معركة مكشوفة بين نتنياهو والجيش يدفع ثمنها الفلسطينيون وكذلك لبنان وسوريا

لقاء نتنياهو بالقوات الإسرائيلية في قطاع غزة أثناء الهدنة بين إسرائيل و«حماس» نوفمبر الماضي (د.ب.أ)
لقاء نتنياهو بالقوات الإسرائيلية في قطاع غزة أثناء الهدنة بين إسرائيل و«حماس» نوفمبر الماضي (د.ب.أ)
TT

معركة مكشوفة بين نتنياهو والجيش يدفع ثمنها الفلسطينيون وكذلك لبنان وسوريا

لقاء نتنياهو بالقوات الإسرائيلية في قطاع غزة أثناء الهدنة بين إسرائيل و«حماس» نوفمبر الماضي (د.ب.أ)
لقاء نتنياهو بالقوات الإسرائيلية في قطاع غزة أثناء الهدنة بين إسرائيل و«حماس» نوفمبر الماضي (د.ب.أ)

يثبت التراشق الكلامي عبر التسريبات للإعلام حجم الخلافات بين رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وخصومه في قيادة الجيش والأجهزة الأمنية؛ ما يهدد بإجهاض مفاوضات التهدئة قبل أن تبدأ، وهو أمر يدفع ثمنه الفلسطينيون في رفح وغيرها من مناطق قطاع غزة، وكذلك المدنيون ضحايا القصف الإسرائيلي على سوريا والجنوب اللبناني.

الحرب الخفية منذ 15 عاماً بين نتنياهو وقادة الجيش والأجهزة الأمنية، أصبحت علنية ومكشوفة من دون مواربة. وبعد الفيديو الذي عمَّمه نجل نتنياهو، وفيه يدعو جندي إسرائيلي في غزة للتمرد على رئيس الأركان ووزير الدفاع، واتباع رئيس الحكومة فقط، تبين أن الجندي الذي طالب بقتل أطفال غزة ونسائها، ناشط في حزب «الليكود»، خرج الجيش بتسريبات يقول فيها إنه لا مشكلة لديه في التفاوض مع «حماس» على إنهاء الحرب.

كما نشرت تسريبات أخرى تقول إن المسؤول عن ملفّ الأسرى والرهائن الإسرائيليين في الجيش، الجنرال في الاحتياط نيتسان ألون، عبر في أحاديث جانبية عن استيائه من حكومة نتنياهو؛ لأنه لن يتمّ الوصول لاتفاق لتبادُل أسرى في ظلّ وجودها.

الجنرال في الاحتياط نيتسان ألون المسؤول عن ملفّ الرهائن الإسرائيليين (الجيش الإسرائيلي)

ووفق «القناة 12» الإسرائيلية، ليلة الأحد - الاثنين، فإن، ألون، قال في محادثة مغلقة أجراها، الأسبوع الماضي، مع الضباط المسؤولين عن متابعة أوضاع الرهائن مع أهالي المحتجزين: «نحن يائسون، ولن تكون هناك أية صفقة مع هذه الحكومة». أضاف ألون أن «الصفقة التي أدفع باتجاهها ستتضمن العودة التدريجية لجميع المختطفين. (حماس) أصرّت على أن يتضمن ذلك وقف القتال، وأبلغت رئيس الحكومة بالشرط، وأنه يمكننا العودة إلى القتال، في أي لحظة نريد لاحقاً».

ومع أن مصادر مقربة من ألون نفت أنه قال هذا الكلام، فإن الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أكد التصريحات بطريقة مواربة، فقال إن ألون «يعمل بتوجيه من المستوى السياسيّ على إعادة المختطفين»، وإن «الأمور التي قيلت جرى إخراجها من سياقها».

وتؤكد جهات عسكرية أن تصريحات نتنياهو التي يصر فيها على مواصلة القتال، ويرفض إنهاء الحرب، هي بمثابة إجهاض لجولة المفاوضات التي من المفترض أن تبدأ الثلاثاء.

