الاقتصاد لاعباً ثالثاً في معركة الانتخابات الرئاسية الأميركية

يصطف الناخبون للإدلاء بأصواتهم بالانتخابات الرئاسية الأميركية بمدرسة مانشستر الثانوية في بيتسبرغ (رويترز)
يصطف الناخبون للإدلاء بأصواتهم بالانتخابات الرئاسية الأميركية بمدرسة مانشستر الثانوية في بيتسبرغ (رويترز)
TT

الاقتصاد لاعباً ثالثاً في معركة الانتخابات الرئاسية الأميركية

يصطف الناخبون للإدلاء بأصواتهم بالانتخابات الرئاسية الأميركية بمدرسة مانشستر الثانوية في بيتسبرغ (رويترز)
يصطف الناخبون للإدلاء بأصواتهم بالانتخابات الرئاسية الأميركية بمدرسة مانشستر الثانوية في بيتسبرغ (رويترز)

تتصدر نائبة الرئيس كامالا هاريس والرئيس السابق دونالد ترمب اقتراع الثلاثاء، في حين يأتي الاقتصاد بالمرتبة الثالثة بالمعركة الانتخابية، إذ شكّل الروايات الأساسية للحملتين الانتخابيتين، وأسهم في إبقاء السباق متقارباً للغاية.

لكن كيفية تأثير الاقتصاد على النتائج ليست مسألة بسيطة. فمن جهة، يشهد الاقتصاد نمواً مستمراً، مما أدى إلى خلق ملايين من الوظائف الجديدة ورفع الأجور. ومن جهة أخرى، ارتفعت الأسعار بشكل حاد منذ تولي الرئيس جو بايدن منصبه، مما قلل من القدرة الشرائية، وهي عوامل تؤثر سلباً على مزاج الأميركيين، وفق «وول ستريت جورنال».

هاريس مقابل ترمب

لم تركز هاريس على أرقام الوظائف والنمو، بل وجهت رسالتها نحو ما تسميه «اقتصاد الفرص». في المقابل، تعهد ترمب بفرض مجموعة من التخفيضات الضريبية والرسوم الجمركية، مع تقديم صورة أكثر تشاؤماً عن الاقتصاد. وفي عطلة نهاية الأسبوع، حذر من أن فوز هاريس قد يؤدي إلى «ركود اقتصادي مشابه لعام 1929».

وكان تقييم الأميركيين للاقتصاد منخفضاً خلال إدارة بايدن، نتيجة الإحباط الناجم عن ارتفاع الأسعار. ومع ذلك، يظهر تأثير الانقسام الحزبي الحاد، حيث تُظهر استطلاعات جامعة ميشيغان أن الجمهوريين يقيمون الاقتصاد على أنه أسوأ حالاً مما كان عليه حتى خلال فترة الجائحة في العام الأخير من رئاسة ترمب، بينما يراه الديمقراطيون في حالة أفضل مقارنة بعهد ترمب.

سلوك الإنفاق الأميركي

ورغم هذه التقييمات المتشائمة، فإن سلوك الأميركيين تجاه إنفاقهم يروي قصة مختلفة. فقد أفادت وزارة التجارة الأسبوع الماضي بأن الإنفاق الاستهلاكي، المعدل حسب التضخم، ارتفع بنسبة 3 في المائة في الربع الثالث مقارنة بالعام السابق. وخلال السنوات الثلاث الأولى من إدارة ترمب، قبل الجائحة، نما الإنفاق بمعدل سنوي قدره 2.6 في المائة.

النمو الاقتصادي وتأثيره على التصويت

قد يكون التداخل بين النمو القوي وارتفاع الأسعار هو السبب الرئيسي وراء إظهار استطلاعات الرأي أن الانتخابات متقاربة. هذا يظهر أيضاً في نموذج التنبؤ الرئاسي طويل الأمد الذي طوره عالم الاقتصاد في جامعة «ييل»، راي فير، منذ السبعينات، حيث وجد أن ثلاثة متغيرات اقتصادية كانت فعّالة في التنبؤ بنتائج التصويت الرئاسي.

