فخري كريم: شكوت للسيستاني من الفساد فاقترح الاستعانة بوزير من عهد صدام

قال لي سليماني إن «المجلس الأعلى» سيتغير وفوجئنا بخروج العامري (2 من 3)

TT

فخري كريم: شكوت للسيستاني من الفساد فاقترح الاستعانة بوزير من عهد صدام

السياسي والناشر العراقي فخري كريم (الشرق الأوسط)
السياسي والناشر العراقي فخري كريم (الشرق الأوسط)

في عراق ما بعد صدام حسين انتقلت الصلاحيات الواسعة إلى منصب رئيس الوزراء. وكرس ميزان القوى عرفاً يقضي بأن يكون رئيس الوزراء شيعياً، ورئيس الجمهورية كردياً، ورئيس البرلمان سُنيّاً، خصوصاً بعدما ترسخت قصة المكونات على حساب المؤسسات. لم تنجح محاولات خرق هذا العرف حتى حين حاول الرئيس باراك أوباما ونائبه جو بايدن إسناد الرئاسة إلى إياد علاوي الفائز بالأكثرية النيابية لضمان بقاء نوري المالكي الذي حظي بدعم واشنطن وطهران معاً.

تأخر العرب في التعامل مع المتغيرات العراقية. سارعت إيران إلى ملء الفراغ. أيدت «مجلس الحكم»، الذي كان الأميركيون وراء إنشائه وعملت على تجميع القوى الشيعية وتشجيعها على المشاركة في العملية السياسية. وزاد من حضور إيران الدور الذي تقدمت له قوى سياسية وعسكرية احتضنتها طهران في عهد صدام. وهكذا عثرت طهران على موقع من داخل التركيبة العراقية الجديدة، وصار لها ما يشبه حق النقض على القرارات، وحق النظر في تشكيل الحكومات، مراهنة أن الانسحاب العسكري الأميركي آتٍ مهما تأخر.

يقول فخري كريم، كبير مستشاري الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني، إن إيران تصرفت كدولة وجدت فراغاً في دولة مجاورة فسعت إلى ملئه وترسيخ دورها وحماية مصالحها. وهكذا صار الجنرال قاسم سليماني لاعباً كبيراً على المسرح العراقي يمتد دوره من متابعة استنزاف الوجود العسكري الأميركي، وصولاً إلى تشكيل الحكومات.

ويلاحظ أن دور دولة خارجية لا يكبر في دولة مجاورة إلا إذا عثرت على من يقبل بدورها. ويقول إن سليماني «كان يحاول أن يخدم بلاده ومصالحها بإخلاص، وكان حريّاً بالطرف الآخر أن يدافع عن دوره ومصالحه». ويتذكر أن سليماني كان «بارعاً وفعّالاً ويحاول أن يكتسب ثقة من يلتقيه وكان قادراً على الانتقال من المرونة الكاملة إلى التشدد الكامل»، كما هو الحال في الرسالة التي وجهها إلى طالباني حين قرر الأخير السير في اقتراح حجب الثقة عن حكومة المالكي. ويقول إن أبو مهدي المهندس، الذي قُتل مع سليماني كان موضع ثقة كاملة من الجنرال الإيراني.

كلّف طالباني كبير مستشاريه مهمات عدة في إيران كانت تتمحور حول تشكيل الحكومات العراقية والعلاقات بين إيران وإقليم كردستان. ذات يوم زار السياسي العراقي عادل عبد المهدي (من «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق») طهران، وقال لطالباني وكريم بعد عودته إن «ما يقوله سليماني عن أن إيران تؤيد نوري المالكي لرئاسة الوزراء غير صحيح، لأنني أُبلغت أن المرشد علي خامنئي يؤيدني».

شعر طالباني بالإحراج، رغم أنه لم يكن بعيداً عن عبد المهدي. طلب من كريم أن يزور طهران ففعل والتقى سليماني بحضور أبو مهدي المهندس. نفى سليماني صحة ما يقوله عبد المهدي وقال لكريم أستطيع أخذك إلى المرشد لتسمع منه شخصياً. لفته كريم إلى أن العقدة الأخرى هي أن «المجلس الأعلى» لا يؤيد المالكي، وهناك موقف السيد مقتدى الصدر وهو يزداد تشدداً. رد سليماني بالقول إنهم على اتصال بالصدر وسيواصلون الاتصالات معه «أما قصة المجلس الأعلى فاتركها لنا ونحن نعالجها». استفسر الموفد العراقي لكن سليماني اكتفى بالقول: «حين ترجع إلى بغداد ستجد المجلس قد تغير». وحين عاد كريم والتقى طالباني وبارزاني أُبلغ أن «منظمة بدر» برئاسة هادي العامري خرجت من «المجلس الأعلى» وانضمت إلى المالكي. وهكذا تغير التوازن ولم يعد باستطاعة المجلس عرقلة تشكيل الحكومة.

يتذكر كريم أن إيران دعمت في البداية تولي إبراهيم الجعفري رئاسة الحكومة (2005 إلى 2006). بالغ الجعفري في الاعتقاد أنه الخيار الوحيد وأنه المنقذ، وسرّب قريبون منه شعاراً هو «نريد حاكماً جعفرياً». تحول الجعفري سريعاً عبئاً على العملية السياسية التي كانت في بداياتها. بعثت المرجعية الشيعية برسائل تعكس قناعتها بوجوب التغيير. نصح السفير الأميركي زلماي خليل زاد الجعفري بالاستقالة فلم يتجاوب. ذهب إليه لاحقاً وهدده بصريح العبارة: «سوف نتصدى لك إن لم تخرج. أخرج ولو خلافاً لإرادتك».

