أن تُترجم بطريقة آلية خالية من الإبداع، والمخرج النهائيّ هو الإنسان الذي يضيف بُعداً ثقافيّاً وفنّياً يعجز الذكاء الاصطناعي عن تحقيقه، ما يجعل دوره حيويّاً في الحفاظ على روح النصوص وجماليّاتها.

يُعدّ ذكر اسم المترجم على غلاف الكتاب إعلان مسؤولية أدبيّة وثقافية؛ لأنّ وجوده يعني أنّ هناك شخصاً يتحمّل مسؤولية جودة الترجمة، ويُطمئن القارئ إلى أنّ النصّ قد خضع لمعالجة جادّة تعكس قيمته. وعلى النقيض من ذلك، فإنّ غياب الاسم قد يؤدّي إلى تقويض القيمة المعنوية للنصّ المترجم نفسه. لذا من المهمّ أن يصبح ذكر اسم المترجم معياراً للأعمال المترجمة؛ لأنّه يعكس الاعتراف بالدور الثقافيّ والإبداعيّ المستحقّ، ومن المهمّ تعزيز حضور المترجم إعلامياً وثقافياً حين الاحتفاء بالكتب التي ترجمها؛ لأنّ ذلك ضرورة لإرساء قيم العدالة الثقافية وتعزيز مكانة الأدب العربيّ المترجم في الساحة العالمية.

* كاتب كردي سوري.


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.