1- نمو الناتج المحلي الإجمالي للفرد: المتغير الأول هو معدل النمو للفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي (المعدل حسب التضخم) في الأرباع الثلاثة التي تسبق الانتخابات. فكلما حقق الاقتصاد نمواً أكبر خلال سنة الانتخابات، كان ذلك أفضل لمرشح الحزب الحاكم.

وبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي للفرد 2 في المائة في الأرباع الثلاثة الأولى من هذا العام، وهي أفضل وتيرة قبل الانتخابات منذ فوز الرئيس السابق جورج دبليو بوش بفترة ثانية في عام 2004، بينما بلغ النمو خلال فترة رئاسة بايدن بأكملها 2.8 في المائة، وهو الأفضل منذ إدارة ليندون جونسون. إلا أن فير يشير إلى أن الناخبين يركزون بشكل أساسي على أداء الاقتصاد مؤخراً. وتنبع فاعلية الناتج المحلي الإجمالي للفرد في التنبؤ بالتصويت من كونه يعكس عادة أداءً جيداً في النمو الوظيفي والأجور عند نموه بشكل قوي.

2- ذاكرة الناخبين الطويلة للتضخم: يوضح فير أن الناخبين يبدو أنهم يمتلكون ذاكرة أطول للتضخم مقارنة بالنمو الاقتصادي. وعليه، فإن المتغير الثاني في نموذجه هو التغيرات في مؤشر أسعار الناتج المحلي الإجمالي. وقد وجد أن التغيرات السعرية خلال الفترة الرئاسية لها تأثير ملحوظ على الناخبين، فكلما ارتفعت الأسعار، زادت الخسارة للحزب الحاكم. وقد نما مؤشر أسعار الناتج المحلي الإجمالي بمعدل سنوي بلغ 4.5 في المائة في أول 15 ربعاً من رئاسة بايدن، وهو الأسرع منذ ولاية الرئيس الأسبق رونالد ريغان الأولى.

3- أرباع الأخبار الجيدة: المتغير الأخير في «نموذج فير» هو ما يُعرف بـ«أرباع الأخبار الجيدة»، وهو عدد الأرباع خلال الفترة الرئاسية التي تجاوز فيها نمو الناتج المحلي الإجمالي للفرد 3.2 في المائة. وقد شهدت إدارة بايدن أربعة من هذه الأرباع، بينما شهدت إدارة ترمب ثلاثة أرباع قبل انتخابات 2020.

النتائج المتوقعة

استناداً إلى هذه المتغيرات الاقتصادية الثلاثة، بالإضافة إلى بعض العوامل غير الاقتصادية مثل مدة بقاء الحزب الحاكم في السلطة، يتنبأ «نموذج فير» بأن هاريس ستحصل على 49.5 في المائة من حصة الأصوات، وترمب على 50.5 في المائة. بمعنى آخر، السباق يكاد يكون متعادلاً وفقاً للمتوسطات الاستطلاعية.

لكن تاريخياً، أظهر النموذج الذي طوره فير أن التنبؤات الاقتصادية لم تكن دائماً دقيقة بشكل كامل. على سبيل المثال، في انتخابات 2016 توقع النموذج فوز ترمب في حين فازت هيلاري كلينتون بالتصويت الشعبي، بينما في انتخابات 2020 توقعت الاستطلاعات فوز بايدن بفارق أكبر مما حدث فعلياً. وبالتالي، تبقى التحليلات الاقتصادية مجرد مؤشر وليست يقيناً على النتائج النهائية.

يحمل أحد موظفي الاقتراع لفافة من ملصقات «لقد صوّت» بأحد مراكز الاقتراع في ديربورن بولاية ميشيغان (أ.ب)

التأثيرات غير الاقتصادية

علاوة على ذلك، فإن الصورة الاقتصادية التي يحملها الناس إلى صناديق الاقتراع قد تتغير بطرق لا يمكن لأي نموذج استيعابها. فقد أظهر تقرير التوظيف يوم الجمعة أن الولايات المتحدة أضافت 12 ألف وظيفة فقط الشهر الماضي، وقد تأثرت هذه الأرقام بشكل كبير بخسائر الوظائف الناتجة عن إعصاري هيلين وميلتون، وكذلك إضراب شركة «بوينغ». ولكن من يكتفي بقراءة العناوين قد يشعر بمزيد من التشاؤم.

