بعد 50 عاماً على اختراعه... مبتكر مكعب روبيك يؤكد أهميته في عالم تغزوه الشاشات

إرنو روبيك مخترع أشهر مكعب ألعاب في العالم (أ.ف.ب)
إرنو روبيك مخترع أشهر مكعب ألعاب في العالم (أ.ف.ب)
TT

بعد 50 عاماً على اختراعه... مبتكر مكعب روبيك يؤكد أهميته في عالم تغزوه الشاشات

إرنو روبيك مخترع أشهر مكعب ألعاب في العالم (أ.ف.ب)
إرنو روبيك مخترع أشهر مكعب ألعاب في العالم (أ.ف.ب)

في أحد أيام ربيع 1974، وداخل غرفته المليئة بالأوراق والخيوط، طرأت في بال إرنو روبيك فكرة ربط مكعبات خشبية صغيرة ببعضها، من دون أن يتوقّع أنّ اختراعه سيغزو العالم.

في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» في بودابست، يقول روبيك البالغ 79 عاماً متنهداً إنه مسار «مذهل».

وبعد مرور خمسين عاماً، بات مكعب روبيك بمثابة «طفله العبقري» المرهق تتبعه في كل مكان، على ما يقول روبيك مرتدياً بنطالاً مصنوعاً من الجينز وصندلاً.

وكان روبيك آنذاك أستاذاً في الهندسة المعمارية والتصميم، ولم يكن لديه «أي طموح لترك بصمة في العالم»، وفق ما يقرّ في كتاب نُشر عام 2020. لكنّ فضوله وشغفه بلعبة البازل، والتحديات الهندسية دفعاه إلى عالم آخر.

وبعد نماذج أولية كثيرة للعثور على الآلية المناسبة، وأيام من الإجهاد الذهني لحلّ اللغز، حصل إرنو روبيك على براءة الاختراع سنة 1975.

وبعد عامين، وصل «المكعب السحري» الملوّن الذي أعيدت تسميته فيما بعد بـ«مكعب روبيك»، إلى متاجر الألعاب قبل أن يغزو أسواق الولايات المتحدة.

ويتذكر مخترعه رحلته الأولى إلى الغرب، خلف الستار الحديدي، حاملاً جواز سفر أزرق عادة ما يُخصص للدبلوماسيين، يقول إنّ الأمر مشابه لـ«قصة من الخيال».

43 كوينتيليون حلّ ممكن

منذ ابتكار هذا المكعب، بيع أكثر من 500 مليون نموذج منه، من دون احتساب ملايين النسخ المقلدة، في نتيجة خالفت توقعات كثيرين.

وعلى الرغم من انتشار الشاشات في كل مكان، يؤكد روبيك أنّ «علاقة متينة أقيمت بين الأجيال الجديدة» ومكعب لا يستلزم تكنولوجيا خاصة، في «مشهد متباين» مدهش.

ويضيف: «بينما ننسى في العالم الرقمي كيفية استخدام أيادينا»، على الرغم من أنها «أدواتنا الأولى»، يعيدنا المكعب «إلى روائع العالم الفعلي. إنه يدفعنا للتفكير ويجعلنا نقوم بشيء ملموس».

وثمة أكثر من 43 كوينتيليون (مليار ترليار) طريقة لحلّ لغز المكعب.

ويقول مخترعه بحماسة: «حتى بعد مئات أو آلاف السنين ستكون هناك طرق لحلّه»، مشيراً إلى «الجانب العاطفي» وراء نجاح هذا «العمل الفني الذي نحبه أو نكرهه».

وعلى مر السنين، أنشأ إرنو روبيك مجموعة، بما يشبه جمع «صور للعائلة». فقد جمع مثلاً نحو 1500 غلاف مجلة، يظهر المكعب فيها كأنه «رمز للتعقيد»، في إشارة إلى المشاكل الجيوسياسية أو الانتخابية.

يموّل المرحلة التقاعدية

وظهر المكعب أيضاً في أفلام كثيرة، بدءاً من الأعمال الوثائقية وصولاً إلى الإنتاجات الهوليوودية.

