تاريخ مصر الحديث في روايتين

«الأزبكية» و«الأنتكخانة» لناصر عراق

تاريخ مصر الحديث في روايتين
TT

تاريخ مصر الحديث في روايتين

تاريخ مصر الحديث في روايتين

تأتي رواية «الأنتكخانة» (2022) لتؤكد شغف الروائي ناصر عراق بتاريخ مصر الحديث واستمرار محاولاته لانتقاء لحظات منه لصياغتها في قالب قصصي. فهو بدأ مع بداية ذلك التاريخ الحديث إبان الحملة الفرنسية على مصر في آخر القرن الثامن عشر في رواية «الأزبكية» (2015)، متناولاً الفترة التي مهدت لبناء مصر الحديثة على يد محمد علي باشا، مواصلاً في «الأنتكخانة» تصوير ما يمكن تسميته بالنهضة الثانية في تاريخ مصر الحديث، إبان محاولة الخديوي إسماعيل، حفيد محمد علي، مواصلة البناء على ما أسسه جده. الرواية تدور في اللحظة الفارقة في أواخر أيام إسماعيل وقبل أن يتخاذل حكمه ويُضطر للتنازل عن العرش لابنه الخديوي توفيق، ما يفتح الباب للانتكاسة الثانية للنهضة المصرية الحديثة. نشهد في الرواية بوادر الحراك الشعبي والنهضة الوطنية التي تجسدت في الحركة العُرابية، لكن الرواية تستقيل عند تلك اللحظة، التي نعرف تاريخياً ما تلاها سريعاً من الاحتلال البريطاني الطويل لمصر.

قد تُكتب الرواية التاريخية بهدف تعليمي كما كان الحال في روايات جورجي زيدان عن التاريخ الإسلامي، وقد تُكتب بهدف الإسقاط على الحاضر كما فعل نجيب محفوظ في بعض رواياته التاريخية، ولكنها في الحالين - وكما في فنون الرواية جميعاً - تهدف أيضاً إلى التشويق والإمتاع. في روايتي عراق نجد الأغراض الثلاثة مجتمعةً. في الروايتين عنصر تعليمي خفيف في معالجتها للقرن التاسع عشر من تاريخ مصر، وفي «الأنتكخانة» على التحديد نجد ما يمكن وصفه بالإسقاط على اللحظة الراهنة، حيث إن عصر إسماعيل ارتبط في الوجدان المصري بسلبيات الاستدانة من البنوك والقوى الأجنبية، وهي السياسة التي – بغض النظر عن غرضها الأسمى وهو تحديث البلد و«جعل مصر قطعة من أوروبا» – أدت إلى تنحية إسماعيل عن العرش وانتهت بالاحتلال البريطاني في 1882. يمكن إذن اعتبار الرواية إسقاطاً على الأوضاع الاقتصادية الحالية في مصر، من جهة أن الدولة غارقة في الديون، ومنشغلة ببيع الأصول المصرية إلى جهات أجنبية. ولكن في المحك الأخير فلنقرر أنه إنْ كان الهدف التعليمي واضحاً بذاته، فإن الهدف الإسقاطي مستتر، ويقوم على قدرة القارئ على الربط بين ما يقرأه وبين المشهد المعاصر الذي يعيشه.

