العراق: قاتل هشام الهاشمي حر و«صفر دعاوى» ضد قتلة المتظاهرين

«الشرق الأوسط» تحصل على أول إفادة قضائية: براءة لعدم كفاية الأدلة

هشام الهاشمي (إكس)
هشام الهاشمي (إكس)
TT

العراق: قاتل هشام الهاشمي حر و«صفر دعاوى» ضد قتلة المتظاهرين

هشام الهاشمي (إكس)
هشام الهاشمي (إكس)

أكد القضاء العراقي تبرئة قاتل الباحث هشام الهاشمي والإفراج عنه، وفي حين رفضت عائلته التواصل مع جهات إنفاذ القانون لمتابعة القضية، عاد المتهم - المُدان بالجريمة - «بريئاً» إلى مهامه في وزارة الداخلية «بشكل طبيعي»، وفقاً لمصادر متقاطعة.

وقالت المتحدثة باسم مجلس القضاء العراقي، سنان غانم، في تصريح، لـ«الشرق الأوسط»، إن «محكمة عراقية أصدرت حكماً بالبراءة لصالح أحمد حمداوي الكناني؛ لعدم كفاية الأدلة».

وهذه أول إفادة عراقية رسمية بشأن القضية التي شغلت الرأي العام لفترة طويلة، بعد أيام من نشر تسريبات عن قيام محكمة الجنايات بإعادة محاكمة الكناني والإفراج عنه، بعد نحو 3 سنوات ونصف السنة على مقتل الهاشمي في بغداد.

وقال مصدر قضائي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الكناني أنكر ارتكابه الجريمة أمام القاضي، في جلسة كانت مخصصة لإعادة النظر بالقضية».

أحمد الكناني الذي أدين بقتل الهاشمي عام 2020 وجرت تبرئته أخيراً (إعلام أمني)

وكانت السلطات الأمنية العراقية قد بثت اعترافات الكناني، في 16 يوليو (تموز) 2020، بعد 10 أيام من وقوع الجريمة، قال فيها إنه «من ضمن مجموعة أشخاص خططوا ونفذوا القتل بعد متابعة لتحركات الهاشمي حتى وصل إلى منزله».

وحينها كان الهاشمي يركن سيارته ليلاً في حي زيونة، شرق العاصمة، عندما نزل القاتل من دراجة نارية واتجه نحو الضحية وأرداه بأربع رصاصات.

وظهر الكناني، خلال فيديو الاعتراف، وهو يؤشر على مُنفذ الجريمة في شاشة كانت تعرض محتوى من كاميرا مراقبة، وقال: «سحبت مسدس الشرطة الخاص بي، وقتلت الهاشمي أمام منزله»، بعدما فشل في إطلاق النار من سلاحه الشخصي نوع «رشاش»، ويُعرف محلياً بـ«الغدارة».

الكناني وهو يشير إلى نفسه في مشهد كاميرا مراقبة وهو يطلق النار على الهاشمي (إعلام أمني)

وعرضت السلطات الأمنية صوراً للسلاح المستخدم ورقمه، مع صورة لخرطوش الرصاص الذي قُتل به الهاشمي، وقالت إنها مطابقة لأقوال الكناني وسلاحه الرسمي.

واستغرب ناشطون كيف أفرج القضاء عن الكناني بوجود دليل عن السلاح المستخدم، والموثق في اعترافات بثتها السلطات الرسمية.

لكن محامياً عراقياً على اطلاع وثيق بالقضية قال، لـ«الشرق الأوسط»، إن «محاكم التمييز لا تعتد بمقاطع الفيديو دليلاً كافياً للإدانة، وتحتاج إلى شيء ملموس كالاعتراف والشهود قد تقر حكماً باتّاً».

وفي العادة، تحرر السلطات القضائية للإعلام بيانات صحافية عن أحكامها، لكنها لم تفعل ذلك بعد صدور قرار براءة الكناني. في حين قال المحامي، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، إن «روتين المحاكم يقضي بطباعة الأحكام بعد أسبوع تقريباً من صدورها».

