صعود اليمين المتطرّف في العالم الغربي... مرحلة عابرة أم واقع «مقيم»؟

متظاهرون ضد حزب «البديل من أجل ألمانيا» في مدينة إيرفورت بولاية ثورينغيا الألمانية (رويترز)
متظاهرون ضد حزب «البديل من أجل ألمانيا» في مدينة إيرفورت بولاية ثورينغيا الألمانية (رويترز)
TT

صعود اليمين المتطرّف في العالم الغربي... مرحلة عابرة أم واقع «مقيم»؟

متظاهرون ضد حزب «البديل من أجل ألمانيا» في مدينة إيرفورت بولاية ثورينغيا الألمانية (رويترز)
متظاهرون ضد حزب «البديل من أجل ألمانيا» في مدينة إيرفورت بولاية ثورينغيا الألمانية (رويترز)

شهد العام الحالي سلسلة من الانتصارات التي حققها اليمين في عدد من الدول الأوروبية – باستثناء بريطانيا – على نحو يجيز التساؤل عن هذا المنحى الجديد أو المتجدد، وعما إذا كان مجرد مرحلة ستمر في إطار الدورات السياسية العادية التي تشهد صعوداً وهبوطاً لليمين واليسار، أم أن الغرب عموماً يتغيّر جذرياً بفعل عوامل عديدة تحفر عميقاً في الضمير الفردي والوجدان الجماعي؟ ولا شك في أن التساؤل يزداد إلحاحاً إذا قُدّر لدونالد ترمب العودة إلى البيت الأبيض... فالرجل ألهم حركة يمينية تضم ساسة وأحزاباً شعبوية في أوروبا وأميركا اللاتينية وأماكن أخرى.

يقلل البعض من شأن الجنوح نحو اليمين المتطرف في أوروبا، ويدعم هؤلاء رأيهم بعدم تحقق التوقعات التي قالت إن هذا المعسكر السياسي سيحقق نصراً كبيراً في انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو (حزيران) الماضي، ففي حين حققت أحزاب اليمين المتطرف مكاسب، وخسر الخضر والديمقراطيون الاجتماعيون والليبراليون مقاعد، حافظ معسكر يمين الوسط المتمثل في حزب الشعب الأوروبي (تحالف عدد من أحزاب اليمين التقليدي)، على حضوره المسيطِر في الهيئة الاشتراعية للاتحاد الأوروبي.

على سبيل المثال، حقق «الائتلاف المدني» البولندي بقيادة رئيس الوزراء دونالد توسك أفضل أداء بين الأحزاب الرئيسية الأوروبية في الانتخابات المذكورة. ويُبدي الرجل الذي سبق له تولي رئاسة المجلس الأوروبي بين 2014 و2019، معارضة عنيدة لليمين المتشدد منذ أطاح حزب «القانون والعدالة» الشعبوي من السلطة في الخريف الماضي.

زعيمة «التجمع الوطني الفرنسي» مارين لوبن (أ.ف.ب)

غير أن هذا الواقع لا يطمئن مراقبين وخبراء كثراً، ومنهم السلوفاكية سونيا موزيكاروفا الباحثة في «المجلس الأطلسي» التي تقول: «يجب ألا نقلل من شأن الأخطار المترتبة على فوز اليمين المتطرف. في سلوفاكيا أدى المناخ السياسي السام والاستقطاب المتزايد» إلى محاولة اغتيال رئيس الوزراء روبرت فيكو في أيار (مايو) الماضي. و«الآن تحاول حكومته المناهضة للديمقراطية استغلال المأساة لقمع المعارضة ووسائل الإعلام المستقلة».

وتدعو موزيكاروفا المعارضة ووسائل الإعلام «إلى الاستمرار في مراقبة عمل الحكومة وتحدي الائتلاف الحاكم» رغم تنامي التعاطف الشعبي مع فيكو بعد إصابته بالرصاص.