أو قد يملأ الناخبون خزان وقودهم الثلاثاء ويصلون إلى استنتاج مختلف. فقد بلغ متوسط سعر غالون البنزين العادي يوم الاثنين 3.10 دولار، مقارنة بـ3.43 دولار قبل عام، وذروته في يونيو (حزيران) 2022 عند 5.02 دولار. وللبنزين تأثير كبير على نظرة الناس للتضخم، فهو شراء متكرر ويتم عرض سعره على لافتات بارزة.

وسواء فازت هاريس أو ترمب، فسوف يكون من الممكن الإشارة إلى الاقتصاد والقول بصدق: «هذا هو السبب». ولكن تجدر الإشارة إلى أن هذا لن يكون السبب الوحيد.


مقالات ذات صلة

الحرب تقلق الناخبين الأميركيين المستقلين قُبيل التجديد النصفي

الولايات المتحدة​ صورة عامة لمبنى البنتاغون في العاصمة واشنطن (أ.ب)

الحرب تقلق الناخبين الأميركيين المستقلين قُبيل التجديد النصفي

تلقي الحرب الدائرة حالياً على إيران بثقلها على الناخبين الأميركيين المستقلين وهم فئة حاسمة يُرجح أن تحدد ما إذا كان الحزب الجمهوري سيحتفظ بالسيطرة على الكونغرس 

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ دونالد ترمب وميريام أديلسون (إ.ب.أ) p-circle 02:35

ترمب مازحاً: ميريام أديلسون عرضت عليّ «250 مليون دولار» للترشح لولاية ثالثة

قالت مجلة فوربس الأميركية إن الرئيس دونالد ترمب قال مازحاً إن المليارديرة ميريام أديلسون عرضت عليه 250 مليون دولار للترشح لولاية ثالثة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما تتحدث عن كتابها «النظرة» في واشنطن (أ.ب)

ميشيل أوباما: الولايات المتحدة «غير مستعدة» لانتخاب رئيسة

صرحت السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما بأن الأميركيين ليسوا مستعدين لانتخاب رئيسة، مشيرةً إلى هزيمة نائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس أمام الرئيس دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الممثل جورج كلوني وكامالا هاريس (أ.ف.ب)

جورج كلوني: اختيار كامالا هاريس بديلاً لبايدن «كان خطأ»

قال الممثل الأميركي الشهير جورج كلوني إنه يشعر بأن اختيار كامالا هاريس بديلاً لجو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2024 كان «خطأً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ نائبة الرئيس الأميركي السابقة كامالا هاريس (رويترز) p-circle

«الأكثر تأهيلاً على الإطلاق»... كامالا هاريس تلمّح لإمكانية ترشحها للرئاسة عام 2028

لمّحت نائبة الرئيس الأميركي السابقة، كامالا هاريس، إلى احتمال ترشحها للرئاسة عام 2028، وأكدت أن البعض وصفها بأنها «المرشحة الأكثر تأهيلاً على الإطلاق».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

إعفاء أميركي يُبقي مبيعات النفط الروسي إلى الهند قرب مستويات قياسية

نموذج لمضخة وبراميل نفط يظهران أمام علمَي روسيا والهند في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)
نموذج لمضخة وبراميل نفط يظهران أمام علمَي روسيا والهند في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)
TT

إعفاء أميركي يُبقي مبيعات النفط الروسي إلى الهند قرب مستويات قياسية

نموذج لمضخة وبراميل نفط يظهران أمام علمَي روسيا والهند في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)
نموذج لمضخة وبراميل نفط يظهران أمام علمَي روسيا والهند في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)

من المتوقع أن تظل مبيعات النفط الروسي إلى الهند قريبة من مستويات قياسية في شهري أبريل (نيسان) ومايو (أيار)، وذلك عقب إعفاء جديد من العقوبات الأميركية، حيث أمنت شركات التكرير بالفعل جزءاً كبيراً من احتياجاتها من الإمدادات عبر كيانات وسفن غير خاضعة للعقوبات، وفقاً لما ذكره تجار وأظهرته البيانات يوم الثلاثاء.