يقول كريم إن اسم المالكي لم يكن مطروحاً آنذاك وكان الاسم الذي يتردد هو علي الأديب من حزب «الدعوة»، وهو الحزب الذي ينتمي إليه المالكي. لم يحبذ المالكي السير في الأديب الذي لم ينجح في تعزيز حظوظه. عقد «الدعوة» اجتماعاً ثانياً لحسم الموضوع غاب عنه الأديب وتم طرح اسم المالكي وأيدته القيادة.

قائد فيلق القدس الراحل قاسم سليماني (أرشيفية - أ.ف.ب)

فطور مع سليماني

يتذكر كريم لقاء مع سليماني على فطور بحضور أبو مهدي المهندس. قال: «تحدثت عن سلوك المالكي في الدورة الثانية وشيوع الفساد. أجابني: دعنا ننتهي. نستطيع أنا وأنت أن نتحدث إلى الصباح عن مظاهر الفساد. اعطوني فرصة وأنا أتعهد بمعالجة هذه القضية بعد الدورة الثانية. أجبته أن الوضع لا يتحمل. وسألته: إذا كانت كل القوى - مقتدى الصدر و«العراقية» والحكيم - متفقة فلماذا لا نستطيع أن نغير؟ قال: التغيير والتكليف يتقرران في التحالف الشيعي. أجبته: التحالف الشيعي نصفه موجود؛ الصدر والحكيم وأحمد الجلبي، فرد قائلاً: التحالف الشيعي من يبقى فيه هو الذي يقرر. قلت: هل أفهم من هذا أنكم أنتم، فأجاب: فكر كما تريد.

خطأ مقتدى الصدر

في عراق ما بعد صدام حسين، برز في الساحة السياسية لاعب كبير صعب. إنه السيد مقتدى الصدر. تيار شعبي عريض واكبته قوة مسلحة. لم يكن التعامل مع الصدر سهلاً بالنسبة إلى القوى السياسية، خصوصاً الشيعية منها. وشهدت بعض الجولات احتكاماً إلى السلاح. لم تكن إدارة ظاهرة الصدر سهلة من الداخل، ولم تكن كثيرة السهولة أيضاً بالنسبة إلى الخارج الإيراني، خصوصاً أن الرجل كثيراً ما يفاجئ حلفاءه وخصومه.

سألت فخري كريم عن قرار الصدر الخروج من الحياة السياسية، فأجاب: «مع احترامي الكامل له، أنا أعتبر القرار خطأً كبيراً دفع العراق ثمنه. خطوة غير مسبوقة. أدى خروج الكتلة الصدرية إلى إفراغ البرلمان من أي قوة شيعية مؤثرة تستطيع تعطيل قرارات لا تنسجم مع التطلعات المشتركة. عندما يستقيل نائب أو اثنان أو ثلاثة أو خمسة يمكن تعويض ذلك، لكن حين تنسحب الكتلة الأكبر من البرلمان فهذا يغير المشهد ويطرح سؤالاً عن التفويض حتى ولو جرى ملء المقاعد بأساليب مستندة إلى نصوص معمول بها. إحلال مرشحين كانوا خاسرين محل هذا العدد الكبير من النواب بدا غريباً ومضحكاً. حوَّلت الأقلية نفسها إلى أكثرية. هذا انقلاب على الدستور والعملية السياسية. أطلقت الأقلية السابقة انقلاباً لا يزال مستمراً. يريدون الإفادة من هذه المرحلة لتصفية كل العناصر التي يمكن أن تتحدى هيمنتهم المطلقة على الوضع في العراق. من هنا نرى محاولات استهداف إقليم كردستان ومحاولة تفكيك المكون السُنّي أيضاً. لا بد من الالتفات هنا إلى المكون الشيعي نفسه. سُلبت إرادة قسم كبير من الشيعة. لم يشارك أكثر من 20 في المائة منهم في الانتخابات الأخيرة، وقد توزع المشاركون على الأطراف الشيعية. هذا يعني أن المجموعة الحاكمة هي أيضاً أقلية على مستوى الشيعة، الذين تعاني مناطقهم من البطالة والفقر ونقص الخدمات أسوة بالمناطق الأخرى. إن اعتقاد المجموعة الحاكمة أن المظلومين لن يعودوا إلى رفع الصوت وترداد الشعارات التي رفعت في الاحتجاجات والانتفاضات خاطئ تماماً».

