«المكتب الدولي» يعلن بدء العمل على «الرياض إكسبو 2030»

الأمين العام لـ«الشرق الأوسط»: المعرض سيكون محورياً في التحوّل الذي تشهده السعودية

TT

«المكتب الدولي» يعلن بدء العمل على «الرياض إكسبو 2030»

الأمين العام للمكتب الدولي للمعارض متحدّثاً لـ«الشرق الأوسط» خلال زيارته الرياض (تصوير: تركي العقيلي)
الأمين العام للمكتب الدولي للمعارض متحدّثاً لـ«الشرق الأوسط» خلال زيارته الرياض (تصوير: تركي العقيلي)

كشف الأمين العام للمكتب الدولي للمعارض ديمتري كيركنتزس، عن أن التحضيرات بدأت في الرياض «لتحويل خطط معرض الرياض إكسبو 2030 إلى الواقع الذي تطمح إليه السعودية والمكتب الدولي»، معرباً في حوار مع «الشرق الأوسط» عن أمله بأن يلعب المعرض دوراً محوريّاً في النهضة التي تشهدها البلاد.

وأعلن المكتب الدولي للمعارض «BIE» في بيان، الجمعة، أن الأمين العام للمكتب ديمتري كيركنتزس، أجرى الزيارة الفنية الأولى إلى الرياض منذ فوزها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 باستضافة نسخة المعرض للعام 2030»، وخلال الزيارة التي استمرت 4 أيام، استعرض الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، مع كيركنتزس استعدادات السعودية وتجهيزاتها لاستضافة «الرياض إكسبو 2030»، كما التقى الأخير عدداً من كبار المسؤولين السعوديين، في اجتماعات فنّيّة لمناقشة خطط المعرض وتنسيق إعداد ملف التسجيل الخاص بالمعرض.

ولي العهد السعودي استعرض مع كيركنتزس استعدادات السعودية وتجهيزاتها لاستضافة «الرياض إكسبو 2030» (واس)

ولفت البيان إلى أنه منذ فوز الرياض في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 خلال تصويت الجمعية العمومية الـ173 للمكتب الدولي للمعارض، تم تنسيق الاستعدادات على أعلى مستوى للتحضير للمعرض، والعمل على ملف التسجيل الخاص بـ«الرياض إكسبو 2030»، وتشمل هذه الجهود وفقاً للمكتب الخطوة التالية: «بدء الإجراءات المتعلقة بالبنية التحتية للمعرض»، في وقتٍ تعيش فيه الرياض مرحلة من نهضة استثنائية خلال السنوات الماضية، وسط مسعى البلاد لأن تكون العاصمة السعودية من أكبر 10 اقتصادات مدن العالم، بوصف ذلك جزءاً من خطط تنويع مصادر الدخل ونمو الاقتصاد.

ووفقاً للمكتب الدولي للمعارض، ستقدّم الرياض خطة مفصّلة لتنفيذ «الرياض إكسبو 2030»، بما في ذلك التدابير التشريعية والمالية، والخطة الرئيسية لموقع إكسبو، ومشاريع الإرث، ليتم نتيجةً لذلك اعتماد وتسجيل «الرياض إكسبو 2030» في الجمعية العمومية للمكتب الدولي للمعارض، وبدء تواصل السعودية مع الدول المشاركة، وتنفيذ مشروع المعرض.

«الشرق الأوسط» التقت الأمين العام للمكتب الدولي للمعارض ديمتري كيركنتزس خلال زيارته الرياض، في أول حوار يجريه منذ فوز العاصمة السعودية باستضافة نسخة عام 2030.

