«التدخين» و«غشاء البكارة»... يعيدان جدل الفتاوى الدينية في مصر

آراء جريئة لأستاذة فقه في الأزهر بعد برنامج علي جمعة

جدل كبير وتساؤلات بشأن مدى تقبل قطاعات واسعة من المصريين للاختلاف في أمور فقهية (المركز الإعلامي لمشيخة الأزهر)
جدل كبير وتساؤلات بشأن مدى تقبل قطاعات واسعة من المصريين للاختلاف في أمور فقهية (المركز الإعلامي لمشيخة الأزهر)
TT

«التدخين» و«غشاء البكارة»... يعيدان جدل الفتاوى الدينية في مصر

جدل كبير وتساؤلات بشأن مدى تقبل قطاعات واسعة من المصريين للاختلاف في أمور فقهية (المركز الإعلامي لمشيخة الأزهر)
جدل كبير وتساؤلات بشأن مدى تقبل قطاعات واسعة من المصريين للاختلاف في أمور فقهية (المركز الإعلامي لمشيخة الأزهر)

من جديد، فجَّرت فتاوى دينية لبعض الدعاة البارزين في مصر حالة من الجدل، فبعد سجال فقهي واجتماعي أثاره مفتي مصر الأسبق الدكتور علي جمعة في برنامج رمضاني، أثارت فتاوى أخرى مذاعة تلفزيونياً لأستاذة فقه مقارن بجامعة الأزهر حول «جواز ترقيع غشاء البكارة في بعض الحالات»، وأن «التدخين عليه اختلاف بشأن أنه يفطر الصائم» جدلاً متصاعداً بين قطاعات واسعة من المصريين.

الجدل الجديد تسببت فيه آراء أبدتها أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر الدكتورة سعاد صالح، وهي من الشخصيات الدينية المعروفة، ولها حضور واسع في وسائل الإعلام المصرية؛ إذ أشارت في ردها خلال مشاركة بأحد البرامج عن حكم الشرع بشأن ترقيع غشاء البكارة لدى الفتيات، إلى أنها تؤيد «جواز ترقيع غشاء البكارة في بعض الحالات».

وأوضحت الدكتورة سعاد صالح خلال عرضها الحجج التي بنت عليها موقفها أن «هناك ضرراً أخف وضرراً أشد»، ولذلك هي «مع الترقيع بدلاً من القتل»، مشيرة إلى أن «ترقيع» غشاء بكارة الفتاة وفق هذا الفهم «جائز». كما أضافت أنه في بعض البلدان تتعرض فتيات للاغتصاب أو الزنا، ولذلك يعد إجراء عملية الترقيع «نوعاً من وقف الضرر».

انقسامات «سوشيالية»

هذا الرأي أثار حفيظة كثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي الذين عدَّ بعضهم ذلك الرأي «نوعاً من الخداع، ويشجع الفتيات على الانحراف»، بينما دافع عنه آخرون بوصفه «نوعاً من الستر» وباعتباره «أخف الأضرار».

واستعاد ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي فتاوى سابقة للدكتورة سعاد صالح أثارت انقسامات، من بينها رأي أدلت به في أحد البرامج، بداية شهر رمضان الحالي، عند إجابتها على سؤال: «هل السجائر تفطر في نهار رمضان؟»؛ إذ أشارت إلى أن مسألة التدخين «لم يتعرض لها الفقهاء القدامى»، وأنها تطالب دار الإفتاء المصرية بحسم هذا الموضوع؛ إذ إن موضوع التدخين «عليه اختلاف»، معلَّقةً: «البعض يقول إن السجائر مفطرة، والبعض الآخر يقول إنها لا تفطِّر».

هذا الجدل يأتي في أعقاب جدل مماثل أثارته بعض الآراء الفقهية التي أبداها مفتي مصر الأسبق، الدكتور علي جمعة، في برنامج رمضاني حمل عنوان «نور الدين» يُبث على القناة الأولى (الرسمية) بالتلفزيون المصري.

جمعة أدلى بكثير من الآراء التي عدَّها بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي «صادمة»، وتمثل «مساساً بكثير من المسلَّمات الفكرية والدينية»، من بينها إجابته عن أسئلة الحاضرين من الشباب والأطفال بأن «الجنة ليست حكراً على المسلمين فقط»، وأن غيرهم من أتباع الأديان الأخرى أيضاً سيدخلون الجنة.

كما أكد مفتي مصر الأسبق أن «الصداقة بين الجنسين مباحة ما دام فيها عفاف، أي خالية من المحرمات والسرية»، وأباح كذلك الاحتفال بـ«الكريسماس»، مؤكداً أن «الاحتفال بالسنة بالميلادية الجديدة يعني الاحتفال بعيد ميلاد المسيح، وهو ميلاد معجزة أقر بها القرآن، وجعلها عيد محبة وسلام».