وتُعد الهند، ثاني أكبر مشترٍ للنفط الروسي بعد الصين، وأكبر مستورد لخام الأورال، مما يجعل استمرار هذه التدفقات عامل دعم رئيسياً لعائدات روسيا في ظل الضغوط المالية المرتبطة بإنفاقها العسكري على الحرب في أوكرانيا، وفق «رويترز».

وسجَّلت الهند واردات قياسية من النفط الروسي بلغت 2.25 مليون برميل يومياً في مارس (آذار)، أي نحو ضعف مستويات فبراير (شباط)، مما رفع حصة الخام الروسي إلى نحو 50 في المائة من إجمالي وارداتها النفطية.

وتشير بيانات شركة «كبلر» لتحليلات الشحن إلى أن التدفقات إلى الموانئ الهندية يُتوقع أن تبلغ نحو 2.1 مليون برميل يومياً خلال الفترة بين 20 و27 أبريل، مقارنةً بـ1.67 مليون برميل يومياً في الأسبوع السابق.

وأرجع مصدران تراجع الإمدادات في منتصف أبريل إلى اضطرابات في الصادرات الروسية، نتيجة هجمات بطائرات مسيّرة أوكرانية استهدفت موانئ روسية في نهاية مارس.

ورغم هذه التقلبات، تشير التوقعات إلى أن متوسط الإمدادات الروسية سيظل فوق مليوني برميل يومياً خلال أبريل، مع احتمالات بالاستقرار أو الارتفاع في مايو، وفقاً لثلاثة مصادر في قطاع التجارة.

يأتي ذلك في ظل تمديد الولايات المتحدة إعفاءً من العقوبات لمدة 30 يوماً يسمح للدول بشراء النفط الروسي الخاضع للعقوبات، بهدف دعم استقرار أسواق الطاقة العالمية، مع تجديد الإعفاء الأسبوع الماضي.

وعلى الرغم من العقوبات المفروضة على موسكو للضغط باتجاه التوصل إلى اتفاق سلام مع كييف، استمرت شحنات النفط الروسي إلى الهند عبر شبكات وسفن غير خاضعة للعقوبات ضمن سلاسل التوريد.

كما واصلت المصافي الهندية شراء الخام الروسي بشكل نشط خلال أبريل حتى قبل تمديد الإعفاء، حيث حصلت على معظم الكميات المقررة لشهر مايو بالفعل.

وحسب التجار، دفعت المصافي الهندية علاوات تتراوح بين 7 و9 دولارات للبرميل فوق خام برنت لشحنات مايو، وهي مستويات مماثلة لتلك المسجلة في أبريل.

وفي خطوة إضافية، وسّعت الهند قائمة شركات التأمين الروسية المؤهلة لتوفير تغطية بحرية للسفن العاملة في موانئها من 8 إلى 11 شركة، وفقاً للمديرية العامة للشحن البحري.


ميناء نيوم يُعيد رسم خريطة التجارة العالمية من شمال السعودية

ميناء نيوم في السعودية (نيوم)
ميناء نيوم في السعودية (نيوم)
TT

ميناء نيوم يُعيد رسم خريطة التجارة العالمية من شمال السعودية

ميناء نيوم في السعودية (نيوم)
ميناء نيوم في السعودية (نيوم)

في الخامس عشر من أبريل (نيسان) الجاري، نشر حساب شركة «نيوم» السعودية على منصة «إكس» تغريدة لافتة تحمل رسالة مختصرة لكنها بالغة الدلالة: «أوروبا - مصر - نيوم - الخليج: طريقك الأسرع»، مرفقة بخريطة تُظهر شبكة ممرات تمتد من أوروبا عبر ميناء دمياط المصري وميناء سفاجا، وصولاً إلى ميناء نيوم، ثم تتفرع براً نحو الكويت والعراق والبحرين وقطر والإمارات وعُمان. لم تكن تلك التغريدة إعلاناً عادياً، بل كانت إشارة واضحة إلى أن مرحلة جديدة بدأت فعلاً، وأن الممر التجاري الذي طال الحديث عنه بات اليوم حقيقة تشغيلية على الأرض.

