من ليالي أم كلثوم إلى شموع فيروز... ذكريات مواسم المجد تضيء ظلمة بعلبك

نايلة دو فريج تسترجع السنوات الذهبية للمهرجانات الأقدم في العالم العربي

مهرجانات بعلبك حدثٌ فني عمرُه 7 عقود احترف النهوض بعد كل كبوة (صفحة المهرجانات على «إنستغرام»)
مهرجانات بعلبك حدثٌ فني عمرُه 7 عقود احترف النهوض بعد كل كبوة (صفحة المهرجانات على «إنستغرام»)
TT

من ليالي أم كلثوم إلى شموع فيروز... ذكريات مواسم المجد تضيء ظلمة بعلبك

مهرجانات بعلبك حدثٌ فني عمرُه 7 عقود احترف النهوض بعد كل كبوة (صفحة المهرجانات على «إنستغرام»)
مهرجانات بعلبك حدثٌ فني عمرُه 7 عقود احترف النهوض بعد كل كبوة (صفحة المهرجانات على «إنستغرام»)

يتّكئ التاريخ في بعلبك على أعمدةٍ اهتزّت ألف مرة وما وقعت. تلك القلعة الأثرية في البقاع اللبناني، التي عبرها الغزاة والطغاة والشعراء والمؤرّخون والفنانون، تقف اليوم عزلاء في وجه خطرٍ يتهدّد شموخها.

منذ بدء العدوان الإسرائيلي على لبنان، أُحصي سقوط أكثر من 1100 غارة على بعلبك الملقّبة بـ«مدينة الشمس». من بين تلك الغارات ما استهدف محيط القلعة، مثل موقف السيارات الخاص بالموقع التاريخي، ومبنى «المنشيّة» الأثري العائد إلى الحقبة العثمانية. كما زعزع القصف فندق «بالميرا» الأسطوري المحاذي للقلعة، والذي نزل فيه كبار ضيوف «مهرجانات بعلبك الدولية» على رأسهم السيّدة فيروز.

الدمار الذي لحق بمبنى المنشيّة الأثري المحاذي لقلعة بعلبك (إ.ب.أ)

بعلبك... أقدَم مهرجان عربي

اليوم، وأكثر من أي وقت، يُخشى على مصير تلك القلعة التي باتت مسيّجة بزنّارٍ من النار، يُظلّلها الطيران الحربي، بعد أن كانت سماؤها ملعباً للنجوم. فبعلبك عرفت مواسمَ عزٍّ كثيرة كانت وليدةَ مهرجاناتها السنوية، الطليعيّة في العالم العربي.

عندما يُطلب من رئيسة لجنة مهرجانات بعلبك الدولية نايلة دو فريج، أن تحصي السنوات الذهبية في سجلّ هذا الحدث الثقافي العالمي، تكاد تتوه في التعداد لفرط ما مرّت ليالٍ مضيئة على المهرجانات. تتحدّث إلى «الشرق الأوسط» عشيّة اجتماع منظمة «الأونيسكو» المخصص لحماية المواقع الأثرية اللبنانية من القصف الإسرائيلي. يؤرقها خوفها على الحجر المعمِّر، وعلى البشر الذين كانوا يوماً جيران القلعة، وصاروا الآن نازحين.

قلعة بعلبك التي استضافت أهم الحفلات الفنية مسيّجة اليوم بالنيران الإسرائيلية (صفحة مهرجانات بعلبك الدولية على «إنستغرام»)

وحدَها ذكريات المجد الذي أضاء معبدَي باخوس وجوبيتر تشعل شمعةً في الظلام. فمهرجانات بعلبك هي الأقدم في منطقة الشرق الأوسط، مع تاريخٍ يمتدّ لستّة عقود. عام 1955 وفي عهد الرئيس اللبناني كميل شمعون وبمبادرةٍ منه، جرى انتقاء الموقع لاحتضان المهرجان، نظراً لعراقته التاريخية، وسحره الجماليّ، وجاذبيته السياحية. انطلقت المهرجانات رسمياً عام 1956، فاستضافت الأوركسترا السيمفونية لمدينة هامبورغ الألمانية. وفي السنة التالية، دخل الفلكلور اللبناني إلى قلعة بعلبك مع مسرحية «عرس الضيعة».

