قطار انتخابات البرلمان الأوروبي ينطلق الخميس... الأهم طوال 45 عاماً

تحمل في طيّاتها مخاطر جنوح الاتحاد نحو المزيد من الانغلاق وبناء الأسوار على حدوده الخارجية

أعلام الاتحاد الأوروبي خارج المفوضية الأوروبية في بروكسل (أرشيفية - رويترز)
أعلام الاتحاد الأوروبي خارج المفوضية الأوروبية في بروكسل (أرشيفية - رويترز)
TT

قطار انتخابات البرلمان الأوروبي ينطلق الخميس... الأهم طوال 45 عاماً

أعلام الاتحاد الأوروبي خارج المفوضية الأوروبية في بروكسل (أرشيفية - رويترز)
أعلام الاتحاد الأوروبي خارج المفوضية الأوروبية في بروكسل (أرشيفية - رويترز)

ينطلق الخميس المقبل قطار الانتخابات الأوروبية ليصل إلى محطته الأخيرة نهاية هذا الأسبوع، في أشرس معركة سياسية من أجل ديمومة النموذج الحالي للمشروع الأوروبي، الذي يتعرّض لتهديدات مصيرية من الداخل والخارج، بسبب من الاهتزازات الجيو - استراتيجية المحيطة به وصعود الأحزاب اليمينية المتطرفة المصممة على إعادة روزنامة الاندماج الأوروبي إلى الوراء.

لا شك في أن هذه الانتخابات، وهي العاشرة منذ أن بدأ مواطنو الاتحاد ينتخبون أعضاء البرلمان الأوروبي مباشرة في العام 1979، تستحق توصيفها بأنها الأهم طيلة 45 عاماً من الانتخابات الأوروبية؛ إذ تحمل في طيّاتها مخاطر جنوح الاتحاد نحو المزيد من الانغلاق وبناء الأسوار على حدوده الخارجية، والتخفيف من الجرعات التضامنية بين أعضائه، وتحصين الجبهة الشرقية التي يؤرقها التهديد الروسي.

أشخاص ينتظرون دورهم لزيارة البرلمان الأوروبي خلال الاحتفال بـ«يوم أوروبا» في 4 مايو 2024 (أ.ب)

كل الدلائل، الأوروبية والدولية، تشير إلى أن أهمية هذا الموعد الانتخابي تتجاوز بكثير جميع الانتخابات الأوروبية السابقة. إنها أول مرة يذهب فيها الأوروبيون إلى صناديق الاقتراع على وقع نواقيس الإنذار بنشوب حرب واسعة على حدودهم الخارجية، في حين تندفع الدول الأعضاء نحو سباق تسلّح تنضمّ إليه المفوضية للمرة الأولى، على حساب الموارد المخصصة للمشاريع الاندماجية الكبرى. ولم يسبق أن كانت انتخابات البرلمان الأوروبي محكّاً للاستقرار السياسي في بلدان وازنة مثل ألمانيا، وفرنسا، وإسبانيا وبولندا.

يقول مصدر أوروبي رفيع تحدثت إليه «الشرق الأوسط» إن الرهان في انتخابات هذه السنة ليس مجرد توزيع عادي للمقاعد بين القوى السياسية، بل هو تحديد البوصلة التي ستوجّه خطى الاتحاد في العقود المقبلة. ويضيف: «إذا انكسر محرّك الاندماج الذي يقوم على الديمقراطيين المسيحيين والاشتراكيين الديموقراطيين، سيتحوّر المشروع الأوروبي ويتجه نحو التفكك التدريجي الذي تسعى إليه الأحزاب القومية واليمينية المتطرفة».

مزارعون أوروبيون يتظاهرون قبل انتخابات البرلمان الأوروبي في بروكسل الثلاثاء (رويترز)

لكن رغم وضوح المشهد والمخاطر المحدقة بالمشروع الأوروبي، تدخل حسابات المواقع والموازين على خط التحالفات لتضيف المزيد من الغموض والقلق على أبواب هذه الانتخابات.

رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين، المرشحة لولاية ثانية، صرّحت منذ أيام بقولها: «لن نسمح لهم بتدمير ما بنيناه معاً»، في إشارة إلى الأحزاب اليمينية المتطرفة، مثل «التجمع الوطني» الذي تقوده الفرنسية مارين لوبان، و«البديل من أجل ألمانيا» اللذين تتهمهما علناً بخدمة المصالح الروسية.

