السعودية ترفع طاقتها الخدمية لتنظيم أكبر تجمع بشري للحجاج

الجهات الحكومية والأهلية تحشد كوادرها البشرية والرقمية لإدارة الحشود وتنظيمها

استقبال الحجاج القادمين وتوجيههم وإيصالهم إلى وجهاتهم (واس)
استقبال الحجاج القادمين وتوجيههم وإيصالهم إلى وجهاتهم (واس)
TT

السعودية ترفع طاقتها الخدمية لتنظيم أكبر تجمع بشري للحجاج

استقبال الحجاج القادمين وتوجيههم وإيصالهم إلى وجهاتهم (واس)
استقبال الحجاج القادمين وتوجيههم وإيصالهم إلى وجهاتهم (واس)

تُعد شعيرة الحج من أكبر الحشود وأكثرها تنوعاً، جغرافياً وعِرقياً وثقافياً على مستوى العالم، ويُعد حشد الحجاج من الحشود المليونية، ويمثل حجم وتنوع حشود الحجيج، طوال فترة الشعيرة، تحدياً هائلاً للجهات الحكومية السعودية بمختلف فئاتها ومسمّياتها التي تسهم بطريقة مباشرة في إنجاح إدارة الحشود طيلة فترة إقامة الشعيرة.

وتعمل السعودية على حشد طاقتها في خدمة ضيوف الرحمن، عسكرياً وصحياً ولوجستياً؛ استعداداً لإدارة أكبر تجمع بشري على وجه الأرض، بأكثر من مليونيْ حاج في مساحة ضيقة، حيث تسهم ‏وزارة الداخلية السعودية، إلى جانب ‏وزارة الدفاع، و‏وزارة الصحة، ووزارة التجارة، و‏هيئة الأمن السيبراني، و‏الهيئة العامة للطيران المدني، و‏هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات، و‏وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، و‏الهيئة العامة للإحصاء، ‏وأمانة منطقة مكة المكرمة، ومطار الملك عبد العزيز الدولي، و‏شركة سار للخطوط الحديدية، و‏شركة المياه الوطنية، والشركة السعودية للكهرباء، وعدد من الجهات الحكومية، التي تحشد طاقتها البشرية والرقمية في إدارة الحشود وتنظيمها.

جاهزية المشاعر المقدسة

وتشهد المشاعر المقدسة، خلال هذه الأيام، أعمال وتجهيزات واستعدادات لاستقبال حجاج بيت الله الحرام، لحج هذا العام 1445، حيث انتهى تجهيز المخيمات وتزويدها بالاحتياجات الضرورية كافة لينعم ضيوف الرحمن بأداء مناسكهم بكل يسر وسهولة في أجواء من الطمأنينة والروحانية.

وتُواصل القطاعات الحكومية والأهلية، المعنية بخدمة الحجاج وضيوف الرحمن، جهودها وفق الخطط التشغيلية، حيث راعت فيها تغطية الجوانب الإدارية والفنية الميدانية؛ بهدف توفير كل ما يحتاج إليه الحاج تحقيقاً لتوجيهات القيادة. وجهزت أمانة العاصمة المقدسة عدداً من الفِرق الميدانية، التي تعمل على مدار الساعة للإشراف والمتابعة على أعمال صيانة الطرق والإنارة، بالإضافة للأرصفة والمرافق العامة؛ للتأكد من سلامتها واستخدامها بكفاءة عالية، وذلك استعداداً لموسم حج عام 1445هـ.

ونُفّذت اختبارات الجودة للطرق المؤدية إلى المشاعر المقدسة، عن طريق مختبر المواد، تحت إشراف مهندسين متخصصين وفِرق فنية مؤهلة، بالإضافة لأعمال معالجة وصيانة أعمدة الإنارة بواقع 4767 عموداً وبرج إنارة بالمشاعر المقدسة، وصيانة 123 جسراً في مكة المكرمة، و20 جسراً في المشاعر المقدسة، بالإضافة لاستكمال أعمال الصيانة لـ58 نفقاً؛ منها 48 للمركبات، و10 أنفاق للمشاة، بإجمالي أطوال 34000 متر.