«جئنا لبدء العمل فريقاً واحداً»

عن زيارته الأولى بعد فوز العاصمة السعودية باستضافة «الرياض إكسبو 2030» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي خلال تصويت الجمعية العامة الـ173 بمقر المكتب الدولي للمعارض في العاصمة الفرنسية باريس، قال كيركنتزس: «أولاً وقبل كل شيء، كان من دواعي سروري العودة مرة أخرى إلى هنا؛ بدت الأمور وكأنني في بيتي الثاني، وما رأيناه في زيارتنا الأولى، التي جئنا فيها لبدء العمل معاً فريقاً واحداً لتنفيذ هذا المشروع المهم والاستثنائي الذي يتطلّع إليه الجميع في عام 2030، وما أسعدني حقاً رؤيته أنه منذ الفوز بالتصويت على استضافة المعرض، عادت الفرق السعودية إلى الرياض بعد 24 ساعة، للبدء في المرحلة التالية من التحضير. لم يكن أحد يحتفل لفترة طويلة؛ إنهم يعلمون أن الطريق أمامنا طويلة، وهذه خطوة على الطريق، ولدينا كثير من العمل الذي يتطلب جهداً كبيراً».

ونوّه كيركنتزس إلى أنه يعلم أن الفرق هنا وخاصةً في «الهيئة الملكية لمدينة الرياض» و «صندوق الاستثمارات العامة»، يعملون بجد الآن من أجل الوصول إلى المرحلة التالية من التحضير، والبدء في تنفيذ هذه النسخة من إكسبو الذي نال تصويتاً ساحقاً من قبل الجمعية العمومية للمكتب الدولي للمعارض لتصبح «نسخة استثنائية وغير مسبوقة».

كيف تتوقع الرياض في عام 2030؟

بسؤاله عن توقعاته للرياض بعد ستة أعوام، يجيب الأمين: «الرياض تتغير في كل مرة أعود إليها. هناك دائماً شيء جديد لرؤيته، وأعتقد أن هذا يشهد على التطور والتحوّل الرائع، وهو ليس تحوّلاً في الرياض فقط، وإنّما في السعودية كلها... في ظل رؤية ولي العهد، أرى في كل مرة أعود فيها إلى الرياض تطوّراً جديداً، وانعكس إيجاباً على حياة السكّان، ويعمل على جعل الرياض واحدة من أهم الوجهات على الأرجح في العالم بحلول عام 2030».

وحسب تعبير الأمين العام للمكتب الدولي للمعارض، فإن «الرياض إكسبو 2030 سيكون قادراً على أداء جزء من هذا الدور المحوري في تحوّل السعودية».

المشاريع الكبرى

تتمتّع الرياض بالعديد من المشاريع الكبرى التي يجري العمل على تنفيذها في الرياض لتتزامن مع عام «رؤية السعودية 2030» و«الرياض إكسبو 2030»، وفي سؤال لـ«الشرق الأوسط» عن أيّ منها لفت انتباهه.

رد كيركنتزس: «كما تعرف، بالنسبة لي، لكوني من المكتب الدولي للمعارض، بالطبع معرض الرياض إكسبو 2030 هو أهم المشاريع الكبرى في الرياض (ضاحكاً)»، واستطرد: «لكن أعتقد أن عليك أن تنظر إلى الأمر بواقعية، هذا تحول لمدينة ودولة، وهذا لا يحدث في لحظة، ولا يحدث بفعل حدث واحد فقط. هناك العديد من القطع التي يجب أن تنظّم وتركَّب لتتناسب معاً بشكل مثالي، وهذه هي الاستراتيجية الرائعة التي نراها في (رؤية السعودية 2030)، بقيادة ولي العهد، لإنجاح هذا التحوّل، وأعتقد أن معرض الرياض إكسبو 2030 هو أبرز تلك القطع الرئيسية».

كان كيركنتزس في جولة بحي الطريف التاريخي في الدرعية، الخميس، وقال: «على سبيل المثال كنت في زيارة للدرعية أمس، ومرةً أخرى رأيت التغييرات الجديدة التي حدثت هناك؛ كما أُبلِغت عن مختلف المشاريع التي يجري تطويرها الآن في الموقع المحيط بمكان إقامة المعرض».

يتابع: «أيضاً المطار الجديد (مطار الملك سلمان الدولي في الرياض)، سيكون بوابة جديدة للعالم للوصول إلى السعودية، واستكشاف بلد لم تُتح لكثير من سكان العالم الفرصة بعد لزيارته، ومن ثم أعتقد أن كل ذلك جنباً إلى جنب مع التطوّر السياحي الرائع الذي اطّلعت عليه خلال العامين الماضيين اللذين عملت فيهما مع السعودية، سيؤدي إلى ارتفاع هائل في عدد الراغبين في القدوم إلى هنا واكتشاف جوهرة لم يروها من قبل».