لكن من جهة أخرى، تعرب فون دير لاين عن استعدادها للتعاون مع أحزاب يمينية متطرفة تراها مؤيدة للمشروع الأوروبي، مثل «إخوان إيطاليا» الذي تتزعمه جيورجيا ميلوني المتحالفة مع الإسباني «فوكس» أو «القانون والعدالة» الذي يقوده رئيس الحكومة البولندي السابق جاروسلاو كازينسكي.

رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين في مقابلة تلفزيونية (أرشيفية - إ.ب.أ)

صفارات إنذار

صفّارات الإنذار المحذرة من انهيار المشروع الأوروبي تصدح من كل حدب وصوب.

الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، يجهد لإحياء محور باريس - برلين ويذهب إلى ألمانيا يحضّ الشباب على أن يكونوا السدّ في وجه صعود القوى اليمينية المتطرفة والمناهضة لمشروع الاندماج الأوروبي، ويدعو إلى التبصّر. ويقول: «هذه الأوروبا فانية، ويمكن أن تموت».

ورئيس الوزراء الإيطالي السابق، ماريو دراغي، ينبّه بالقول: «إذا لم تسارع أوروبا إلى التعاضد وتعميق مشروعها الاندماجي، أخشى أنه لن يبقى منها سوى مجرد سوق اقتصادية مشتركة».

من المستجدات التي تحملها أيضاً هذه الانتخابات الأوروبية، أن البرلمان الجديد ستكون له الكلمة الفصل في حسم توزيع مواقع القيادة في مؤسسات الاتحاد، وبالتحديد رئاسة المفوضية التي تطمح إليها مرة ثانية فون دير لاين. فالرؤساء الذين أعيد انتخابهم لقيادة المفوضية، مثل الفرنسي جاك ديلور أو البرتغالي مانويل بارّوسو، لم يخضعوا لحكم البرلمان الأوروبي الذي كان دوره صوريّاً لتثبيت المرشح الذي يقدمه المجلس الأوروبي. لكن بعد التعديلات الأخيرة أصبح انتخاب رئيس المفوضية مرهوناً بمصادقة البرلمان، الذي له أن يرفض مرشّح المجلس ويطلب تقديم مرشح آخر.

دلالة ترشّح فون دير لاين

يمكن القول إن ترشّح فون دير لاين لولاية ثانية يختصر وحده تجاذبات المشهد السياسي الأوروبي على أعتاب هذه الانتخابات. المحافظون الفرنسيون أعلنوا أنهم سيصوّتون ضدها، على غرار أحزاب وسط اليسار الإيطالي، الذي يقوده رئيس الوزراء الأسبق ماتّيو رنزي. بعض الزعماء القوميين المتطرفين، مثل المجري فكتور أوربان، تقوم حملتهم الانتخابية على رفض التجديد لها، في حين يؤكد رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانتشيز، أن الاشتراكيين لن يؤيدوها في حال تحالفها مع اليمين المتطرف.

رئيسة الوزراء الإيطالية جيولاجيا ميلوني تتحدث للإعلام ببروكسل (أرشيفية - د.ب.أ)

هذه المواقف الصريحة والمعلنة من ترشيح فون دير لاين قبل الانتخابات، تظهر أن الناخب الأوروبي يذهب إلى صناديق الاقتراع وهو على بيّنة، للمرة الأولى، من نوايا الطامحة إلى تجديد ولايتها بعد أن أوضحت عزمها، في حال إعادة انتخابها، على إجراء تعديلات عميقة في بنية المفوضية وإدارتها. فقد أعلنت مثلاً أنها سوف تستحدث منصب مفوّض لشؤون الدفاع، مكلّفاً وضع الأسس لسياسة دفاعية أوروبية موحدة، استناداً إلى تجربة «إيرباص» التي نمت بسرعة وأصبحت قادرة على منافسة العملاق الأميركي «بوينغ»، لا، بل تجاوزه في بعض الأسواق. ولم توارب فون دير لاين عند مثولها مؤخراً أمام البرلمان الأوروبي بالقول إن السياسة الدفاعية التي تقترحها للولاية الثانية، تشمل أيضاً تحصين الحدود الخارجية للاتحاد في وجه الهجرة غير الشرعية، وإعادة النظر في توزيع الصلاحيات بين المفوضية والدول الأعضاء في قطاعات كثيرة، ومراقبة الاستثمارات الخارجية.