صورة عرضتها السلطات العراقية صيف 2020 لسلاح حكومي استخدمه الكناني لقتل الهاشمي

من الإدانة إلى البراءة

كيف وصلنا إلى هنا؟ هذه أكثر قضائية جنائية شهدت تقلبات شديدة منذ الكشف عن مُنفذها؛ لارتباطها بشخص هشام الهاشمي نفسه، وتزامنها مع تحولات سياسية عاصفة.

وعُرف الهاشمي بأنه باحث مختص في شؤون الجماعات المتطرفة، وساعد السلطات الحكومية على تفكيك هيكل «داعش»، خلال معارك التحرير.

ويعتقد كثيرون من أصدقاء الهاشمي أن محاولته، في الأشهر الأخيرة قبل اغتياله، التعرض لمنظومة الفصائل المسلّحة الموالية لإيران، وانتقاده علناً أنشطتها في «الابتزاز والقتل» قادت إلى حتفه، في نهاية المطاف.

وهلل متطرفون مؤيدون لتنظيم «داعش»، لمقتل الهاشمي، كما سال حبر كثير للطعن فيه من قِبل ناشطين مناصرين للفصائل الشيعية.

ومرت قضية قاتل الهاشمي بمحطات مختلفة بدأت باعتقاله ثم الحكم عليه غيابياً بالإعدام، ثم نقض الحكم من قِبل محكمة التمييز، وإعادة محاكمته، وصولاً إلى تبرئته.

ويعتقد خبراء قانونيون أن قرار محكمة التمييز العراقية، صيف عام 2023، إلغاء لجنة شكّلها رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي، اختصت بملاحقة «الجرائم الاستثنائية»، كان نقطة التحول في مسار قضية الكناني.

واللجنة المشار إليها كانت بإمرة الفريق أحمد أبو رغيف، وكُلفت بتنفيذ أوامر اعتقال بحق متهمين بالفساد وقضايا «كبرى»، والتحقيق معهم وإحالتهم إلى القضاء، وكانت قضية الهاشمي من بينها.

ووفق وثيقة قضائية صدرت، في 2 مارس (آذار) 2022، فإن والد الكناني؛ وهو حمداوي عويد معارض، رفع دعوى قضائية ضد رئيس الحكومة لإلغاء اللجنة التي اعتقلت ولده.

نسخة ضوئية لقرار المحكمة الاتحادية الطعن بلجنة الجرائم الكبرى التي حققت مع قاتل الهامشي

وقبلت المحكمة الاتحادية الدعوى وألغت اللجنة، وعدّت جميع الإجراءات التي اتخذتها باطلة منذ تشكلها في أغسطس (آب) 2020.

ونفذت لجنة أبو رغيف حملة اعتقالات ضد مسؤولين بتُهم فساد، لكنها أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية وصل إلى درجة عدِّها «محكمة عرفية».

ورغم قرار المحكمة الاتحادية بنسف ملف قاتل الهاشمي، كانت لجنة أبو رغيف قد أكملت التحقيق وأحالته إلى المحكمة المركزية بالرصافة التي قضت بعد 8 تأجيلات بإعدامه غيابياً، في مايو (أيار) 2023.

وفي 31 يوليو 2023، نقضت محكمة التمييز، برئاسة رئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي فائق زيدان، حكم الإعدام، وقررت إعادة إضبارة الدعوى إلى محكمة التحقيق المركزية في الرصافة؛ للسير في الإجراءات التحقيقية «وفق الأصول والقانون».

وخلال تلك المرحلة، لم يحضر الكناني أي جلسة محاكمة، وفقاً لمصادر موثوقة، وكان أمر وجوده في السجن من عدمه لغزاً محيراً، وسرد كثيرون روايات مختلفة عن تهريبه أو هروبه، لم يكن من السهل إثباتها.