عوامل الفوز التاريخي

سألت «الشرق الأوسط» عن العوامل التي ساهمت في الفوز التاريخي للرياض باستضافة المعرض بواقع 119 صوتاً من الجولة الأولى للتصويت، مقابل 29 صوتاً لكوريا و17 لإيطاليا، وعدّ كيركنتزس العوامل كثيرة، وأردف مؤكداً: «كان هناك فعلاً كثير من العوامل التي شكّلت هذا القرار الحاسم في الجمعية العامة (للمكتب الدولي للمعارض)» ويعتقد الأمين أن العالم رأى التحول الذي تمر به السعودية، وكثيرون حول العالم يرغبون في المشاركة في هذا التحول الاقتصادي والاجتماعي الذي وصفه بالمذهل، خصوصاً في الرياض، ويسعون من خلاله إلى تعزيز التعاون معاً، للمساهمة ولو بجزء صغير في تنمية المنطقة والعالم.

جانب من الاجتماعات الفنّية التي جمعت وفد المكتب الدولي للمعارض ومسؤولين سعوديّين (المعرض الدولي للمعارض)

واستكمل كيركنتزس شرح العوامل: «في الوقت ذاته، هناك أهمية في وجود حدث (مثل إكسبو) في المنطقة، ونحن بحاجة لمواصلة العمل مع السعودية، والإقليم بأكمله. (إكسبو) وسيلة لإقامة حدث (غير تنافسي)، حيث تجتمع جميع دول العالم للعمل معاً من أجل مستقبل أفضل، والموضوع الرئيسي، والمواضيع الفرعيّة التي تضمّنها ملف (الرياض إكسبو 2030) ستدفع العالم، بوجود العديد من الخبراء والأكاديميين الذين سيوجدون هنا على مدى 6 أشهر، للتفكير والنقاش حول هذا الطرح لمستقبل العالم ودفع مساعي ابتكار الحلول التقنية والمستدامة للقضايا الملحّة والتنمية إلى الأمام». وعندما تأخذ كل ذلك في الاعتبار، يقول كيركنتزس: «أعتقد أنك تدرك أنه لم يكن هناك خيار آخر في تلك اللحظة، سوى التصويت للرياض».

«سؤال صعب»

كان ولي العهد السعودي أكد أن «السعودية ستقدم نسخة استثنائية وغير مسبوقة في تاريخ إكسبو من خلال توفير منصة عالمية تقدم أحدث التقنيات»، وعند سؤال الأمين العام للمكتب الدولي للمعارض عن أهم التقنيات والابتكارات الجديدة التي يتوقع رؤيتها في «الرياض إكسبو 2030»، أجاب: «هذا سؤال صعبة للغاية الإجابة عنه»، وعلّل بالقول: «يحاول كل معرض إظهار الجيل القادم من التقنيات، وكما تعلم، نحن الآن في عام 2024، وأمامنا 6 سنوات أخرى قبل أن يفتح الرياض إكسبو 2030 أبوابه؛ كما يمكنك أن تتخيل، وكما نرى في حياتنا اليومية، فإن التقنية تتحرك بوتيرة مذهلة».

تحدي التقنيات الأكثر ابتكاراً

يرى الأمين أن ما يحاول ولي العهد السعودي إيصاله هو «معرض مبتكر لم نشهد مثله من قبل».

يواصل كيركنتزس بالقول: «وقبل ذلك، سنحاول تجاوز حدود ما قدمته المعارض في الماضي وما يمكننا تقديمه في المستقبل، ولهذا السبب أعتقد أنه يستهدف (ولي العهد السعودي) ويطلب من جميع دول العالم أن تفكِّر حقاً في الأمر خلال هذه السنوات الست من الإعداد لاستخدام قطاعيها العام والخاص وجلب التقنيات الأكثر ابتكاراً إلى هنا، التي ستكون لها أهمية بالغة، وتأثير إيجابي على حياتنا في المستقبل».