المرجع الشيعي علي السيستاني (تويتر)

اقتراح مفاجئ من السيستاني

كان من الطبيعي أن أسأل فخري كريم عن دور المرجع الشيعي آية الله علي السيستاني وهو التقاه ثلاث مرات. قال: «خرجت بانطباع أنه متقدم سياسياً بالمعنى الوطني العراقي على كل القيادات الشيعية أو على الغالبية المطلقة منها. وأعتقد أن خُطب الجمعة لوكلائه كانت تعبر عن هذا النهج. أريد التوقف عند ملاحظة أساسية تعطيك فكرة عن أسلوب تفكير السيستاني. تحدثت عن الفساد، ومن ضمن التلاعب بالحصة التموينية وإذ به يفاجئني بالقول: لماذا لا تأتون بوزير التجارة السابق إلى وزارة التجارة لأنه معروف كيف كان يتعامل مع هذه القضية أو لماذا لا تأتون بوزير مسيحي؟ قلت له: كيف؟ فأجاب: لم لا إذا كان نظيفاً ويخدم العراقيين. لماذا لا نأتي به؟ (كان السيستاني يشير إلى تجربة الوزير محمد مهدي صالح في السنوات الأخيرة لصدام والذي ابتكر برنامج البطاقة التموينية). ولم يكن بسيطاً أن يقول السيستاني لماذا لا تأتون بوزير من العهد السابق لأنه كان يضمن وصول الحصة التموينية كاملة.

ذهبت إليه لاحقاً وبعدما تكاثرت المظالم والتجاوزات وشاع الفساد. قلت له إن الناس ينتظرون موقفك. فأجاب: أنا دوري لم يعد كالسابق. تدخلت حينما لم يكن هناك دستور ولم تكن هناك حكومة وهيئات. الآن صار لديكم دستور مُقَرٌّ ورئاسة وحكومة. أنا لا أستطيع أن أتدخل. أنا ليس علي سوى الوعظ والإرشاد وعلى الآخرين أن يقبلوا أو لا.

هناك مسألة أخرى مهمة في موقف السيستاني وهي قناعته أن العراق الجديد لا يمكن أن يبنى على قاعدة استضعاف المكونات الأخرى، وتحديداً السُنّة والأكراد. كان يقول إنه لا يجوز تجاوز المكون السُنّي أو أي مكون آخر. أستطيع القول إنه كان يطالب أن يكون المكون السُنّي شريكاً وأن يأخذ حقوقه كاملة».

فتوى «الجهاد الكفائي» و«الحشد»

يرى كريم أن السيستاني أصدر فتوى «الجهاد الكفائي»، لاستنهاض الناس لمواجهة خطر كبيرهو «داعش». ومن الطبيعي أن المهمة تنتهي بزوال الخطر. لم يتحدث عن «الحشد» أو أي تنظيم آخر، بل تحدث عن متطوعين. ويضيف: «تجاوب كثيرون مع دعوة السيستاني وقدم قسم منهم تضحيات كبيرة إلى جانب القوات المسلحة والبيشمركة. وقد شارك المتطوعون في عملية تحرير الأراضي التي كان التنظيم يحتلها.

كانت هناك قناعة بأن من حق من قدموا هذه التضحيات أن يكونوا جزءاً من القوات المسلحة وأن يحظوا برعاية الدولة. فكرة دمج الميليشيات أو الكيانات العسكرية بالقوات المسلحة ليست جديدة. الحاكم الأميركي بول بريمر (أول حاكم للعراق بعد الغزو) اقترح شيئاً من هذا النوع على الفصائل والتنظيمات تحت شعار الدمج في الجيش ونُفِذَت خطوات على هذا الصعيد. كان الغرض إذن إزالة خطر «داعش» ولم يكن المطلوب إنشاء جيشٍ موازٍ للجيش أو قيام مؤسسة أخرى. لم يكن هناك تفكير بأن تقوم كيانات تعتبر جزءاً من القوات المسلحة لكن لدى بعضها أجندات خاصة ولا تخضع عملياً لأوامر القائد العام للقوات المسلحة وهو رئيس الوزراء. وربما يكون الحل عن طريق تشكيل قيادة عامة للقوات المسلحة تشارك فيها كل مفاصل هذه القوات وتأتمر بأوامر القيادة العامة وليس القائد العام الذي لا يستطيع أحياناً أن يفعل شيئاً».

صعوبة مهمة السوداني

وعما إذا كانت مهمة رئيس الوزراء الحالي محمد شيّاع السوداني تزداد صعوبة وما إذا كان التحالف الشيعي أو «الإطار التنسيقي» هو الحاكم الفعلي، قال كريم: «نعم، مهمة رئيس الوزراء الحالي تزداد صعوبة. هو، وبكل صراحة، لديه نوايا إيجابية ويريد أن يحقق ما يستطيع من البرنامج الحكومي لكنه محكوم بسور من الضغوطات. من ينظر إلى الانحدار الذي يضرب العملية السياسية يدرك حجم الصعوبات. عملياً الحاكم الفعلي هو القوى التي تشكل الإطار الشيعي أو الإطار التنسيقي، ولا يمكن للحكومة أن تخرج عن المسار المحدد من هذا الإطار».

«الإطار التنسيقي» هو القوة الحاكمة. وأعتقد أن أحد قادته قال كلاماً مؤسفاً ومزعجاً جداً حين سُئل عن دور رئيس الوزراء. قال: «نحن بالنسبة إلينا رئيس الوزراء هو مدير عام حين يتعلق الأمر بالقضايا الاستراتيجية والأساسية. أما فيما يتعلق بالإدارة اليومية للدولة فهو رئيس وزراء. هذا الكلام كان بمثابة إشارة لأنه قيل مع انطلاق الحكومة.