متظاهرة ترفع لافتة تطالب فيها بوقف الحرب وسط الدخان خلال احتجاجات ضد حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإطلاق سراح الرهائن المختطفين (رويترز)

وتلقفت عائلات الرهائن الإسرائيليين لدى «حماس» هذه الأقوال، وقالت في تصريحات صحافية في خيمتها بالقرب من مقرّ وزارة الأمن في تل أبيب: «واضح للجميع أننا لن نرى المختطفين في المنزل إن لم ننه الحرب، لكن الحكومة غير مهتمة بإعادة المختطفين، وتستمرّ في الحرب دون أهداف واقعية. ويبدو أنه لا خيار إلا بتغيير الحكومة من أجل استقبال أحبائنا في المنزل مجدّداً».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

نتنياهو، من جانبه، سارع إلى إصدار بيان عن مكتبه، قال فيه: «بينما أعطى رئيس الحكومة نتنياهو مراراً وتكراراً فريق التفاوض تفويضاً واسع النطاق لإطلاق سراح الرهائن، يواصل رئيس (حماس) في قطاع غزة، يحيى السنوار المطالبة بإنهاء الحرب، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة، وخروج (حماس) سليمة، حتى يتمكن من تنفيذ فظائع 7 أكتوبر (تشرين الأول) مراراً وتكراراً».

وأضاف مكتب نتنياهو أنه «يعارض ذلك بشدة»، مؤكداً أن «التصريحات الصحافية التي يقدمها فريق التفاوض لن تؤدي إلا إلى تصلّب موقف (حماس)، والإضرار بالعائلات، وجعل إطلاق سراح الرهائن أكثر بعداً».

لكن نتنياهو عبَّر عن موقف صريح أكثر من خلال «جيشه في الشبكات الاجتماعية»، الذي يضم ألوف الحسابات التي راحت تهاجم قادة الجيش، وتشكك في القدرات الحربية، إضافة لاتهامات بالتقصير والجبن، والعجز عن حسم المعركة، وبالتنسيق مع الإدارة الأميركية لوقف الحرب قبل تحقيق أهدافها.

رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي هرتسي هليفي مع قادة الجيش في مخيم جباليا وسط قطاع غزة (حساب إكس)

الجيش من جهته يواجه مشكلة عصيبة في موضوع الهيبة والكرامة منذ السابع من أكتوبر. أولاً، هجوم «حماس» ضرب كبرياءه في الصميم عندما باغته مسلحوها، واحتلوا معسكراته والبلدات المحيطة، وأسرت وقتلت وتصرفت على هواها، عدة ساعات، حتى استطاع لملمة نفسه. وقد اهتزت هيبته ليس لدى الجمهور الإسرائيلي فحسب بل أيضاً لدى جيوش العالم. وثانياً، جاءت هذه الضربة لتوقف مسيرة الانقلاب على الانقلاب؛ فالمعروف أن حكومة نتنياهو حاولت تنفيذ انقلاب على منظومة الحكم وجهاز القضاء. والدولة العميقة وفي صلبها الجيش، مع أحزاب المعارضة، كانت تقود حملة احتجاج واسعة كادت تقترب من إسقاط حكومة نتنياهو.

وهجوم «حماس» أوقف الانقلاب، فراح الجيش ينتقم بشراسة غير مسبوقة، ليس فقط من «حماس» بل من كل أهل غزة والضفة الغربية وحتى من فلسطينيي 48، وقد خلقت هذه الحالة ظروفاً مثالية عند نتنياهو للبقاء في الحكم.

وكالعادة، تتحد إسرائيل في الحروب، والتقت مصالح الجيش مع مصالح نتنياهو. لكن في الوقت الذي كان فيه الجيش يحاول تعويض الخسارة واستعادة الثقة، كان نتنياهو يرسم للخطوة التالية التي يثبت فيها أن الإخفاق يقتصر على الجيش. وراح الجيش يحارب من بعيد (غارات وقصف مدفعي، براً وبحراً). ثم قام بالاجتياح، لكن حساباته تشوشت؛ حيث إنه لم يتوقع المقاومة على هذا النحو.

لقاء نتنياهو بالقوات الإسرائيلية في قطاع غزة أثناء الهدنة بين إسرائيل و«حماس» نوفمبر الماضي (د.ب.أ)

الأهداف التي وضعها نتنياهو وتبناها الجيش فشلت تماماً. ومع كل ضربة يتلقاها ينتقم بضربات أشنع. وعن كل قتيل إسرائيلي يقتل 20 فلسطينياً. ومع كل صاروخ فلسطيني يطلق أطنان المتفجرات على غزة. واستخدم الطائرات المقاتلة وطائرات «أباتشي» والمسيّرات لقصف مخيمات جنين ونابلس وأريحا وطولكرم.