المشاعر المقدسة جاهزة لاستقبال الحجاج (واس)

كما جهزت أمانة العاصمة المقدسة عدداً من مراكز الخدمات بالمشاعر المقدسة وفق التوزيع الجغرافي، وجرى تزويدها بالأجهزة والآليات والقوى البشرية.

في حين أكملت شركات الطوافة استعداداتها من خلال تجهيز مراكز الخدمة الميدانية التابعة لها، استعداداً لنقل ضيوف الرحمن، وتقديم أفضل وأرقى الخدمات لهم، حيث جُهِّزَت مخيمات حديثة بمواصفات عالمية تتميز بالعزل للضوء والحرارة ومقاومة للحريق، وواقية من الأشعة فوق البنفسجية، وترتبط كل خيمة بنظام تبريد خاص، كما تتوفر بها وسائل الأمن والسلامة للتمديدات الكهربائية، والخدمات المساندة، إضافة إلى توفير الخدمات الصحية، والنوعية في الوجبات الغذائية، وطريقة تقديمها للحجاج، وذلك ارتقاءً بمنظومة الخدمات المقدمة لضيوف بيت الله الحرام.

كما تواصل شركات الطوافة فرضيات التأكد من أنظمة تشغيل النقل الترددي في المشاعر المقدسة، حيث تشتمل على تفقُّد طرق ومسارات حافلات النقل الترددي، والتأكد من اتباع الخطط المخصصة لنقل الحجاج، وذلك وفق الجداول والأوقات المحددة من النقابة العامة للسيارات في مكة المكرمة.

تبريد الأسطح الإسفلتية في المشاعر المقدسة لتخفيف درجة الحرارة (واس)

تبريد الأسطح الإسفلتية

وستقوم الهيئة العامة للطرق، وبالشراكة مع عدد من الجهات ذات العلاقة، بالتوسع في تجربة تبريد الأسطح الإسفلتية في عدد من المواقع بالمشاعر المقدسة، حيث قامت الهيئة، وبالشراكة مع الجهات ذات العلاقة، بتنفيذ هذه المبادرة، بجانب مسجد نمرة في مشعر عرفات، وذلك بمساحة 25 ألف متر مربع.

وتهدف هذه التجربة لخفض درجة الحرارة في الأحياء والمناطق السكنية، وتقليل الطاقة المستخدمة في تبريد المباني، وتقليل آثار تغير المناخ، كما تسهم هذه التقنية في توفير بيئة أكثر راحة بمناطق الانتظار، والمناطق التي يتجمع فيها الناس.

إدارة الحشود صحياً

وأعلن تجمع مكة المكرمة الصحي جاهزيته لموسم حج هذا العام 1445هـ باكتمال الخطط التشغيلية لجميع المستشفيات والمراكز الصحية التابعة في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة لتقديم خدمات طبية متكاملة على أعلى مستوى وفق خطط تنظيمية تشرف عليها وزارة الصحة، من خلال تجهيز 18 مستشفى، و126 مركزاً صحياً في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة.

خدمات صحية خلال استقبال الحجاج القادمين (واس)

وأعدَّت هيئة الهلال الأحمر السعودي، ممثلة بوحدة الإمداد والتجهيز الطبي بحج هذا العام 1445هـ، عملية تموين وتزويد سيارات الإسعاف المشارِكة في الحج عن طريق (صناديق مستهلكات التموين الطبي)، حيث يجري تجهيز كل سيارة إسعاف بثلاث فئات مختلفة.

وجُهزت وحدة التموين الطبي بأكثر من 10 آلاف صندوق يحتوي على عشرة ملايين قطعة من المستهلكات الطبية، بالإضافة إلى وجود رصيد احتياطي يقدَّر بـ5 ملايين قطعة طبية في نقاط الإمداد يَسهل من خلالها تأمين الميدان بشكل مستمر ودون انقطاع.