تلفت دو فريج إلى أنّ التركيز كان، خلال السنوات الأولى، على عروض الموسيقى الكلاسيكية والمسرح الفرنسي والباليه العالمي. وتضيف أن انطلاقة «الليالي اللبنانية» شكّلت محطة أساسية، كرّت بعدها سبحة العروض المحلّية لتُتوّج مع الأخوين رحباني عام 1960 ومسرحية «موسم العزّ» من بطولة صباح، ووديع الصافي، ونصري شمس الدين.

«موسم العز» والدخول الرحبانيّ الأول إلى مهرجانات بعلبك عام 1960

كوكب الشرق يضيء شمس بعلبك

منذ ذلك الحين، سكنَ الفنّ الرحبانيّ القلعة، فعاد الأخوان عاصي ومنصور عام 1965 مع مسرحيّة «دواليب الهوا». كما كان للفنان روميو لحّود وفرقته حضور أساسي في عروض «الليالي اللبنانية»، فهو قدّم 6 أعمال مسرحية غنائية في بعلبك ما بين 1964 و1970.

شكّل صيف 1966 محطة مفصليّة في تاريخ المهرجانات الدوليّة، إذ انضمّ كوكبٌ إلى شمسه. حملت أم كلثوم صوتها وطارت من القاهرة، لتسطع وسط هياكل بعلبك. تخبر دو فريج حكاية تلك الأمسية كما تناقلتها الأجيال: «شهدت ليالي أم كلثوم حضوراً جماهيرياً غير مسبوق. ففي محطاتها الثلاث في أعوام 1966 و1968 و1970، غصّت القلعة بالناس الآتين من كل أنحاء لبنان والعالم العربي. وقد وُضعت مكبّرات الصوت في كل أرجاء مدينة بعلبك كي يتمكّن الأهالي والزوّار من سماعها وهي تغنّي».

بدخول «كوكب الشرق» سجلَّ بعلبك الذهبي، صُنعت نقلة نوعيّة فتح من خلالها المهرجان ذراعَيه للفن العربي، بعد أن كانت برامجه السنوية تقتصر على العروض اللبنانية والأوروبية.

أم كلثوم في مهرجانات بعلبك عام 1970 (صفحة المهرجانات على «إنستغرام»)

شمعة القلعة

لعلّ سنة 1966 كانت من بين الأسطَع على الإطلاق، فهي شهدت على وقوف أسطورتَين فوق مسرح القلعة؛ الكوكب الآتي من خلف البحار، وشمعة البلاد التي اتّقدت على «أدراج بعلبك» واسمُها فيروز. في تلك السنة، ظهرت للمرة الأولى على جمهور المهرجانات بشخصية «عطر الليل» في مسرحية «أيام فخر الدين»، ثم عادت عام 1969 حاملةً اسم «غربة» في «جبال الصوّان».

كما استوطنت قلوب الناس، كذلك اخترقت فيروز الحصن البعلبكي فصارت ضيفته الدائمة. قدّمها الأخوان رحباني كـ«زاد الخير» في مسرحية «ناطورة المفاتيح» عام 1972، وفي السنة التالية حفرت صوتها إلى الأبد على الأعمدة صادحةً في مسرحية «قصيدة حب»: «يا قلبي لا تتعب قلبك وبحبك على طول بحبك... بتروح كتير وبتغيب كتير وبترجع ع أدراج بعلبك».

شهد عام 1966 الظهور الأول لفيروز ضمن مهرجانات بعلبك (فيسبوك)

تميّزت مهرجانات بعلبك بطابعها التجديديّ، وتخبر دو فريج في هذا الإطار كيف أنه وفي مطلع السبعينات، «وبعد سجالاتٍ اختلفت فيها الآراء داخل اللجنة المنظّمة آنذاك، تَقرّر إدخال موسيقى الجاز إلى العروض، فشكّل ذلك سابقة في العالم العربي». وقد استضاف المهرجان أسطورتَي «الجاز» إيلا فيتزجيرالد ومايلز ديفيس عامَي 1971 و1973.

أسطورة «الجاز» إيلا فيتزجيرالد في مهرجانات بعلبك عام 1971 (فيسبوك)

الولادة الثانية

ضرب صيف 1974 موعداً جديداً مع الفرح في قلعة بعلبك. قُدّمت في تلك السنة عروضٌ كثيرة من بينها مسرحية «وتضلّوا بخير» من بطولة صباح ووديع الصافي. لم يعرف مؤلّفها ريمون جبارة ومُخرجها صبري الشريف أنّ عنوانها ينبئ بالكثير، فهو كان بمثابة وداعٍ للمهرجانات وزوّارها.