الجيش يحاول بكل قوته تحقيق إنجازات، لكنها ظلت إنجازات تكتيكية؛ فالحكومة لا تحدد له أهدافاً معقولة، وهو يتخبط، ويعلن بشكل احتفالي أنه حرر 5 جثث في جباليا، لكنه يخسر 7 قتلى من جنوده و9 جرحى. يحتل رفح «كي يلقي القبض على قادة (حماس) المختبئين فيها»، لكن الأميركيين يقولون له إن قادة «حماس» ليسوا في رفح. ثم يعلن أنه نجح في تفكيك كتائب «حماس» في الشمال، ثم يتلقى ضربات قاسية في الشمال بالذات. وبعدها يعلن أنه احتل 70 في المائة من رفح، ثم تنطلق 10 صواريخ من رفح في وضح النهار وعلى مسافة كيلومتر واحد من تجمع قواتهن لتقصف تل أبيب. يعلن أنه قضى على ثلثي قوة «حماس» العسكرية وأنه دمر 85 في المائة من أنفاق «حماس»، والأميركيون يقولون إنه قضى على 40 في المائة من الأنفاق، وثلث قوة «حماس».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع ممثلي عائلات الرهائن لدى «حماس» في 30 أبريل (د.ب.أ)

هذه النتائج تزيد من حنقه، فيشدد الضربات أكثر، لكنه في الوقت نفسه، بدأ يفهم أنه يغوص في حرب استنزاف في وحل غزة، والمزيد من القوة والضغط على «حماس» لا يجديه نفعاً، بل يورطه في ارتكاب مذابح، كما حدث، فجر الاثنين.

وفي «حماس» لا يكترثون للنتائج المدمرة لهذه الحرب، ويعدونها تضحيات وصموداً؛ ولذلك، بدأ يقتنع بضرورة وقف الحرب، أولاً لأنها لم تعد مجدية، وثانياً لأنه لا يريد صداماً مع الأميركيين، وثالثاً لأنه لا يريد البقاء رهينة في يد نتنياهو.

نتنياهو يريد إبقاء الجيش في ساحة القتال؛ فما دامت الحرب مستمرة فستستمر حكومته، وهذا هو المطلوب لمعركته الشخصية. وعندما يرى أن الجيش يتراجع، يفتح النار عليه، ويتهمه بأنه لا يريد تحقيق الانتصار، وعندما يشتد الضغط عليه في مجلس إدارة الحرب ويصبح في أقلية، يلجأ إلى جيشه في الشبكات الاجتماعية. وعندما يزداد الضغط عليه في الشارع، خصوصاً من عائلات الأسرى، يتخذ خطوة تظهره يتقدم في المفاوضات، ويلاحظ أنه يفعل ذلك عادة، يومي الخميس والجمعة، حتى يخدر الناس فلا يخرجون إلى المظاهرات ضده، مساء السبت.

الجيش لم يعد يحتمل هذه الألاعيب، مع ما يرافقها من استنزاف لقواته، وبات يشعر بأنه عالق في مصيدة نتنياهو، ويحاول كشفها أمام الناس، ونتنياهو يرد.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تستنسخ نموذج غزة في لبنان... «خط أصفر» جنوباً يعزل عشرات القرى

المشرق العربي جندي إسرائيلي بجوار العلم الإسرائيلي قرب الحاجز الأمني ​​بين إسرائيل ولبنان بالقرب من أفيفيم شمال إسرائيل (إ.ب.أ) p-circle

إسرائيل تستنسخ نموذج غزة في لبنان... «خط أصفر» جنوباً يعزل عشرات القرى

في تطور قد يعكس توجهاً إسرائيلياً لتكريس واقع ميداني جديد على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، أعلنت تل أبيب عزمها فرض ما تسميه «الخط الأصفر» في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب في الوسط وعلى يمينه الرئيس اللبناني جوزيف عون وعلى يساره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب) p-circle

نتنياهو «مصدوم» من منشور ترمب بشأن لبنان... وتل أبيب تطلب توضيحات

طلبت إسرائيل من البيت الأبيض تقديم توضيحات بشأن منشور للرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي قال فيه إن إسرائيل «ممنوعة» من تنفيذ غارات جوية في لبنان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري «اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً.