شاع في الآونة الأخيرة على لسان سياسيين وإعلاميين أن قادة في الإطار يسعون إلى إفراغ منصب رئيس الوزراء من أهميته خوفاً من «تفريخ زعامات جديدة». وثمة من يطرح أن يستقيل رئيس الوزراء من موقعه قبل ستة أشهر إذا كان ينوي خوض الانتخابات. وهناك من ينقل عن السيد نوري المالكي، وأنا لا أريد الخوض مجدداً في سجالات معه، أن السوداني يحاول الإفادة من موقعه الحالي لتعزيز فرصه في الانتخابات المقبلة».

الخروج الكبير إلى سوريا

في الشهر ما قبل الأخير من عام 1978 كلفت قيادة الحزب الشيوعي العراقي فخري كريم بإعداد خطة سرية لإخراج عدد من كوادر الحزب مع عائلاتهم في اتجاه سوريا ولبنان لإبعادهم عن التصفيات والملاحقات التي يمارسها حكم «البعث» ضد الحزب. وتفادياً للفت أنظار الأجهزة، تم اغتنام فرصة ذهاب وفد عراقي برئاسة نعيم حداد، عضو القيادة القطرية في «البعث» إلى دمشق للمشاركة في اجتماع عربي، فأدرج الحزب الشيوعي اسم كريم في عداد الوفد لتسهيل خروجه.

يروي كريم: «وصلنا إلى دمشق وكان هدفي أن ألتقي الرئيس حافظ الأسد. لجأت إلى وزير الإعلام أحمد إسكندر الذي كان مقرباً جداً منه إلى حد أن الأسد كان يعامله وكأنه ابنه. خلال استقبال الأسد الوفد العراقي لاحت فرصة فأخذني إسكندر إليه. قلت للأسد إنني سأختصر لأن الوضع لا يسمح بالإطالة. أنا جئت في هذه المهمة. فرد: من دون تفاصيل، كل شيء تحت تصرفكم. وهذا أخوكم (أحمد إسكندر) إذا احتجت أي شيء تخبره حينما تأتي. قلت له إنني باقٍ. فقال: علاقتك مع الدولة تكون مع عبد الحليم خدام ومع الحزب عبر عبد الله الأحمر ومع جهاز المخابرات لكي يؤمّن لكم أسلحة وتفاصيل أخرى مع اللواء علي دوبا. أنت مرحب بك في أي وقت وسوريا تحت تصرفكم».

طبعاً كان موضوع سوريا حيوياً بالنسبة إلينا للاعتبارات المعروفة. كان يأتينا سلاح من ليبيا واليمن الديمقراطي والمقاومة الفلسطينية، وكنا نمرره من الأراضي السورية إلى إقليم كردستان عبر ممر الخابور.

400 ألف دولار من حافظ الأسد

قلت لكريم: بلغني أنك حصلت للحزب على مساعدة مالية من سوريا وهذا كان قليل الحدوث. سوريا كانت توفر لأصدقائها إقامات وباسبورات لكنها لم تكن سخية في المساعدات المالية. أجاب: «للتاريخ أقول إن سوريا احتضنتنا وقدمت لنا كل الدعم. منذ البداية تحدثت مع الرئيس الأسد عن حرج موقف الحزب ووضعه وحرصه على استقلاليته»، فأجاب: «أنتم هنا أحرار. من يحاول أن يعيق أو يتحدث بلغة أخرى أنا موجود». والحقيقة أن هذه القاعدة احترمت باستثناء مرة واحدة لا أجد مناسباً الحديث عنها الآن.

كانت سوريا توفر كل أشكال الدعم أي الاحتضان والرعاية والإقامة لعشرات الآلاف من العوائل، بالإضافة إلى خط المواصلات بين سوريا وكردستان لمرور المتطوعين من البيشمركة والقيادات والأسلحة.

ذات يوم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والبلدان الاشتراكية، كان الحزب يجتاز أزمة خانقة. كنا في زيارة للرئيس الأسد برفقة الأخ مسعود بارزاني ومشاركة أمين عام الحزب الاشتراكي. بعد انتهاء اللقاء طلبت التحدث إلى الأسد على انفراد. تنحينا جانباً وتناولت السبحة من يده. قال: سبح بها ثم أعدها لي. قلت له: أعرفكم وأعرف أن كلمتكم لا تصير اثنتين. قال: نعم. قلت: لكن للأسف تكرر الأمر ثلاث مرات وأنت تعد ولا تفي. استغرب وقال: ماذا؟ قلت: نحن وضعنا صعب جداً ونحتاج إلى دعم. تقول لنا نعم ثم نذهب وتروح القضية. ضحك الأسد وقال: إن شاء الله يصير. قلت له: هذه المرة سأبقى واقفاً معك حتى تقول لي أخرج وقابل فلاناً ومعه 200 ألف دولار. ضحك مجدداً، وقال: سيكون. قلت له: من ينتظرني؟ ضحك ضحكة كبيرة وقال: «أبو جهاد» ينتظرك (عبد الله الأحمر الأمين العام المساعد لحزب «البعث»). سألني مسعود عما قلت للأسد فأجبته أنه موضوع شخصي. قال: ماذا الشخصي؟ لقد أخذت سبحة الرجل. قلت له: هو لم يسترجعها فماذا أفعل؟

ذهبت إلى المكتب في دمشق فقالوا لي إن مكتب عبد الله الأحمر اتصل مرات عدة. اتصل الأحمر مجدداً وقال أين أنت؟ فقلت له: سأرسل لك المحاسب لتسلم المبلغ، وهكذا كان.