على مدى عقدَين غاب الخير عن لبنان والمهرجاناتُ عن بعلبك. حلّت الحرب وانقطع الوصل عن قلعة الحب 22 عاماً.

لكن تماشياً مع قدَر اللبنانيين الناهضين بعد كل كبوة، خفقت الحياة مجدداً في قلعة بعلبك عام 1997، فكانت الولادة الثانية للمهرجانات الدولية. عن تلك العودة تقول دو فريج: «كل فترة ما قبل الحرب تُعدّ ذهبية، لكن هذا لا يعني أنّ المجد لم يُستأنف بعد الحرب مع أسماء لامعة استضافها المهرجان».

عادت الحياة إلى مهرجانات بعلبك عام 1998 بعد انقطاع 22 عاماً بسبب الحرب (صفحة المهرجانات على إنستغرام)

وكتأكيدٍ على سطوع الشمس من جديد فوق الهياكل، عادت فيروز إليها برفقة منصور الرحباني ومجموعة من كبار الممثلين عام 1998، ليقدّموا مقاطع من مسرحياتٍ كانت قد عُرضت قبل الحرب في بعلبك.

وقبل انقطاع الوصل مرة ثانية بسبب حرب يوليو (تموز) 2006، شرّعت القلعة أبوابها لنجوم العالم أمثال شارل أزنافور، وجوني هاليداي، وبلاسيدو دومينغو، ووردة الجزائرية، وفيل كولينز، وستينغ، وفرقة كركلّا وغيرهم. وقد «تكرّس الطابع الحداثي للمهرجانات في تلك الفترة»، وفق تعبير دو فريج، إذ استضافت فرقاً عالمية مثل «Lord of the Dance» و«Massive Attack».

كي لا تنطفئ الشمس

لم يكن الاستسلام يوماً قدرَ مهرجانات بعلبك، فهي انبعثت من جديد بعد كل هزّةٍ أصابتها؛ من الحرب الأهلية، إلى «حرب تموز»، وحرب الجرود. حتى جائحة كورونا لم تتمكّن من هزيمتها، فكانت «المحطة الذهبية صيف 2020 مع حفل الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية الذي نُقل مباشرةً عبر القنوات التلفزيونية والإنترنت، بغياب الجمهور الذي بكى تأثُّراً من خلف الشاشات»، كما تخبر دو فريج. وفي العام التالي، استُعيض عن المهرجانات بعرضٍ شكّل تحيةً للفنانين اللبنانيين الشباب، في وجه الأزمة المالية التي دفعت الجيل الجديد إلى الهجرة.

تحتفل مهرجانات بعلبك الدولية العام المقبل بسبعينيّة تأسيسها. كل ما تأمله هو أن تضاء هياكلها من جديد في صيف 2025 وتدفأ حجارتها بلهفة الناس والفنانين العائدين إليها. وعلى هذا الأمل، وجّهت لجنة المهرجانات كتاباً مفتوحاً إلى الجهات الديبلوماسية والمنظّمات الدولية دعتهم فيه إلى "التحرّك السريع لوقف الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على بعلبك وموقعها الأثري، كي لا تغرق مدينة الشمس في الظلام".


مقالات ذات صلة

«يوم سعيد» يمثل السعودية في مهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير»

يوميات الشرق لقطة من الفيلم السعودي «يوم سعيد» (مهرجان البحر الأحمر)

«يوم سعيد» يمثل السعودية في مهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير»

يشارك فيلم «يوم سعيد» للمخرج محمد الزوعري ممثلاً السعودية بمسابقة الأفلام العربية بالدورة الـ12 لمهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير» التي تنطلق 27 أبريل

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)

غياب السينما المصرية عن مهرجان «كان» يثير تساؤلات

تغيب السينما المصرية عن مهرجان «كان» السينمائي في دورته الـ79 بعدما اعتادت الوجود بأفلام في المسابقات الموازية.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق بطلة فيلم «هجرة» السعودي تتسلم جوائزه (مهرجان مالمو)

فيلمان من السعودية ومصر يتقاسمان جوائز «مالمو للسينما العربية»

تقاسم الفيلمان المصري «كولونيا» والسعودي «هجرة» صدارة جوائز الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية»، بعدما حصدا 5 جوائز في حفل الختام.