كما أجريت مسابقات كثيرة مرتبطة بالمكعب، إما احتفاء بمن يحلّه بأسرع وقت، أو مَن يُظهر موهبة غير عادية في حلّه، أو في أطر أخرى شملت مثلاً حلّ آخرين لغزه بأقدامهم، أو نجاحهم في ذلك رغم كونهم مكفوفين، بحسب المخترع العبقري الذي كان يتحدث داخل غرفة في معهد أكوينكوم للتكنولوجيا، حيث لا يزال يعقد مؤتمرات من وقت إلى آخر.

وقد ألهمت هذه اللعبة الشهيرة التي عُرضت في متحف الفن الحديث في نيويورك، مجموعة من الفنانين من أمثال إنفيدر، النجم العالمي لفنّ الشوارع.

و«مكعب روبيك» أداة تعليمية تُستخدم من الروضة إلى الجامعة، ويُستعان بها في دور المسنين، وتساعد المصابين بالتوحّد، مثل نجم «سبيد كيوبينغ» الأميركي ماكس بارك، بطل العالم في اللعبة من خلال حلّ لغزها في 3.13 ثانية... بينما احتاج إرنو روبيك إلى دقيقة واحدة لحلّه سنة 1980.

ويموّل المكعب المرحلة التقاعدية لإرنو روبيك الذي يتنقّل بين المجر وإسبانيا. وقد أتاح له اختراعه «العيش باستقلالية مالية» طيلة حياته.

ويعبّر إرنو عن «شعور مذهل بإنجاز شيء جيد للناس» عندما يلاحظ وجوه محبّي مكعب روبيك وهم يركّزون في اللعبة ثم يفرحون عند حلّ لغزها.

ويقول: «تلقيت كثيراً من الشكر، وقد أسعد المكعب عدداً كبيراً جداً من الأشخاص، إذ أقيمت أفراح بفضله، مثل حفلات الزفاف مثلاً».


مقالات ذات صلة

أسعار الجملة في السعودية ترتفع 3.3 % خلال مارس

الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (واس)

أسعار الجملة في السعودية ترتفع 3.3 % خلال مارس

ارتفع الرقم القياسي لأسعار الجملة في السعودية بنسبة 3.3 في المائة خلال شهر مارس (آذار) 2026 مقارنة مع الفترة ذاتها من العام السابق.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص أحد قطارات النقل السككي متوقف في ميناء الملك عبد العزيز بالدمام (موانئ)

خاص «النقل البري» السعودي يحتوي صدمات الإمداد ويؤمّن 60 % من العجز

بينما يواجه الاقتصاد العالمي ضغوطاً متزايدة جراء اضطرابات الممرات المائية، استطاع قطاع النقل البري والسككي في السعودية إعادة رسم مسارات التجارة الإقليمية.

دانه الدريس (الرياض)
الاقتصاد تعمل مصر على الإسهام في حل أزمة سلاسل الإمداد من الاتحاد الأوروبي للخليج العربي ودفع حركة التجارة الدولية (رويترز)

مصر تمنح تسهيلات جمركية استثنائية لشحنات «الترانزيت العابر»

أعلن وزير المالية المصري أحمد كجوك، الأحد، أن بلاده منحت شحنات «الترانزيت العابر» تسهيلات جمركية استثنائية بالمواني المصرية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد أسواق الأسمدة تعتمد بشكل كبير على مضيق هرمز الذي يربط الخليج العربي بخليج عمان وبحر العرب (رويترز)

مسؤول روسي يتوقع اضطرابات خطيرة في أسواق السلع بسبب مضيق هرمز

أعلن الممثلُ الخاصُ للرئيس الروسي للاستثمار والتعاون الاقتصادي مع الدول الأجنبية، كيريل ديميترييف، أنه «من المتوقع حدوث اضطرابات خطيرة في أسواق السلع الأساسية».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد حاويات بها صادرات سعودية غير نفطية (واس)

فائض الميزان التجاري السعودي يُحلِّق عالياً بـ«جناح» الصادرات غير النفطية

تكشف القفزة الجديدة في الصادرات غير النفطية السعودية التي عززت فائض الميزان التجاري بنسبة بلغت 70.2 في المائة خلال نوفمبر عن تحول هيكلي عميق يتجاوز لغة الأرقام.