الخائفون من موجة التطرف اليميني يراهنون على التناقضات الداخلية بين الأحزاب اليمينية، ويرجحون أنها ستكون حائلاً دون انصهارهم ضمن كتلة واحدة تقلب المعادلة داخل البرلمان الأوروبي المقبل. لكن التجربة الإيطالية التي أوصلت جيورجيا ميلوني إلى الحكم، على رأس ائتلاف يجمع بين اليمين البرلوسكوني المحافظ واليمين القومي المتطرف الروسي الهوى وحزب الفاشيين الجدد، تنذر بأن التحالف ممكن بين الأضداد في الساحة اليمينية، عندما يكون الهدف ليس الخروج من النادي الأوروبي، بل تغييره بشكل جذري من الداخل.

ماذا ينتخب الأوروبيون؟ وكيف يصوّتون؟

ينتخب الأوروبيون هذا الأسبوع 720 عضواً في البرلمان الأوروبي، يتجددون مرة كل خمس سنوات، وفقاً للقوانين الانتخابية السارية في كل من الدول الأعضاء. عدد السكان هو المعيار الذي يحدد مقاعد كل دولة، لكن الدول الصغيرة، مثل مالطا وقبرص ولوكسمبورغ، تتمتع بأفضلية تحول دون تهميشها وتؤمّن لها 6 مقاعد، في حين أكبر الدول من حيث عدد السكان، ألمانيا، لها 96 مقعداً. بذلك يمثّل عضو البرلمان الأوروبي من مالطا 90 ألف مواطن من بلاده بينما يمثل العضو الألماني 900 ألفاً.

رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا ميتسولا (أرشيفية - أ.ب)

تتميّز الانتخابات الأوروبية عادة بتدنّي نسبة المشاركة التي بلغت 50 في المائة في الدورة الأخيرة عام 2019 وكان تعدّ جيدة بعد أن كانت تتراوح حول 40 في المائة في الدورات السابقة.

في الجلسة الأولى للبرلمان الجديد يتوزع الأعضاء في كتل سياسية عابرة للجنسيات وفقاً لمشاربهم الآيديولوجية. يضمّ البرلمان الحالي 6 كتل بين محافظين وتقدميين وليبراليين، إضافة إلى كتلة متنوعة تجمع المستقلين والأحزاب الصغيرة. ويقتضي تشكيل الكتلة البرلمانية أن تضمّ عدداً لا يقلّ عن 23 عضواً يمثّلون ست دول في الأقل، أي ربع الدول الأعضاء في الاتحاد.

الكتلة الأكثر عدداً في البرلمان الحالي هو الحزب الشعبي الأوروبي، الذي يقوده الديموقراطيون المسيحيون الألمان والحزب الشعبي الإسباني. في المرتبة الثانية الكتلة الاشتراكية الديموقراطية، التي يتزعمها الحزب الاشتراكي الحاكم في إسبانيا، تليها الكتلة الليبرالية، ثم كتلتان من اليمين المتطرف واثنتان يساريتان.

تشير آخر التوقعات إلى أن البرلمان الأوروبي الجديد سيجنح أكثر نحو اليمين، حيث من المتوقع أن يحصل الحزب الشعبي على 180 مقعداً، مقابل 138 للاشتراكيين و 86 لليبراليين، بحيث يزيد رصيد التحالف المعتدل على 400 مقعد في الولاية الاشتراعية المقبلة. وينتظر أن تزيد الأحزاب اليمينية المتطرفة رصيدها بنسبة 3 في المائة في البرلمان الجديد، وفي طليعتها كتلتا الإصلاحيين والمحافظين (إخوان إيطاليا وفوكس) اللتان من المتوقع أن تحصلا على 75 مقعداً، ثم الهوية والديموقراطية (مارين لوبان) 68 مقعداً. وفي حال تأكدت هذه التوقعات، سيكون في مقدور القوى اليمينية والقومية المتطرفة، خاصة إذا جاء تجديد ولاية فون دير لاين مرهوناً بتأييدها، أن تفرض تدابير أكثر تشدداً ضد الهجرة، وتكبح مسار الميثاق الأخضر، وتعيد مركز القرار في مجالات كثيرة إلى الدائرة الوطنية.