أحمد عدلي (مالمو (السويد))
يوميات الشرق مشهد من فيلم «أحضان وقضبان» (إدارة المهرجان)

«الأصوات السويدية»... أفلام جديدة تبحث عن الذات

عكست الأفلام المعروضة ضمن برنامج «الأصوات السويدية» للأفلام القصيرة في النسخة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية»، نبرة إنسانية.

أحمد عدلي (مالمو (السويد))
يوميات الشرق قدم صناع الأفلام عروضاً لمشاريعهم الجديدة (مهرجان مالمو)

تجارب سينمائية عربية تبحث عن الدعم في «مالمو»

عكست مشاريع الأفلام الروائية الطويلة في مرحلة التطوير التي قدمت ضمن «أيام مالمو لصناعة السينما» ملامح موجة سينمائية عربية تنشغل بما هو أبعد من حكاية تقليدية.

أحمد عدلي (مالمو (السويد))

رحيل حياة الفهد... سيدة الشاشة الخليجية

الفنانة الكويتية حياة الفهد
الفنانة الكويتية حياة الفهد
TT

رحيل حياة الفهد... سيدة الشاشة الخليجية

الفنانة الكويتية حياة الفهد
الفنانة الكويتية حياة الفهد

رحلت الفنانة الكويتية حياة الفهد، الثلاثاء، بعد مسيرة فنية طويلة امتدت لأكثر من خمسة عقود، تركت خلالها بصمة بارزة في تاريخ الدراما الخليجية والعربية، لتفقد الساحة الفنية واحدة من أبرز رموزها وأكثرها تأثيراً.

وتُعدّ حياة الفهد من رواد الدراما الخليجية، حيث بدأت مشوارها الفني في ستينات القرن الماضي، ونجحت في تقديم أعمال تلفزيونية ومسرحية شكلت علامات فارقة، وأسهمت في ترسيخ الهوية الدرامية الخليجية، بفضل أدوارها المتنوعة التي عكست قضايا المجتمع الخليجي والإنساني.

وأُعلن خبر الوفاة عبر حساباتها الرسمية، وسط حالة من الحزن في الأوساط الفنية الخليجية والعربية، حيث وُصفت الراحلة بأنها «أيقونة الدراما الخليجية» التي تركت إرثاً فنياً سيبقى حاضراً في ذاكرة الأجيال.

وشهدت الحالة الصحية للفنانة الراحلة تدهوراً خلال الأيام الماضية، حيث نُقلت إلى العناية المركزة قبل أن تُعلن وفاتها، بعد رحلة طويلة مع المرض، لتسدل الستار على مسيرة فنية ثرية امتدت لأكثر من خمسة عقود.

قدّمت حياة الفهد خلال مسيرتها الفنية عشرات الأعمال الناجحة التي حظيت بمتابعة واسعة في الخليج والعالم العربي، وتميزت بقدرتها على أداء الأدوار المركبة، مما جعلها تحظى بلقب «سيدة الشاشة الخليجية»، وتكسب محبة الجمهور عبر أجيال متعاقبة.

وفي رصيد الراحلة عشرات الأعمال التي تنوعت بين المسرحيات، والأفلام السينمائية، والمسلسلات التلفزيونية؛ قدمت خلالها أدوراً، مع فنّانين كويتيين روّاد.

كما عُرفت الراحلة بإسهاماتها في الكتابة والإنتاج، إلى جانب التمثيل، حيث شاركت في تقديم أعمال درامية ناقشت قضايا اجتماعية مهمة، وأسهمت في دعم المواهب الشابة وتطوير الدراما الخليجية.


«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
TT

«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)

عندما تنفصل المرأة عن حبيبها أو زوجها غالباً ما يكون أول رجلٍ تلجأ إليه مصفّف الشعر. تضع كامل ثقتها في مقصّه، متناسيةً كل مرةٍ قالت له فيها هِيَ هِيَ:«إيّاك أن تقصّر شَعري». وهذا تصرُّفٌ تحدّثَ عنه علم النفس رابطاً إياه برغبة المرأة في ولادة جديدة، وفي دعمٍ معنويّ يساعدُها على ترميم قلبها المكسور.