محمد محمود (القاهرة)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)

نتنياهو: جيشنا سيبقى في جنوب لبنان ضمن منطقة أمنية بعمق 10 كم

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن وقف إطلاق النار مع لبنان يمثل فرصة لـ«سلام تاريخي»، مشدداً على مطلبه بنزع سلاح «حزب الله» كشرط مسبق لأي اتفاق.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء مغادرته البيت الأبيض متوجهاً إلى قاعدة «أندروز» الجوية المشتركة في العاصمة واشنطن 11 أبريل 2026 (رويترز)

ترمب يعلن اتفاقاً لـ«هدنة 10 أيام» بين إسرائيل ولبنان

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أن إسرائيل ولبنان اتفقا على وقف إطلاق النار لمدة 10 أيام، يبدأ الساعة 5 مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة اليوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مقتل جندي إسرائيلي في جنوب لبنان

جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
TT

مقتل جندي إسرائيلي في جنوب لبنان

جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم (الأحد)، مقتل أحد جنوده خلال اشتباكات في جنوب لبنان، حيث دخل وقف إطلاق النار المؤقت حيز التنفيذ هذا الأسبوع.

وأفاد بيان للجيش عن مقتل «ليدور بورات، البالغ 31 عاما، من أشدود، وهو جندي في الكتيبة 7106، اللواء 769، خلال اشتباكات في جنوب لبنان»، دون تقديم مزيد من التفاصيل.

وبحسب إحصاء لوكالة الصحافة الفرنسية استنادا إلى بيانات عسكرية، ارتفع إجمالي عدد قتلى الجيش الإسرائيلي في الحرب الدائرة منذ ستة أسابيع بين إسرائيل و«حزب الله» إلى 15.

وهذه هي المرة الثانية التي يعلن فيها الجيش عن مقتل أحد جنوده في جنوب لبنان منذ بدء الهدنة التي أعلنتها الولايات المتحدة لمدة عشرة أيام الجمعة، في إطار جهود أوسع لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط بشكل دائم.

وكانت جولة القتال الأخيرة في لبنان قد بدأت في 2 مارس (آذار) عندما شن «حزب الله، المدعوم من طهران، هجمات صاروخية على إسرائيل ردا على مقتل المرشد في إيران علي خامنئي خلال الموجة الأولى من الضربات الإسرائيلية الأميركية.

وردت إسرائيل بشن ضربات قالت إنها تستهدف «حزب الله» في بيروت والمناطق الجنوبية من البلاد حيث أطلقت أيضا عملية برية.


إغلاق «هرمز» مجدداً يعقّد المفاوضات


مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
TT

إغلاق «هرمز» مجدداً يعقّد المفاوضات


مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)

أعادت إيران، السبت، إغلاق مضيق هرمز بعد ساعات من فتحه بصورة محدودة، مطالبة بإنهاء الحصار الأميركي على موانئها، في خطوة زادت المفاوضات الجارية تعقيداً، وأعادت التوتر إلى الممر البحري الحيوي.

وجاء القرار بعدما أكدت واشنطن أن إعادة فتح المضيق لا تعني رفع الحصار البحري. وقال الجيش الأميركي إن 23 سفينة امتثلت لأوامره بالعودة إلى إيران منذ بدء تنفيذ الحصار البحري. وجاءت التطورات في حين كان يسود ترقب بشأن تحديد جولة ثالثة من المحادثات، بوساطة إسلام آباد.

ومع إغلاق المضيق، أطلق قاربان لبحرية «الحرس الثوري» النار على ناقلة شمال شرقي عُمان من دون تحذير لاسلكي، في حين نقلت «رويترز» عن ثلاثة مصادر في الأمن البحري والشحن أن سفينتين تجاريتين على الأقل تعرضتا لإطلاق نار أثناء محاولة العبور. وقالت الهيئة إن الناقلة وطاقمها بخير، في حين استدعت الهند سفير طهران بعد تعرض سفينة تحمل شحنة نفط خام لهجوم.

وفي واشنطن، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن المحادثات مع إيران «تسير على نحو جيد جداً»، لكنه اتهم طهران بمحاولة إعادة إغلاق المضيق، مضيفاً: «لا يمكنهم ابتزازنا». ولوّح بعدم تمديد الهدنة التي تنتهي الأربعاء إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق طويل الأمد، مؤكداً استمرار الحصار، في حين أفادت «وول ستريت جورنال» بأن الجيش الأميركي يستعد للصعود على متن ناقلات مرتبطة بإيران، والاستيلاء على سفن تجارية في المياه الدولية، مع استعداد الجانبين لاحتمال استئناف القتال.