في اليوم ذاته، أعلن صندوق الاستثمارات العامة إقرار استراتيجيته للفترة من 2026 إلى 2030، لترسم خريطة طريق المملكة الاقتصادية حتى نهاية العقد. وسارع حساب «نيوم» الرسمي إلى التفاعل مع هذا الإعلان، مؤكداً أن «نيوم تظل ركيزة محورية في مسيرة التحول الاقتصادي للسعودية»، وأن تصنيفها على أنها منظومة مستقلة ضمن الاستراتيجية الجديدة يجسِّد عمق الالتزام بدعم نجاح هذا المشروع. التزامن بين الإعلانين كان تعبيراً عن ترابط عضوي بين مسار الميناء ومسار الاستراتيجية الوطنية الأشمل.

على الأرض، يتسارع المشهد. فمحطة الحاويات المتطورة رقم واحد، التي صُمّمت لاستقبال أضخم سفن الشحن في العالم بقناة دخول طولها 550 متراً، وغاطس بعمق 18.5 متر، وجدار رصيف يمتد 900 متر، باتت على موعد مع الافتتاح خلال العام الجاري بطاقة استيعابية تبلغ 1.5 مليون حاوية مكافئة.

وفي يونيو (حزيران) من العام الماضي، استقبل الميناء الدفعة الأولى من الرافعات الجسرية المؤتمتة بالكامل والمتحكم بها من بُعد، الأولى من نوعها في المملكة، في مشهد وصفه المسؤولون بأنه علامة فارقة في تاريخ الموانئ السعودية.

وفي تغريدة نشرها حساب «نيوم» قبل أيام، أكد أن الميناء يعمل بكامل طاقته كمركز استراتيجي على البحر الأحمر لإدارة مختلف أنواع البضائع بكفاءة عالية، مشيراً إلى أنه مدعوم ببنية تحتية متقدمة ومعايير تشغيلية عالية، ويربط حركة التجارة من أميركا الشمالية والجنوبية وأوروبا ومصر إلى المنطقة وصولاً إلى أسواق الخليج والعراق.

الدفعة الأولى من الرافعات الجسرية المؤتمتة بالكامل (نيوم)

محور جغرافي جديد يغيّر قواعد اللعبة

في هذا السياق، يرى أستاذ الاقتصاد المساعد في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن وعضو جمعية الاقتصاد السعودية، الدكتور عبد الله المير، أن ميناء نيوم يتمتع بميزة جغرافية فريدة تجعله مختلفاً عن بقية الموانئ السعودية. فبينما تتركز الموانئ الكبرى مثل: جدة الإسلامي، وميناء الملك عبد الله في الساحل الغربي، وميناء الملك عبد العزيز في الدمام، وموانئ النفط على الخليج العربي، يأتي ميناء نيوم في أقصى الشمال الغربي للمملكة ليشكّل نقطة التقاء طبيعية بين ثلاث دوائر: أوروبا عبر المتوسط ومصر، والخليج عبر الممرات البرية السعودية، والعراق والأردن عبر الامتداد الشمالي.

ويوضح المير لـ«الشرق الأوسط» أن هذا الموقع يمنح الميناء قدرة على لعب دور «الميناء الجسر» الذي يربط بين البحر والبر في منظومة واحدة، مضيفاً أن قربه من قناة السويس وشبكات الطرق الحديثة الرابطة بشمال المملكة والحدود الأردنية والعراقية ودول الخليج من الكويت حتى سلطنة عُمان، يعزز مكانته محوراً لوجيستياً مستقبلياً. ويخلص إلى أن «ميناء نيوم لا ينافس جدة أو الدمام فقط، بل يفتح محوراً جغرافياً جديداً يغيّر خريطة النقل اللوجيستي في المنطقة، خصوصاً في ظل التوترات في بعض الممرات التقليدية مثل مضيق هرمز».

وتتقاطع هذه الرؤية مع تقييم خبير ومستشار الخدمات اللوجيستية نشمي الحربي، الذي يصف ميناء نيوم بأنه «مكمّل حيوي للمنظومة اللوجيستية السعودية وليس منافساً للموانئ القائمة»، مشيراً إلى أنه يبرز بوصفه ميناءً يعتمد كلياً على الطاقة المتجددة، مما يعزز كفاءته التشغيلية ويجعله رائداً عالمياً في الاستدامة.