نسخة ضوئية من قرار محكمة التمييز الطعن بحكم الإعدام على الكناني

ويتداول سياسيون وصحافيون عراقيون معطيات تفيد بأن الكناني «اختفى تماماً» منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، وهو الشهر الذي شكل فيه تحالف «الإطار التنسيقي»، حكومة محمد شياع السوداني بعد معركة سياسية شرسة مع التيار الصدري الذي غادر المشهد تماماً منذ صيف ذلك العام.

لكن كان من الواضح أن التكتم على حالة المتهم ومكانه، طوال فترة المحاكمة، ونقاط التحول المفصلية التي رافقت الإجراءات، يعكس جميعها كيف وصلت القضية أخيراً إلى براءة المتهم الذي كان مداناً.

وساعد قرار محكمة التمييز على تصفير القضية، وفتح الملف «نظيفاً دون أدلة معتبرة»، لتقرر محكمة عراقية تبرئة الكناني؛ لعدم كفاية الأدلة، وفقاً لمحام عراقي قال إنه كان يحاول مساعدة عائلة الهاشمي على تسيير القضية، وفشل في ذلك.

ومع ذلك قال مصدر قضائي عراقي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حكم البراءة لا يعني إغلاق قضية الهاشمي بشكل نهائي؛ لأن جرائم القتل لا تسقط بالتقادم».

وخلال سنتين من الآن، يمكن استئناف الدعوى القضائية ضد المتهم، الكناني أو غيره، في حال ظهور دليل جديد في القضية، على ما يقول المصدر القضائي.

«عاد إلى حياته والوظيفة»

في صفحة على منصة «فيسبوك»، نشر مدونون بدا أنهم مهتمون بنشاط قبيلة كنانة في العراق، تهنئة على إطلاق سراح «ولدهم أحمد حمداوي الكناني».

كان هذا بعد ساعات من تسريب معلومات عن قرار البراءة، مطلع هذا الأسبوع، تبعتها معلومات عن عودة الكناني إلى وظيفته الحكومية «بشكل طبيعي».

منشور من منصة «فيسبوك» يبدو أنها تهنئة من أقارب الكناني على البراءة

وقال مصدر أمني، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الكناني (وهو برتبة ملازم أول) باشر العمل في وزارة الداخلية». وأكد مصدر آخر أنه «تنسب على مديرية الأشغال الهندسية».

ووفق منصات رسمية لوزارة الداخلية، فإن «الأشغال الهندسية» تنفذ، منذ سنوات، أعمالاً بلدية تشمل إكساء شوارع في مناطق متفرقة، بالتعاون مع دوائر مدنية خِدمية.

وسألت «الشرق الأوسط» مسؤولين في وزارة الداخلية عما إذا كان الكناني قد عاد إلى العمل دون أن تحصل على أي رد، لكن ضابطاً عراقياً قال إنه «من الطبيعي حدوث ذلك بعد حكم البراءة».

والتحق الكناني، وهو من مواليد 1985، بسلك الشرطة عام 2007 بعد تخرجه في دورة ضباط بالعاصمة الأردنية عمان، وحينها كان العراق يرسل منتسبيه في أجهزة الأمن إلى هناك لحمايتهم من أعمال العنف التي كانت تستهدف مراكز التدريب والمعسكرات العراقية.

أحمد الكناني الضابط الذي اغتال هشام الهاشمي - صورة أرشيفية لعراقي أمام ملصق للباحث هشام الهاشمي الذي قُتل بالرصاص في بغداد يوليو 2020 (أ.ب)

«دية» الهاشمي... والعائلة تتوارى

بعد صدور حكم البراءة، حاولت «الشرق الأوسط» التواصل مع عائلة هشام الهاشمي، لكن كان من الصعب حدوث ذلك؛ لأن مقرَّباً قال، لـ«الشرق الأوسط»، إنها «تفضل التواري عن الأنظار بشكل نهائي».