زينب علي (الرياض)

أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
TT

أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة النرويجية أنيت أوسترو إن فيلمها «البجعة الذهبية» جاء بعد رحلة طويلة من التفكير في الطريقة التي يمكن من خلالها سرد هذه القصة المعقدة، فمنذ اللحظة الأولى كانت تدرك أن واقعة قتل شقيقها على أيدي جماعات متطرفة تحمل أبعاداً متعددة، سواء على مستوى الصراع السياسي بين الهند وباكستان أو على مستوى التناول العائلي أو الدولي.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها احتاجت وقتاً طويلاً لتحدد أي زاوية ستختار، قبل أن تحسم قرارها بالتركيز على قصة شقيقها هانز وحده، وما مرّ به خلال فترة احتجازه، لأن امتلاكها لكتاباته وقصائده التي دونها في تلك الفترة جعلها تميل إلى تقديم العمل من داخله، وليس من خارجه.

وأوضحت أنها لم تكن ترغب في تقديم فيلم تحقيقات أو عمل من نوعية «الجريمة الحقيقية»، لأنها تعرف بالفعل ما حدث، وتدرك قسوة النهاية، فالتقارير الإخبارية التي وثّقت الواقعة كانت كافية في عرض الجانب العنيف منها، مما جعلها تفضّل البحث عن لغة مختلفة، ولغة أكثر شاعرية وتجريداً، تعكس ما كتبه شقيقها بنفسه.

المخرجة النرويجية (الشركة المنتجة للفيلم)

ينطلق فيلم «البجعة الذهبية» الذي عرض في النسخة الماضية من مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» من واقعة حقيقية تعود إلى عام 1995، لكنه لا يقدّمها بوصفها مجرد حدث سياسي أو أمني عابر، بل يعيد تفكيكها من الداخل، عبر تجربة إنسانية شديدة الخصوصية، من خلال رحلة داخلية يخوضها شاب نرويجي يبحث عن المعنى، قبل أن يجد نفسه أسيراً في قلب صراع معقد في كشمير.

تعتمد المخرجة أنيت أوسترو على رسائل وقصائد شقيقها هانز، التي كتبها خلال فترة أسره من قبل جماعة مسلحة اختطفته في الجانب الهندي من كشمير للضغط على الحكومة الهندية من أجل الإفراج عن سجناء، وشكلت هذه الرسائل العمود الفقري للسرد، ويتحول النص الشخصي إلى شهادة وجودية تتجاوز حدود الزمن والمكان، فبدلاً من التركيز على تفاصيل الجريمة أو المفاوضات السياسية، ينشغل الفيلم بما كان يدور داخل الإنسان نفسه، الخوف، الأمل، مقاومة الانكسار، ومحاولة التمسك بالإنسانية في مواجهة العنف، عبر مزج المخرجة بين الأرشيف العائلي، ولقطات الفيديو القديمة، والتصوير المعاصر، إلى جانب عناصر تعبيرية.

تؤكد المخرجة النرويجية أن التحدي الأكبر تمثل في كيفية التعامل مع الحزن الشخصي دون أن يطغى على بنية الفيلم، مشيرة إلى أن الحادث وقع عام 1995 وكان صدمة هائلة لها ولعائلتها، وأنها أمضت سنوات طويلة في محاولة التعايش مع هذا الفقد.

أرشيف شقيقها الراحل كان المرجع الرئيسي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأضافت أنها عندما بدأت دراسة السينما كان يُطرح عليها دائماً سؤال حول متى ستصنع فيلماً عن شقيقها، لكنها لم تكن تملك الإجابة في ذلك الوقت، لافتة إلى أنها لم تكن مستعدة لخوض هذه التجربة إلا بعد مرور سنوات، وبعدما خاضت رحلة طويلة في التعامل مع مشاعرها.