في حوارٍ سابق مع «الشرق الأوسط»، كانت قد لفتت المعالجة النفسية د. ريف رومانوس إلى أن هذه الظاهرة منتشرة فعلاً، واصفةً إياها بأنها «ردّ فعل تلقائي، ومتسرّع». أما الدوافع الأساسية خلفها فهي «أوّلاً إثبات الأنثى لنفسها أنها ما زالت قادرة على إثارة الإعجاب، وثانياً جرعة الثقة بالنفس التي تمنحها جرأةُ التغيير خلال المحنة العاطفية، والنفسية».

يؤكّد مصفّف الشعر اللبناني المخضرم سلام مرقص تلك النظريّة، بدليل أنّ كثيراتٍ من السيدات مكسورات القلوب لجأن إلى مقصّه. ويلفت مرقص لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ «غالبيّة مَن خرجن للتوّ من علاقة عاطفية، أو واجهن تجربة طلاق، يطلبن تحديداً قصّ الغرّة». ولعلّ في ذلك تشبُّهاً بنجمات هوليوود اللواتي ما إن أُعلن خبرُ انفصالهنّ، حتى لحقَته صورُهنّ بتسريحة الغُرّة.

الممثلة نيكول كيدمان في تسريحتَي ما قبل الطلاق من المغنّي كيث أوربان وما بعده عام 2025 (أ.ف.ب - أ.ب)

«غرّة الصدمة»؟

فور ظهور المرأة بالغُرّة على الطريقة الفرنسية (French bangs)، والتي تغطّي الجبين، حتى يتساءل معارفها وأصدقاؤها ما إذا كانت تمرّ بمحنةٍ عاطفية مع الشريك. فما يمكن أن يكون مجرّد قرارٍ للتغيير في الشكل ومواكبة للموضة، غالباً ما يُمنَح تأويلاتٍ نفسية.

وعلى غرار مُجريات مسلسل «إميلي في باريس» المحبوب، يذهب البعض أحياناً إلى تسميتها «غرّة الصدمة» (trauma bangs). ففي الموسم الثالث، تقصّ البطلة «إميلي» شعرَها بنفسها بعد تَراكُم الضغوط العاطفية والمهنية عليها، ما يدفع بصديقتها «ميندي» إلى تسمية التسريحة «غرّة الصدمة».

في مسلسل «إميلي في باريس» تقصّ البطلة شعرها بنفسها في الموسم 3 (نتفليكس)

كم تبلغ نسبة الواقع في هذه التسمية؟

وفق علم النفس، ثمة حقيقة علميّة وموثّقة حول قرار قصّ الشَعر، أو إجراء تعديل جذريّ على التسريحة، أو اللون. إذ يولّدُ الانفصال العاطفي رغبةً لدى الأنثى ببَتر الروابط القديمة، وإهداء نفسها بداية جديدة؛ والشَعرُ كواجهةٍ أمامية للوجه يمكن أن يقدّم أوضَح تعبيرٍ عن التغيير.

إلى جانب الرغبة في التجديد، وهي إحدى ردود الفعل على الصدمة، يؤشّر تغيير مظهر الشعر إلى فقدان السيطرة على المشاعر، أو تجنّب مواجهة الواقع، أو حاجة ماسّة لتعزيز الثقة بالنفس، وإثبات القدرة على امتلاك القرار. فبعد الانفصال أو الطلاق، تُصاب غالبية النساء بهشاشةٍ معنويّة تجعلها تظنّ أنها ضعيفة، وغير مرئيّة، وغير محبوبة، وعاجزة عن إثارة الإعجاب. فتأتي التسريحة أو الغُرّة الجريئة لتلفتَ الأنظار إليها من جديد.

تسريحة الغرّة هي إحدى ردود الفعل على الصدمة العاطفية (بكسلز)

الغُرّة... حلّ جذريّ ومؤقّت

في صالونات تصفيف الشَعر، يُنظَر إلى الغُرّة أحياناً على أنها علاجٌ نفسيّ. صحيحٌ أنه مؤقّت، لكنه فعّال في معظم الحالات. يقول سلام مرقص في هذا السياق إنّ «الغرّة تمنح الراحة النفسية للمرأة». ويتابع مصفّف الشعر موضحاً أنّ «النساء بعد الانفصال يشعرن بالضعف، وبالحاجة إلى الظهور أجمل، وأصغر سناً في عيون أنفسهنّ، والآخرين، فيلجأن إلى قصّ الغرّة التي تجعل المرأة تبدو أصغر بالفعل».