خريطة تُظهر شبكة الممرات (نيوم)

توفير 50 % من زمن الشحن وبضائع الأولوية

أما على صعيد الوقت المُوفَّر، فيشير المير إلى أن الممر الجديد قادر على تقليص زمن نقل الشحنات بأكثر من 50 في المائة مقارنةً بالمسارات التقليدية، موضحاً أن الشحنات التي كانت تستغرق من 10 إلى 12 يوماً للوصول إلى وجهات في الخليج يمكن أن تصل عبر هذا الممر في غضون 4 إلى 6 أيام فقط، وذلك بفضل دمج النقل البحري القصير بين أوروبا ومصر ثم بين مصر ونيوم، مع النقل البري السريع داخل المملكة.

ويلفت إلى أن هذا التحول لا يعتمد فقط على تقليص المسافة، بل على تقليل زمن الانتظار في الموانئ وتبسيط الإجراءات وتوفير مسار أكثر استقراراً وأقل ازدحاماً.

ويتطابق الحربي مع هذه الأرقام، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الممر «يُحدث ثورة في كفاءة سلاسل الإمداد» بفضل اعتماده على النقل متعدد الوسائط، وتقديمه بديلاً موثوقاً ومرناً في ظل التحديات الجيوسياسية الراهنة.

وفيما يخص أنواع البضائع المستفيدة، يتفق الخبيران على أن البضائع الحساسة للوقت هي المستفيد الأكبر، وتشمل السلع الاستهلاكية سريعة الدوران، والمواد الغذائية الطازجة والمبردة، والمنتجات الطبية والصيدلانية، فضلاً عن قطع الغيار والمعدات التقنية والإلكترونيات عالية القيمة ومواد البناء المتطورة.

من التجربة إلى التشغيل الفعلي

على صعيد جاهزية البنية التحتية، يرى المير أن الميناء تجاوز مرحلة التجارب الأولية وأصبح قادراً على دعم حركة تجارية فعلية، وإن كان لا يزال في مرحلة «النمو التدريجي» من حيث السعة التشغيلية، متوقعاً أن يتحول إلى مركز لوجيستي إقليمي كبير بعد استكمال التوسعات الإضافية. ويشاركه الحربي هذا التقييم، مؤكداً أن الميناء بلغ في 2026 مرحلة متقدمة من التمكين والتشغيل، وأن بنيته التحتية الحالية كافية لاستيعاب حركة تجارية إقليمية فعلية، لا سيما مع ما يتميز به من بنية رقمية متطورة تشمل شبكات الجيلين الخامس والسادس، ورافعات آلية، وشبكة طرق حديثة تربطه بالعمق السعودي ودول الجوار.

وبشأن موقف شركات الشحن العالمية، يلفت المير إلى أن انضمام شركات دولية كبرى مثل «بان مارين» و«دي إف دي إس» كشركاء رئيسيين في تشغيل الممر يمثّل مؤشراً واضحاً على أن الاهتمام العالمي بميناء نيوم تجاوز مرحلة المتابعة من بُعد إلى مرحلة التشغيل الفعلي، مع الإشارة إلى أن الميناء لا يزال في مرحلة إثبات الجدوى على نطاق أوسع.

ويؤكد الحربي من جهته أن هذا الاهتمام «مدفوع بالبحث عن بدائل موثوقة وأكثر أماناً في ظل اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية»، مشيراً إلى أن الوعد بتقليص زمن الشحن والتوجه التقني المبتكر للميناء عوامل تجعله واقعاً لوجيستياً جديداً يحظى باهتمام عالمي.

رافد استراتيجي لخطة 2030 وموجة ازدهار تبوك

وفي سياق العلاقة بين المشروع والاستراتيجية الوطنية، يرى المير أن استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة 2026-2030 تضع قطاع اللوجيستيات وسلاسل الإمداد في قلب جهود تنويع الاقتصاد السعودي، وأن ميناء نيوم والممر الجديد يمثلان أداة تنفيذية مباشرة لهذه الاستراتيجية بما يخلقانه من ممر يربط أوروبا وأفريقيا وشرق آسيا بدول الخليج براً وبحراً، ويتكاملان مع حزمة من السياسات تشمل إعفاء رسوم التخزين حتى 60 يوماً للواردات والصادرات الخليجية، والسماح بدخول الشاحنات الخليجية فارغة ومحمّلة، وإطلاق مبادرة مناطق التخزين الخليجية وإعادة التوزيع.