مقالات ذات صلة

استعدادات للانتخابات البرلمانية في الحسكة السورية

المشرق العربي اجتماع اللجنة العليا في محافظة الحسكة والفريق الرئاسي (فيسبوك)

استعدادات للانتخابات البرلمانية في الحسكة السورية

بدأت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب السوري الخطوات العملية لإجراء الانتخابات في محافظة الحسكة، شمال شرقي سوريا.

سعاد جروس (دمشق)
شمال افريقيا رئيس سلطة الانتخابات مع وزير الشباب ومستشارين بالرئاسة في لقاء مع كوادر من هيئة الانتخابات (السلطة)

«عراقيل» الترشح للانتخابات الجزائرية تفجر جدلاً سياسياً حادّاً

يحتدم جدل كبير في الجزائر حالياً بين هيئة تنظيم الانتخابات وأحزاب المعارضة، بخصوص «تأخر» المصادقة على الترشيحات الخاصة بالاستحقاق التشريعي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
المشرق العربي عناصر من «البيشمركة» يتموضعون تحت صورة لمسعود بارزاني في كركوك (أرشيفية - إ.ب.أ)

بارزاني يهاجم «صفقات مشبوهة» شمال العراق

أعلن مسعود بارزاني رئيس «الحزب الديمقراطي الكردستاني» رفضه لمخرجات التوافق السياسي الأخير في محافظة كركوك شمال العراق؛ ما أفضى إلى تغيير منصب المحافظ.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي رئيس الحكومة محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

مناورات تشكيل الحكومة العراقية تدخل مرحلة حاسمة

دخلت القوى السياسية العراقية مرحلة حاسمة في تشكيل الحكومة الجديدة، في وقت قرر فيه "الإطار التنسيقي" تأجيل اجتماع حاسم إلى السبت المقبل.

حمزة مصطفى (بغداد)
شمال افريقيا السكرتير الأول لجبهة القوى الاشتراكية في تجمع دعائي بشرق العاصمة تحسباً للانتخابات التشريعية (إعلام حزبي)

الجزائر: سباق انتخابي تحت ضغط شكوك «النزاهة»

أطلقت الأحزاب الجزائرية حملة مزدوجة تحسباً للانتخابات التشريعية، المقررة في 2 يوليو (تموز) المقبل، تتركز في مسارين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

شرطة لندن: لا مواد خطرة ضمن أغراض عُثر عليها قرب سفارة إسرائيل

السفارة الإسرائيلية في لندن (إ.ب.أ)
السفارة الإسرائيلية في لندن (إ.ب.أ)
TT

شرطة لندن: لا مواد خطرة ضمن أغراض عُثر عليها قرب سفارة إسرائيل

السفارة الإسرائيلية في لندن (إ.ب.أ)
السفارة الإسرائيلية في لندن (إ.ب.أ)

أعلنت الشرطة البريطانية اليوم (السبت) أنها لم تعثر على أي مواد خطرة ضمن الأغراض التي عُثر عليها قرب السفارة الإسرائيلية في لندن، وأنها أعادت فتح حدائق كينزنغتون بعد التحقيق في ادعاء نُشر على الإنترنت يفيد باستهداف الموقع بطائرات مسيّرة.

وكانت جماعة حركة «أصحاب اليمين» المؤيدة لإيران قد نشرت مقطعاً مصوراً تضمن لقطات لطائرات مسيّرة وشخصين يرتديان ملابس واقية، بالإضافة إلى رسالة تفيد باستهداف السفارة الإسرائيلية في لندن، وفق «رويترز».

عناصر من الشرطة قرب السفارة الإسرائيلية في حين تحقق شرطة مكافحة الإرهاب في أغراض وُجدت داخل حدائق كنزينغتون بلندن (إ.ب.أ)

وقال أحد قادة وحدة مكافحة الإرهاب في لندن: «رغم أن السفارة الإسرائيلية لم تتعرض لهجوم، فإننا نواصل العمل عن كثب مع السفارة وفريق أمنها لضمان سلامة الموقع وأمنه».

وأضافت الشرطة: «على الرغم من أن الأغراض التي عُثر عليها وُصفت بأنها غير خطرة، فإننا نواصل التحقيق لمعرفة ما إذا كان لها أي صلة بالفيديو المنشور على الإنترنت».