وزاد: «أعتقد أن هذا هو التحدي الذي وضعه للمجتمع الدولي، وأعتقد أن المجتمع الدولي سوف يستجيب له في عام 2030».

مستقبل صناعة المعارض

يرى كيركنتزس أن هناك دفعة كبيرة من المعارض الدولية مثل «معارض إكسبو المتخصصة» والمعارض العالمية، نجح من خلالها المكتب الدولي للمعارض في استهداف بلدان مضيفة جديدة.

ويواصل: «كما تعلم، في عام 2027، سيذهب إكسبو إلى بلغراد في صربيا، وهي الدولة التي لم تستضف إكسبو من قبل، وفي عام 2030، نحن قادمون إلى المملكة العربية السعودية في الرياض، ومرة أخرى، أعتقد أن هذا أمر بالغ الأهمية، وعلينا أن نستمر في جلب هذه الأحداث إلى البلدان التي لم تتح لها مطلقاً إمكانية استضافتها في الماضي».

كما تعلم، من المريح جداً دائماً العودة إلى صديق قديم، وأنا أتطلع بشدة إلى عام 2025 في أوساكا، في اليابان، أعرف الأشياء المذهلة التي يمكنهم القيام بها مع معرض إكسبو، ولكن أعتقد أنه يجب علينا الموازنة في بعض الأحيان بين العودة إلى الأصدقاء القدامى، والدفع إلى حدود جديدة، ومناطق جديدة وبلدان جديدة. حسب تعبير كيركنتزس، ويضيف: «أعتقد أن هذا هو الاتجاه الذي سنشهد استمراره خلال العقدين المقبلين».


مقالات ذات صلة

«جونسون كنترولز العربية»: فرص النمو في السعودية تتجه للذكاء الاصطناعي

خاص الرئيس التنفيذي لشركة «جونسون كنترولز العربية» د. مهند الشيخ (الشرق الأوسط) p-circle 01:03

«جونسون كنترولز العربية»: فرص النمو في السعودية تتجه للذكاء الاصطناعي

مع تسارع التحولات الاقتصادية عالمياً، وإعادة الدول ترتيب أولوياتها الاستثمارية وسلاسل الإمداد، تبرز السعودية لاعباً محورياً لرؤيتها الواضحة لتمكين القطاع الخاص.

زينب علي (الرياض)
الاقتصاد وزير الاستثمار السعودي المهندس خالد الفالح (الشرق الأوسط)

الفالح: التبادل التجاري بين السعودية واليابان ارتفع 38 % في 8 سنوات

أكّد وزير الاستثمار السعودي، المهندس خالد الفالح، أن التبادل التجاري بين المملكة واليابان ارتفع بنسبة 38 % من عام 2016 إلى 2024، ليصل إلى 138 مليار ريال.

الاقتصاد وزير الاقتصاد والتجارة والصناعة الياباني ريوتسي أوكازاوا (الشرق الأوسط)

وزير الاقتصاد الياباني يتوقع نجاحاً هائلاً لـ«إكسبو الرياض 2030»

قال وزير الاقتصاد والتجارة والصناعة الياباني، ريوتسي أوكازاوا، إن بلاده ستشارك في «إكسبو الرياض 2030»، معرباً عن توقعاته بأن يحقق المعرض نجاحاً هائلاً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد رسم تخيلي لمخطط «إكسبو 2030 الرياض» (الشرق الأوسط)

«إكسبو 2030 الرياض» ترسّي العقد الرئيسي للبنية التحتية على «نسما وشركاهم»

أعلنت شركة «إكسبو 2030 الرياض» ترسية العقد الرئيسي لأعمال البنية التحتية والمرافق الأساسية في موقع المشروع على مجموعة «نسما وشركاهم».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص رئيس مجلس إدارة الهيئة فهد الرشيد متحدثاً في «القمة الدولية لصناعة المعارض والمؤتمرات» (الشرق الأوسط)

خاص السعودية ضمن أسرع أسواق المعارض والمؤتمرات نموّاً في «مجموعة العشرين»

تستعد السعودية لمرحلة توصف بأنها «العقد الذهبي لفعاليات الأعمال»، مدفوعة بنمو غير مسبوق في قطاع المعارض والمؤتمرات.