من إيجابيات الغرّة كذلك أنها تمنح الشعور المطلوب بالتغيير، وبامتلاك القرار، من دون أن تتسبّب بالندم، لأنّ الشعر قابلٌ للنموّ من جديد. هي ليست كما الجراحات التجميليّة، ولا كالوشم مثلاً الذي تصعب إزالتُه بعد أن تنقضي الخيبة العاطفية.

تمنح الغرة الشعور بالتجديد من دون أن تتسبب بالندم (بكسلز)

تأكيداً لنظريّة العلاقة الوثيقة بين قَصّ النساء شعرهنّ خلال الأزمات النفسية وفترات التوتّر، لاحظت صالونات التجميل خلال جائحة كورونا ازدياداً كبيراً لطلبات قصّ الغرّة.

النجمات وغرّة الانفصال

من قال إنّ قلوب نجمات هوليوود ليست معرّضة للانكسار، وإنّ ثقتهنّ بأنفسهنّ لا تتزعزع بسبب رجل؟

حتى نيكول كيدمان، الممثلة ذات الشخصية الصلبة أمام الكاميرا، وبعيداً عنها، لجأت إلى الغرّة بعد طلاقها من زوجها المغنّي كيث أوربان. ففي عام 2025، انتهت العلاقة بين الفنانَين بعد زواج استمرّ أكثر من 20 سنة. ذكرا حينها خلافاتٍ غير قابلة للحلّ، فيما تحدّثت معلومات أخرى عن أنّ كيدمان تعرضت للخيانة من أوربان.

في أكتوبر من العام نفسه، وبعد شهرٍ تحديداً على إعلان الانفصال، أطلّت النجمة الأسترالية في «أسبوع باريس للموضة» مفاجئةً الصحافة والجمهور بتسريحةٍ جديدة. شهرَت كيدمان غرّتها في وجه الحزن والانكسار، وهي المعتادة على التسريحات الكلاسيكية البسيطة.

نيكول كيدمان والمخرج باز لورمان في «أسبوع باريس للموضة» 2025 (إنستغرام)

بعد انفصالها عن المغنّي زين مالك عام 2021، لجأت العارضة جيجي حديد هي الأخرى إلى غرّة ما بعد الصدمة. وقد أرفقتها حينذاك بتعديلٍ جذريّ وجريء في لون الشعر.

غرّة جيجي حديد بعد انفصالها عن زين مالك عام 2021 (إنستغرام)

في تأكيدٍ على أنّ الغرّة علاجٌ فعّال لحزن ما بعد الانفصال العاطفيّ، أعادت الممثلة ريس ويثرسبون الكرّة مرتَين؛ بعد الطلاق الأول من الممثل راين فيليبي عام 2008، وبعد انتهاء زواجها الثاني من جيم روث في 2023.

الممثلة ريس ويثرسبون وغرّة ما بعد الطلاق (إنستغرام)

يُنقَل عن أسطورة تصميم الأزياء كوكو شانيل قولها: «إنّ المرأة التي تقصّ شعرها هي على وشك تغيير حياتها». لكن إن وجدت المرأة المَخرج في الغرّة، فعليها أن تعلم أنها تتطلّب التزاماً وعنايةً، تماماً كالاهتمام الذي تستلزمه العلاقات العاطفية.


43 % من المصريين يمتلكون «حسابات سوشيالية»

المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
TT

43 % من المصريين يمتلكون «حسابات سوشيالية»

المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)

أفاد تقرير حكومي مصري بأن 43.4 في المائة من المصريين لديهم حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وجاء موقع «فيسبوك» في صدارة المنصات الأكثر استخداماً بإجمالي 51.6 مليون مستخدم، وذلك في إطار إحصاءات عدة عن «أبرز مؤشرات التحول من الإعلام التقليدي إلى الرقمي».

وحسب «مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار» الصادر عنه التقرير (الاثنين)، فإن الأرقام التي رصدتها شركة «كيبوس» (Kepios) حتى أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تشير إلى وجود 49.3 مليون مستخدم على «يوتيوب»، و48.8 مليون مستخدم على «تيك توك» ضمن الفئة العمرية من 18 سنة فأكثر، مشيراً إلى أن الإعلام الرقمي في مصر يشهد تطوراً متسارعاً في ظل التحول الرقمي، مدفوعاً بالتقدم في تقنيات الذكاء الاصطناعي التي أسهمت في تحسين إنتاج المحتوى وتطوير آليات التفاعل مع الجمهور.