بعد نحو ثلاثة أشهر تدهورت أوضاع الحزب المالية مجدداً، وكان علينا أن نجمع مبلغ مليون دولار لنسد حاجات ملحة. حصلنا على جزء من اليمن الجنوبي وآخر من ياسر عرفات لكن ذلك لم يكن كافياً. ذهبت إلى عبد الحليم خدام وتمنيت عليه أن ينقل رسالة إلى الرئيس الأسد فسأل عن مضمونها. أجبت أننا نحتاج إلى دفعة أخرى. استغرب، وقال: دفعة ماذا؟ هل أخذت منه مصاري؟ فقلت: نعم. سأل عن المبلغ فقلت 200 ألف دولار. استغرب وقال: نحن نأخذ فكيف تأخذ أنت منا؟ كررت الطلب أن يوصل الرسالة إلى الرئيس. قال: أنا لا أوصلها. قلت: نحن في حاجة ماسة والرجاء أن تبلغه. قال: ماذا أقول له؟ قلت: قل له إننا محتاجون مثل المرة السابقة. أبلغه سلامي وأنه إن لم يستجب سأكسر عهدي معه. سأل عن العهد، فأجبت: هو قال لي في المرة السابقة أنه يشترط ألا يعرف أحدٌ. وإذا لم يوافق هذه المرة سأصدر بياناً أقول فيه إن الرئيس الأسد أعطانا 200 ألف دولار ووعدنا بمثلها لكنه لم ينفذ. ضحك خدام طويلاً. في اليوم التالي اتصل بي وقال: تعال. دفع لنا 200 ألف دولار، وقال: الرئيس يبلغك السلام لكن رجاء لا تحرجنا».

العلاقة مع القذافي

وعن المساعدة من ليبيا، قال: «الحقيقة نحن الحزب الوحيد الذي لم يحصل إلا على مساعدة بسيطة جداً من ليبيا. ومرة أخرى حصلنا على كمية لا بأس بها من السلاح في بيروت وعن طريق أبو عمار. حملت الباخرة أسلحة لنا ولمنظمات أخرى بينها الحزب الشيوعي اللبناني. لاحظ رفاقنا أن بعض الأسلحة تحمل تواقيع (أبو فلان) و(أبو فلان) من المقاتلين الفلسطينيين. أخبرت الرفيق جورج حاوي الأمين العام للحزب الشيوعي فتبين أنهم لاحظوا الأمر نفسه. أطلق حاوي تعبيراً لا أريد تكراره. لاحقاً حكيت القصة لعرفات فرد مبتسماً على طريقته وقال: عملوها معكم؟

بالنسبة إلى العلاقات مع ليبيا، دعيت بعد تولي القذافي ورفاقه إلى احتفالية وذهبت. بعدها تكررت اللقاءات. ذات يوم تلقينا دعوة من القذافي. ذهبت أنا وعزيز محمد السكرتير الأول للحزب. دخلنا إلى الخيمة فوجدنا حاوي جالساً مع العقيد. قال القذافي: أنا طلبتكم هذه المرة لشيء خاص كي تقوموا به لي ولليبيا. الأصدقاء السوفيات يضغطون علينا من أجل تسديد ديوننا. ونحن أعلنا استعدادنا لكن عن طريق كميات من النفط. وافقوا لكن شرط أن نحسب سعر النفط وفق السوق السوداء وهذا يضرنا كثيراً. أريدكم أن تذهبوا أنتم الثلاثة إلى موسكو باسمي وتطلبوا من السوفيات أن يعفونا من هذا الشرط.

رد حاوي: نحن بالتصرف وسنقوم بهذا الواجب. استأذنت من الرفيق عزيز وقلت: أخي العقيد، مع كامل احترامي للرفيق جورج، أنت رئيس دولة لها موقعها في (جبهة الصمود والتصدي) وصديق للاتحاد السوفياتي. إذا ذهبت أنت فإن القيادة السوفياتية ستحتفي بك ومن دون شك ستأخذ هواجسك ومطالبك في الاعتبار. نحن من؟ نحن أحزاب شيوعية معارضة. أعلى مسؤول يمكن أن نطلب مقابلته عضو مرشح للمكتب السياسي وقد يرسل نائبه لمقابلتنا. ثم إنهم سيستغربون أن يأتي عراقي ولبناني إليهم باسم القذافي. مكانتك ستلعب دوراً في حل الموضوع. عملياً اعتذرنا. بعد خروجنا كان حاوي غاضباً جداً وعاتبني عتاباً شديداً ووصفني بـ(المخرب)، وقال: نحاول ولا مشكلة إن فشلنا».

غداً حلقة ثالثة

خروج الصدر مَكّن الأقلية من الانقلاب على العملية السياسية والدستور.... وأطراف في «الإطار التنسيقي» تعتبر رئيس الوزراء «مجرد مدير عام»

فخري كريم


مقالات ذات صلة

قائد «فيلق القدس» في بغداد لبحث تداعيات الحرب

المشرق العربي قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني (رويترز) p-circle

قائد «فيلق القدس» في بغداد لبحث تداعيات الحرب

يزور قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني بغداد لبحث تداعيات الحرب في الشرق الأوسط ولقاء مسؤولين وقادة فصائل مسلحة موالية لطهران.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

واشنطن ترفع الضغط على بغداد لمنع تشكيل «حكومة خاضعة للفصائل»