وأوضح المقرب من العائلة، الذي شدد على عدم ذكر اسمه، أن «جهات قضائية وأمنية أبلغت العائلة، بعد صدور حكم البراءة، بالحضور وتسجيل موقف قانوني بشأن الهاشمي، لكنها رفضت بسبب خشيتها (مما لا تُحمد عقباه)»، على حد تعبيره.

وادعى المقرب، نقلاً عن العائلة، أنها لم توافق على غلق القضية بطريقة «دفع الدية»، ونفت أنها تلقت أي أموال مقابل التسوية.

وقال: «العائلة تفضل الآن الابتعاد والانشغال بتربية أبناء هشام، وهي لأجل ذلك تتحسب من أي خطوة قد تجعلها في مواجهة غير متوازنة مع الجهة التي أمرت وخططت لقتله».

ومنذ تبرئة الكناني، لم يحظ الحدث بتفاعل واسع، كما جرت العادة، خلال العامين الماضيين، كلما طرأ جديد في المحاكمة.

ويقول سياسي عراقي من تحالف «إدارة الدولة»، طلب عدم الإفصاح عن هويته، خلال اتصال هاتفي، إن «القوى السياسية الشيعية المعنية بملف الهاشمي لا تتوقع أي رد فعل غاضب من الرأي العام».

وأشار السياسي، لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «القوى المتنفذة نجحت، خلال الفترة الماضية، في تحييد جميع مصادر القلق في الشارع العراقي».

وقال النائب المستقل سجاد سالم، لـ«الشرق الأوسط»، إن «هذه رابع قضية تجري فيها تبرئة القتلة في جرائم راح ضحيتها متظاهرون وناشطون وباحثون». وأشار إلى أن «القوى المتنفذة نجحت الآن في تصفير كامل لجميع هذه القضايا».

وتحدّث سالم عن «تقديم مشروع قانون لمحاكمة القتلة لإنصاف الضحايا وتحقيق العدالة»، وقال إنه «خاطب الحكومة العراقية؛ لمعرفة رأيها بهذا الشأن».

لكن السياسي العراقي استبعد «حدوث اختراق» في هذا الملف؛ لأنه رأى أن «الإطار التنسيقي حفر نفوذه عميقاً في المؤسسات، ولم يترك مجالاً لسيناريو مختلف مستقبلاً، حتى لو عاد مقتدى الصدر». وقال إن «زعيم التيار الصدري حينما يعود سيضطر إلى العمل بأدوات سياسية مختلفة لن تشمل اجتثاث خصومه أو محاربتهم؛ لأنهم أغلقوا جميع الثغرات، ولم تكن قضية الهاشمي أكثرها خطورة عليهم».


مقالات ذات صلة

قائد «فيلق القدس» في بغداد لبحث تداعيات الحرب

المشرق العربي قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني (رويترز) p-circle

قائد «فيلق القدس» في بغداد لبحث تداعيات الحرب

يزور قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني بغداد لبحث تداعيات الحرب في الشرق الأوسط ولقاء مسؤولين وقادة فصائل مسلحة موالية لطهران.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

واشنطن ترفع الضغط على بغداد لمنع تشكيل «حكومة خاضعة للفصائل»

في غمرة انشغال قوى «الإطار التنسيقي» بتشكيل الحكومة الجديدة، أدرجت وزارة الخزانة الأميركية 7 من قادة الميليشيات العراقية على قائمة العقوبات.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

اجتماع مرتقب في بغداد قد يحدد مرشح رئاسة الحكومة

من المقرر أن تعقد قوى «الإطار التنسيقي»، التحالف الحاكم في العراق، اجتماعاً حاسماً يوم السبت في بغداد، في محاولة للتوصل إلى اتفاق بشأن مرشح لرئاسة الوزراء.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي عناصر من «البيشمركة» يتموضعون تحت صورة لمسعود بارزاني في كركوك (أرشيفية - إ.ب.أ)