طبعاً، المثال الصارخ الذي يدعم رأي سونيا موزيكاروفا هو الفوز الكبير الذي حققه «التجمع الوطني» الفرنسي في الانتخابات الأوروبية مما دفع الرئيس إيمانويل ماكرون إلى الدعوة لانتخابات برلمانية مبكرة أنتجت مثلثاً برلمانياً يضم اليسار بقيادة المتشددين (حزب «فرنسا الأبية»)، والوسط (مؤيدو ماكرون)، واليمين (بقيادة «التجمع الوطني»). وجعل هذا الواقع اختيار رئيس جديد لتأليف الحكومة أمراً بالغ الصعوبة، فلم يبصر التكليف النور إلا أخيراً باختيار الرجل المجرّب ميشال بارنييه (من حزب «الجمهوريون» وريث الديغولية)، وهو يميني تقليدي لم يُعجب اختياره القوى اليسارية التي رأت أن ماكرون رضخ لمارين لوبن زعيمة «التجمع الوطني»، وسلمها مفاتيح التحكم في الحكومة العتيدة.

«بديل ألمانيا»

كان الأول من سبتمبر (أيلول) الماضي يوماً لافتاً في ألمانيا، ففيه سجل حزب «البديل من أجل ألمانيا» فوزاً كبيراً في الانتخابات المحلية لولايتي ثورينغيا وساكسونيا. وقد حقق اليمين المتطرف أفضل نتيجة له ​​منذ الحرب العالمية الثانية، مثيراً قلق المراقبين السياسيين من عودة ظهور السياسات القومية والشعبوية المناهضة للهجرة في ألمانيا وأوروبا.

والحقيقة أن الناخبين الألمان يشعرون بالإحباط بشكل متزايد بسبب موجة المهاجرين الذين وصلوا إلى البلاد في السنوات الأخيرة، وخصوصاً في ظل وضع اقتصادي متعثّر. وبلغ هذا الإحباط ذروته الشهر الماضي عندما طعن رجل سوري حتى الموت ثلاثة أشخاص وأصاب عدة أشخاص آخرين خلال مهرجان في مدينة زولينغن بغرب ألمانيا. واكشف الجمهور بعد الهجوم أن الرجل كان من المفترض ترحيله قبل أشهر، لكن الإدارة السيئة والتعقيدات الإجرائية أدت إلى بقائه في البلاد لمدة أطول من اللازم.

زعيما حزب «البديل من أجل ألمانيا» تينو شروبالا وأليس فايدل في برلين (رويترز)

ولعل الأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو أن الأحزاب الثلاثة الموجودة في السلطة على المستوى الوطني ــ الحزب الديمقراطي الاجتماعي، الخضر، والحزب الديمقراطي الحر ــ مُنيت بخسائر فادحة في انتخابات الولايتين، وهو ما يؤكد مدى عدم شعبيتها بين الناخبين ليس فقط في ألمانيا الشرقية السابقة، بل على المستوى الوطني أيضا. ومن الواضح أن البلاد سوف تتحول إلى اليمين في الانتخابات العامة المقبلة. وهذا يعني فرض قواعد هجرة أكثر صرامة وتركيزاً أكبر على تنمية الاقتصاد الألماني الراكد.

المناخ السياسي العام

من ينظر إلى المشهد السياسي الراهن سوف يرى أن الأحزاب اليمينية الشعبوية هي المؤثر الأكبر في الرأي العام، بخطابها الذي يمجّد الشعور القومي ويضع الوطن دائماً في الصدارة، ويشكك في الآخر مميزاً ضده على أساس الاعتبارات العرقية أو الدينية... والمقلق أن عواقب هذا الخطاب «السيادي» قد تكون وجودية بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي على المدى المتوسط وحتماً على المدى الطويل.

وإذا شئنا النظر بعمق إلى جذور هذا التيار السياسي الذي خال كثر أنه دُفن مع هزيمة النازية والفاشية في الحرب العالمية الثانية وقيام الاتحاد الأوروبي وتوسّعه تدريجاً، نعود إلى الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالعالم عام 2008 وتلتها أزمة الهجرة عام 2015. فالحدثان شكّلا مفصلين مهمّين في ظاهرة تنامي الشعبوية في أوروبا، لكنهما ليسا العاملين المؤثرين الوحيدين.