مُعدات طبية يجري تجهيزها لسيارات الإسعاف (واس)

ويستطيع نظام صناديق المستهلكات، بفئاته الثلاث، تقديم الخدمة الطبية الطارئة لـ(20 - 30) حالة طارئة عادية، و (15 - 20) حالة حادة وحرجة، بخلاف احتواء كل سيارة إسعاف على مواد أساسية من أجهزة صدمات وأسطوانة أكسجين وجهاز قراءة العلامات الحيوية، بالإضافة لأجهزة شفط السوائل والألواح الخشبية والجبائر العنقية وتثبيت الأطراف.

1.6 مليون مقعد على قطار الحرمين السريع

وتُواكب الخطوط الحديدية السعودية «سار»، بالتنسيق مع الشركة المُشغلة، الطلب المتوقع على رحلات قطار الحرمين السريع، خلال موسم حج هذا العام، بخطة من خلال تشغيل أكثر من 3800 رحلة قطار ستسهم في توفير سَعة مقعدية تتجاوز 1.6 مليون مقعد، وذلك بزيادة تتجاوز المائة ألف مقعد، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

ويُعد قطار الحرمين السريع من أسرع 10 قطارات كهربائية في العالم، إذ تبلغ سرعته 300 كم في الساعة مستخدماً أنظمة إشارات واتصالات متطورة، لذا فهو يُعد مكوناً أساسياً في خطة التطوير وبرنامج التوسع في شبكة الخطوط الحديدية السعودية.

ويربط هذا المشروع بين المدينتين الرئيسيتين في المنطقة الغربية، ويلبي الطلب المُتنامي لخدمة الأعداد المتزايدة من الحجاج الداخليين والخارجيين، ويخفف الازدحام على الطرق في مكة المُكرمة والمدينة المنورة وجدة.

قطار الحرمين السريع يرفع طاقته الاستيعابية للحجاج (واس)

ويُشغَّل قطار الحرمين السريع بعدد 35 قطاراً كهربائياً، تبلغ الطاقة الاستيعابية للقطار الواحد منها 417 راكباً، من خلال 13 عربة؛ مقسمة إلى 4 مقصورات لدرجة الأعمال، و8 مقصورات للدرجة السياحية، ومقصورة مطعم، فيبلغ بذلك عدد مقاعد درجة الأعمال 113 مقعداً، في حين يبلغ عدد مقاعد الدرجة السياحية 304 مقاعد.

وضمن مساعي الخطوط الحديدية السعودية لإثراء تجربة المسافرين عبر قطار الحرمين السريع، فقد دشنت مؤخراً صالة كبار الشخصيات في محطات القطار الواقعة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، إضافة إلى محطة القطار في مدينة جدة (السليمانية)، كما قامت «سار» بتحديث وتشغيل صالات مبيعات التذاكر في محطات مكة المكرمة والمدينة المنورة ومحطة جدة الرئيسية، لتكون منفذاً من ضمن منافذ البيع الخاصة بالتذاكر، والتي تضم أيضاً أجهزة المبيعات الذاتية في المحطات، والتطبيق الإلكتروني، والموقع الإلكتروني، ومركز الحجز الهاتفي.

طريق مكة

تُشكّل مبادرة «طريق مكة»؛ إحدى مبادرات وزارة الداخلية، دوراً حيوياً في تسهيل إجراءات دخول الحجاج المملكة العربية السعودية، وهي ضمن مبادرات برنامج خدمة ضيوف الرحمن؛ أحد برامج «رؤية السعودية 2030».

يجري تنفيذ هذه المبادرة بنجاح، بالتعاون مع وزارات: الخارجية، والصحة، والحج والعمرة، والإعلام، إضافة إلى الهيئات الأخرى، مثل الهيئة العامة للطيران المدني، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا»، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن.

مبادرة طريق مكة تواصل تقديم خدماتها للحجاج (واس)

وتعمل وزارة الداخلية على تكريس جميع الإمكانيات لتبسيط إجراءات دخول مستفيدي المبادرة من صالات المبادرة في مطارات دولهم إلى مطاري الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة، والملك عبد العزيز الدولي بمحافظة جدة، بأحدث التقنيات، ويُشغلها كوادر بشرية مؤهلة تتحدث بلغات ضيوف الرحمن.