على أنني آخذ على الكاتب أنه وقع تحت تأثير توفيق الحكيم في ذروة كتاباته الوطنية عقب ثورة 1919، وفي ظل النضال ضد الاحتلال البريطاني. ومثل توفيق الحكيم نراه يعهد لعلماء الآثار الأجانب بمهمة تمجيد الحضارة المصرية والإنسان المصري. في رواية الحكيم التأسيسية «عودة الروح» (1933)، ثمة حوار مُطوَّل يستغرق فصلاً كاملاً أقحمه الحكيم إقحاماً لأغراضه الوطنية المشروعة في حد ذاتها، ولكن ربما غير المشروعة فنياً حيث يُوقف الكاتب السرد ليتخيل حواراً مستحيلاً بين عالم آثار فرنسي ومفتش زراعة إنجليزي. الأول يتغنى بأمجاد مصر القديمة وبأن الفلاح المصري الذي قد يبدو جاهلاً متخلفاً اليوم، إنما هو يحمل في قلبه حضارة آلاف السنين، بينما الثاني - ممثل الاحتلال - لا يكنّ إلا الاحتقار للمصري المعاصر والاستخفاف بآراء الأثري الفرنسي. هذه «التقنية الوطنية» إن جاز التعبير، استخدمها ناصر عراق على نحو مماثل في «الأزبكية» حين قدّم شخصية رسّام فرنسي يُجِلّ المصريين وحضارتهم العظيمة وجعل منه نقيضاً للعسكرية الفرنسية المحتلة. ومرة أخرى لجأ عراق إلى نفس «التقنية الوطنية» في «الأنتكخانة»؛ إذ جنَّد الأثريين الفرنسيين والألمان للتغني بأمجاد الحضارة المصرية القديمة، بينما ينعون على المصري الحديث تخلفه وعدم تقديره لتراثه الهائل، وإن كان بعضهم يؤمن بأن اليوم آتٍ لا محالة حين يُفيق المصريون من سُباتهم ويدركون قيمة كنوزهم وعظمة أجدادهم. كان لتوفيق الحكيم أهداف وطنية ملحّة حين لجأ لتلك التقنيات الساذجة منذ ما يقرب من مائة عام، ولكن يصعُب تصوُّر الهدف منها اليوم.

على أن هذا ليس العَرَض الوحيد لاقتفاء عراق أثرَ الحكيم في غير داعٍ. ففي «الأنتكخانة» يقدّم لنا الروائي قصة حب بين الأثريّ المصري الشاب أحمد أفندي كمال وبين الفتاة الفرنسية جوزفين القادمة من باريس لتعمل معاونةً لعالم الآثار الفرنسي مارييت باشا. تبدو قصة لقاء بين حضارتين على نسق قصة الحب الشهيرة في رواية الحكيم «عصفور من الشرق» (1938) بين الشاب المصري محسن وبين عاملة شباك التذاكر الفرنسية. المسرح مختلف ولكن اللقاء الجنسي هو ذاته. في رواية الحكيم كان اللقاء لقاءً حضارياً لأن الحكيم أراد للفتى والفتاة أن يرمز كل منهما لحضارته حسب رؤيته؛ المصري ساذج بريء عاطفي، بينما الفرنسية ماكرة مخاتلة مُستغِلّة (هي العلاقة بين مصر وأوروبا في ذلك الوقت)؛ ولذلك فإن الفتاة تستغل محسن لتأجيج غيرة حبيبها الحقيقي الذي كان اهتمامه بها قد فتَر، فإذا ما تحقق لها غرضها واستعادت حبيبها، ألقت بمحسن جانباً في غير تردُّد.

في «الأنتكخانة» نجد موقفاً شبيهاً، فجوزفين بعد استسلامها لمغازلة أحمد الملحّة، توافِق على أن تصبح زوجةً ثانية له (موقف غير محتمل من فتاة فرنسية في ذلك الوقت أو في أي وقت)، إلا أنها في لحظة الحسم تتراجع وتهجره إلى فتى فرنسي جاء به الروائي فجأة من لا مكان ليلعب دوراً اصطنعه له قبل أن يختفي فجأة أيضاً. التشابه مع الموقف في «عصفور من الشرق» واضح، إلا أن الرمزية ضعيفة للغاية لأن أحمد كمال ليس بريئاً بل هو مندفع نحو شهواته الجنسية وميله لاستكشاف امرأة من عنصر مختلف، ولا يعنيه في شيء أن له زوجة محبة وأولاداً منها، بل يخونها ويخفي عنها مشروعه في الزواج من امرأة أخرى، ما يجعله صِنواً لجوزفين في المخاتلة. بذلك تصبح العلاقة من حيث قيمتها المجازية في حالة ارتباك بالمقارنة على ما كانته عند الحكيم.