هنا، يقول خيسوس كاسكيت، أستاذ تاريخ الفكر والحركات الاجتماعية في جامعة إقليم الباسك الإسباني، إن «عالمنا اليوم يتحرك بسرعة فائقة. فنحن نعيش في عصر التوصيل في اليوم نفسه، والوجبات السريعة والأزياء السريعة. ونستمع إلى الرسائل الصوتية والبودكاست بسرعة مضاعفة، ويتم إشباع أدنى شك أو فضول على الفور من خلال بحث سريع على هواتفنا، متجاوزين أي حاجة للتفاعل الشخصي أو حتى للتفكير. لقد جعلت التكنولوجيا من نفاد الصبر القاعدة».

يضيف أن «الأمر نفسه ينطبق على الاقتصاد الذي تحكمه قرارات فورية تُتّخذ في أسواق الأسهم في وول ستريت أو لندن أو شنغهاي... أينما نظرنا، نرى تسيّد مبدأ أن الوقت هو المال، وهذا أدى إلى تسريع وتيرة حياتنا».

يرى كاسكيت أن «الشعبوية اليمينية تستغل حقيقة مفادها أن الديمقراطية بطيئة، وبالتالي فهي عاجزة بشكل متزايد عن معالجة المخاوف الأكثر إلحاحاً لدى الناس. ولم يدرك أي تيار أيديولوجي آخر مدى عدم تناغم السياسات الديمقراطية البطيئة مع الوتيرة السريعة، بل اللحظية، للاقتصادات والمجتمعات، وقد أدى استغلال اليمين الشعبوي هذه الفجوة في العمليات الانتخابية إلى تحقيق مكاسب ضخمة (...). في عالم أصبح فيه الصبر فضيلة نادرة، وحيث الأنظمة السياسية متخلفة عن الركب، فإن ما يقدمه الشعبويون اليمينيون هو سياسة مبنية على العجلة والبساطة والطرق المختصَرة».

الظاهرة الترمبية

إذا أضفنا إلى ذلك كله ظاهرة دونالد ترمب في الولايات المتحدة تكون النتيجة ازدياد التوجه نحو اليمين في الشطر الغربي من الكرة الأرضية. فالرجل شعبويّ حتماً في خطابه عن الهجرة والاقتصاد خصوصاً، وفي تناوله خصومه الديمقراطيين، وفي كلامه عن الأمة والعظمة والتصدي للأخطار «الوجودية»...

الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب وجيمس ديفيد فانس المرشح لمنصب نائب الرئيس (أ.ب)

ولئن كنّا لا نستطيع تصنيف ترمب يمينياً متطرفاً – خصوصاً أن لا يسارَ متطرفاً في مواجهته بل لا يسار عملياً في الولايات المتحدة – فإن كلامه يعجب اليمين الأوروبي المتطرف الذي يرى فيه حليفاً طبيعياً و«ملهماً»، سواء فاز في الانتخابات الرئاسية المقبلة أو لم يفز، خصوصاً أنه ترك أثراً في الحزب الجمهوري ورسم خطاً يتبعه كثر من الجمهوريين الشباب الذين سيمسكون بزمام مستقبل الحزب، ومنهم جيمس ديفيد فانس (40 عاماً) الذي اختاره ترمب مرشحاً لمنصب نائب رئيس، وفيفيك راماسوامي (38 عاماً) رجل الأعمال الثري الذي كان مرشحاً رئاسياً شعاره «حلم أميركي جديد».

تطرّف يقابله تطرّف

الخطر الأكبر في عالم السياسة الغربية اليوم هو أن هو أن الشباب لا يجذبهم الاعتدال، بل يُنصتون بتركيز إلى المتحدثين بصوت عال و يزعمون امتلاك الحقيقة والحلول السحرية لكل المشكلات. وما يزيد الأمر سوءاً هو عامل السرعة إياه الذي يمنع الأجيال الطالعة من التدقيق في السيل الهائل مما يتدفق عليهم عبر قنوات تكنولوجيا الاتصالات المختلفة، فلا يدققون ولا يفكّرون ولا ينتقدون، بل يتبنون ما يطيب لهم سماعه ويرفضون الراي الآخر...