وأكدت أنها عندما قررت أخيراً تنفيذ الفيلم، اضطرت للعودة إلى كل تفاصيل القضية والبحث فيها من جديد، وهو ما أدخلها في حالة من الحزن المتجدد، لكنها في الوقت نفسه وجدت طريقة للتعامل مع ذلك، فتعاملت مع نفسها ومع شقيقها بوصفهما شخصيتين داخل العمل، وليسا مجرد تجربة شخصية، مشيرة إلى أن هذا الفصل بين الذاتي والسينمائي ساعدها على عدم السماح للحزن بأن يسيطر على البناء الفني، لأن الفيلم ليس عن حزنها أو حزن عائلتها، بل عن تجربة شقيقها نفسه.

وأوضحت أنها خلال إعادة قراءة رسائل وقصائد شقيقها من منظور إخراجي، اكتشفت أشياء لم تكن قد أدركتها بالكامل من قبل، وفوجئت بمدى شجاعته وقوته الداخلية، لأنه رغم محاولاته المتكررة للهروب وما تعرض له من عقاب وعزلة، ظل متمسكاً برغبته في الحرية، والأهم من ذلك أنه لم يفقد إنسانيته، بل كان يحاول رؤية الجانب الإنساني حتى في من احتجزوه، وهذا الجانب تحديداً كان الأكثر تأثيراً بالنسبة لها.

وأضافت أن قراءة هذه النصوص في السابق كانت تمنحها نوعاً من العزاء، لكنها هذه المرة تعاملت معها بشكل مختلف، فقامت بتحليل كل كلمة وكل جملة، وهو ما كشف لها عمق التجربة التي عاشها شقيقها، لافتة إلى أنها قبل العمل على الفيلم لم تكن قد استوعبت بشكل كامل كيف كان يعالج خوفه داخلياً خلال فترة الاحتجاز.

قدمت المخرجة واقعة مقتل شقيقها من منظور مختلف في شريط وثائقي (الشركة المنتجة)

وأشارت أنيت أوسترو إلى أن مسألة تحويل الذاكرة الشخصية إلى عمل سينمائي كانت معقدة، لأن الذاكرة بطبيعتها ذاتية ومشحونة بالمشاعر، بينما السينما تفرض نوعاً من التنظيم وإعادة البناء، وهو ما جعلها تظل صادقة مع ذاكرتها، وفي الوقت نفسه تقدم فيلماً يحمل بنية واضحة.

كما تحدثت عن إدخال عنصر الرقص في الفيلم، موضحة أن شقيقها كان مهتماً بالرقص وسافر إلى الهند لتعلم أحد أشكاله، وهو ما دفعها للتفكير في استخدام الرقص وسيلةً تعبيريةً، مشيرةً إلى أنها في البداية فكرت في الاستعانة براقص رجل، لكنها شعرت أن ذلك لا يعكس الفكرة بشكل مناسب، قبل أن تقرر استخدام راقصة تجسد الحياة الداخلية للشخصية بشكل أكثر تجريداً، وهو ما ساعدها في التعبير عن مشاعر لا يمكن للكلمات أن تنقلها.

Your Premium trial has ended


مصر: النهاية السعيدة لقصة «إسلام الضائع» تتحول إلى «كابوس»

«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
TT

مصر: النهاية السعيدة لقصة «إسلام الضائع» تتحول إلى «كابوس»

«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)

تحولت قصة الشاب المصري الذي يبحث عن أسرته الحقيقية بعد أن ثبت اختطافه وهو صغير، من النهاية السعيدة التي أعلنها قبل أيام بالعثور على أسرته، وأنه ينتمي إلى عائلة ليبية، إلى «كابوس» على حد وصفه، في فيديو على «تيك توك» أعلن فيه أنه قرأ نتيجة تحاليل «DNA» بطريقة خاطئة، وأنه لا ينتمي إلى العائلة الليبية، موجهاً الاعتذار إليهم وإلى كل مشاهديه ومتابعيه، طالباً منهم نسيان ما يسمى بـ«إسلام الضائع».