وتسهل وزارة الخارجية إجراءات التأشيرات للحجاج، وتقدم الدعم اللازم لهم قبل وصولهم، بينما تلتزم وزارة الصحة بتوفير الرعاية الصحية والفحوصات؛ لضمان سلامة الحجاج، كما تسهم وزارة الحج والعمرة في تنظيم وتوجيه الحجاج لسير العملية بكفاءة.

بدورها، تنسق الهيئة العامة للطيران المدني الرحلات الجوية وتوفر الخدمات اللوجستية، وتدير هيئة الزكاة والضريبة والجمارك العمليات الجمركية لسلامة الحجاج، كما تستخدم «سدايا» تقنياتها المتقدمة لتحسين وتسريع الإجراءات.

الجوازات السعودية تقدم تسهيلات للحجاج القادمين (واس)

وتهدف مبادرة «طريق مكة» إلى إنهاء جميع إجراءات دخول مستفيدي المبادرة قبل وصولهم، مما يسهم بشكل كبير في تسهيل هذه العملية وتوفير الوقت، بفضل استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

وتسعى المبادرة إلى تقديم خدمات مُيسرة وسريعة، وجعل تجربة الحجاج أكثر راحة؛ تحقيقاً لأهداف «رؤية 2030» في تحسين الخدمات المقدَّمة لضيوف الرحمن.

وينعكس نجاح مبادرة «طريق مكة» في التعاون المثمر مع الجهات والهيئات الحكومية، لتقديم أفضل الخدمة لضيوف الرحمن.


مقالات ذات صلة

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

الخليج مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

تواصل مبادرة «طريق مكة» ترسيخ نموذجها الفريد الذي أعاد تعريف رحلة الحج منذ لحظتها الأولى، وجاعلاً من السلاسة عنواناً، ومن الكرامة أولوية، ومن التقنية شريكاً.

عزيز مطهري (الرياض)
الخليج تحرص السعودية على تمكين الحجاج من أداء مناسكهم في بيئة آمنة ومنظمة (تصوير: محمد المانع)

السعودية تُشدِّد على إلزامية تصريح الحج

شدَّدت السعودية على ضرورة التزام مكاتب شؤون الحجاج بتوعية ضيوف الرحمن بضرورة الحصول على التصريح الرسمي لأداء مناسك الحج لهذا العام، واتباع المسارات النظامية.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج «الجوازات» السعودية سخَّرت جميع إمكاناتها لتسهيل إجراءات دخول الحجاج عبر المنافذ الدولية (واس)

السعودية تبدأ استقبال طلائع الحجاج

أكملت السعودية جاهزيتها لاستقبال حجاج هذا العام الذين يبدأون، السبت، التوافد على البلاد من مختلف أنحاء العالم وسط خدمات متكاملة، ليؤدوا مناسكهم بيسر وطمأنينة.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج تعمل مبادرة «طريق مكة» على إنهاء إجراءات الحجاج في بلدانهم بكل يسر وسهولة (واس)

السعودية تواصل تنفيذ مبادرة «طريق مكة» في 10 دول

تواصل وزارة الداخلية السعودية تنفيذ مبادرة «طريق مكة» في المغرب وإندونيسيا وماليزيا وباكستان وبنغلاديش وتركيا وساحل العاج والمالديف والسنغال وبروناي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج وزارة الداخلية السعودية شدَّدت على أهمية الالتزام بأنظمة وتعليمات الحج (واس)

السعودية: غرامات تصل إلى 26 ألف دولار لمخالفي أنظمة الحج

أعلنت وزارة الداخلية السعودية العقوبات المقررة بحق مخالفي التعليمات التي تقضي بالحصول على تصريح لأداء الحج، حيث تتضمن غرامات مالية تصل إلى 26.6 ألف دولار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

خلال 40 يوماً من الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ابتداءً من 28 فبراير (شباط) الماضي، ظهر موقف الجماعة الحوثية بوصفه من أكثر المواقف إثارة للتساؤل في الأوساط السياسية والعسكرية، ليس نتيجة ما قامت به الجماعة، بل بسبب ما امتنعت عنه؛ حيث لم يرتقِ دورها إلى المستوى الذي يترجم شعار «وحدة الساحات» كما الحال مع «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية المسلحة.