الخلاصة أن الديمقراطية في خطر، وشجرتها تفقد المزيد من الأوراق في المواسم الخريفية الطويلة التي يعرفها العالم اليوم. ولعل الدول الغربية التي تؤكد أن الديمقراطية هي علة وجودها، تحتاج إلى قادة كبار يعيدون إلى السياسة جوهرها، ويطوّرون عمليات صنع القرار السياسي بحيث تواكب العصر من دون أن تقع في فخّ التعجّل والعشوائية.

لكن السؤال هو من أين سيأتي هؤلاء القادة الكبار؟


مقالات ذات صلة

الجزائر: ملف معتقلي الرأي يتصدر المشهد السياسي في سياق «عفو رئاسي»

شمال افريقيا مجموعة ناشطين معارضين استعادوا حريتهم بموجب إجراءات عفو رئاسي (حسابات ناشطين سياسيين)

الجزائر: ملف معتقلي الرأي يتصدر المشهد السياسي في سياق «عفو رئاسي»

أفادت مصادر حقوقية في الجزائر بإطلاق سراح نحو 50 سجيناً من معتقلي الرأي، عشية عيد الفطر المبارك، بموجب عفو رئاسي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الصومالي خلال مشاركته السابقة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)

تصدعات تضرب «حزب الرئيس الصومالي» إثر استقالة قيادات بارزة

تلقى حزب «العدالة والتضامن» الذي أسسه الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، ضربة جديدة، بعد استقالات بارزة بالحزب إثر انتقادات بشأن «عدم الالتزام بالمسار القانوني».

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا ملصق نشرته وزارة الدفاع الجزائرية في ذكرى «الحراك» السابعة

«الحراك الجزائري» بعد 7 سنوات: بين مطالب الحرية واستمرار السيطرة السياسية

في الذكرى السابعة لانطلاق «الحراك الشعبي»في الجزائر، تباينت آراء المعارضة والموالاة حول مدى تحقق مطالبه.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا من اجتماع قيادة «مجتمع السلم الإسلامي» (إعلام حزبي)

الأحزاب الجزائرية الكبرى تتخطى خلافاتها وتدعو إلى «تحصين الداخل»

شهدت الساحة السياسية الجزائرية مطلع الأسبوع نشاطاً مكثفاً لقادة الأحزاب الكبرى

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
آسيا الرئيس الصيني شي جينبينغ يلوّح بيده بعد خطابه في قاعة الشعب الكبرى ببكين... الصين 23 أكتوبر 2022 (رويترز) p-circle

سياسات ترمب تمنح الصين فرصة ذهبية لرسم صورتها كقطب استقرار عالمياً

منذ عودته إلى البيت الأبيض، بدا أن الرئيس الأميركي ترمب لا يكتفي بإرباك خصومه، بل يمنح الصين، من خلال سياسته، فرصة لإعادة تموضعها على الساحة الدولية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.


سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
TT

سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)

قال السفير الأميركي لدى تركيا توم براك إن واشنطن لا تمانع عودة تركيا إلى برنامج إنتاج وتطوير مقاتلات «إف - 35»، متوقعاً أن يتم معالجة مسألة العقوبات الأميركية المفروضة عليها بسبب شرائها منظومة الدفاع الصاروخي الروسية «إس - 400» قريباً.

وفي تكرار لتصريحات أطلقها في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قال براك، خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الذي انطلقت دورته الخامسة، الجمعة، في مدينة أنطاليا جنوب تركيا،: «أعتقد أن مشكلة منظومة (إس – 400) ستحل قريباً، ومن وجهة نظر رئيسي (دونالد ترمب)، لا مانع من قبول تركيا في برنامج طائرات (إف - 35)».

وأخرجت الولايات المتحدة تركيا من برنامج مقاتلات «إف - 35»، التي تنتجها شركة «لوكهيد مارتن»، عقب حصولها على منظومة «إس - 400» في صيف عام 2019، لتعارضها مع منظومة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وفرض عليها ترمب عقوبات بموجب قانون «كاتسا» في أواخر عام 2020، فيما اعتبرته تركيا قراراً غير عادل، لا سيما أنها دفعت نحو 1.4 مليار دولار لشراء مقاتلات «إف - 35».