أوكرانيا تقصف مصفاتين روسيتين وميناءً على بحر البلطيق

ضباط إنفاذ قانون أوكرانيون يفتشون أجزاء من طائرة مسيّرة في موقع هجوم جوي روسي على خاركيف 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ضباط إنفاذ قانون أوكرانيون يفتشون أجزاء من طائرة مسيّرة في موقع هجوم جوي روسي على خاركيف 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

أوكرانيا تقصف مصفاتين روسيتين وميناءً على بحر البلطيق

ضباط إنفاذ قانون أوكرانيون يفتشون أجزاء من طائرة مسيّرة في موقع هجوم جوي روسي على خاركيف 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ضباط إنفاذ قانون أوكرانيون يفتشون أجزاء من طائرة مسيّرة في موقع هجوم جوي روسي على خاركيف 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

كثّفت القوات الأوكرانية هجماتها على مستودعات ومصافي النفط الروسية، التي تُعدّ من المصادر الرئيسية لتمويل المجهود الحربي لموسكو، مستهدفة في بعض الأحيان مواقع تبعد آلاف الكيلومترات عن الحدود الأوكرانية. وفي المقابل، انتقدت كييف قرار الولايات المتحدة بتجديد الإعفاء الذي يسمح للدول بشراء النفط الروسي الخاضع للعقوبات والمنقول بحراً، معتبرةً أنه يعوّض موسكو عن تراجع إجمالي شحناتها اليومية بنحو 880 ألف برميل نتيجة الهجمات الأوكرانية.

وذكر مسؤولون محليون روس خلال الليل ​أن طائرات مسيّرة أوكرانية قصفت مدينتين صناعيتين على ضفاف نهر الفولغا، إضافة إلى ميناء على بحر ‌البلطيق بالقرب ‌من سانت بطرسبرغ ​مخصص ‌لتصدير ⁠المنتجات ​النفطية.

جنود أوكرانيون يحملّون قذيفة من «عيار 152 ملم» لمدفع «هاوتزر» قبل إطلاقها باتجاه القوات الروسية في موقع على خط المواجهة بمنطقة زابوريجيا بأوكرانيا يوم 9 أبريل 2026 (رويترز)

وأكد فياتشيسلاف فيدوريشيف، حاكم منطقة ‌سامارا، وقوع هجمات على أهداف صناعية في مدينتي ⁠سيزران ⁠ونوفوكويبيشيفسك، على بُعد نحو 1800 كيلومتر جنوب شرقي فيسوتسك. ولم يذكر أسماء المنشآت، لكن المدينتين تضمان مصافي نفط تعرضت لضربات متكررة خلال الحرب ​في ​أوكرانيا.

وفي منطقة ⁠لينينغراد، قال الحاكم المحلي ألكسندر دروزدينكو إنه جرى إخماد حريق في ميناء فيسوتسك ⁠الذي يضم محطة ‌تديرها ‌شركة «لوك أويل» ​وتتعامل ‌مع تصدير زيت ‌الوقود والنفتا ووقود الديزل وزيت الغاز الفراغي.

وفي بيان نشر على تطبيق «تلغرام»، أقر روبرت بروفدي قائد سلاح الطائرات المسيّرة الأوكرانية بالهجوم على الميناء، قائلاً إن القوات الأوكرانية هاجمت أيضاً مصافي نفط في مدينتي نوفوكويبيشيفسك وسيزران بمنطقة سامارا. وتعرّض الموقعان لهجمات متكررة خلال الحرب الروسية في أوكرانيا. وكتب ساخراً: «لنجعل النفط الروسي عظيماً مجدداً».

كما انتقد بروفدي، كما نقلت عنه عدة وكالات أنباء دولية، قرار الولايات المتحدة بتجديد الإعفاء الذي يسمح للدول بشراء النفط الروسي الخاضع للعقوبات المنقول بحراً. إذ مددت وزارة الخزانة الأميركية، الجمعة، وقف فرض عقوبات على شحنات النفط الروسية لتخفيف النقص الناجم عن حرب إيران، بعد أيام من استبعاد وزير الخزانة سكوت بيسنت مثل هذه الخطوة.