فالجماعة التي اكتسبت حضورها الإقليمي بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عبر تصعيدها في البحر الأحمر وخليج عدن والهجمات ضد إسرائيل، مع رفعها شعار «وحدة الساحات» عنواناً لتحالفاتها، بدت هذه المرة أكثر تحفظاً، مكتفية بأدوار أدائية محدودة مقارنة مع خطابها المرتفع، في سلوك يعكس -وفق تقديرات مراقبين- انتقالاً واضحاً من التعبئة الآيديولوجية إلى حسابات أكثر براغماتية تحكمها «معادلة البقاء» في المقام الأول.

في هذا السياق، اقتصر تدخل الحوثيين على تبني 5 عمليات هجومية بالصواريخ والمسيّرات، كانت ذات طابع رمزي ودون تأثير على مسار المعركة، بهدف تسجيل موقف سياسي إلى جانب إيران دون الانخراط في مواجهة واسعة، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الجماعة وطهران، وحدود التزامها الفعلي، في إطار ما يُعرف بمحور «المقاومة».

عنصر حوثي يحمل سلاحاً على الكتف خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وتشير هذه المعطيات إلى أن قيادة الجماعة أعادت ترتيب أولوياتها وفقاً لمعادلة البقاء الداخلي، التي باتت تتقدم على أي اعتبارات آيديولوجية أو تحالفات إقليمية، فبعد سنوات من الصراع، استمر الحوثيون في سيطرتهم على أجزاء واسعة من شمال اليمن، وأصبح هدفهم الأساسي يتمثل في تثبيت هذه السيطرة وتحويلها إلى واقع سياسي معترف به.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يفسّر الباحث والأكاديمي اليمني الدكتور فارس البيل هذا السلوك بأن «تلكؤ الجماعة في الانخراط الكامل ليس أمراً مستجداً، بل تكرر في حرب الـ12 يوماً (حرب أميركا وإسرائيل على إيران في صيف العام الماضي)، غير أن ذلك لا يعني استقلال قرارها عن إيران»، مشيراً إلى أن «الرد الأميركي والإسرائيلي العنيف، وتجربة الحوثيين السابقة مع الضربات، جعلا أي انخراط واسع بمثابة تهديد وجودي قد يقود إلى نهايتهم».

ومن هذا المنطلق، يرى محللون يمنيون أن انخراط الجماعة في حرب إقليمية مفتوحة دفاعاً عن إيران لم يكن خياراً واقعياً، بالنظر إلى التكلفة المرتفعة التي قد تترتب عليه. فمثل هذا الانخراط كان سيُعرّض ما تبقى من البنية العسكرية للجماعة إلى خطر التدمير، ويُهدد بإعادة خلط الأوراق داخلياً، خصوصاً في ظل احتمالية المواجهة مع القوات الحكومية وانهيار التهدئة الهشّة المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2022.

كما أن ترسانة الجماعة الصاروخية ومن المسيّرات، التي تُمثل أحد أبرز عناصر قوتها في أي مواجهة محلية، تجعل من استخدامها في معارك بعيدة مخاطرة غير محسوبة، ولهذا تُشير التقديرات إلى أن الجماعة فضّلت الاحتفاظ بقدراتها العسكرية لخدمة أهدافها الداخلية، بدلاً من استنزافها في صراع غير مضمون العواقب.

هاجس الردع الدولي

ولعبت تجربة الحوثيين السابقة في استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر دوراً محورياً في تشكيل موقفهم خلال الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، فعلى الرغم من المكاسب الإعلامية التي حققتها تلك العمليات، فإنها قوبلت بردود عسكرية قوية من الولايات المتحدة وبريطانيا، قبل أن تفاقم إسرائيل الوضع عبر 19 موجة من الضربات الموجعة.