منظومة «إس - 400» الروسية (موقع الصناعات الدفاعية التركية)

وعلى الرغم من اتجاه تركيا للبحث عن بدائل مثل طائرات «يوروفايتر تايفون» الأوروبية أو إنتاج بدائل محلية، فإنها تواصل السعي لرفع العقوبات الأميركية والحصول على مقاتلات «إف - 35».

وفي ديسمبر الماضي، قال براك، إن أنقرة باتت أقرب إلى التخلي عن المنظومة الروسية، متوقعاً إمكانية حل هذا الملف خلال فترة تتراوح بين 4 و6 أشهر، لافتاً إلى أن القانون الأميركي لا يسمح لتركيا بتشغيل أو حيازة المنظومة الروسية إذا أرادت العودة لبرنامج إنتاج وتطوير المقاتلة الأميركية.

واقترحت تركيا، في مارس (آذار) الماضي، تشغيل منظومة «إس - 400» بشكل مستقل عن أنظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) لحل الخلاف مع الولايات المتحدة، وإنهاء أزمة استبعادها من مشروع إنتاج وتطوير مقاتلات «إف - 35» والحصول عليها.

وزير الدفاع التركي يشار غولر (الدفاع التركية)

ولم تفعّل تركيا المنظومة الروسية منذ حصولها عليها، بموجب الصفقة التي وقعت مع روسيا في عام 2017، أو نقلها إلى مكان آخر أو بيعها لدولة أخرى.

وقال وزير الدفاع التركي، يشار غولر، «إن الحل الذي اقترحته تركيا بات واضحاً، تم إبلاغ نظرائنا الأميركيين بفكرة تشغيل منظومة (إس – 400) كنظام مستقل، دون دمجها في أنظمة الناتو، وإن هذا هو الحل الأمثل».

وعن مسار العلاقات التركية - الأميركية، قال براك إن العلاقات بين أنقرة وواشنطن شهدت تقدماً ملحوظاً خلال الـ16 شهراً الماضية يفوق ما تحقق خلال الـ15 عاماً الماضية.

ولفت إلى إحراز تقدم في مجالات السياسة الخارجية والاستخبارات والشؤون العسكرية والتجارية، لا سيما في ظل العلاقات الجيدة بين الرئيسين، رجب طيب إردوغان ودونالد ترمب.

براك متحدثاً عن العلاقات التركية - الأميركية خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (إعلام تركي)

وأضاف براك: «يجري إعادة تشكيل التحالف بين البلدين، ما حدث في سوريا (منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024) كان في صالح تركيا إلى حد كبير، تستحق تركيا والسعودية ثناءً كبيراً لدعمهما هذا «الهيكل الناشئ» في سوريا.

وتابع أنه «حتى مع وجود بعض العيوب؛ في الواقع، كانت تركيا العامل الحاسم في هذه العملية، العلاقات بين البلدين أفضل من أي وقت مضى، أعتقد أنه سيتم التوصل إلى حل لمسألة منظومة (إس – 400) قريباً، ومن وجهة نظري، فإن إعادة قبول تركيا في برنامج (إف - 35) أمر ممكن أيضاً».


الشرطة البريطانية تحقق في حادث أمني قرب سفارة إسرائيل بلندن

يعمل ضباط الشرطة في حدائق قصر كنسينغتون المغلقة غرب لندن في 17 أبريل 2026 بالقرب من السفارة الإسرائيلية (أ.ف.ب)
يعمل ضباط الشرطة في حدائق قصر كنسينغتون المغلقة غرب لندن في 17 أبريل 2026 بالقرب من السفارة الإسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

الشرطة البريطانية تحقق في حادث أمني قرب سفارة إسرائيل بلندن

يعمل ضباط الشرطة في حدائق قصر كنسينغتون المغلقة غرب لندن في 17 أبريل 2026 بالقرب من السفارة الإسرائيلية (أ.ف.ب)
يعمل ضباط الشرطة في حدائق قصر كنسينغتون المغلقة غرب لندن في 17 أبريل 2026 بالقرب من السفارة الإسرائيلية (أ.ف.ب)

فتحت الشرطة البريطانية تحقيقاً عاجلاً في واقعة أمنية قرب السفارة الإسرائيلية في العاصمة لندن، بعد العثور على «أغراض ملقاة» داخل حدائق كنسينغتون، في وقت تزامن فيه ذلك مع تداول مقطع فيديو على الإنترنت يزعم استهداف السفارة بطائرات مسيّرة تحمل مواد خطرة. وفقاً لصحيفة «التليغراف».