بارزاني يهاجم «صفقات مشبوهة» شمال العراق

أعلن مسعود بارزاني رئيس «الحزب الديمقراطي الكردستاني» رفضه لمخرجات التوافق السياسي الأخير في محافظة كركوك شمال العراق؛ ما أفضى إلى تغيير منصب المحافظ.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي رئيس الحكومة محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

مناورات تشكيل الحكومة العراقية تدخل مرحلة حاسمة

دخلت القوى السياسية العراقية مرحلة حاسمة في تشكيل الحكومة الجديدة، في وقت قرر فيه "الإطار التنسيقي" تأجيل اجتماع حاسم إلى السبت المقبل.

حمزة مصطفى (بغداد)

قائد «فيلق القدس» في بغداد لبحث تداعيات الحرب

قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني (رويترز)
قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني (رويترز)
TT

قائد «فيلق القدس» في بغداد لبحث تداعيات الحرب

قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني (رويترز)
قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني (رويترز)

يزور قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني بغداد لبحث تداعيات الحرب في الشرق الأوسط ولقاء مسؤولين وقادة فصائل مسلحة موالية لطهران، حسبما قال مسؤول عراقي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، السبت.

وسيبحث قاآني كذلك «أزمة الانسداد السياسي» بشأن تسمية مرشح لرئاسة الحكومة العراقية، بعد تراجع حظوظ نوري المالكي بالعودة للمنصب.

وهذه أول زيارة خارجية لقاآني يُكشف عنها منذ سريان وقف لإطلاق النار يمتد لأسبوعين بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ثانية، في الثامن من أبريل (نيسان).

وتجهد بغداد منذ أعوام لتحقيق توازن في علاقاتها مع الخصمَين النافذَين في سياستها، إيران والولايات المتحدة.

ولم يسلم العراق من تداعيات الحرب التي استمرت لأكثر من 40 يوماً. وخلالها، تعرّضت مقار لـ«الحشد الشعبي» ولفصائل عراقية مسلحة موالية لإيران لغارات منسوبة للولايات المتحدة وإسرائيل، في حين استُهدفت مصالح أميركية بهجمات تبنتها فصائل عراقية، ونفّذت طهران ضربات ضد مجموعات إيرانية كردية معارِضة في شمال البلاد.

وبدأ قاآني «عقد سلسلة لقاءات مع قادة القوى السياسية وعدد من قيادات الفصائل المسلحة»، حسبما أفاد مسؤول عراقي رفيع المستوى، مؤكداً أن «اللقاءات تتناول ملف التهدئة الإقليمية وانعكاساتها على الساحة العراقية».

وأضاف أن الوفد الإيراني يسعى كذلك إلى «تنسيق المواقف بين القوى الحليفة لطهران داخل العراق، وضمان عدم انزلاق الأوضاع نحو تصعيد أمني» في العراق والمنطقة.

وأكّد الزيارة كذلك مصدر في فصيل مسلح نافذ موالٍ لإيران، ومصدران مقرّبان من تحالف «الإطار التنسيقي» الذي يشكّل أكبر كتلة في البرلمان، ويتألف من أحزاب شيعية مقرّبة من طهران.

ويقود قاآني «فيلق القدس» الموكل بالعمليات الخارجية في «الحرس». وهو سبق له أن زار العراق مراراً منذ توليه مهامه خلفاً للواء قاسم سليماني الذي اغتيل بضربة أميركية قرب مطار بغداد في يناير (كانون الثاني) 2020. لكن يندُر الإعلان عن مثل هذه الزيارات.

وأوضح المسؤول العراقي أن الزيارة الحالية تأتي كذلك في إطار «تحرّكات إيرانية مكثفة لدعم مسار التفاهم بين الأطراف العراقية وتقريب وجهات النظر، خصوصاً مع استمرار الخلافات بشأن تشكيل الحكومة وتوازنات السلطة».