وارتبطت قصة الشاب إسلام الذي يبحث عن أسرته بقضية عُرفت باسم «عزيزة بنت إبليس» التي اختطفته رضيعاً من أحد المستشفيات بالإسكندرية لإيهام زوجها بأنه ابنها وأنها قادرة على الإنجاب، وكان إسلام ضحية ضمن ثلاث ضحايا آخرين اختطفتهم عزيزة التي تم الحكم عليها وعلى زوجها بالسجن.

وشاعت القصة واشتهرت بعد تناولها درامياً في مسلسل «حكاية نرجس» من بطولة الفنانة ريهام عبد الغفور، الذي تناول قصة الشاب إسلام، وكان اسمه في العمل الدرامي «يوسف»، وبعد انتهاء العمل الذي لاقى نجاحاً لافتاً بفترة قصيرة، أعلن إسلام أنه تعرف على عائلته، وحظي باهتمام كبير حين نشر صوره مع أسرة ليبية من قبيلة «الحراري» وقال إن له 21 أخاً وأختاً.

ثم عاد وأعلن خطأه في قراءة تحليل الحمض النووي موجهاً الاعتذار إلى متابعيه وإلى قبيلة «الحراري» الليبية التي اعتقد أنه ينتمي إليها.

وبينما أشار مؤسس صفحة «أطفال مفقودة» رامي الجبالي، إلى أن نتيجة تحليل الحمض النووي لإسلام والأسرة الليبية جاءت سلبية، وأن المعمل حاول التواصل معه لكنه لم يرد عليهم، لفتت تعليقات إلى أن إسلام عمد إلى نشر فيديوهات وصور مع من قال إنهم «عائلته الحقيقية» لحصد مكاسب على «تيك توك»، ثم أكد مؤسس صفحة «أطفال مفقودة» في تحديث لمنشوره أنه تواصل معه، وأن إسلام أخبره بأنه قرأ نتيجة التحاليل بالخطأ، متمنياً له التوفيق في إيجاد أسرته. وكتب على صفحته في «فيسبوك»: «الحمد لله يا إسلام أنك عرفت الحقيقة قبل أن يتكرر ما حصل مع العائلة الأخيرة وتكتشف بعد سنين أنهم ليسوا أسرتك».

إسلام الضائع مع الأسرة الليبية (فيسبوك)

الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، محمد فتحي، قال إن قصة «إسلام الضائع» تكشف عن كيف تتحول الحكايات الإنسانية سريعاً إلى «ترند جماهيري»، ثم إلى ساحة للاتهامات والتشكيك؛ فبين تعاطف واسع في البداية، وانقلاب مفاجئ بعد نتيجة تحليل الحمض النووي، ظهر اتهام بأنه يسعى للشهرة وركوب الموجة؛ لكن الواقع أكثر تعقيداً. مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «القصة في أصلها بحث حقيقي عن الهوية، إلا أن تضخيمها إعلامياً أسهم في رفع سقف التوقعات؛ ومع صدمة النتيجة، تحوّل الدعم إلى نقد قاسٍ».

في النهاية، لا يتحمل الفرد وحده المسؤولية، بل يشارك الجمهور والإعلام في صناعة «الترند»، ثم في هدمه بنفس السرعة؛ وهو ما جعل إسلام نفسه يدعو الناس لنسيانه، وفق تصريحات فتحي.

كان إسلام قد أعلن العثور على أسرته بعد رحلة بحث امتدت 43 عاماً، ولفت الانتباه بفيديوهات مواكبة لمسلسل «حكاية نرجس»، وطالب متابعيه على «تيك توك» بزيادة التفاعل والوصول لأرقام معينة، ووعدهم بعرض تفاصيل حكايته كاملة، ثم كشف عن توصله لجذوره الحقيقية وأنها تعود إلى ليبيا، قبل أن يظهر في بث مباشر ويقر بأن ما اكتشفه كان خطأ.