وأعلنت شرطة العاصمة، الجمعة، أن عناصرها، بمن فيهم أفراد من وحدة مكافحة الإرهاب، انتشروا في الموقع وهم يرتدون ملابس وقاية من المخاطر البيولوجية، حيث باشروا فحص المواد التي عُثر عليها خلال ساعات الليل. وشُوهد عدد من الضباط ببدلات المواد الخطرة وأقنعة الغاز في الحديقة الواقعة بوسط لندن، في مشهد أثار قلقاً واسعاً بين السكان.

سيارة الشرطة بالقرب من السفارة الإسرائيلية (أ.ف.ب)

وفرضت الشرطة طوقاً أمنياً مشدداً، وأغلقت حدائق كنسينغتون والمناطق المحيطة بها، مؤكدةً أنه «لا يُسمح بدخول الجمهور إلى حين انتهاء الإجراءات»، في خطوة احترازية تهدف إلى ضمان السلامة العامة.

وفي بيان رسمي، قالت الشرطة: «يمكننا تأكيد أن السفارة لم تتعرض لهجوم، إلا أننا نجري تحقيقات عاجلة للتحقق من صحة مقطع الفيديو المتداول، وتحديد أي صلة محتملة بينه وبين الأغراض التي عُثر عليها». وأضافت أن وحدة مكافحة الإرهاب تتعامل مع الحادث «بأقصى درجات الجدية»، نظراً لطبيعته وحساسيته.

تظهر في الصورة سيارات الشرطة في حدائق قصر كنسينغتون المغلقة اليوم بالقرب من السفارة الإسرائيلية (أ.ف.ب)

وجاءت هذه التطورات بعد نشر جماعة تُدعى «أصحاب اليمين»، يُعتقد ارتباطها بإيران، مقطع فيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ادعت فيه تنفيذ هجوم بطائرتين مسيّرتين تحملان «مواد مشعة ومسرطنة». غير أن هذه المزاعم لم يتم التحقق منها حتى الآن.

وفي لهجة تجمع بين الحذر والطمأنة، أكدت الشرطة: «ندرك أن هذه التطورات قد تثير قلقاً لدى السكان والجمهور، لكننا لا نعتقد في هذه المرحلة بوجود خطر متزايد على السلامة العامة». ودعت المواطنين إلى تجنب المنطقة مؤقتاً، «تعاوناً مع الجهود الجارية وتسهيلاً لعمل الفرق المختصة».

وتأتي هذه الواقعة في سياق توترات أمنية متفرقة شهدتها العاصمة البريطانية خلال الأسابيع الماضية، حيث أعلنت الجماعة نفسها مسؤوليتها عن حوادث استهدفت مواقع مرتبطة بالجالية اليهودية في شمال لندن، إلى جانب وقائع أخرى في مدن أوروبية. ورغم ذلك، لم تُصنّف تلك الحوادث رسمياً كأعمال إرهابية حتى الآن، فيما لا تزال التحقيقات مستمرة.

(أ.ف.ب)

كما حذّرت شرطة «سكوتلاند يارد» من محاولات استدراج أفراد أو إغرائهم مالياً للعمل لصالح جهات أجنبية، مشددةً على ضرورة الإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة، «تفادياً لأي تداعيات قد تمس الأمن العام».

ولم تصدر السفارة الإسرائيلية في لندن تعليقاً فورياً على الحادث، في وقت أكدت فيه الشرطة أنها ستقدم تحديثات إضافية «حال توافر معلومات جديدة»، في انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات الجارية.