كما أجاب جمعة عن سؤال أحد حضور برنامجه حول من يقومون بإجراء عمليات «تحول جنسي» نظراً لوجود تغير في الجينات، قائلاً إنه «يجوز شرعاً إجراء التحول الجنسي بعد الموافقة الشرعية والقانونية والطبية، من لجنة تتشكل من الأطباء ومندوبين من الأبحاث البيولوجية، والإفتاء».

نقاش مفيد

حالة الجدل التي تسببت فيها تلك الفتاوى أثارت كثيراً من التساؤلات، بشأن مدى تقبل قطاعات واسعة من المصريين للاختلاف في أمور فقهية؛ خصوصاً أنها تصدر عن شخصيات علمية بارزة؛ لا سيما أن الجدل حول تلك الفتاوى تجاوز في بعض الأحيان حدود الاختلاف في الرأي.

أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، الدكتور محمد وسام، يرى أن كثيراً من الفتاوى التي يثار بشأنها الجدل، ومنها ما أدلى به الدكتور علي جمعة «فتاوى مقررة، وليست ردوداً غير تقليدية»، مضيفاً أن المفتي هنا يقدم «مصالح الواقع، ومنافع التواصل، ومبدأ رفع الحرج والمشقة، على سد الذرائع». كما قال سفيان الثوري ومعمر، رحمهما الله: «إنما العلم الرخصة من فقيه، فأما التشديد فيحسنه كل أحد».

وأضاف وسام لـ«الشرق الأوسط»، أن ما تثيره البرامج التي تتضمن آراءً فقهية من متخصصين وعلماء لديهم دراية عميقة بأصول الدين «تثير حراكاً مجتمعيّاً فاعلاً، ونقاشاً دؤوباً ومفيداً»، إلا أن المشكلة تبرز عندما يتجاوز النقاش حول مضمون تلك البرامج حدود الأدب والاختلاف؛ مشيراً إلى أن معظم الهجوم والإساءات لا تأتي من أهل العلم؛ بل ممن تعودوا على خطاب «التشدد» الذي يقول إن أصحابه «يعيشون في أبراج عاجية، ولا علاقة لهم بواقع الناس، حتى بنوا العلاقة مع الله على أساس الترهيب والعقاب، وتصاعدت لديهم خطابات الكراهية، والتخويف، والعزلة».

جدل متكرر

والجدل حول قضايا ذات بعد ديني متكرر في مصر، فمن حين إلى آخر تثير فتاوى وآراء لبعض العلماء تباينات في وجهات النظر واختلافات حادة؛ خصوصاً إذا تعلق الأمر بقضايا اجتماعية أو سياسية أو أخلاقية خلافية.

وخلال السنوات الماضية تسببت آراء وفتاوى في إثارة جدل واسع في المجتمع المصري، من بينها على سبيل المثال: فتوى «جواز إرضاع الكبير»، كما تثير فتاوى تتعلق بالعلاقة بين المسلمين والأقباط في مصر جدلاً متكرراً، من بينها فتوى «تحريم تهنئة الأقباط بأعيادهم»، إضافة إلى فتاوى تتعلق بتحريم الاحتفال بمناسبات تراثية، مثل «شم النسيم» (عيد الربيع).

هذا الجدل تراه أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر «منطقياً» في مجتمع يضم أكثر من 100 مليون مواطن، لكل منهم ثقافته ومرجعيته الفكرية والدينية، وفي ظل «خصوصية وحساسية» تتصف بها القضايا ذات البعد الديني، وفي ظل وجود نسبة كبيرة من الأمية التي «تجعل بعض المرجعيات الدينية التقليدية ذات تأثير بالغ الأهمية لدى قطاعات مجتمعية كبيرة».

وتشير الدكتورة سامية خضر لـ«الشرق الأوسط» إلى أن سيطرة بعض التيارات الدينية المتشددة على الخطاب الديني، وبخاصة المؤسسات غير الرسمية، أدى إلى وجود بنية فكرية منغلقة لدى أعداد غير قليلة من المواطنين، وهؤلاء لا يتجاوبون مع أي فتاوى يمكن وصفها بـ«التنويرية» حتى وإن كانت صادرة من علماء ومتخصصين؛ بل إن بعضهم يميل إلى التشكيك في تلك الآراء، وتصويرها على أنها «زعزعة لثوابت الدين».

ورأت أستاذة علم الاجتماع أن الخطاب الديني «بحاجة ماسة إلى مواكبة متغيرات المجتمع، وأن يكون رافعة حقيقية نحو الوصول إلى بناء فكر منفتح يتحلى بالتسامح وقبول الآخر، في ظل مجتمع متنوع»، إلا أنها أضافت أن الأمر «لن يكون سهلاً، ويتطلب عملاً من مؤسسات الدولة والتنشئة الاجتماعية»، مشيرة إلى أن «ضرب قواعد التشدد والانغلاق لن يتحقق إلا عبر نشر ثقافة جديدة»، وبخاصة لدى الأطفال والشباب الذين ترى أنهم «يفتقرون بشدة إلى هذا البعد الثقافي».



اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.


العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.