استخدام الإنترنت في مصر شهد نمواً ملحوظاً (الشرق الأوسط)

وأشار التقرير إلى أن استخدام الإنترنت في مصر شهد نمواً ملحوظاً، حيث بلغ عدد مستخدمي الإنترنت عبر الجوال نحو 92.6 مليون مستخدم بنهاية ديسمبر (كانون الأول) 2025، بنسبة 75.3 في المائة من إجمالي مشتركي المحمول، في حين وصلت اشتراكات الإنترنت الثابت إلى نحو 12.7 مليون مشترك، وهو ما يعكس اتساع قاعدة المستخدمين واعتمادهم الكبير على الخدمات الرقمية.

وبدأ مجلس النواب (البرلمان) مناقشة قانون لحماية الأطفال رقمياً، من خلال إعداد مشروع قانون لتنظيم استخدام التكنولوجيا للأطفال، ومن المفترض إعداد النسخة النهائية منه خلال الفترة المقبلة للتصويت، بمشاركة جهات حكومية عدة، منها وزارتا «الثقافة»، و«التربية والتعليم»، مع العمل على إلزام المنصات الرقمية بالتحقق من أعمار المستخدمين.

ورأى الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، محمد فتحي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الأرقام تعكس بوضوح تنامي حضور مواقع التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها «فيسبوك»، الذي بات أحد أبرز مصادر تشكيل الرأي العام في الوقت الراهن، لشعور المستخدمين عبره بقدر أكبر من الحرية في التعبير عن آرائهم مقارنة بوسائل الإعلام التقليدية.

نحو نصف عدد سكان مصر يستخدمون «فيسبوك» (أ.ف.ب)

وأضاف أن «غالبية البرامج التلفزيونية في الإعلام المصري لم تعد تعتمد على المداخلات الهاتفية من الجمهور كما كان يحدث في السابق، ما جعل الإعلام في صورته الحالية أقرب إلى وسيلة تلقٍّ أحادية الاتجاه، في حين انتقلت مساحة التفاعل الحقيقي وإبداء الرأي إلى منصات التواصل الاجتماعي التي توفر هامشاً أوسع للمشاركة».

وأوضح فتحي أن «هذه المنصات تُعد بالنسبة لكثير من المستخدمين وسيلة تواصل آمنة نسبياً، خصوصاً في ظل تنامي سطوة الإنترنت في مصر وارتفاع معدلات المشاهدة عبره مقارنة بوسائل المشاهدة التقليدية»، لافتاً إلى أن استخدام الإنترنت لم يعد مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبح مجالاً أساسياً للمتابعة والرقابة والمشاركة في النقاشات العامة، وهو أمر يمكن رصده عبر تفاعل الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية والجهات الحكومية مع الشكاوى التي يُبلَّغ عنها.

ملايين المصريين يعتمدون على الإنترنت يومياً (الشرق الأوسط)

ويؤكد ذلك تقرير «مركز المعلومات»، إذ يفيد بأن «التحول نحو المنصات الرقمية قد أفضى إلى فتح آفاق غير مسبوقة لإنتاج المحتوى وتداوله، ما أسهم في بروز أشكال إعلامية جديدة، من شبكات التواصل الاجتماعي والمدونات إلى البودكاست وخدمات البث المباشر والمنصات الإخبارية الرقمية. ومع تعمق حضور الإعلام الرقمي في تفاصيل الحياة اليومية، لم يقتصر تأثيره على إعادة تشكيل علاقة المواطنين بالمعلومات، بل امتد ليُحدث تحولات جوهرية في أنماط عمل الشركات وآليات تفاعل الحكومات مع المواطنين».

وبسبب هذا التفاعل الواسع، دعا أستاذ الطب النفسي جمال فرويز إلى أهمية توفير محتوى هادف للأجيال الجديدة، لأن المحتوى العنيف المتاح عبر بعض المنصات بات يجذب شرائح أكبر من المستخدمين، وينعكس على سلوكياتهم في الحياة اليومية، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «التركيز المفرط على مواقع التواصل ترك آثاراً سلبية على سلوكيات المصريين وحالتهم النفسية».