مسلح حوثي خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيم الجماعة في 10 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

وكما يبدو، فإن هذه الضربات خلال العامين الماضيين تركت أثراً واضحاً في حسابات القيادة الحوثية التي باتت تُدرك أن التصعيد ضد المصالح الدولية قد يستدعي ردّاً واسع النطاق يتجاوز الضربات الغربية والإسرائيلية السابقة إلى عمليات أكثر شمولاً قد تُهدد وجودها، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع منح القوات الحكومية الشرعية الضوء الأخضر لإطلاق عمليات برية لتحرير المحافظات الخاضعة للجماعة.

وفي هذا الإطار، يربط الدكتور البيل بين هذا الإدراك وحالة الضعف التي أصابت شبكة النفوذ الإيراني، مشيراً إلى أن «تشتت الأذرع، وتراجع فاعلية مراكز القيادة في (الحرس الثوري) بعد الضربات، أفقدا طهران القدرة على إدارة الساحات بشكل متماسك، وهو ما انعكس في خطاب حوثي متردد ومضطرب منذ بداية الحرب».

كما يؤكد البيل أن «إيران قد تنظر إلى اليمن بوصفه ساحة احتياط، وليس ساحة اشتباك رئيسية، في ظل محدودية تأثير الحوثيين مقارنة بفصائل أقرب جغرافياً، ما يجعل الجماعة ورقة مؤجلة تستخدم في سياق المساومة أو التصعيد المرحلي».

وفي السياق ذاته، بدا أن الجماعة اختارت استراتيجية «تجنب الاستفزاز»، من خلال تنفيذ هجمات محدودة لا تدفع نحو تصعيد كبير، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لطبيعة موازين القوى، وحرصاً على تجنب الانزلاق إلى مواجهة غير متكافئة.

طبيعة العلاقة

وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، والتي غالباً ما تُصوَّر على أنها علاقة تبعية كاملة، غير أن الأداء الفعلي للجماعة خلال الحرب أظهر قدراً من التحفظ في إظهار الولاء المطلق، على الرغم من تصريحات القيادات الإيرانية وتهديدهم بورقة البحر الأحمر وباب المندب، في إشارة إلى حليفهم الحوثي.

ويؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الإله سلام أن الجماعة تحمل بُعداً عقائدياً يمنحها شعوراً بالخصوصية، ما يجعل قرارها «مستقلاً نسبياً» داخل المحور الإيراني، مشيراً إلى أنها تعتمد سياسة «الإبطان» تكتيكاً براغماتياً، فتقلص انخراطها عندما تشعر بتهديد وجودي أو اختلال في موازين القوى.

أشخاص يستقلون سيارة في صنعاء تمر أمام لوحة إعلانية رقمية تحمل صورة زعيم الحوثيين يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ويضيف سلام في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هذا السلوك، رغم ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» تدريباً وتسليحاً، «يوحي بوجود تعدد في مراكز التأثير على قرارها»، مستشهداً بتجربة «اتفاق استوكهولم»، التي أوقفت المواجهات في الحُديدة وأبقت على نفوذ الحوثيين، بما يُعزز فرضية أن الجماعة تتحرك ضمن شبكة توازنات أوسع من مجرد التبعية لطهران.

في المقابل، يقدّم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية مغايرة، إذ يتهم الجماعة بأنها «أداة إيرانية» لزعزعة الاستقرار الإقليمي، وتهديد أمن الممرات المائية الدولية، مؤكداً أن استمرار سيطرتها على أجزاء من اليمن يجعل هذا التهديد قائماً ومتصاعداً.

ويشدد العليمي من خلال تصريحاته الرسمية الأخيرة، على أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن لم يعد شأناً داخلياً، بل قضية دولية تمس أمن التجارة العالمية، داعياً المجتمع الدولي إلى تبني مقاربة أكثر حزماً «تنهي التهديد، ولا تكتفي باحتوائه».