أما على المستوى المحلي، فيتوقع المير أن يكون الأثر على اقتصاد منطقة تبوك كبيراً ومتدرجاً، إذ سيوفر الميناء وظائف مباشرة في التشغيل والمناولة والخدمات البحرية، وأخرى غير مباشرة في النقل البري والتخزين والخدمات اللوجيستية المساندة، فضلاً عن فرص لإنشاء مناطق لوجيستية وصناعية بالقرب منه.

ويخلص إلى أن موقع نيوم وقربه من العراق والأردن والكويت يعزز دوره كبوابة إقليمية حيوية، مما «يرفع جاذبية تبوك للاستثمار ويضعها في قلب التجارة الإقليمية والعالمية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


«نيكي» يغلق مرتفعاً وسط تفاؤل بشأن «اتفاق الشرق الأوسط»

شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
TT

«نيكي» يغلق مرتفعاً وسط تفاؤل بشأن «اتفاق الشرق الأوسط»

شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

أغلق مؤشر «نيكي» الياباني على ارتفاع يوم الثلاثاء، مدفوعاً بازدياد التفاؤل إزاء التقارير التي تفيد بأن طهران تدرس المشاركة في محادثات السلام مع واشنطن في باكستان؛ مما عزز الإقبال على المخاطرة ودفع المستثمرين إلى شراء أسهم شركات التكنولوجيا المحلية الكبرى.

وارتفع مؤشر «نيكي» بنسبة 0.89 في المائة ليصل إلى 59.349.17 نقطة. في المقابل، تراجع مؤشر «توبكس» الأوسع نطاقاً بنسبة 0.18 في المائة ليغلق على انخفاض قدره 3.770.38 نقطة، متخلياً عن مكاسبه المبكرة.

وأعربت الولايات المتحدة عن ثقتها بإمكانية المضي قدماً في محادثات السلام مع إيران في باكستان، وقال مسؤول إيراني رفيع المستوى إن طهران تدرس الانضمام إليها، إلا إن عقبات كبيرة، وحالة من عدم اليقين، لا تزالان قائمتين مع اقتراب نهاية وقف إطلاق النار.

وفي اليابان، ارتفعت أسهم الشركات العاملة في مجال تصنيع الرقائق الإلكترونية، حيث صعد سهم شركة «طوكيو إلكترون» بنسبة 3.46 في المائة، وسهم شركة «أدفانتست» بنسبة 0.37 في المائة. وقفز سهم شركة «كيوكسيا» القابضة بنسبة 7.31 في المائة، بينما ارتفع سهم مجموعة «سوفت بنك» المستثمرة في قطاع التكنولوجيا بنسبة 8.53 في المائة.

وقال تاكاماسا إيكيدا، وهو مدير محافظ استثمارية أول في شركة «جي سي آي» لإدارة الأصول: «قد تكون السوق متفائلة أكثر من اللازم بشأن تداعيات الحرب. هناك قلق بشأن تأثير اضطراب سلاسل التوريد». وأضاف: «قد نشهد تصحيحاً كبيراً في سوق الأسهم خلال الصيف إذا ما ظهرت آثار نقص الإمدادات». وأشار إيكيدا إلى أن شحّ إمدادات الهيليوم، وهو عنصر أساسي في صناعة الكابلات، قد يؤثر سلباً على أداء شركات تصنيع كابلات الألياف الضوئية اليابانية الرائدة، بما فيها شركتا «فوجيكورا» و«فوروكاوا إلكتريك». وصعد سهم «فوجيكورا» بنسبة 6.51 في المائة يوم الثلاثاء، بينما ارتفع سهم فوروكاوا بنسبة 2.76 في المائة. وفي تحركات أخرى للأسهم، ارتفع سهم «نوجيما» بنسبة 14.18 في المائة عقب تقارير تفيد بأن شركة بيع الإلكترونيات بالتجزئة تخطط للاستحواذ على وحدة الأجهزة المنزلية «هيتاشي غلوبال لايف سوليوشنز»، التابعة لشركة «هيتاشي»، مقابل أكثر من 100 مليار ين (630.32 مليون دولار). وارتفع سهم «هيتاشي» بنسبة طفيفة بلغت 0.7 في المائة.