رئيسة الوزراء الأوكرانية يوليا سفيريدينكو خلال لقاء صحافي في السفارة الأوكرانية في واشنطن (رويترز)

وقال بروفدي إن سلسلة من الهجمات الجوية في الآونة الأخيرة على مستودعات النفط الروسية في بريمورسك وأوست لوغا وشيسخاريس وتوابسي أدّت إلى خفض إجمالي شحنات النفط اليومية بنحو 880 ألف برميل. وأضاف أن مستودعاً نفطياً في سيفاستوبول، التي تحتلها روسيا في شبه جزيرة القرم، تعرض أيضاً لهجوم السبت.

وفي سياق متصل، أعلنت السلطات في منطقة كراسنودار جنوب روسيا، السبت، إخماد حريق اندلع في مستودع نفطي في تيخوريتسك، وآخر في محطة نفطية بميناء توابسي على البحر الأسود، بعد أن كانا قد اشتعلا منذ يوم الخميس. وأكدت السلطات أن الحريقين ناتجان عن غارات بطائرات مسيّرة أوكرانية.

من جانبها، قالت وزارة الدفاع الروسية إنها دمّرت 258 طائرة مسيّرة أوكرانية خلال الليل فوق 16 منطقة روسية، إضافة إلى شبه جزيرة القرم التي ضمّتها موسكو، فضلاً عن البحرين الأسود وأزوف.

ردود فعل أسرى حرب روس عقب عملية تبادل أسرى ووصولهم إلى قاعدة «جوكوفسكي» العسكرية خارج موسكو (إ.ب.أ)

في المقابل، ذكر مسؤولون أوكرانيون أن الهجمات الروسية ​التي وقعت خلال الليل ألحقت أضراراً بالبنية التحتية لميناء في منطقة أوديسا الجنوبية بأوكرانيا، ‌وتسببت في ‌انقطاع ​التيار الكهربائي ‌عن ⁠380 ​ألف مستهلك ⁠في شمال البلاد. وقال أوليج كيبر، حاكم منطقة أوديسا على تطبيق ⁠«تلغرام» إن طائرات مسيّرة ‌ألحقت ‌أضراراً بمستودعات ​زراعية ‌ومخازن ومبانٍ ‌إدارية. وأضاف أنه لم تقع إصابات. وذكرت الشركة المحلية المسؤولة عن ‌توزيع الكهرباء في منطقة تشيرنيهيف على تطبيق ⁠«تلغرام» ⁠أن القوات الروسية استهدفت أيضاً منشأة للطاقة في المنطقة الواقعة بشمال أوكرانيا.

وأضاف مسؤولون أوكرانيون، السبت، أن شخصاً قُتل وأصيب 12 آخرون في هجمات روسية وقعت ليل الجمعة-السبت عبر أوكرانيا. وقال القائد المحلي في مدينة ميكوليفكا، فاديم فيلاشكين، في منشور على مواقع التواصل الاجتماعي إن شخصاً قُتل في غارة على المدينة الواقعة بمنطقة دونيتسك بشرق أوكرانيا. كما أصيب 26 شخصاً على الأقل في هجمات عبر شمال وشرق أوكرانيا، بما في ذلك قصف استهدف البنية التحتية للموانئ في مدينة أوديسا.

الحدود البيلاروسية البولندية القريبة من مدينة بريست (رويترز)

من جانب آخر، حذّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بيلاروسيا من أي تورط آخر في الحرب التي تشنّها روسيا ضد بلاده، مشيراً إلى أنه عليها أن تعتبر بما حل بزعيم فنزويلا السابق.

وقال زيلينسكي: «إن طبيعة ما جرى مؤخراً في فنزويلا، وتداعيات الأحداث هناك، ينبغي أن تمنع قيادة بيلاروسيا من ارتكاب أخطاء مماثلة».

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، نفذ الجيش الأميركي عملية عسكرية في فنزويلا، أسفرت عن اعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما إلى نيويورك؛ حيث لا يزالان محتجزين حتى الآن، ويواجهان تهماً من بينها التآمر لتهريب المخدرات.

وكشف زيلينسكي أن الاستخبارات الأوكرانية رصدت توسيع بيلاروسيا شبكة طرقها وبناء مواقع مدفعية في مناطق قريبة من الحدود مع أوكرانيا. ولم يُقدّم الرئيس الأوكراني أدلة ملموسة على تلك الأنشطة داخل بيلاروسيا.