كما يتهم طهران بأنها تسعى إلى توسيع الصراع عبر استخدام الحوثيين منصةً إقليميةً، في إطار استراتيجية لإرباك المنطقة وإضعاف الدول الوطنية، وهو ما يفرض -حسب تعبيره- التعامل مع الملف اليمني ضمن سياقه الإقليمي الأوسع.

تراجع شعار «وحدة الساحات»

وكشفت حرب الأربعين يوماً عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي للجماعة وممارساتها على الأرض، فشعار «وحدة الساحات»، الذي استُخدم خلال الحرب في غزة لتبرير انخراطها الإقليمي، بدا في هذه الحرب أقرب إلى أداة دعائية منه إلى استراتيجية فعلية.

ففي حين رُفع هذا الشعار بقوة خلال الحرب في غزة، وترافق مع عمليات استهداف للملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، جرى التعامل معه بمرونة ملحوظة في مواجهة الحرب ضد إيران، إذ اقتصر التفاعل الحوثي على خطوات محسوبة، تجنبت الانخراط الكامل، وراعت في الوقت ذاته عدم الظهور بمظهر المتخلي عن الحليف.

الحوثيون يحرقون العلم الإسرائيلي خلال تجمع لهم في صنعاء هذا الشهر (إ.ب.أ)

كما أن غياب الجماعة شبه التام خلال «حرب الاثني عشر يوماً» في 2025، ثم حضورها المحدود في الحرب الأخيرة، يُعزز الاستنتاج بأن قرار المشاركة لا تحكمه اعتبارات آيديولوجية بحتة، بل يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالمخاطر والمكاسب.

ولم تكن هذه الحسابات الحوثية مجرد استنتاجات، بل أكدتها كواليس التقييمات الأميركية، بعد أن حسم وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، هذا الجدل في إحاطة صحافية بمقر البنتاغون الخميس الماضي؛ حيث أعلن بوضوح أن الحوثيين فضلوا البقاء خارج أتون هذا الصراع الإقليمي المباشر، واصفاً قرارهم بـ«الجيد».

وكان المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، قد حذّر في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن من أن سلوك الحوثيين، بما في ذلك الهجمات الأخيرة، يُثير مخاوف من انزلاق اليمن إلى صراع إقليمي أوسع، رغم تجنبه هذا السيناريو حتى الآن.

ودعا غروندبرغ الجماعة إلى الامتناع عن أي تصعيد جديد، حفاظاً على فرص السلام، مؤكداً أن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن تُمثل أولوية دولية، وهو ما يتقاطع مع تحذيرات الحكومة اليمنية.

من كل ذلك، يظهر أن شعار «وحدة الساحات» بالنسبة للحوثيين تحوّل إلى شعار مطاطي يُستخدم وفقاً للظروف، ويُعاد تفسيره بما يتناسب مع أولويات الجماعة، التي باتت تميل بوضوح إلى تغليب حسابات البقاء وتعظيم المكاسب الداخلية، حتى إن جاء ذلك على حساب التزاماتها المعلنة داخل المحور الإيراني.


«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
TT

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)

في مشهد يتكرر كل عام، لكنه يزداد نضجاً، واتساعاً، تتحول رحلة الحج من مجرد انتقال جغرافي إلى تجربة إنسانية متكاملة تبدأ من مطارات الدول المستفيدة، حيث تُختصر المسافات، وتزال التعقيدات، وتُستبدل بها منظومة خدمات دقيقة تعكس رؤية متقدمة في خدمة ضيوف الرحمن. هكذا تواصل مبادرة «طريق مكة» ترسيخ نموذجها الفريد الذي أعاد تعريف رحلة الحج منذ لحظتها الأولى، وجاعلاً من السلاسة عنواناً، ومن الكرامة أولوية، ومن التقنية شريكاً أساسياً في كل خطوة.

