الشعر ملاذاً أخيراً

طلعت شاهين في ديوانه «تتعرى الأشجار من عصافيرها»

الشعر ملاذاً أخيراً
TT

الشعر ملاذاً أخيراً

الشعر ملاذاً أخيراً

بعد غياب طويل وانخطاف مباغت إلى عالم الترجمة والرواية، يعود طلعت شاهين إلى عالم الشعر بئره الأولى، بديوان يحمل عنوان «تتعرى الأشجار من عصافيرها»، صدر حديثاً عن «دار العين» بالقاهرة. لكن لماذا الحنين إلى الشعر، كأنه المخلص الذي يفتح للنفس نوافذ جديدة للتنفس والشعور بالأمان، بخاصة بعدما ارتعدت مفاصل العالم وضاقت أوردته، في مواجهة لحظة محفوفة بالمخاطر والألم، حبسته في قفص وباء «كورونا» على مدار شهور، ولا تزال آثارها ممتدةً إلى الآن. هذه اللحظة الشائكة يجسدها عنوان الديوان في دلالة فنية لافتة، فالوباء لم يكتفِ بحصد أرواح مئات الآلاف من البشر، إنما أصبح يهدد الطبيعة، العصافير والشجر، الغيم والمطر، وكل مظاهر الحياة.

في تلك اللحظة المجنونة تذكر طلعت شاهين أنه «شاعر العشق، العاشق المعشوق»، هكذا كان يطلق عليه أقرانه من شعراء السبعينات في مصر، لفتهم إلى ذلك أنه في قصائده البسيطة الحانية، كان دائماً يعزف على متوالية العشق لغوياً وجمالياً، موحداً ما بين حضور العشيقة في القصيدة وبين حضور الطبيعة، فكلاهما مرتكز للجمال وإثارة الدهشة والأسئلة.

في غمرة المزاح الذي يكشف عن محبة أقرانه الشعراء له، وأنا واحد منهم، خدعنا جميعاً، وفي صمت درس اللغة الإسبانية بالمركز الثقافي الإسباني بالقاهرة، مقرراً أن يوسع فضاء عشقه، ويكتسب له أرضاً وجغرافيا جديدتين، أكثر جرأة وانفتاحاً على المستوى الإنساني والعاطفي. في عام 1980 حط رحاله على شواطئ إسبانيا، وواصل دراساته الأكاديمية للقانون في رحاب جامعاتها حتى حصل على درجة الدكتوراه؛ كما حصل أيضا على الجنسية الإسبانية.

وسمت روح العاشق - ولا تزال - مسيرته في الحياة، ففي ظلالها عمل لفترة بالصحافة، وكتب الرواية والقصة وترجم أكثر من 24 كتاباً، من عيون أدب أميركا اللاتينية، من أبرزها مذكرات ماركيز «أن تعيش لتحكي»، و«الشعر النسائي في أميركا اللاتينية»، ورواية «المطر الأصفر» لخوليو يا ماثاريس... ويظل أجمل ما في هذه الروح العاشقة أنها بعفوية شديدة ساعدته في أن يتخفف من صرامة الأكاديمي المحترف، ليتعامل مع الحياة وكأنه هاوٍ، يتلمس أغصانها للمرة الأولى، وهو ما برز على نحو لافت في معظم هذه الترجمات.

شكل ديوانه الأول المشترك مع الشاعر أمجد ريان، وهما في باكورة خطواتهما الشعرية «أغنيات حب للأرض» صرخة عشق للجذور، وبرعم اتساع المسافة والزمن لم تبتعد هذه الروح عن أجواء ديوانه هذا الذي يعود به للشعر، فنحن إزاء ذات أصبحت محاصرةً، في أنفاسها وخطاها وهواجسها، لا ترى العالم إلا من وراء موانع وحواجز فرضتها حتمية التوخي والحظر للوقاية من براثن الوباء المسعور.

يستهل شاهين الديوان الواقع في مائة صفحة بقصيدة «لمن تدق الأجراس»، وفيها يبرز نوعٌ من التناص الناعم مع رواية همنغواي الشهيرة «لمن تقرع الأجراس» التي يصور فيها أهوال الحرب العالمية الثانية، وما ألحقته من دمار وخراب بالعالم، يقول في النص:

«لمن تدق الأجراس؟

سألوه ..

تلفّت الكاهنُ حوله،

تحسَّس حبلَ الجرس،

شاهد السكونَ يلفُّ أرجاء المكان؛

والمذبح خالٍ.

قال: لا أحد

الجميع غادروا دون وداع.

تركوني وحيداً مع الفراغ

تعويضاً عن الغياب

أدق الجرس

بحثاً عن ونس..»

لا يذهب كاهن الكنيسة إلى الحرب كما فعل بطل همنغواي، إنما يواجه حرباً خاصة مع الفراغ الموحش والقاتل، الذي يلف المكان، وأصبحت مقدرته على شد حبل الجرس هي مقياس وجوده، وعلامة على أنه حي.