يعود أحمد كمال، وقد رفضته المرأة الفرنسية، نادماً لأسرته وزوجته البسيطة التي يشرع في تعليمها القراءة والكتابة، إضافة لما كان يفتنها به من حكايات عن تاريخ مصر القديم. تُرى هل ترمز الزوجة لمصر الجاهلة المتخلفة والزوج للمصري العصري المتعلم الذي يأخذ على عاتقه تعليمها وتمدينها؟ هل ينتقل الروائي هنا من توفيق الحكيم إلى نفحة سريعة من يحيى حقي و«قنديل أم هاشم»؛ إذ يأخذ الطبيب الدارس في أوروبا على عاتقه علاج وتمدين ابنة عمه فاطمة التي أيضاً ترمز لمصر؟ ربما. التراث الروائي يُعمل أثره جيلاً بعد جيل. ولا بأس أن نجد لوناً من التناصّ هنا أو هناك. المهم أن يضيف الجديدُ إلى القديم ولا يبقى عالةً عليه أو تكراراً له. الروائي هنا مشغول بالحدث وملاحقته السريعة، ما لا يتيح له فرصة التأني والتأمل والسماح للوقائع أن تُشكّل معانيها وللشخصيات أن تُبرز دواخلها.

تكلمتُ عن عنصرَي التعليم والإسقاط في الرواية. يبقى أن أقول شيئاً في مجال التسلية التي هي عنصر مطلوب في كل رواية، بشرط أن تكون موظّفة وأن تلتحم بنسيج الرواية، لا أن تكون هناك لمجرد الإضحاك أو الإثارة، وهو ما لا يحدث في «الأنتكخانة»، وبالأخصّ التسلية الجنسية. لا اعتراض على الجنس في الفن الروائي ولا على مدى الصراحة فيه والتفصيل، بشرط أن يكون جزءاً من النسيج الروائي وأن يكون ذا دور في دفع الحدث أو الكشف عن الشخصية أو غيره. أما في «الأنتكخانة» فيبدو أن كل الذكور تقريباً يعانون من الغُلمة ويحركهم الشبق الجنسي، سواء النجار القاتل الجالب للخادمات الريفيات إلى فراشه كل ليلة، يسرقن التحف من أجله ويمنحنه أجسادهن حتى إذا ما طالبن بالزواج كان نصيبهن القتل والدفن في حديقة الدار، أو أحمد أفندي الذي يسيل لعابه طَوال الوقت ما بين زوجته المصرية وجوزفين الفرنسية، أو عالم الآثار الألماني الذي يلاحق زوجته في حالٍ دائمة من الشهوة، ولا يكاد يرى عجيزتها حتى ينسى أبحاثه وما هو بصدده من عمل ويقوم وراءها... إلخ إلخ. هذه المواقف تتكرر كثيراً، ونادراً ما يكون لها وظيفة اللهم إلا في حالة الفضول الجنسي لأحمد كمال تجاه جوزفين الفرنسية.

أخيراً أود أن أتوقف عند اللغة التي أجدها إشكالية في الرواية. يستخدم الكاتب لغة أحادية النغمة لا تتغير قيد أنملة ما بين السرد والحوار. كما أن لغة الحوار لا تتغير ما بين شخصية وأخرى. لا يهم إن كان المتكلم متعلماً أو جاهلاً، خواجة أو مصرياً، سيدة أو خادمة. الكل يتكلم نفس اللغة الفصحى بدون أي تفاوت أو تمييز. لا يهمني أن الحوار مكتوب بالفصحى، ولكن الفُصْحَيات تتفاوت كما أن العاميّات تتفاوت. وفصحى الحوار لا يجب أن تتساوى بين كل الشخصيات، كما أنها لا يجب أن تتساوى مع فصحى السرد. يُلاحظ أيضاً أنه ليست هناك أي محاولة لمحاكاة لغة القرن التاسع عشر في مصر لا في السرد ولا في الحوار، وهو ما كان حريّاً أن يخلق نوعاً من الواقعية التاريخية في النص.



بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».