عبير حمدي (الرياض )

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

خلال 40 يوماً من الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ابتداءً من 28 فبراير (شباط) الماضي، ظهر موقف الجماعة الحوثية بوصفه من أكثر المواقف إثارة للتساؤل في الأوساط السياسية والعسكرية، ليس نتيجة ما قامت به الجماعة، بل بسبب ما امتنعت عنه؛ حيث لم يرتقِ دورها إلى المستوى الذي يترجم شعار «وحدة الساحات» كما الحال مع «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية المسلحة.

فالجماعة التي اكتسبت حضورها الإقليمي بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عبر تصعيدها في البحر الأحمر وخليج عدن والهجمات ضد إسرائيل، مع رفعها شعار «وحدة الساحات» عنواناً لتحالفاتها، بدت هذه المرة أكثر تحفظاً، مكتفية بأدوار أدائية محدودة مقارنة مع خطابها المرتفع، في سلوك يعكس -وفق تقديرات مراقبين- انتقالاً واضحاً من التعبئة الآيديولوجية إلى حسابات أكثر براغماتية تحكمها «معادلة البقاء» في المقام الأول.

في هذا السياق، اقتصر تدخل الحوثيين على تبني 5 عمليات هجومية بالصواريخ والمسيّرات، كانت ذات طابع رمزي ودون تأثير على مسار المعركة، بهدف تسجيل موقف سياسي إلى جانب إيران دون الانخراط في مواجهة واسعة، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الجماعة وطهران، وحدود التزامها الفعلي، في إطار ما يُعرف بمحور «المقاومة».

عنصر حوثي يحمل سلاحاً على الكتف خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وتشير هذه المعطيات إلى أن قيادة الجماعة أعادت ترتيب أولوياتها وفقاً لمعادلة البقاء الداخلي، التي باتت تتقدم على أي اعتبارات آيديولوجية أو تحالفات إقليمية، فبعد سنوات من الصراع، استمر الحوثيون في سيطرتهم على أجزاء واسعة من شمال اليمن، وأصبح هدفهم الأساسي يتمثل في تثبيت هذه السيطرة وتحويلها إلى واقع سياسي معترف به.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يفسّر الباحث والأكاديمي اليمني الدكتور فارس البيل هذا السلوك بأن «تلكؤ الجماعة في الانخراط الكامل ليس أمراً مستجداً، بل تكرر في حرب الـ12 يوماً (حرب أميركا وإسرائيل على إيران في صيف العام الماضي)، غير أن ذلك لا يعني استقلال قرارها عن إيران»، مشيراً إلى أن «الرد الأميركي والإسرائيلي العنيف، وتجربة الحوثيين السابقة مع الضربات، جعلا أي انخراط واسع بمثابة تهديد وجودي قد يقود إلى نهايتهم».

ومن هذا المنطلق، يرى محللون يمنيون أن انخراط الجماعة في حرب إقليمية مفتوحة دفاعاً عن إيران لم يكن خياراً واقعياً، بالنظر إلى التكلفة المرتفعة التي قد تترتب عليه. فمثل هذا الانخراط كان سيُعرّض ما تبقى من البنية العسكرية للجماعة إلى خطر التدمير، ويُهدد بإعادة خلط الأوراق داخلياً، خصوصاً في ظل احتمالية المواجهة مع القوات الحكومية وانهيار التهدئة الهشّة المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2022.

كما أن ترسانة الجماعة الصاروخية ومن المسيّرات، التي تُمثل أحد أبرز عناصر قوتها في أي مواجهة محلية، تجعل من استخدامها في معارك بعيدة مخاطرة غير محسوبة، ولهذا تُشير التقديرات إلى أن الجماعة فضّلت الاحتفاظ بقدراتها العسكرية لخدمة أهدافها الداخلية، بدلاً من استنزافها في صراع غير مضمون العواقب.