وكان «الإطار التنسيقي» أعلن في يناير ترشيح المالكي لخلافة محمّد شياع السوداني رئيساً للوزراء، وذلك عقب الانتخابات التي شهدتها البلاد قبل شهرين من ذلك. غير أن واشنطن هددت بوقف دعم بغداد في حال عودة المالكي، ما أثار إرباكاً في الأوساط السياسية العراقية.

وقالت مصادر سياسية عراقية لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الاثنين، إن حظوظ المالكي بالعودة للمنصب الذي شغله مرتين بين 2006 و2014، تراجعت.

وانتخب البرلمان نزار آميدي رئيساً للعراق في 11 أبريل (نيسان). وهو يتوجب عليه أن يكلّف خلال 15 يوماً من انتخابه مرشح «الكتلة النيابية الكبرى» عدداً بتشكيل الحكومة، وفق الدستور.


«حزب الله» يتوعّد بالرد على «خروقات» إسرائيل لوقف النار

أعلام «حزب الله» ترفرف من سيارات على الطريق المؤدي إلى جنوب لبنان حيث بدأت الأسر رحلة العودة بعد وقف إطلاق النار (د.ب.أ)
أعلام «حزب الله» ترفرف من سيارات على الطريق المؤدي إلى جنوب لبنان حيث بدأت الأسر رحلة العودة بعد وقف إطلاق النار (د.ب.أ)
TT

«حزب الله» يتوعّد بالرد على «خروقات» إسرائيل لوقف النار

أعلام «حزب الله» ترفرف من سيارات على الطريق المؤدي إلى جنوب لبنان حيث بدأت الأسر رحلة العودة بعد وقف إطلاق النار (د.ب.أ)
أعلام «حزب الله» ترفرف من سيارات على الطريق المؤدي إلى جنوب لبنان حيث بدأت الأسر رحلة العودة بعد وقف إطلاق النار (د.ب.أ)

حذّر الأمين العام لـ«حزب الله» اللبناني، نعيم قاسم، السبت، من أن عناصره سيردون على «خروقات» إسرائيل لاتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، مشدداً على أن التزامه «يجب أن يكون من الطرفين».

وقال قاسم إن الهدنة المقررة لعشرة أيام وتسري منذ منتصف ليل الخميس - الجمعة، تعني «وقفاً كاملاً لكل الأعمال العدائية، ولأننا لا نثق بهذا العدو، فسيبقى المقاومون في الميدان وأيديهم على الزناد، وسيردون على خروقات العدوان بحسبها».

وشدد على أنه «لا يوجد وقف لإطلاق النار من طرف المقاومة فقط، بل يجب أن يكون من الطرفين»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلن الجيش الإسرائيلي، السبت، أنه أقام «خطاً أصفر» فاصلاً في جنوب لبنان على غرار الخط الذي يفصل قواته عن المناطق التي تسيطر عليها حركة «حماس» في قطاع غزة، مشيراً إلى قتل عناصر من «حزب الله» على مقربة منه.

وقال الجيش: «خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة، رصدت قوات الجيش الإسرائيلي العاملة جنوب الخط الأصفر في جنوب لبنان إرهابيين انتهكوا اتفاق وقف إطلاق النار، واقتربوا من القوات من شمال الخط الأصفر في صورة شكلت تهديداً مباشراً».

وهي المرة الأولى التي يتحدث فيها الجيش عن هذا الخط منذ وقف النار.

وأضاف: «مباشرة بعد الرصد وبهدف القضاء على التهديد، هاجمت القوات الإرهابيين في عدة مناطق بجنوب لبنان»، مذكراً بأن الجيش مخوّلٌ التحرك ضد التهديدات، رغم وقف إطلاق النار.