وانخفضت أسهم القطاع المصرفي، حيث تراجع سهم مجموعة «ميتسوبيشي يو إف جيه» المالية بنسبة 1.39 في المائة، وسهم مجموعة «ميزوهو» المالية بنسبة 1.89 في المائة. وخسر سهم «تويوتا موتور» 3.24 في المائة ببداية التداولات. ومن بين أكثر من 1600 سهم تُدوولت في السوق الرئيسية لبورصة طوكيو، ارتفع 32 في المائة منها، وانخفض 64 في المائة، بينما بقي 3 في المائة دون تغيير.

* توقعات الفائدة

في غضون ذلك، ارتفعت أسعار السندات الحكومية اليابانية يوم الثلاثاء وسط ازدياد التوقعات بأن «بنك اليابان (المركزي)» لن يرفع أسعار الفائدة في اجتماعه الأسبوع المقبل، ليُخصص مزيداً من الوقت لتقييم تداعيات الصراع في الشرق الأوسط. وانخفض عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات بمقدار نقطتَي أساس إلى 2.375 في المائة، كما انخفض عائد السندات لأجل عامين بمقدار نقطة أساس واحدة إلى 1.345 في المائة، وانخفض عائد السندات لأجل 5 سنوات بمقدار 1.5 نقطة أساس إلى 1.8 في المائة. وتتحرك العوائد عكسياً مع أسعار السندات.

ورجّحت وكالة «رويترز»، نقلاً عن مصادر، أن يمتنع «بنك اليابان» عن رفع أسعار الفائدة يوم الثلاثاء المقبل؛ إذ تُبقي احتمالات تضاؤل فرص إنهاء الحرب في الشرق الأوسط على المدى القريب، على حالة عدم اليقين التي تُخيّم على آفاق الاقتصاد والأسعار في البلاد. وقال شويتشي أوساكي، وهو مدير محافظ استثمارية أول في شركة «ميجي ياسودا» لإدارة الأصول: «في رأيي؛ (بنك اليابان) متأخرٌ بالفعل في التعامل مع ارتفاع الأسعار، وسيُبقي على موقفه المُعارض لرفع أسعار الفائدة بحلول يوليو (تموز)» المقبل.

وتشير أسعار المقايضة إلى احتمال ضئيل بنسبة 7.78 في المائة فقط لرفع «بنك اليابان» أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى 0.75 في المائة الأسبوع المقبل، واحتمال بنسبة نحو 90 في المائة لرفعها بمقدار 50 نقطة أساس إلى 1.25 في المائة بحلول نهاية هذا العام. واستقر سعر مبادلة الفائدة الآجلة لمدة عام عند نحو 1.93 في المائة يوم الثلاثاء، مما يشير إلى أن سعر الفائدة النهائي لـ«بنك اليابان» سيكون في حدود هذا المستوى.

ومن المتوقع أن يرفع «البنك المركزي» أسعار الفائدة مرات أخرى عدة العام المقبل، إلا إن ذلك سيكون أصعب؛ نظراً إلى انتهاء ولاية عضوَي مجلس الإدارة المعروفَين بتوجهاتهما المتشددة؛ ناوكي تامورا، وهاجيمي تاكاتا، العام المقبل، وفقاً لما ذكره ميكي دين، كبير استراتيجيي أسعار الفائدة في اليابان لدى شركة «إس إم بي سي نيكو» للأوراق المالية. ووافق البرلمان الياباني في مارس (آذار) الماضي على اختيار رئيسة الوزراء، ساناي تاكايتشي، عضوَين من ذوي التوجهات النقدية المتساهلة للانضمام إلى مجلس إدارة «البنك المركزي» هذا العام. كما انخفضت عوائد السندات طويلة الأجل، حيث تراجع عائد سندات الحكومة اليابانية لأجل 20 عاماً بمقدار 1.5 نقطة أساس إلى 3.215 في المائة، وانخفض عائد السندات لأجل 30 عاماً بمقدار 1.5 نقطة أساس إلى 3.545 في المائة، وانخفض عائد سندات الحكومة اليابانية لأجل 40 عاماً بمقدار 1.5 نقطة أساس إلى 3.77 في المائة.