وفي طهران، لوّح محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، برفض تمديد الهدنة، قائلاً: إما أن يمنحونا حقوقنا على طاولة المفاوضات أو ندخل ساحة المعركة.

وقال قائد عمليات هيئة الأركان علي عبداللهي إن «هرمز» عاد إلى «الوضع السابق» تحت رقابة مشددة، في حين أن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف اتهم ترمب بطرح «ادعاءات كاذبة».

وأفاد مجلس الأمن القومي بأن طهران تراجع مقترحات نقلها قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، الذي أنهى مساء الجمعة زيارة إلى طهران استغرقت ثلاثة أيام.


«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
TT

«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

دخل مجلس الأمن القومي الإيراني على خط السجال الداخلي المتصاعد بشأن إدارة المفاوضات مع الولايات المتحدة، بعد موجة انتقادات طالت وزير الخارجية عباس عراقجي واتهامات للجهات الرسمية بالغموض وسوء إدارة المعلومات، خصوصاً بعد إعلانه فتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة.

وجاء تدخل المجلس في محاولة لتوضيح مسار محادثات إسلام آباد، وشروط الهدنة المؤقتة، وآلية فتح المضيق، في وقت كانت فيه منابر مقربة من «الحرس الثوري» تصعّد هجومها على وزارة الخارجية، وتطالب بتفسير ما جرى للرأي العام، بينما توزعت المواقف داخل مؤسسات الحكم بين الدعوة إلى الانضباط الإعلامي، والمطالبة بتشدد أكبر، والتشكيك في جدوى التفاوض نفسه.

وفي بيان مطول، قالت الأمانة العامة لمجلس الأمن القومي إن الرسائل والطلبات الأميركية لوقف إطلاق النار وبدء التفاوض بدأت منذ اليوم العاشر للحرب، بعد ما وصفته بـ«فشل الأعداء المعتدين» في الميدان العسكري.

وأضافت الأمانة العامة التي يترأسها القيادي في «الحرس الثوري»، محمد باقر ذو القدر، أن الجمهورية الإسلامية قبلت إجراء مفاوضات إسلام آباد في اليوم الأربعين للحرب، بعد إعلان رسمي من الرئيس الأميركي قبول الخطة الإيرانية المكونة من عشرة بنود إطاراً لمفاوضات إنهاء الحرب.

وأوضح البيان أن المحادثات استمرت 21 ساعة متواصلة، وأن الوفد الإيراني طرح مطالب الشعب الإيراني «بجدية وبروح مبادرة» رغم انعدام الثقة العميق بواشنطن، لكن الطرف المقابل عاد، بحسب البيان، وطرح مطالب جديدة ومبالغاً فيها خلال التفاوض، ما أدى إلى انتهاء الجولة من دون نتيجة محددة وتأجيل استئنافها إلى وقت لاحق.

وأوضح البيان أيضاً أن مقترحات أميركية جديدة طُرحت في الأيام الأخيرة عبر الوسيط الباكستاني، وأنها قيد المراجعة حالياً من دون أن تقدم رداً بعد. وشدد على أن الوفد الإيراني «لن يقدم أي تنازل أو تراجع» فيما وصفته بـ«المعركة السياسية» لتثبيت ما تحقق ميدانياً.

عاصم منير يتحدث إلى قاليباف على هامش لقائهما في مقر الوزارة الخارجية بطهران اليوم (البرلمان الإيراني)

كما أكد أن من الشروط الأساسية لقبول وقف إطلاق النار المؤقت وقف العمليات في جميع الجبهات، بما فيها لبنان. وقال إن إصرار طهران أفضى إلى وقف إطلاق نار في لبنان، على أن يُفتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة ومشروطة حتى نهاية فترة الهدنة لعبور السفن التجارية فقط، وليس السفن الحربية أو غير العسكرية التابعة لـ«دول معادية»، وذلك تحت إشراف القوات المسلحة الإيرانية وبموجب مسارات محددة.