انطلاق رحلات الحجاج من أنقرة ضمن المسارات المخصصة للمبادرة (واس)

وللعام الثامن على التوالي، تواصل وزارة الداخلية السعودية تنفيذ مبادرة «طريق مكة» -إحدى مبادراتها ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن، وأحد برامج «رؤية المملكة 2030»- عبر 17 منفذاً في 10 دول، تشمل المملكة المغربية، وجمهورية إندونيسيا، وماليزيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، وجمهورية بنغلاديش الشعبية، والجمهورية التركية، وجمهورية كوت ديفوار، وجمهورية المالديف، إضافة إلى دولتي السنغال وبروناي دار السلام اللتين تشاركان للمرة الأولى.

وتهدف المبادرة إلى تيسير رحلة الحج من خلال تقديم خدمات متكاملة، وعالية الجودة، تبدأ بإصدار تأشيرة الحج إلكترونياً، مروراً بإنهاء إجراءات الجوازات في مطارات بلدان المغادرة، بعد التحقق من الاشتراطات الصحية، وأخذ الخصائص الحيوية، وترميز وفرز الأمتعة وفق ترتيبات النقل، والسكن داخل المملكة. وعند وصول الحجاج، ينتقلون مباشرة عبر مسارات مخصصة إلى الحافلات التي تقلهم إلى مقار إقامتهم في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، فيما تتولى الجهات الشريكة إيصال أمتعتهم.

تكامل الجهات الحكومية في تقديم خدمات متقدمة لضيوف الرحمن (واس)

وفي إطار انطلاق موسم حج هذا العام، غادرت أولى رحلات المستفيدين من المبادرة من عدد من الدول، حيث انطلقت من جمهورية بنغلاديش الشعبية عبر صالة المبادرة في مطار حضرة شاه جلال الدولي متجهة إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، وبحضور عدد من المسؤولين، في خطوة تعكس جاهزية عالية، وتنسيقاً متكاملاً.

كما شهدت مدينة كراتشي في باكستان مغادرة أولى الرحلات عبر مطار جناح الدولي متجهة إلى مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة، في حين غادرت أولى الرحلات من ماليزيا عبر مطار كوالالمبور الدولي إلى الوجهة ذاتها، وسط حضور رسمي يعكس أهمية المبادرة في تعزيز تجربة الحجاج.

وامتد تنفيذ المبادرة إلى الجمهورية التركية، حيث انطلقت أولى الرحلات من مطار إيسنبوغا الدولي في أنقرة، متجهة إلى المدينة المنورة، ضمن منظومة تشغيلية موحدة تعكس تكامل الجهود بين مختلف الجهات المعنية.

خدمات تقنية ولوجيستية متكاملة تعزز تجربة الحجاج منذ المغادرة (واس)

وتنفذ وزارة الداخلية السعودية المبادرة بالتعاون مع وزارات الخارجية، والصحة، والحج والعمرة، والإعلام، والهيئة العامة للطيران المدني، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة العامة للأوقاف، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، والمديرية العامة للجوازات، وبالتكامل مع الشريك الرقمي (مجموعة stc).

ومنذ إطلاقها في عام 1438هـ (2017)، أسهمت مبادرة «طريق مكة» في خدمة أكثر من 1.25 مليون حاج، في مؤشر واضح على نجاحها في تحقيق مستهدفاتها، وتطوير تجربة الحج بما يواكب تطلعات المملكة في تقديم خدمات استثنائية لضيوف الرحمن، ترتقي بتجربتهم الإيمانية، وتجسد صورة حديثة لإدارة الحشود، والخدمات اللوجيستية على مستوى عالمي.


وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا
TT

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

شارك الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، في الاجتماع الوزاري الرباعي، الذي عقد في مدينة أنطاليا بتركيا، بمشاركة نائب رئيس الوزراء وزير خارجية باكستان محمد إسحاق دار، ووزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي، ووزير خارجية تركيا هاكان فيدان.
وجرى خلال الاجتماع مناقشة مستجدات الأوضاع الإقليمية، ودعم جهود الوساطة الباكستانية ومساعيها في التوصل لوقف دائم لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، بما يسهم في خفض حدة التصعيد ويجنب المنطقة والعالم التداعيات الأمنية والاقتصادية الخطيرة للحرب.