وفي بيان ثانٍ، السبت، أعلن الجيش الإسرائيلي أن سلاح الجو قتل أفراد «خلية إرهابية» كانت تعمل على مقربة من قواته في الجنوب اللبناني.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعلن، الخميس، دخول وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان حيّز التنفيذ، حيث كانت إسرائيل تخوض مجدداً حرباً مفتوحة ضد «حزب الله» منذ الثاني من مارس (آذار) الماضي.

وأكد الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو موافقتهما على وقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام.


نازحون لبنانيون يتريثون في العودة إلى منازلهم خشية انهيار الهدنة

رجل وطفله ينظران إلى أنقاض المنازل التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان (رويترز)
رجل وطفله ينظران إلى أنقاض المنازل التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان (رويترز)
TT

نازحون لبنانيون يتريثون في العودة إلى منازلهم خشية انهيار الهدنة

رجل وطفله ينظران إلى أنقاض المنازل التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان (رويترز)
رجل وطفله ينظران إلى أنقاض المنازل التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان (رويترز)

بعد سريان الهدنة بين إسرائيل و«حزب الله»، تفقدت سماح حجول منزلها في ضاحية بيروت الجنوبية، وأحضرت ثياباً صيفية لأطفالها قبل أن تعود إلى خيمة عند الواجهة البحرية للعاصمة، لعدم ثقتها باستمرار وقف إطلاق النار.

أمام الخيمة، تقول حجول، الأم لأربعة أطفال والنازحة من منطقة الليلكي، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «أخاف من العودة إلى منزلي؛ لأن الوضع لم يستقر بعد».

وتفقدت حجول منزلها في الضاحية التي تعرضت لدمار واسع جراء الغارات الإسرائيلية خلال الحرب التي استمرت أكثر من شهر. ووجدت أنه تعرّض لأضرار طفيفة جراء تحطم زجاج نوافذه، لكنها لم تبقَ فيه.

وتقول: «أذهب من أجل تحميم الأولاد وإحضار ثياب صيفية» مع ارتفاع درجات الحرارة في اليومين الأخيرين، «لكننا لا نشعر بالأمان لنعود».

وتضيف: «أخشى أن يحدث شيء في الليل ولا أتمكن من حمل أولادي والفرار بهم» على غرار ما فعلته بعد اندلاع الحرب في الثاني من مارس (آذار).

رجل يقود سيارته وهو يلوّح بعلامة النصر بعد دخول وقف إطلاق النار بين «حزب الله» وإسرائيل حيز التنفيذ (رويترز)

«ليس ثمة حل»

وبينما عاد الكثير من النازحين إلى مناطقهم بعد سريان الهدنة، منتصف ليل الخميس/ الجمعة، ينتظر آخرون يقيمون في خيام وسط بيروت انقضاء مهلة الأيام العشرة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لوقف النار، قبل حسم قرارهم.

وتشرح حجول: «سننتظر لنرى ما سيحصل... إذا تمّ تثبيت وقف إطلاق النار سنعود إلى منازلنا».

وتتوافد عائلات إلى الضاحية الجنوبية لتفقد منازلها وأخذ احتياجاتها. ولا تزال أحياء في عمق المنطقة شبه خالية، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية»، مع تفضيل سكان كثر التريث قبل العودة نهائياً.

بين هؤلاء حسن (29 عاماً) الذي تفقد السبت منزله، قبل أن يعود إلى مركز إيواء داخل مدرسة.

ويقول هذا الأب لطفل: «جئت لأتفقد المنزل وأحضر أغراضاً منه». ويضيف: «لا أستطيع البقاء؛ لأننا نخاف من أي توتر في ظل خرق الهدنة، ومع إعادة إقفال مضيق هرمز»، السبت، من إيران، التي سبق أن أعلنت أن الهدنة في لبنان كانت «جزءاً» من تفاهمات وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة.