في غمرة انشغال قوى «الإطار التنسيقي» بتشكيل الحكومة الجديدة، أدرجت وزارة الخزانة الأميركية 7 من قادة الميليشيات العراقية على قائمة العقوبات.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

اجتماع مرتقب في بغداد قد يحدد مرشح رئاسة الحكومة

من المقرر أن تعقد قوى «الإطار التنسيقي»، التحالف الحاكم في العراق، اجتماعاً حاسماً يوم السبت في بغداد، في محاولة للتوصل إلى اتفاق بشأن مرشح لرئاسة الوزراء.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي عناصر من «البيشمركة» يتموضعون تحت صورة لمسعود بارزاني في كركوك (أرشيفية - إ.ب.أ)

بارزاني يهاجم «صفقات مشبوهة» شمال العراق

أعلن مسعود بارزاني رئيس «الحزب الديمقراطي الكردستاني» رفضه لمخرجات التوافق السياسي الأخير في محافظة كركوك شمال العراق؛ ما أفضى إلى تغيير منصب المحافظ.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي رئيس الحكومة محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

مناورات تشكيل الحكومة العراقية تدخل مرحلة حاسمة

دخلت القوى السياسية العراقية مرحلة حاسمة في تشكيل الحكومة الجديدة، في وقت قرر فيه "الإطار التنسيقي" تأجيل اجتماع حاسم إلى السبت المقبل.

حمزة مصطفى (بغداد)

قائد «فيلق القدس» في بغداد لبحث تداعيات الحرب

قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني (رويترز)
قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني (رويترز)
TT

قائد «فيلق القدس» في بغداد لبحث تداعيات الحرب

قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني (رويترز)
قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني (رويترز)

يزور قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني بغداد لبحث تداعيات الحرب في الشرق الأوسط ولقاء مسؤولين وقادة فصائل مسلحة موالية لطهران، حسبما قال مسؤول عراقي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، السبت.

وسيبحث قاآني كذلك «أزمة الانسداد السياسي» بشأن تسمية مرشح لرئاسة الحكومة العراقية، بعد تراجع حظوظ نوري المالكي بالعودة للمنصب.

وهذه أول زيارة خارجية لقاآني يُكشف عنها منذ سريان وقف لإطلاق النار يمتد لأسبوعين بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ثانية، في الثامن من أبريل (نيسان).

وتجهد بغداد منذ أعوام لتحقيق توازن في علاقاتها مع الخصمَين النافذَين في سياستها، إيران والولايات المتحدة.

ولم يسلم العراق من تداعيات الحرب التي استمرت لأكثر من 40 يوماً. وخلالها، تعرّضت مقار لـ«الحشد الشعبي» ولفصائل عراقية مسلحة موالية لإيران لغارات منسوبة للولايات المتحدة وإسرائيل، في حين استُهدفت مصالح أميركية بهجمات تبنتها فصائل عراقية، ونفّذت طهران ضربات ضد مجموعات إيرانية كردية معارِضة في شمال البلاد.

وبدأ قاآني «عقد سلسلة لقاءات مع قادة القوى السياسية وعدد من قيادات الفصائل المسلحة»، حسبما أفاد مسؤول عراقي رفيع المستوى، مؤكداً أن «اللقاءات تتناول ملف التهدئة الإقليمية وانعكاساتها على الساحة العراقية».

وأضاف أن الوفد الإيراني يسعى كذلك إلى «تنسيق المواقف بين القوى الحليفة لطهران داخل العراق، وضمان عدم انزلاق الأوضاع نحو تصعيد أمني» في العراق والمنطقة.

وأكّد الزيارة كذلك مصدر في فصيل مسلح نافذ موالٍ لإيران، ومصدران مقرّبان من تحالف «الإطار التنسيقي» الذي يشكّل أكبر كتلة في البرلمان، ويتألف من أحزاب شيعية مقرّبة من طهران.

ويقود قاآني «فيلق القدس» الموكل بالعمليات الخارجية في «الحرس». وهو سبق له أن زار العراق مراراً منذ توليه مهامه خلفاً للواء قاسم سليماني الذي اغتيل بضربة أميركية قرب مطار بغداد في يناير (كانون الثاني) 2020. لكن يندُر الإعلان عن مثل هذه الزيارات.

وأوضح المسؤول العراقي أن الزيارة الحالية تأتي كذلك في إطار «تحرّكات إيرانية مكثفة لدعم مسار التفاهم بين الأطراف العراقية وتقريب وجهات النظر، خصوصاً مع استمرار الخلافات بشأن تشكيل الحكومة وتوازنات السلطة».

وكان «الإطار التنسيقي» أعلن في يناير ترشيح المالكي لخلافة محمّد شياع السوداني رئيساً للوزراء، وذلك عقب الانتخابات التي شهدتها البلاد قبل شهرين من ذلك. غير أن واشنطن هددت بوقف دعم بغداد في حال عودة المالكي، ما أثار إرباكاً في الأوساط السياسية العراقية.

وقالت مصادر سياسية عراقية لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الاثنين، إن حظوظ المالكي بالعودة للمنصب الذي شغله مرتين بين 2006 و2014، تراجعت.

وانتخب البرلمان نزار آميدي رئيساً للعراق في 11 أبريل (نيسان). وهو يتوجب عليه أن يكلّف خلال 15 يوماً من انتخابه مرشح «الكتلة النيابية الكبرى» عدداً بتشكيل الحكومة، وفق الدستور.