وترى أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن هذه القضية تشير إلى «ارتباك في الهوية والبحث عن الجذور، وهذا أمر إيجابي»، وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «الهدف من قصة الشاب الضائع هو البحث عن العائلة للشعور بالدفء والسعادة، لكن دون أن يكون في الأمر مخالفة أو خداع لأحد، قد يستغل البعض هذا الموضوع في الحصول على مكاسب بوسائل التواصل الاجتماعي، ما دام لم يعتدِ على أحد فلا مشكلة، خصوصاً أنه لم يؤذِ أحداً ولم يفعل شيئاً ضد الدين أو ضد القيم».


صفحات تعود إلى زمن لبناني واكبت فيه الكتابة قلق مشهد يتبدَّل

الكلمات التي كُتبت يومها كانت تمشي نحو ما سيحدث (رويترز)
الكلمات التي كُتبت يومها كانت تمشي نحو ما سيحدث (رويترز)
TT

صفحات تعود إلى زمن لبناني واكبت فيه الكتابة قلق مشهد يتبدَّل

الكلمات التي كُتبت يومها كانت تمشي نحو ما سيحدث (رويترز)
الكلمات التي كُتبت يومها كانت تمشي نحو ما سيحدث (رويترز)

تعود الباحثة والصحافية الدكتورة بسكال عازار شلالاً إلى إحدى أكثر اللحظات اللبنانية احتداماً، عبر كتابها «دور الصحافة اللبنانية عشية حرب لبنان» الصادر عن «دار سائر المشرق»، فتستعيد مرحلة كان الكلام فيها يسبق الرصاص أحياناً، ويواكبه أحياناً أخرى، بينما كانت البلاد تمضي بخُطى متسارعة نحو الانفجار الكبير. وتكتسب هذه العودة معناها الإضافي في شهر ذكرى اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية تاريخ 13 أبريل (نيسان) 1975، بما يُحرّك تساؤلات الذاكرة، والعِبرة، والخوف من تكرار المآسي.

صفحات لم تكتفِ برصد اللحظة فلامست ما كان يتشكّل في الخفاء (بسكال عازار شلالا)

يستوقف الكتاب قارئه منذ فكرته الأولى. فهو لا يحدّ وظيفة الصحافة بالتدوين اليومي للأحداث، وإنما يضعها في متن التاريخ اللبناني الحديث، ويراها مساحة التقطت تصدّعات المجتمع، وعاينت انقساماته، وواكبت تبدُّل أفكاره، وعكست صراعاته السياسية، والطائفية، والثقافية. فمنذ نشأتها، احتلَّت الصحافة اللبنانية مكانة خاصة في المحيط العربي، فشكَّلت منبراً للأفكار، والآراء، والرسائل العابرة للحدود، ومقصداً للكتّاب، والمفكرين، والسياسيين، ومسرحاً واسعاً لنقاشات كانت تتجاوز لبنان إلى المنطقة.

ولا يبدو اختيار شلالا لموضوعها سهلاً. فالاقتراب من تلك المرحلة يحتاج إلى جهد بحثي شديد الحساسية، لأنّ المادة التي يتناولها الكتاب تقع عند تقاطُع التاريخ، والإعلام، والسياسة، والمجتمع، وتتداخل فيها الوقائع مع الانفعالات، والطرح مع مساراته. وهذا ما يظهر في سعيها إلى مُساءلة دور الصحافة عشية الحرب، بعيداً عن الأحكام السريعة، والاتّهام المُعلَّب الذي يضع الإعلام وحده في قفص المسؤولية، كأنّ الخراب وُلد من عنوان عريض، أو افتتاحية نارية فقط.

بين السطور... بلدٌ كتب قلقه قبل أن يشهد عليه (أ.ف.ب)

يستحضر الكتاب الخلفية التي راكمت الشروخ اللبنانية على امتداد عقود. فقيام «لبنان الكبير» لم يأتِ على أرض مُتجانسة الرؤية إلى الكيان، والهوية، إذ نشأ خلاف عميق بين تصوّرين للوطن، أحدهما رأى في الكيان تتويجاً لتجربة تاريخية، والآخر نظر إليه على أنه خسارة سياسية، وانفصال عن امتداد عربي أوسع. ثم جاء «الميثاق الوطني» ليُجمِّد هذا التناقض من دون أن يقضي عليه، قبل أن تعود التصدّعات إلى الظهور مع التحوّلات الإقليمية، وصعود الناصرية، وأزمة 1958، ثم مع تعاظُم مسألة المشاركة في الحكم، وتبدُّل موازين القوى، ودخول العامل الفلسطيني المُسلَّح إلى المشهد اللبناني.