هاجس الردع الدولي

ولعبت تجربة الحوثيين السابقة في استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر دوراً محورياً في تشكيل موقفهم خلال الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، فعلى الرغم من المكاسب الإعلامية التي حققتها تلك العمليات، فإنها قوبلت بردود عسكرية قوية من الولايات المتحدة وبريطانيا، قبل أن تفاقم إسرائيل الوضع عبر 19 موجة من الضربات الموجعة.

مسلح حوثي خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيم الجماعة في 10 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

وكما يبدو، فإن هذه الضربات خلال العامين الماضيين تركت أثراً واضحاً في حسابات القيادة الحوثية التي باتت تُدرك أن التصعيد ضد المصالح الدولية قد يستدعي ردّاً واسع النطاق يتجاوز الضربات الغربية والإسرائيلية السابقة إلى عمليات أكثر شمولاً قد تُهدد وجودها، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع منح القوات الحكومية الشرعية الضوء الأخضر لإطلاق عمليات برية لتحرير المحافظات الخاضعة للجماعة.

وفي هذا الإطار، يربط الدكتور البيل بين هذا الإدراك وحالة الضعف التي أصابت شبكة النفوذ الإيراني، مشيراً إلى أن «تشتت الأذرع، وتراجع فاعلية مراكز القيادة في (الحرس الثوري) بعد الضربات، أفقدا طهران القدرة على إدارة الساحات بشكل متماسك، وهو ما انعكس في خطاب حوثي متردد ومضطرب منذ بداية الحرب».

كما يؤكد البيل أن «إيران قد تنظر إلى اليمن بوصفه ساحة احتياط، وليس ساحة اشتباك رئيسية، في ظل محدودية تأثير الحوثيين مقارنة بفصائل أقرب جغرافياً، ما يجعل الجماعة ورقة مؤجلة تستخدم في سياق المساومة أو التصعيد المرحلي».

وفي السياق ذاته، بدا أن الجماعة اختارت استراتيجية «تجنب الاستفزاز»، من خلال تنفيذ هجمات محدودة لا تدفع نحو تصعيد كبير، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لطبيعة موازين القوى، وحرصاً على تجنب الانزلاق إلى مواجهة غير متكافئة.

طبيعة العلاقة

وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، والتي غالباً ما تُصوَّر على أنها علاقة تبعية كاملة، غير أن الأداء الفعلي للجماعة خلال الحرب أظهر قدراً من التحفظ في إظهار الولاء المطلق، على الرغم من تصريحات القيادات الإيرانية وتهديدهم بورقة البحر الأحمر وباب المندب، في إشارة إلى حليفهم الحوثي.

ويؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الإله سلام أن الجماعة تحمل بُعداً عقائدياً يمنحها شعوراً بالخصوصية، ما يجعل قرارها «مستقلاً نسبياً» داخل المحور الإيراني، مشيراً إلى أنها تعتمد سياسة «الإبطان» تكتيكاً براغماتياً، فتقلص انخراطها عندما تشعر بتهديد وجودي أو اختلال في موازين القوى.

أشخاص يستقلون سيارة في صنعاء تمر أمام لوحة إعلانية رقمية تحمل صورة زعيم الحوثيين يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ويضيف سلام في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هذا السلوك، رغم ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» تدريباً وتسليحاً، «يوحي بوجود تعدد في مراكز التأثير على قرارها»، مستشهداً بتجربة «اتفاق استوكهولم»، التي أوقفت المواجهات في الحُديدة وأبقت على نفوذ الحوثيين، بما يُعزز فرضية أن الجماعة تتحرك ضمن شبكة توازنات أوسع من مجرد التبعية لطهران.

في المقابل، يقدّم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية مغايرة، إذ يتهم الجماعة بأنها «أداة إيرانية» لزعزعة الاستقرار الإقليمي، وتهديد أمن الممرات المائية الدولية، مؤكداً أن استمرار سيطرتها على أجزاء من اليمن يجعل هذا التهديد قائماً ومتصاعداً.

ويشدد العليمي من خلال تصريحاته الرسمية الأخيرة، على أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن لم يعد شأناً داخلياً، بل قضية دولية تمس أمن التجارة العالمية، داعياً المجتمع الدولي إلى تبني مقاربة أكثر حزماً «تنهي التهديد، ولا تكتفي باحتوائه».