وأضاف أن اعتماد «القواعد الأميركية» في الخليج على الإمدادات عبر مضيق هرمز يمثل تهديداً للأمن القومي الإيراني، وأن طهران ستواصل فرض الرقابة والسيطرة على الملاحة حتى انتهاء الحرب بالكامل وتحقيق سلام مستدام في المنطقة. وأوضح أن تنظيم حركة العبور يتم عبر الحصول على معلومات كاملة عن السفن، وإصدار تصاريح وفق القواعد الإيرانية المعلنة، وفرض رسوم تتعلق بالأمن والسلامة وحماية البيئة. كما شدد على أن استمرار ما وصفه بمحاولات «العدو» لعرقلة الملاحة أو فرض حصار بحري سيُعد خرقاً لوقف إطلاق النار، وسيؤدي إلى منع أي فتح مشروط أو محدود للمضيق.

وينتهي بيان المجلس بدعوة تحض الإيرانيين على الحفاظ على اليقظة والتماسك الوطني، مع التأكيد على ضرورة نجاح المسار الدبلوماسي إلى جانب تثبيت نتائج الميدان.

وجاء هذا التوضيح بعدما صعّدت وكالتا «فارس» و«تسنيم»، التابعتان لـ«الحرس الثوري»، لهجتهما تجاه طريقة إدارة الملف. ودعت «فارس» المسؤولين إلى تفسير «الصمت» حيال التطورات الأخيرة، واعتبرت أن المجتمع الإيراني دخل في «هالة من الارتباك»، متسائلة: إذا كانت مصلحة البلاد تقتضي عدم نشر تفاصيل المفاوضات أو التطورات الأخيرة، فلماذا لا يُشرح للشعب سبب هذا النهج وضرورة تجنب الشفافية؟

أما «تسنيم» فذهبت أبعد في انتقادها، ووصفت تغريدة عراقجي بشأن المضيق بأنها «سيئة وناقصة» وتمثل «سوء تقدير كاملاً في إيصال المعلومات»، معتبرة أنها نُشرت من دون شروح كافية، وأثارت غموضاً واسعاً بشأن شروط العبور وآلياته وأدت إلى موجة انتقادات كان يمكن تفاديها.

وطالبت «تسنيم» وزارة الخارجية بإعادة النظر في طريقة إدارتها لهذا الملف، بل دعت إلى تدخل مجلس الأمن القومي لوضع آلية أكثر تماسكاً لضبط الرسائل الصادرة عن المؤسسات الرسمية، بما فيها الخارجية.

وقالت الوكالة إن ما ينشره المسؤولون على منصة «إكس»، حتى إن كان موجهاً إلى الخارج أو مكتوباً بالإنجليزية، ينعكس أيضاً على الداخل الإيراني، وإن أي رسالة تثير القلق أو الإحباط تُعد إخلالاً بالتماسك الداخلي.

وفي الساعات الأولى من نشر تغريدة عراقجي، سارعت «فارس» و«تسنيم» إلى نشر معلومات على لسان مصدر مطلع قريب من الأمن القومي بشأن تفاصيل الشروط المرتبطة بإعادة الفتح المؤقت للمضيق، مؤكدتين أن استمرار الحصار البحري سيُعد انتهاكاً لوقف إطلاق النار، وأن العبور يقتصر على السفن التجارية غير المرتبطة بدول معادية، وفق مسارات محددة وتنسيق مع القوات الإيرانية.

وسرعان ما امتدت ردود الفعل إلى شخصيات إعلامية وسياسية مقربة من «الحرس الثوري». فكتب نظام موسوي، المدير المسؤول السابق لصحيفة «جوان»، أن ثقة الناس بالمسؤولين المفاوضين «لا تعني تجاهل الرأي العام»، موجهاً رسالة مباشرة إلى المسؤولين: «قولوا شيئاً».

وذهب نشطاء آخرون، من بينهم علي قلهكي، إلى انتقاد ما وصفوه بـ«الوضع الإعلامي المتردي»، خصوصاً بعد تعارض مضمون تغريدة عراقجي مع توضيحات لاحقة صدرت عن مصدر عسكري عبر التلفزيون الإيراني.

وفي الاتجاه نفسه، دعا حسن عباسي، المنظّر الاستراتيجي المقرب من «الحرس الثوري»، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي أكبر ذو القدر، إلى تعيين متحدث «قدير ومتاح دائماً» للمجلس، مطالباً بإنهاء ما وصفه بـ«فتنة الإشاعات والغموض والحيرة» في أذهان الرأي العام.