في القصيدة الثانية «كوفيد - 19»، التي تشعل نحو نصف مساحة الديوان، يتسع المشهد وتتنوع زواياه، وبعين الكاميرا تتجول القصيدة في كل دروب الحياة، راصدة ما طرأ عليها جراء هذا الوباء، في الشوارع والحدائق والمقاهي والحانات، تلتقط ما يدور على ألسنة المسؤولين السياسيين ورجال الشرطة والجيش من همهمات وإشارات مرتجفة وعابرة، وترصد كيف تحولوا إلى مرايا هشة مغبشة بالخوف والألم. ويبلغ المشهد ذروته الشعرية، حين يتحول الصمت الذي يخيم على كل هذه العناصر إلى لغة، ورغم أنها لغة غير منطوقة، خرساء، فإنها استطاعت أن تثبت الصورة في المشهد، وتكشف بسلاسة عما يتناثر في غبارها من مشاعر وعواطف وانفعالات محبطة وصلت إلى حد اليأس وفقدان الأمل... ومن القصيدة نقرأ:

«تتعرى الأشجارُ من عصافيرها

وتغادر الصحراءُ نجومها

يجفُّ النّهر

تاركاً أسماكه

تنزف ما تبقى

من صخب الحياة.

لقد خيم الخراب؛

فلا المدنُ دانت لناسها

ولا الأجساد تمسكت بأرواحها

صار البين بياناً وعلامة.

صورةٌ ثابتةٌ

يقرأ المتحدث الرسمي أرقاماً باردةً

عن مصابين ينتظرون أسِرّة تأويهم،

عن موتى

أو سائرين على طريق الموت

يردد: اليوم أفضل

وغداً ربما لن يكون.

الشوارعُ خاليةٌ،

لا بشرَ، لا سمرَ، لا حياةَ

لا شيءَ على الأسفلت

على الطوار

تحت الأشجار

على حافة الأغصان .

الصمت يعانق سكون الرافعات

لا يهم.

يتساقط القرميد عن أسطح البيوت

لا يهم.

تعوي الرياح أحياناً

نابحة الغياب

لا يهم.

يهطل مطر ثقيل

يضرب النوافذ بقطرات حزينة

لا يه .

في كل صباح

تجاهد الشمسُ كي تجفِّف ما تساقط على وجهها

لا يهم.

يراكم النص مأساوية الحالة، ويكشف عن أبعادها الإنسانية الشائكة، معتمداً على توالي الصور، وتلاحق المشاهد، ويوظف الشاعر آلية التكرار (صورةٌ ثابتهٌ - لا يهُمّ) في بداية المقاطع، وفي اللطشة الأخيرة، لتكثيف المعنى والدلالة، ما بين الثبات والعبث والإحساس باللاجدوى، وفي لهاث شعري، كأنه في سباق مع الزمن لاحتواء الصورة التي أصبحت تستنسخ نفسها في قبضة الموت، وتتكرر مئات المرات يومياً. إنه اختطاف قاسٍ للحياة، بلا وداع ومعزين، بلا صلوت، أو حتى نظرة أخيرة، تعلق في سقف الذاكرة.

لا يرسخ التكرار المعنى فحسب من خلال آلية التشابه، إنما يحاول القبض على اللامعنى، المستتر والمخفي وراء الأشياء والعناصر، والذي لا يقترن بالفقد والغياب المباغت فحسب أيضاً، إنما يقترن أساساً بتراجع الملذات والمسرات، فالإنسان قابع في قبو نفسه، لا يستطيع أن يخرج، أو حتى يفتح النافذة، ليطل على الوجود والحياة. لكن اللافت هنا أن هذه القصيدة الطويلة أصبحت بمثابة اللحن الأساس في الديوان، وما يأتي بعدها من قصائد هو عزف منفرد عليها؛ يلعب على التيمات والعلامات نفسها، لكن بإيقاع خاطف، حيث تتسع المسافة قليلاً بين الذات والموضوع، فلم تعد الذات مشغولة بتثبيت الصورة/ الموضوع في المشهد، بقدر ما أصبحت تتأمله، ليس في حضوره الطاغي المباشر، إنما فيما يخلفه من فجوات وتشققات، تترك ندوباً على العين، وتبقى أثراً على ماض، لم يتخلص بعد من ربكته.

يوحد الشاعر ما بين حضور العشيقة في القصيدة وبين حضور الطبيعة فكلاهما مرتكز للجمال وإثارة الدهشة والأسئلة

وفي مقابل شعرية الموضوع أو الحالة التي طغت على اللحن الأساس في الديوان، تكرس قصائد القسم الأخير منه لما يمكن تسميته «شعرية الذات»، فمن خلالها يحاول الشاعر الخلوص لنفسه، لعالمه الخاص وأشيائه الحميمة، وهو ما يبرز في العناوين الخاطفة لمعظمها مثل «العلامة، غربة، إبحار، ماء، ادعاء، تعميد».. يقول في نص بعنوان «وجهان»:

«لي في هذا العالم وجهان

وجهٌ ارتديته باحثاً عن بدايةٍ للحياة

وظل يرتديني قناعاً لسبعين عاماً.

ما منحني سوى التعب،

وحياة مخضبة بدمٍ

انداح على الرمال بلا ثمن،

وألقى بي إلى واحة الغربة.

في الغربة ارتديتُ وجهاً آخر

اختبأتُ خلفه أربعين عاماً.

حاول أن يغسل الدماءَ التي علقت بملابسي،

ومنحني قلباً ورؤية،

فيما ظلَّ التعبُ كامناً خلفه،

لا راحةَ في القلب»

بنبرة شجن يعري الشاعر أقنعته في الغربة والحياة، وبحكمة الشعر يواجه الاثنين معاً كما يواجه الوباء، ما يذكرنا بصرخة أبي العلاء المعري «تعبٌ كلها الحياةُ فما أعجبَ.. إلا من راغبٍ في ازدياد»، لكنه مع ذلك لا يفقد المقدرة على التصالح معهما، فالحياة بيته، سواء في الغربة أو الوطن، ولا بأس أن يشاكسهما، في هذا الديوان الشيق بمحبة الشعر وروح العاشق معاً.


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.