كما يتهم طهران بأنها تسعى إلى توسيع الصراع عبر استخدام الحوثيين منصةً إقليميةً، في إطار استراتيجية لإرباك المنطقة وإضعاف الدول الوطنية، وهو ما يفرض -حسب تعبيره- التعامل مع الملف اليمني ضمن سياقه الإقليمي الأوسع.

تراجع شعار «وحدة الساحات»

وكشفت حرب الأربعين يوماً عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي للجماعة وممارساتها على الأرض، فشعار «وحدة الساحات»، الذي استُخدم خلال الحرب في غزة لتبرير انخراطها الإقليمي، بدا في هذه الحرب أقرب إلى أداة دعائية منه إلى استراتيجية فعلية.

ففي حين رُفع هذا الشعار بقوة خلال الحرب في غزة، وترافق مع عمليات استهداف للملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، جرى التعامل معه بمرونة ملحوظة في مواجهة الحرب ضد إيران، إذ اقتصر التفاعل الحوثي على خطوات محسوبة، تجنبت الانخراط الكامل، وراعت في الوقت ذاته عدم الظهور بمظهر المتخلي عن الحليف.

الحوثيون يحرقون العلم الإسرائيلي خلال تجمع لهم في صنعاء هذا الشهر (إ.ب.أ)

كما أن غياب الجماعة شبه التام خلال «حرب الاثني عشر يوماً» في 2025، ثم حضورها المحدود في الحرب الأخيرة، يُعزز الاستنتاج بأن قرار المشاركة لا تحكمه اعتبارات آيديولوجية بحتة، بل يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالمخاطر والمكاسب.

ولم تكن هذه الحسابات الحوثية مجرد استنتاجات، بل أكدتها كواليس التقييمات الأميركية، بعد أن حسم وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، هذا الجدل في إحاطة صحافية بمقر البنتاغون الخميس الماضي؛ حيث أعلن بوضوح أن الحوثيين فضلوا البقاء خارج أتون هذا الصراع الإقليمي المباشر، واصفاً قرارهم بـ«الجيد».

وكان المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، قد حذّر في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن من أن سلوك الحوثيين، بما في ذلك الهجمات الأخيرة، يُثير مخاوف من انزلاق اليمن إلى صراع إقليمي أوسع، رغم تجنبه هذا السيناريو حتى الآن.

ودعا غروندبرغ الجماعة إلى الامتناع عن أي تصعيد جديد، حفاظاً على فرص السلام، مؤكداً أن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن تُمثل أولوية دولية، وهو ما يتقاطع مع تحذيرات الحكومة اليمنية.

من كل ذلك، يظهر أن شعار «وحدة الساحات» بالنسبة للحوثيين تحوّل إلى شعار مطاطي يُستخدم وفقاً للظروف، ويُعاد تفسيره بما يتناسب مع أولويات الجماعة، التي باتت تميل بوضوح إلى تغليب حسابات البقاء وتعظيم المكاسب الداخلية، حتى إن جاء ذلك على حساب التزاماتها المعلنة داخل المحور الإيراني.


«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
TT

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)

في مشهد يتكرر كل عام، لكنه يزداد نضجاً، واتساعاً، تتحول رحلة الحج من مجرد انتقال جغرافي إلى تجربة إنسانية متكاملة تبدأ من مطارات الدول المستفيدة، حيث تُختصر المسافات، وتزال التعقيدات، وتُستبدل بها منظومة خدمات دقيقة تعكس رؤية متقدمة في خدمة ضيوف الرحمن. هكذا تواصل مبادرة «طريق مكة» ترسيخ نموذجها الفريد الذي أعاد تعريف رحلة الحج منذ لحظتها الأولى، وجاعلاً من السلاسة عنواناً، ومن الكرامة أولوية، ومن التقنية شريكاً أساسياً في كل خطوة.