وامتد السجال أيضاً إلى شخصيات برلمانية ومحلية. فقال النائب مرتضى محمودي إنه «لولا ظروف الحرب» لكان قد جرى استجواب عراقجي بسبب تغريدته، متهماً وزير الخارجية بأنه لعب مراراً دوراً مهدئاً لأسواق النفط والطاقة العالمية بتصريحات «غريبة وغير مناسبة» في لحظات حساسة.

وزير الخارجية عباس عراقجي خلال لقاء قاليباف ومنير في طهران اليوم (البرلمان الإيراني)

وقال عمدة طهران، المحافظ المتشدد علي رضا زاكاني، إن طاولة المفاوضات كان يفترض أن تكون امتداداً ومكملاً للميدان، وإن أي قرار أساسي يجب أن يظل منسجماً مع توجيهات المرشد الإيراني وبموافقته. كما اعتبر أن أي صحة في الرواية الأميركية بشأن استمرار الحصار تعني أن وقف إطلاق النار نُقض وأن إيران لا تزال «في وسط الحرب».

وفي المعسكر الأكثر تشدداً، صعّد عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، محمود نبويان، هجومه على مسار التفاوض، وقال إن المفاوضات مع الولايات المتحدة «لن تصل إلى نتيجة»، وإن إيران ستواصل الحرب حتى «الهزيمة الكاملة لترمب ونتنياهو». وأضاف أن مسؤولية السيطرة على مضيق هرمز تعود حصراً إلى بحرية «الحرس الثوري»، ولا يحق لأي جهة أخرى التدخل.

وكشف نبويان عن قرار داخل لجنة الأمن القومي يقضي بمنع عبور السفن العسكرية الأميركية من المضيق، ومنع سفن الدول التي «تمنح قواعد للعدو» من المرور أيضاً.

كما قال وزير الاقتصاد السابق، إحسان خاندوزي، إن المرور عبر مضيق هرمز يجب أن يكون فقط للدول غير المتخاصمة وبشرط تحصيل رسوم، محذراً من أن تُسوّق الولايات المتحدة رفع الحصار البحري كأنه امتياز لإيران، ومشدداً على أن باب الحوار يجب أن يُغلق ما دام الحصار قائماً.

في المقابل، صدرت دعوات إلى قدر من الانضباط الإعلامي من داخل الجهاز التنفيذي. فقد قال علي أحمدنيا، رئيس دائرة الإعلام الحكومي، إن ما وصفه بـ«العمليات النفسية وصناعة الإنجازات عبر التغريدات» يتطلب الحذر، مؤكداً ضرورة الحفاظ على الوحدة وعدم خدمة «مخطط العدو» من دون قصد.

وأضاف أن فريق الدبلوماسية يعمل في إطار استراتيجية «العزة والمصلحة والحكمة» للدفاع عن حقوق إيران في الإعلام وعلى طاولة المفاوضات. وقال وزير الثقافة السابق، محمد مهدي إسماعيلي، إن الاستراتيجية الأميركية في المفاوضات تقوم على «أخذ كل شيء من دون تقديم أي مقابل».

فيما دخلت مؤسسات أخرى على الخط، من بينها السلطة القضائية التي طالب رئيسها، غلام حسين محسني إجئي، بملاحقة الولايات المتحدة وإسرائيل قضائياً ودفعهما تعويضات عن الحرب.

تأتي هذه الخلافات في وقت تشير فيه تقديرات استخباراتية أميركية وغربية إلى أن الحرب الأميركية - الإسرائيلية أضعفت آلية صنع القرار داخل إيران، بعد مقتل عدد من كبار القادة وتضرر منظومة القيادة والسيطرة.

ووفق هذه التقديرات، باتت قنوات التواصل بين مراكز القرار أكثر تعقيداً، فيما يواجه المسؤولون صعوبات في التنسيق وعقد الاجتماعات، وسط مخاوف من الاستهداف.

كما تعزز نفوذ التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري» على حساب مؤسسات أخرى، في ظل غموض يحيط بحدود سلطة المرشد الجديد مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر علناً منذ توليه المنصب، فيما تعتقد أجهزة استخبارات أميركية وإسرائيلية أنه أصيب خلال الحرب.

ويرى مسؤولون أن هذا المشهد انعكس على أداء المفاوضين، الذين يعملون في بيئة تتسم بتعدد مراكز القرار وتباين الرسائل، ما يزيد صعوبة بلورة موقف تفاوضي موحد أو تقديم تنازلات واضحة.