«حزب الله» يتوعّد بالرد على «خروقات» إسرائيل لوقف النار

أعلام «حزب الله» ترفرف من سيارات على الطريق المؤدي إلى جنوب لبنان حيث بدأت الأسر رحلة العودة بعد وقف إطلاق النار (د.ب.أ)
أعلام «حزب الله» ترفرف من سيارات على الطريق المؤدي إلى جنوب لبنان حيث بدأت الأسر رحلة العودة بعد وقف إطلاق النار (د.ب.أ)
TT

«حزب الله» يتوعّد بالرد على «خروقات» إسرائيل لوقف النار

أعلام «حزب الله» ترفرف من سيارات على الطريق المؤدي إلى جنوب لبنان حيث بدأت الأسر رحلة العودة بعد وقف إطلاق النار (د.ب.أ)
أعلام «حزب الله» ترفرف من سيارات على الطريق المؤدي إلى جنوب لبنان حيث بدأت الأسر رحلة العودة بعد وقف إطلاق النار (د.ب.أ)

حذّر الأمين العام لـ«حزب الله» اللبناني، نعيم قاسم، السبت، من أن عناصره سيردون على «خروقات» إسرائيل لاتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، مشدداً على أن التزامه «يجب أن يكون من الطرفين».

وقال قاسم إن الهدنة المقررة لعشرة أيام وتسري منذ منتصف ليل الخميس - الجمعة، تعني «وقفاً كاملاً لكل الأعمال العدائية، ولأننا لا نثق بهذا العدو، فسيبقى المقاومون في الميدان وأيديهم على الزناد، وسيردون على خروقات العدوان بحسبها».

وشدد على أنه «لا يوجد وقف لإطلاق النار من طرف المقاومة فقط، بل يجب أن يكون من الطرفين»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلن الجيش الإسرائيلي، السبت، أنه أقام «خطاً أصفر» فاصلاً في جنوب لبنان على غرار الخط الذي يفصل قواته عن المناطق التي تسيطر عليها حركة «حماس» في قطاع غزة، مشيراً إلى قتل عناصر من «حزب الله» على مقربة منه.

وقال الجيش: «خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة، رصدت قوات الجيش الإسرائيلي العاملة جنوب الخط الأصفر في جنوب لبنان إرهابيين انتهكوا اتفاق وقف إطلاق النار، واقتربوا من القوات من شمال الخط الأصفر في صورة شكلت تهديداً مباشراً».

وهي المرة الأولى التي يتحدث فيها الجيش عن هذا الخط منذ وقف النار.

وأضاف: «مباشرة بعد الرصد وبهدف القضاء على التهديد، هاجمت القوات الإرهابيين في عدة مناطق بجنوب لبنان»، مذكراً بأن الجيش مخوّلٌ التحرك ضد التهديدات، رغم وقف إطلاق النار.

وفي بيان ثانٍ، السبت، أعلن الجيش الإسرائيلي أن سلاح الجو قتل أفراد «خلية إرهابية» كانت تعمل على مقربة من قواته في الجنوب اللبناني.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعلن، الخميس، دخول وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان حيّز التنفيذ، حيث كانت إسرائيل تخوض مجدداً حرباً مفتوحة ضد «حزب الله» منذ الثاني من مارس (آذار) الماضي.

وأكد الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو موافقتهما على وقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام.


نازحون لبنانيون يتريثون في العودة إلى منازلهم خشية انهيار الهدنة

رجل وطفله ينظران إلى أنقاض المنازل التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان (رويترز)
رجل وطفله ينظران إلى أنقاض المنازل التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان (رويترز)
TT

نازحون لبنانيون يتريثون في العودة إلى منازلهم خشية انهيار الهدنة

رجل وطفله ينظران إلى أنقاض المنازل التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان (رويترز)
رجل وطفله ينظران إلى أنقاض المنازل التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان (رويترز)

بعد سريان الهدنة بين إسرائيل و«حزب الله»، تفقدت سماح حجول منزلها في ضاحية بيروت الجنوبية، وأحضرت ثياباً صيفية لأطفالها قبل أن تعود إلى خيمة عند الواجهة البحرية للعاصمة، لعدم ثقتها باستمرار وقف إطلاق النار.

أمام الخيمة، تقول حجول، الأم لأربعة أطفال والنازحة من منطقة الليلكي، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «أخاف من العودة إلى منزلي؛ لأن الوضع لم يستقر بعد».

وتفقدت حجول منزلها في الضاحية التي تعرضت لدمار واسع جراء الغارات الإسرائيلية خلال الحرب التي استمرت أكثر من شهر. ووجدت أنه تعرّض لأضرار طفيفة جراء تحطم زجاج نوافذه، لكنها لم تبقَ فيه.

وتقول: «أذهب من أجل تحميم الأولاد وإحضار ثياب صيفية» مع ارتفاع درجات الحرارة في اليومين الأخيرين، «لكننا لا نشعر بالأمان لنعود».

وتضيف: «أخشى أن يحدث شيء في الليل ولا أتمكن من حمل أولادي والفرار بهم» على غرار ما فعلته بعد اندلاع الحرب في الثاني من مارس (آذار).