وكانت روسيا قد استخدمت أيضاً الأراضي البيلاروسية منطلقاً لغزوها الشامل لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022. وأضاف زيلينسكي: «نحن نفترض أن روسيا ستحاول مجدداً جرّ بيلاروسيا إلى حربها» ضد أوكرانيا.

وأوضح أنه كلّف «الجهات المعنية» بتوجيه تحذير إلى مينسك من العواقب المحتملة، مؤكداً أن أوكرانيا مستعدة للدفاع عن أراضيها واستقلالها.

وأعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مقتل 5 أشخاص على الأقل بعدما فتح مسلّح النار واتّخذ رهائن في متجر بكييف، في حين أكدت السلطات مقتل المشتبه به في أثناء محاولة توقيفه.

وجاء في منشور للرئيس الأوكراني على منصة «إكس»: «حالياً، تأكّد مقتل 5 أشخاص. تعازيّ للعائلات والأحباء. هناك حالياً 10 أشخاص يُعالَجون في المستشفى لإصابتهم بجروح وصدمات»، لافتاً إلى «إنقاذ أربعة رهائن».

وسبق ذلك إعلان وزير الداخلية إيغور كليمنكو أن المشتبه به قُتِل بعدما «اتخذ الناس رهائن وأطلق النار على عناصر الشرطة في أثناء محاولة توقيفه».


تركيا: انسحاب أميركا من البنية الأمنية الأوروبية قد يكون مدمراً

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يتحدث خلال فعالية في المنتدى الدبلوماسي بأنطاليا (أ.ب)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يتحدث خلال فعالية في المنتدى الدبلوماسي بأنطاليا (أ.ب)
TT

تركيا: انسحاب أميركا من البنية الأمنية الأوروبية قد يكون مدمراً

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يتحدث خلال فعالية في المنتدى الدبلوماسي بأنطاليا (أ.ب)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يتحدث خلال فعالية في المنتدى الدبلوماسي بأنطاليا (أ.ب)

قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، اليوم السبت، إن المناقشات جارية حول كيفية إدارة آثار انسحاب محتمل للولايات المتحدة من «البنية الأمنية الأوروبية»، أو التخفيف من تلك الآثار.

ولم يقدم أي تفاصيل عن هذه المناقشات، لكنه قال إن مثل هذا الانسحاب من جانب الولايات المتحدة قد يكون «مدمراً» لأوروبا إذا تم تنفيذه بطريقة غير منسقة، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وهدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في وقت سابق، بسحب بلاده من حلف شمال الأطلسي (ناتو) بعد أن رفض الأعضاء الأوروبيون في التحالف العسكري الغربي إرسال سفن لفتح مضيق هرمز عقب اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

وأدى قرارهم هذا إلى تفاقم الخلافات داخل التكتل، والتي كانت قد ازدادت بالفعل منذ أن أعلن ترمب رغبته في الاستحواذ على غرينلاند.

وقال فيدان في جلسة نقاشية خلال منتدى دبلوماسي في أنطاليا بجنوب تركيا: «نناقش بشكل مكثف كيفية إدارة آثار انسحاب الولايات المتحدة من البنية الأمنية الأوروبية أو التخفيف من تلك الآثار. ليس بشكل كامل، ولكن جزئياً. حتى الانسحاب الجزئي... سيكون مدمراً للغاية لأوروبا إذا لم يتم تنفيذه بطريقة منسقة».

وقال فيدان، الذي تنتمي بلاده إلى حلف شمال الأطلسي، لكنها ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي، إنه كان يعبّر منذ فترة طويلة عن شكواه من أن دول الاتحاد الأوروبي في الحلف «تتصرف وكأنها ناد منفصل»، وإنها كانت تتخذ قراراتها بمفردها، حتى لو كان ذلك يتعارض مع موقف الحلف.

وأضاف: «هل تريدون أن تكونوا منظمة منفصلة تابعة للاتحاد الأوروبي داخل حلف الأطلسي؟ حسناً، قالت أميركا: (سأتخلى عنكم وسأقطع علاقاتي بكم)».

ودعا فيدان أعضاء الحلف، هذا الأسبوع، إلى استغلال قمة حلف شمال الأطلسي التي ستعقد في أنقرة في يوليو (تموز) بوصفها فرصة لإعادة ضبط العلاقات مع ترمب وواشنطن، مع الاستعداد لاحتمال تقليص انخراط الولايات المتحدة.