ويتابع حسن الذي طلب عدم كشف هويته كاملة: «لا شيء يؤشر إلى أنه ثمة حل، نخاف إذا عدنا إلى الضاحية أن نخسر مكاننا في المدرسة التي نزحنا إليها».

«عدو غدار»

أسفرت الحرب خلال أكثر من ستة أسابيع عن مقتل نحو 2300 شخص، ونزوح أكثر من مليون، بحسب السلطات، خصوصاً من ضاحية بيروت ومن جنوب البلاد، وهما المنطقتان اللتان تعدان من معاقل «حزب الله».

وضاقت المدارس التي حولتها الحكومة إلى مراكز إيواء بعشرات الآلاف من النازحين، خصوصاً في بيروت ومحيطها.

وتفاقمت المخاوف، السبت، بعد تصريحات للقيادي في «حزب الله» محمود قماطي، دعا فيها النازحين إلى تفقد منازلهم والعودة بعدها إلى أماكن نزوحهم.

وقال خلال مؤتمر صحافي في الضاحية: «أدعو أهلنا ألا تستقروا حيث تذهبون إلى الجنوب أو تعودون إلى الضاحية... كونوا على حذر، الغدر الإسرائيلي متوقع في كل وقت، وهذه هدنة مؤقتة».

رجل نازح يقيم في خيمة بالعاصمة اللبنانية بيروت (أ.ب)

وتابع: «خذوا نفساً، واطمئنوا قليلاً، ولكن لا تتخلوا عن الأماكن التي لجأتم إليها حتى نطمئن تماماً للعودة»، مضيفاً: «سوف ندعوكم للعودة والاستقرار. أما الآن فللاطمئنان ثم المغادرة».

وأفادت «وكالة الصحافة الفرنسية» بزحمة سير صباحاً على الطريق من بيروت إلى الجنوب، مقابل زحمة معاكسة بعد الظهر من الجنوب باتجاه صيدا وبيروت.

ويتبادل «حزب الله» وإسرائيل اتهامات بخرق الهدنة. وتواصل القوات الإسرائيلية، وفق الإعلام المحلي وشهادات سكان، تنفيذ عمليات تدمير وتفجير لمنازل في عدد من القرى الحدودية. وأعلن الجيش الإسرائيلي، السبت، أنه قتل أفراد «خلية إرهابية» اقتربوا من قواته جنوباً.

نساء نازحات يتفقدن الأضرار التي لحقت بممتلكاتهن في ضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)

«يعودون بحذر»

وتأمل السلطات اللبنانية أن يتيح تثبيت وقف إطلاق النار انطلاق مفاوضات مع إسرائيل بوساطة أميركية، من شأنها أن توفر شروط عودة النازحين إلى بلداتهم، وانسحاب القوات الإسرائيلية من مناطق تقدمت إليها في جنوب لبنان.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، السبت، إقامة «خط أصفر» في جنوب لبنان، على غرار الخط الذي يفصل قواته عن مناطق سيطرة حركة «حماس» الفلسطينية في قطاع غزة، بعد يومين من تأكيد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن قواته ستبقى ضمن «منطقة أمنية بعمق 10 كيلومترات».

وفي جنوب لبنان، منذ الساعات الأولى لسريان الهدنة، عملت وحدات الجيش وبلديات ومنظمات محلية على المساهمة في فتح طرق وجسور أغلقتها الغارات.

وفي بلدة حناوية، يشير نائب رئيس البلدية مصطفى بزُّون إلى أبنية سكنية مدمرة ومحال متضررة جراء الغارات.

ويقول: «أول ما نقوم به هو أن نعيد الحياة مجدداً من خلال تأمين الخدمات كافة من اتصالات وفتح طرقات... حتى تعود الناس بأسرع وقت ممكن إلى حياتها الطبيعية».

ويضيف: «يعود الناس ولكن بحذر، لكننا نبني على أن تكون عودتهم دائمة، ربما ستغادر مؤقتاً، لكنها ستعود» لاحقاً.