رجل يقود سيارته وهو يلوّح بعلامة النصر بعد دخول وقف إطلاق النار بين «حزب الله» وإسرائيل حيز التنفيذ (رويترز)

«ليس ثمة حل»

وبينما عاد الكثير من النازحين إلى مناطقهم بعد سريان الهدنة، منتصف ليل الخميس/ الجمعة، ينتظر آخرون يقيمون في خيام وسط بيروت انقضاء مهلة الأيام العشرة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لوقف النار، قبل حسم قرارهم.

وتشرح حجول: «سننتظر لنرى ما سيحصل... إذا تمّ تثبيت وقف إطلاق النار سنعود إلى منازلنا».

وتتوافد عائلات إلى الضاحية الجنوبية لتفقد منازلها وأخذ احتياجاتها. ولا تزال أحياء في عمق المنطقة شبه خالية، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية»، مع تفضيل سكان كثر التريث قبل العودة نهائياً.

بين هؤلاء حسن (29 عاماً) الذي تفقد السبت منزله، قبل أن يعود إلى مركز إيواء داخل مدرسة.

ويقول هذا الأب لطفل: «جئت لأتفقد المنزل وأحضر أغراضاً منه». ويضيف: «لا أستطيع البقاء؛ لأننا نخاف من أي توتر في ظل خرق الهدنة، ومع إعادة إقفال مضيق هرمز»، السبت، من إيران، التي سبق أن أعلنت أن الهدنة في لبنان كانت «جزءاً» من تفاهمات وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة.

ويتابع حسن الذي طلب عدم كشف هويته كاملة: «لا شيء يؤشر إلى أنه ثمة حل، نخاف إذا عدنا إلى الضاحية أن نخسر مكاننا في المدرسة التي نزحنا إليها».

«عدو غدار»

أسفرت الحرب خلال أكثر من ستة أسابيع عن مقتل نحو 2300 شخص، ونزوح أكثر من مليون، بحسب السلطات، خصوصاً من ضاحية بيروت ومن جنوب البلاد، وهما المنطقتان اللتان تعدان من معاقل «حزب الله».

وضاقت المدارس التي حولتها الحكومة إلى مراكز إيواء بعشرات الآلاف من النازحين، خصوصاً في بيروت ومحيطها.

وتفاقمت المخاوف، السبت، بعد تصريحات للقيادي في «حزب الله» محمود قماطي، دعا فيها النازحين إلى تفقد منازلهم والعودة بعدها إلى أماكن نزوحهم.

وقال خلال مؤتمر صحافي في الضاحية: «أدعو أهلنا ألا تستقروا حيث تذهبون إلى الجنوب أو تعودون إلى الضاحية... كونوا على حذر، الغدر الإسرائيلي متوقع في كل وقت، وهذه هدنة مؤقتة».

رجل نازح يقيم في خيمة بالعاصمة اللبنانية بيروت (أ.ب)

وتابع: «خذوا نفساً، واطمئنوا قليلاً، ولكن لا تتخلوا عن الأماكن التي لجأتم إليها حتى نطمئن تماماً للعودة»، مضيفاً: «سوف ندعوكم للعودة والاستقرار. أما الآن فللاطمئنان ثم المغادرة».

وأفادت «وكالة الصحافة الفرنسية» بزحمة سير صباحاً على الطريق من بيروت إلى الجنوب، مقابل زحمة معاكسة بعد الظهر من الجنوب باتجاه صيدا وبيروت.

ويتبادل «حزب الله» وإسرائيل اتهامات بخرق الهدنة. وتواصل القوات الإسرائيلية، وفق الإعلام المحلي وشهادات سكان، تنفيذ عمليات تدمير وتفجير لمنازل في عدد من القرى الحدودية. وأعلن الجيش الإسرائيلي، السبت، أنه قتل أفراد «خلية إرهابية» اقتربوا من قواته جنوباً.

نساء نازحات يتفقدن الأضرار التي لحقت بممتلكاتهن في ضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)

«يعودون بحذر»

وتأمل السلطات اللبنانية أن يتيح تثبيت وقف إطلاق النار انطلاق مفاوضات مع إسرائيل بوساطة أميركية، من شأنها أن توفر شروط عودة النازحين إلى بلداتهم، وانسحاب القوات الإسرائيلية من مناطق تقدمت إليها في جنوب لبنان.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، السبت، إقامة «خط أصفر» في جنوب لبنان، على غرار الخط الذي يفصل قواته عن مناطق سيطرة حركة «حماس» الفلسطينية في قطاع غزة، بعد يومين من تأكيد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن قواته ستبقى ضمن «منطقة أمنية بعمق 10 كيلومترات».

وفي جنوب لبنان، منذ الساعات الأولى لسريان الهدنة، عملت وحدات الجيش وبلديات ومنظمات محلية على المساهمة في فتح طرق وجسور أغلقتها الغارات.

وفي بلدة حناوية، يشير نائب رئيس البلدية مصطفى بزُّون إلى أبنية سكنية مدمرة ومحال متضررة جراء الغارات.

ويقول: «أول ما نقوم به هو أن نعيد الحياة مجدداً من خلال تأمين الخدمات كافة من اتصالات وفتح طرقات... حتى تعود الناس بأسرع وقت ممكن إلى حياتها الطبيعية».

ويضيف: «يعود الناس ولكن بحذر، لكننا نبني على أن تكون عودتهم دائمة، ربما ستغادر مؤقتاً، لكنها ستعود» لاحقاً.