انطلاق رحلات الحجاج من أنقرة ضمن المسارات المخصصة للمبادرة (واس)

وللعام الثامن على التوالي، تواصل وزارة الداخلية السعودية تنفيذ مبادرة «طريق مكة» -إحدى مبادراتها ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن، وأحد برامج «رؤية المملكة 2030»- عبر 17 منفذاً في 10 دول، تشمل المملكة المغربية، وجمهورية إندونيسيا، وماليزيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، وجمهورية بنغلاديش الشعبية، والجمهورية التركية، وجمهورية كوت ديفوار، وجمهورية المالديف، إضافة إلى دولتي السنغال وبروناي دار السلام اللتين تشاركان للمرة الأولى.

وتهدف المبادرة إلى تيسير رحلة الحج من خلال تقديم خدمات متكاملة، وعالية الجودة، تبدأ بإصدار تأشيرة الحج إلكترونياً، مروراً بإنهاء إجراءات الجوازات في مطارات بلدان المغادرة، بعد التحقق من الاشتراطات الصحية، وأخذ الخصائص الحيوية، وترميز وفرز الأمتعة وفق ترتيبات النقل، والسكن داخل المملكة. وعند وصول الحجاج، ينتقلون مباشرة عبر مسارات مخصصة إلى الحافلات التي تقلهم إلى مقار إقامتهم في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، فيما تتولى الجهات الشريكة إيصال أمتعتهم.

تكامل الجهات الحكومية في تقديم خدمات متقدمة لضيوف الرحمن (واس)

وفي إطار انطلاق موسم حج هذا العام، غادرت أولى رحلات المستفيدين من المبادرة من عدد من الدول، حيث انطلقت من جمهورية بنغلاديش الشعبية عبر صالة المبادرة في مطار حضرة شاه جلال الدولي متجهة إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، وبحضور عدد من المسؤولين، في خطوة تعكس جاهزية عالية، وتنسيقاً متكاملاً.

كما شهدت مدينة كراتشي في باكستان مغادرة أولى الرحلات عبر مطار جناح الدولي متجهة إلى مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة، في حين غادرت أولى الرحلات من ماليزيا عبر مطار كوالالمبور الدولي إلى الوجهة ذاتها، وسط حضور رسمي يعكس أهمية المبادرة في تعزيز تجربة الحجاج.

وامتد تنفيذ المبادرة إلى الجمهورية التركية، حيث انطلقت أولى الرحلات من مطار إيسنبوغا الدولي في أنقرة، متجهة إلى المدينة المنورة، ضمن منظومة تشغيلية موحدة تعكس تكامل الجهود بين مختلف الجهات المعنية.

خدمات تقنية ولوجيستية متكاملة تعزز تجربة الحجاج منذ المغادرة (واس)

وتنفذ وزارة الداخلية السعودية المبادرة بالتعاون مع وزارات الخارجية، والصحة، والحج والعمرة، والإعلام، والهيئة العامة للطيران المدني، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة العامة للأوقاف، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، والمديرية العامة للجوازات، وبالتكامل مع الشريك الرقمي (مجموعة stc).

ومنذ إطلاقها في عام 1438هـ (2017)، أسهمت مبادرة «طريق مكة» في خدمة أكثر من 1.25 مليون حاج، في مؤشر واضح على نجاحها في تحقيق مستهدفاتها، وتطوير تجربة الحج بما يواكب تطلعات المملكة في تقديم خدمات استثنائية لضيوف الرحمن، ترتقي بتجربتهم الإيمانية، وتجسد صورة حديثة لإدارة الحشود، والخدمات اللوجيستية على مستوى عالمي.


وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا
TT

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

شارك الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، في الاجتماع الوزاري الرباعي، الذي عقد في مدينة أنطاليا بتركيا، بمشاركة نائب رئيس الوزراء وزير خارجية باكستان محمد إسحاق دار، ووزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي، ووزير خارجية تركيا هاكان فيدان.
وجرى خلال الاجتماع مناقشة مستجدات الأوضاع الإقليمية، ودعم جهود الوساطة الباكستانية ومساعيها في التوصل لوقف دائم لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، بما يسهم في خفض حدة التصعيد ويجنب المنطقة والعالم التداعيات الأمنية والاقتصادية الخطيرة للحرب.