على هوامش الجرائد... كان القلق يُصاغُ عناوينَ قبل أن يصير واقعاً (أ.ف.ب)

يسرد الكتاب هذه الخلفيات، ويربطها بكيفية تصرُّف الصحافة اللبنانية وسط المناخ المشحون. وعبر شهادات سياسيين، وإعلاميين، وقارئين لتاريخ لبنان، يُجيب على أسئلة من بينها اثنان محوريان: هل حفظت الصحافة مسافةً من النار؟ أم اقتربت منها أكثر ممّا ينبغي؟ وهل كانت صفحات الجرائد مرآة لأزمة تتكوَّن في الشارع؟ أم تحوّلت في بعض اللحظات إلى شريك في رفع الحرارة العامة؟ ذلك يتيح تقدُّم أهمية العمل، لأنه لا يقرأ الصحافة من موقع التمجيد، ولا من موقع الإدانة المُسبقة. يقرأها من موقع الفحص المُتروّي لِما كتبته، وكيف؟ وفي أيّ سياق؟

وتزداد هذه المقاربة أهمية حين نستعيد صورة تلك المرحلة كما يرسمها الكتاب، عبر مشهديات التعبئة السياسية الشعبية الواسعة، والتعبئة الإعلامية، والآيديولوجية في موازاتها، وسط خطاب تصادمي مُتشنّج، ومنشورات حزبية موجَّهة، وتصاعُد في نفوذ الأحزاب الراديكالية، والمنظّمات الفلسطينية على المستويات الإعلامية، والسياسية، والعسكرية. أمام هذا المناخ، راحت اللغة تفقد توازنها شيئاً فشيئاً، وصار التخاطُب العام أكثر قسوة، وحدّةً، فيما كانت الدولة تتراجع، والجيش يُحاصَر بالشكوك، والانقسامات، ويعجز عن الإمساك بالشارع قبل أن ينفلت نهائياً.

صفحات تُمسك بلحظة كان فيها الكلام أقرب إلى ما سيأتي (أ.ب)

لهذا يبدو الكتاب أكثر من دراسة عن الصحافة. إنه قراءة في اللحظة التي يمكن أن يتحوّل فيها الكلام إلى أداة اصطفاف حادّ، وتفقد المفردات دورها في الشرح، والتقريب، لتصبح جزءاً من التعبئة النفسية، والمعنوية. وهذه مسألة تمسّ اللبنانيين اليوم أيضاً، بعدما عرف بلدهم حروباً متتالية، وخرج من جراح ليدخل في أخرى، وعاد في السنوات الأخيرة إلى اختبار القلق نفسه، وإنْ تبدّلت الوجوه، والعناوين، والساحات. من هنا يلامس الكتاب حساسيةً راهنة، لأنه يؤكّد أنّ المجتمعات المُتعَبة لا تنفجر من فراغ، وإنما تصل إلى حافة الهاوية عبر تراكُم طويل من الانقسامات، والخطابات المشحونة، والعجز عن إنتاج مساحة مشتركة.

اختارت شلالا أن تبني بحثها على رصد يومي يمتد سنةً كاملة، من 13 أبريل 1974 إلى 13 أبريل 1975، مُتتبعةً افتتاحيات، ومانشيتات 5 صحف هي: «النهار»، و«العمل»، و«النداء»، و«المحرّر»، و«السفير». وهذه المنهجية تمنح الكتاب ثقله الفعلي، لأنها تنقل النقاش من العموميات إلى المتابعة الدقيقة، وتتيح مقاربة الخطاب الصحافي كما تشكَّل يوماً بعد يوم على إيقاع الأحداث المُتلاحقة، لا كما يُدوَّن لاحقاً تحت ضغط الذاكرة، أو الانطباع الشخصي.